انقلاب تركيا.. 8 ساعات وأحكم إردوغان قبضته على البلاد

مظاهرات وقتلى في الشوارع.. واعتقال آلاف الجنود والقضاة بعد ليلة دامية

مواطنون أتراك يتصدون لدبابات المتمردين في إسطنبول في ليلة الانقلاب (نيويورك تايمز)
مواطنون أتراك يتصدون لدبابات المتمردين في إسطنبول في ليلة الانقلاب (نيويورك تايمز)
TT

انقلاب تركيا.. 8 ساعات وأحكم إردوغان قبضته على البلاد

مواطنون أتراك يتصدون لدبابات المتمردين في إسطنبول في ليلة الانقلاب (نيويورك تايمز)
مواطنون أتراك يتصدون لدبابات المتمردين في إسطنبول في ليلة الانقلاب (نيويورك تايمز)

تم فصل آلاف الجنود والضباط من المؤسسة العسكرية في محاولة لتطهيرها. وأسقطت طائرة مروحية فوق العاصمة، بينما تناثرت الجثث بالشوارع.
مع بزوغ أول ضوء لفجر أول من أمس، استيقظ الأتراك بعد ليلة عصيبة مفعمة بالقلق والعنف، جعلت بلادهم أشبه بجارتيها اللتين مزقتهما الحروب: العراق وسوريا.
من جانبه، سعى الرئيس رجب طيب إردوغان لإحكام قبضته على البلاد، واستهداف المتورطين في الانقلاب والعناصر الأخرى التي اعتبرها أعداء للدولة.
وظهر الرئيس المحاصر، بعد غياب محير خلال الساعات الأولى من الانقلاب، ليلقي كلمة إلى الأمة في وقت مبكر صباح السبت. كما تواصل مع أنصاره عبر تطبيق «فيس تايم» من هاتفه النقال، ليلجأ بذلك إلى الوسيط ذاته الذي سعى على امتداد فترة طويلة لكبحه.
بادئ الأمر، بدأ المشهد الذي جرى بثه بمختلف أرجاء البلاد، مثيرًا للدهشة، وخصوصا أنه لزعيم دائمًا ما يطرح نفسه كزعيم بالغ القوة، ورأى كثيرون في هذا المشهد بداية النهاية له.
بيد أنه في حقيقة الأمر شكّل نقطة تحول، حيث دعا إردوغان أنصاره إلى النزول إلى الشوارع والتجمع عند مطار إسطنبول، الذي أغلقته قوات عسكرية، من أجل مقاومة الانقلاب.
بحلول ما بعد الظهيرة، وفي أعقاب حالة التأزم التي شهدتها العاصمة أنقرة، نجحت الحكومة في استعادة مقار الجيش التي استولى عليها الانقلابيون. وعاد إردوغان، الذي سبق له الحديث مرارًا عن مؤامرات تحاك ضده، إلى السلطة، وبدا قويًا تمامًا، وربما أكثر معاناة من جنون الاضطهاد. وحسبما تكشّف حتى الآن، فإن محاولة الانقلاب تزيح الستار على نحو مقلق عن بلاد يجري النظر إليها في الغرب كحليف محوري في الحرب ضد الإرهاب، وأحد دعائم الاستقرار داخل منطقة تعج بالقلاقل.
من جانبها، سعت الولايات المتحدة لتعزيز أواصر التعاون مع تركيا، في إطار الحرب ضد «داعش»، في الوقت الذي اعتمدت أوروبا على تركيا للمعاونة في وقف تدفق اللاجئين من البلاد التي تمزقها الحروب بالشرق الأوسط على القارة العجوز.
من جانبها، قالت سيبيل ساملي، منتجة أفلام مستقلة في إسطنبول: «بدت الليلة بأكملها وكأنها يوم القيامة. لقد تكدس الناس بالأسواق لشراء الخبز والبيض والمياه. وتدفقوا على ماكينات الصرافة الآلية للحصول على مال».
جاءت الإشارات الأولى على أن شيئا ما ليس على ما يرام الجمعة، عندما أغلقت قوات عسكرية جسرين عبر مضيق البسفور. بعد ذلك، بدأت مروحيات وطائرات نفاثة في التحليق على ارتفاع منخفض فوق إسطنبول وأنقرة، وانطلقت أصوات طلقات نارية عشوائية.
وفجأة، تركزت أنظار الأتراك على الهواتف المحمولة والتلفزيونات في محاولة لفهم ما يدور. ويبدو أن أحدًا لم يعلم أين يوجد الرئيس.
وانتشرت شائعات بأن القوات المسلحة تتحرك في محاولة إحباط مخطط إرهابي، وأشارت أخرى إلى أن ثمة طائرة مخطوفة تحلق في الأجواء التركية، لكن بمرور الوقت بدأ كثير من الأتراك في التشكك فيما إذا كان انقلابًا عسكريًا يجري على الأرض، بالنظر إلى تاريخ بلادهم الطويل فيما يخص تدخل القوات العسكرية في الشأن السياسي.
وسرعان ما جاءت الإجابة، حيث تحدث رئيس الوزراء بينالي يلدريم عبر التلفزيون، وقال إن فئة مارقة داخل القوات المسلحة حاولت شن انقلاب.
وأعلنت جماعة عسكرية أطلقت على نفسها «مجلس السلام بالوطن» - في إشارة لشعار رفعه المؤسس العلماني لتركيا، مصطفى كمال أتاتورك - في بيان لها، سيطرتها على مقاليد السلطة.
ومن هنا، بدأت أحداث ليلة سريالية امتدت حتى الفجر، سيطر عليها العنف الذي أسفر عن مقتل 265 شخصًا على الأقل، معظمهم من أفراد قوات الأمن، مع اندلاع القتال بين فرق مختلفة للسيطرة على السلطة.
وعلى ما يبدو، شملت هذه الليلة كثيرا من المشاهد الدرامية والصراعات التي عصفت بتركيا في السنوات الأخيرة: مظاهرات في الشوارع، وقتال مرير بين إردوغان ورجل الدين الإسلامي فتح الله غولن الذي كان حليفه ذات يوم، والذي اتهمه إردوغان بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، وتفاقم أعمال العنف السياسي والإرهاب.
وظهرت أولى المؤشرات على احتمالية فشل الانقلاب مع اتضاح أن القوات العسكرية أخفقت في السيطرة على منشآت حكومية مهمة، أو القبض على مسؤولين منتخبين، وهي إجراءات عادة ما تكون أول ما يجري في الانقلابات.
وقد اتضح لاحقًا أن الانقلابيين سعوا للقبض على إردوغان في بلدة مرمريس الساحلية، حيث كان يقضي عطلته، لكنهم وصلوا متأخرين للغاية. وظهر إردوغان نفسه من مكان غير معلوم وتحدث إلى الأمة عبر «فيس تايم».
ومرة أخرى، اعتمد إردوغان على القاعدة الشعبية المؤيدة له المتمثلة في المحافظين دينيًا داخل تركيا، مثلما سبق وأن فعل في مواجهته لمظاهرات واسعة عمت الشوارع عام 2013، وعندما سعى للفوز بالانتخابات الرئاسية وضمان فوز حزبه «العدالة والتنمية»، بالانتخابات البرلمانية.
وانضم أئمة المساجد إلى إردوغان في الدعوة إلى المقاومة.
وجاءت الساعة الأكثر رعبًا، قبل هبوط طائرة إردوغان في إسطنبول في الثالثة صباحًا بساعة واحدة، عندما حلقت طائرات نفاثة فوق إسطنبول على ارتفاع منخفض. وترددت أصوات طلقات نيران بمختلف أرجاء المدينة وداخل أنقرة، وسيطر عسكريون على سيارات مدنية لاستخدامها كحواجز للتمترس خلفها. وتواترت أنباء عن وقوع تفجيرات عدة بالبرلمان، وتعرضت مروحية تابعة للانقلابيين للتفجير في السماء. وهبطت مروحية فوق مقر «سي إن إن بالتركية»، وحاول الجنود السيطرة على القناة أثناء بث حي. وفي وقت متأخر من الليل، ومع اختلاط أصوات الحرب مع المؤذنين الذين يحثون الناس على الخروج إلى الشوارع، وتعالي أصوات مواطنين يهتفون «الله أكبر»، بدت المدن التركية أشبه بالأخرى المحاصرة في العراق وسوريا.
* «نيويورك تايمز»



لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)
قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)
TT

لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)
قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)

يجعل موقع غرينلاند، فوق الدائرة القطبية الشمالية، أكبر جزيرة في العالم عنصراً أساسياً في الاستراتيجيات الأمنية.

فقد وضعت التوترات الدولية المتزايدة، والاحتباس الحراري، والتحولات في الاقتصاد العالمي، غرينلاند في قلب النقاش حول التجارة العالمية والأمن. ويسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ضمان سيطرة بلاده على الجزيرة الغنية بالمعادن، التي تشكّل بوابة حيوية لحماية الممرات المؤدية عبر القطب الشمالي وشمال الأطلسي إلى أميركا الشمالية.

غرينلاند إقليم يتمتع بحكم ذاتي تابع للدنمارك، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، وقد رفضت كوبنهاغن هذه المساعي الأميركية. كما تعارض حكومة غرينلاند نفسها أي خطط أميركية للجزيرة، مؤكدة أن شعب غرينلاند هو من يقرر مستقبله.

وتقع نحو 80 في المائة من مساحة الجزيرة فوق الدائرة القطبية الشمالية، ويقطنها قرابة 56 ألف نسمة، معظمهم من الإينويت، ظلوا إلى حدّ كبير خارج اهتمام العالم حتى وقت قريب.

في ما يلي أسباب الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند بالنسبة لأمن القطب الشمالي، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

الموقع الجغرافي الحاسم

تقع غرينلاند قبالة الساحل الشمالي الشرقي لكندا، ويقع أكثر من ثلثي أراضيها داخل الدائرة القطبية الشمالية. وقد جعلها ذلك عنصراً أساسياً في الدفاع عن أميركا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية، حين احتلتها الولايات المتحدة لمنع سقوطها بيد ألمانيا النازية ولحماية ممرات الشحن الحيوية في شمال الأطلسي.

وبعد الحرب الباردة، كان القطب الشمالي إلى حدّ كبير منطقة تعاون دولي. لكن تغيّر المناخ أدى إلى ذوبان الجليد، ما بشّر بفتح ممر شمالي غربي للتجارة الدولية، وأعاد إشعال التنافس مع روسيا والصين ودول أخرى على الوصول إلى الموارد المعدنية في المنطقة.

قطع الجليد تتحرّك عبر البحر في جزيرة كورنوك بالقرب من مدينة نوك بغرينلاند 17 فبراير 2025 (أ.ب)

التهديدات الأمنية

في عام 2018، أعلنت الصين نفسها «دولة قريبة من القطب الشمالي» في مسعى لزيادة نفوذها في المنطقة. كما كشفت عن خطط لإنشاء «طريق حرير قطبي» ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، التي تربطها اقتصادياً بدول حول العالم.

لكن وزير الخارجية الأميركي آنذاك، مايك بومبيو، رفض هذا التوجه، متسائلاً: «هل نريد للمحيط المتجمد الشمالي أن يتحول إلى بحر صيني جنوبي جديد، مليء بالعسكرة والنزاعات على السيادة؟».

في المقابل، سعت روسيا إلى ترسيخ نفوذها على مساحات واسعة من القطب الشمالي، في منافسة مع الولايات المتحدة وكندا والدنمارك والنرويج. كما عززت وجودها العسكري في المنطقة القطبية، التي تضم أسطولها الشمالي ومواقع شهدت تجارب نووية سوفياتية سابقة. وقد أعلن مسؤولون عسكريون روس أن هذه المواقع جاهزة لاستئناف التجارب عند الضرورة.

ومنذ عام 2014، أعادت روسيا تأهيل بنى تحتية سوفياتية قديمة وبنت منشآت جديدة، وافتتحت عدة قواعد عسكرية وأعادت بناء مطارات في المنطقة القطبية.

وتزايدت مخاوف القادة الأوروبيين منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022. وفي العام الماضي، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قلق موسكو من أنشطة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في القطب الشمالي، مؤكداً أن بلاده سترد بتعزيز قدرات قواتها المسلحة هناك، مع الإبقاء على باب التعاون الدولي مفتوحاً.

الوجود العسكري الأميركي

تشغّل وزارة الدفاع الأميركية قاعدة «بيتوفيك» الفضائية النائية في شمال غربي غرينلاند، التي أُنشئت بعد توقيع معاهدة الدفاع عن غرينلاند بين الولايات المتحدة والدنمارك عام 1951. وتدعم القاعدة عمليات الإنذار المبكر من الصواريخ، والدفاع الصاروخي، ومراقبة الفضاء لصالح الولايات المتحدة وحلف «الناتو».

كما تشرف غرينلاند على جزء مما يُعرف بفجوة GIUK (غرينلاند - آيسلندا - المملكة المتحدة)، حيث يراقب «الناتو» تحركات البحرية الروسية في شمال الأطلسي.

ويرى توماس كروسبي، الأستاذ المشارك المتخصص بالعمليات العسكرية في كلية الدفاع الملكية الدنماركية، أن أي سيطرة أميركية مباشرة على غرينلاند لن تضيف شيئاً إلى الاستراتيجية الأمنية الحالية لواشنطن. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «لن تجني الولايات المتحدة أي فائدة من رفع علمها في نوك بدل العلم الغرينلاندي. فهي تتمتع أصلاً بكل المزايا التي تريدها». وأضاف: «إذا كانت هناك أي احتياجات أمنية محددة، فسيجري تلبيتها بحكم التحالف الوثيق. لذا فالأمر لا يتعلّق بتحسين الأمن القومي الأميركي».

وكان البرلمان الدنماركي قد أقرّ في يونيو (حزيران) الماضي مشروع قانون يتيح إقامة قواعد عسكرية أميركية على الأراضي الدنماركية، موسّعاً اتفاقاً عسكرياً سابقاً وُقّع عام 2023، منح القوات الأميركية وصولاً واسعاً إلى قواعد جوية دنماركية.

وكتب وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكه راسموسن، رداً على أسئلة نواب، أن كوبنهاغن تستطيع إنهاء الاتفاق إذا حاولت الولايات المتحدة ضمّ كل غرينلاند أو جزء منها.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)

القوات الدنماركية في غرينلاند

تتحرك الدنمارك لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند وفي شمال الأطلسي عموماً. فقد أعلنت الحكومة العام الماضي اتفاقاً بقيمة نحو 14.6 مليار كرونة دنماركية (2.3 مليار دولار)، بمشاركة حكومتي غرينلاند وجزر فارو، بهدف «تحسين قدرات المراقبة والحفاظ على السيادة في المنطقة».

وتتضمن الخطة 3 سفن بحرية قطبية جديدة، وطائرتين إضافيتين للمراقبة بعيدة المدى من دون طيار، وقدرات أقمار صناعية.

ويقع مقر القيادة القطبية المشتركة للدنمارك في نوك، وهي مكلّفة «بمراقبة غرينلاند وجزر فارو، وتأكيد السيادة، والدفاع العسكري عنهما». كما تنتشر محطات تابعة لها في أنحاء الجزيرة.

كذلك تتمركز في غرينلاند دورية زلاجات الكلاب «سيريوس»، وهي وحدة نخبوية من البحرية الدنماركية، تتولى الاستطلاع بعيد المدى وفرض السيادة الدنماركية في البرية القطبية.

الثروة المعدنية

تُعدّ غرينلاند أيضاً مصدراً غنياً بما يُعرف بالمعادن النادرة، وهي مكونات أساسية في الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، والبطاريات، وغيرها من التقنيات المتقدمة التي يُتوقع أن تقود اقتصاد العالم في العقود المقبلة.

وقد أثار ذلك اهتمام الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى تسعى إلى تقليص هيمنة الصين على سوق هذه المعادن الحيوية.

غير أن تطوير الموارد المعدنية في غرينلاند يواجه تحديات كبيرة بسبب المناخ القاسي، إضافة إلى قيود بيئية صارمة شكّلت عائقاً إضافياً أمام المستثمرين المحتملين.


تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب)
منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب)
TT

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب)
منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب)

تطرح أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند تحدياً جديداً وربما غير مسبوق لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقد يكون حتى وجودياً، لتحالفٍ يركّز تقليدياً على التهديدات الخارجية، لكنه قد يجد نفسه الآن أمام مواجهة مسلحة تشمل أقوى أعضائه، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

ويقول البيت الأبيض إن الإدارة الأميركية تدرس «خيارات» قد تشمل استخدام القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي والغنية بالمعادن، وهي إقليم شبه مستقل يتبع لحليف في الناتو هو الدنمارك.

وقد يعرّض اهتمام ترمب المتجدد بغرينلاند مستقبل الناتو برمّته للخطر، فالحلف الذي تأسس عام 1949 لمواجهة التهديد الذي شكّله الاتحاد السوفياتي على الأمن الأوروبي خلال الحرب الباردة، يركّز عادةً على أخطار مثل روسيا أو الجماعات الإرهابية الدولية، ولا يمكن أن يعمل من دون القيادة والقوة النارية للولايات المتحدة.

ويقوم أكبر تنظيم أمني في العالم على تعهّد شبيه بتعهّد «الفرسان الثلاثة»: أي هجوم على أحد أعضائه يُقابَل برد جماعي من الجميع. هذا الضمان الأمني، المكرّس في المادة الخامسة من معاهدة تأسيس الحلف، أبقى روسيا بعيداً عن أراضي الدول الحليفة لعقود.

لكن في منظمة تعمل بالإجماع، لا يمكن للمادة الخامسة أن تؤدي وظيفتها إذا استهدف عضوٌ عضواً آخر.

وعلى مدى عقود، تحرّشت دولتان حليفتان وجارتان غير مطمئنتين، هما اليونان وتركيا، بقوات بعضهما العسكرية وتنازعتا الحدود. غير أن صدامات داخلية سابقة لم ترقَ يوماً إلى مستوى التهديد لوحدة الناتو الذي قد ينشأ عن استيلاء أميركي على غرينلاند.

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الأربعاء، قال ترمب إن «روسيا والصين لا تخشيان الناتو إطلاقاً من دون الولايات المتحدة»، لكنه أضاف: «سنكون دائماً إلى جانب الناتو، حتى لو لم يكونوا هم إلى جانبنا».

تحذير من البيت الأبيض

رفع البيت الأبيض، الثلاثاء، منسوب تهديداته تجاه غرينلاند، عبر بيان رسمي شدّد فيه على أن الجزيرة «أولوية للأمن القومي»، ورفض استبعاد استخدام القوة العسكرية.

وجاء في البيان: «يناقش الرئيس وفريقه مجموعة من الخيارات لتحقيق هذا الهدف المهم في السياسة الخارجية، وبالطبع فإن استخدام الجيش الأميركي خيار متاح دائماً بيد القائد الأعلى (أي الرئيس ترمب)».

ووصف إيان ليسر، الزميل البارز في صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة وخبير شؤون الناتو، البيان بأنه «لافت جداً».

وقال: «هو حدث منخفض الاحتمال لكنه عالي العواقب إن وقع. لكن الاحتمالات تغيّرت، ما يجعل من الصعب الاكتفاء باعتباره مجرد تهويل من البيت الأبيض».

وجاء البيان بعد أن دافع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا، إلى جانب الدنمارك، عن سيادة غرينلاند، وهي سيادة اعترفت بها الحكومة الأميركية في مطلع القرن العشرين.

وقال القادة، في بيان مشترك، الثلاثاء: «الأمر يعود للدنمارك وغرينلاند، وهما وحدهما، في اتخاذ القرارات المتعلقة بهما». كما عبّرت كندا، الواقعة قبالة الساحل الغربي للجزيرة التي كانت محورية في الدفاع عن أميركا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية، عن دعمها أيضاً.

ولا يزال الناتو متحفظاً في الإدلاء بأي موقف قد يزعج أميركا عضوه القيادي.

تهديدات تؤخذ على محمل الجد

وحذّرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن التهديد الأميركي يجب أن يؤخذ على محمل الجد، لا سيما بعد أن أمر ترمب باعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية ليلية، معتبرةً أن أي محاولة أميركية للسيطرة على الجزيرة قد تعني نهاية الناتو.

وعندما سُئل مسؤول في الحلف عمّا إذا كانت فريدريكسن محقّة حين قالت إن هجوماً أميركياً على دولة عضو في الناتو يعني أن «كل شيء يتوقف»، أجاب المسؤول، الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته التزاماً ببروتوكول الحلف، أن لغرينلاند أهمية استراتيجية كبيرة. وقال: «القطب الشمالي منطقة مهمة لأمننا الجماعي، وللناتو مصلحة واضحة في الحفاظ على الأمن والاستقرار والتعاون في الشمال العالي. معاً نضمن حماية كامل الحلف».

كما يهدد اهتمام ترمب بغرينلاند بزعزعة استقرار الحلف في لحظة تدخل فيها الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في أوكرانيا مرحلة حاسمة، ما قد يشتت أعضاءه عن دعم كييف وتقديم ضمانات أمنية لها.

وحذّرت ماريا مارتيسيوتي، محللة شؤون الدفاع في مركز السياسات الأوروبية، من أن مصداقية الناتو على المحك.

وقالت: «عندما يقوّض عضو قيادي في الحلف عضواً آخر، فإن ذلك يضر بتماسك الناتو ومصداقيته، ولا يخدم سوى خصومنا مثل روسيا والصين».

توتر بعد استجابة قادة الناتو لمطالب ترمب

يأتي هذا التوتر بعد أن اصطف قادة الناتو، الصيف الماضي، خلف مطلب ترمب بزيادة الإنفاق الدفاعي. وباستثناء إسبانيا، وافق هؤلاء القادة على الاستثمار الدفاعي بالنسبة للمواطن الفرد بمستوى يوازي ما تنفقه الولايات المتحدة على الدفاع بالنسبة للمواطن الفرد، وذلك خلال عقد من الزمن.

وقبيل عيد الميلاد، أشاد الأمين العام للناتو مارك روته بترمب واعتبره منقذاً. وقال لإذاعة «بي بي سي»: «أعتقد جوهرياً أنه بفضل دونالد ج ترمب، أصبح الناتو أقوى مما كان عليه في أي وقت مضى». وأضاف: «لم يكن الناتو أقوى مما هو عليه الآن منذ سقوط جدار برلين».

لكن روته حذّر، في خطاب نهاية العام بألمانيا هدفه حشد التأييد الشعبي للإنفاق الدفاعي، من أن روسيا قد تهاجم مناطق أخرى في أوروبا خلال سنوات إذا انتصرت في أوكرانيا.

وقال رئيس الوزراء الهولندي السابق: «الصراع على أبوابنا. روسيا أعادت الحرب إلى أوروبا، ويجب أن نكون مستعدين لحجم حربٍ شبيه بما تحمّله أجدادنا أو أجداد أجدادنا».

وقال ليسر إن من الصعب التوفيق بين انتصار ترمب في ملف الإنفاق الدفاعي ومخططاته بشأن غرينلاند. وأضاف متسائلاً: «ما الجدوى من إحياء قدرات الناتو إذا لم يعد تحالفاً سياسياً عاملاً بعد ذلك؟». وإذا حصل هذا الانهيار، «فإنه هدية لموسكو وهدية لبكين».


قوات أميركية تسيطر على ناقلة نفط ترفع علم روسيا ومرتبطة بفنزويلا

ناقلة النفط «بيلا-1» (رويترز)
ناقلة النفط «بيلا-1» (رويترز)
TT

قوات أميركية تسيطر على ناقلة نفط ترفع علم روسيا ومرتبطة بفنزويلا

ناقلة النفط «بيلا-1» (رويترز)
ناقلة النفط «بيلا-1» (رويترز)

قال مسؤول أميركي الأربعاء، إن القوات الأميركية سيطرت على ناقلة النفط مارينيرا الخاضعة للعقوبات، والمرتبطة بفنزويلا في شمال المحيط الأطلسي، بعد مطاردة استمرت لأسابيع.

وتحدث المسؤول لـ«وكالة أسوشييتد برس» شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة عمليات عسكرية حساسة أن الجيش الأميركي قام بمعاينة السفينة، وتسليمها إلى سلطات إنفاذ القانون.

وصرح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بعد إعلان احتجاز ناقلة بشمال الأطلسي: «حصار النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات لا يزال مطبقاً في أي مكان بالعالم».

بدورها، أعلنت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي في تصريح اليوم أن طاقم الناقلة يخضع لتحقيق شامل نتيجة لعدم امتثالهم لأوامر خفر السواحل.

وأشارت إلى أن الولايات المتحدة نفذت اليوم أمر مصادرة لناقلة النفط «بيلا-1»، والمعروفة الآن باسم مارينيرا، لنقلها النفط الخاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران، موضحة أن أي شخص على متن أي سفينة لا يمتثل لتعليمات خفر السواحل أو المؤسسات الفيدرالية سيخضع للتحقيق، والمحاكمة.

ولفتت بوندي إلى أن وزارة العدل تراقب عدة سفن أخرى لاتخاذ إجراءات مماثلة لإنفاذ القانون، وقالت إنه سيتم توجيه اتهامات جنائية ضد جميع المتورطين من طاقم الناقلة «بيلا-1».

وأضافت: «الناقلة (بيلا-1) كانت مدرجة على قائمة العقوبات، ومسؤولة عن دعم منظمات إرهابية أجنبية».

من جهتها، أكدت ‌وزارة ‌الدفاع البريطانية ⁠اليوم أن لندن قدمت الدعم ⁠للولايات ‌المتحدة ‍في العملية ‍التي ‍نفذتها لاحتجاز ناقلة ​نفط ترفع العلم ⁠الروسي في شمال المحيط الأطلسي.

وأعلن مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي يهيمن عليها الجمهوريون، عزم واشنطن مواصلة احتجاز السفن الخاضعة للعقوبات، وذات الصلة بفنزويلا.

كما أعلنت القيادة الجنوبية الأميركية اليوم ‌إنه ‌تم ‌احتجاز ⁠الناقلة «​إم/‌تي صوفيا» الخاضعة للعقوبات، وترفع علم بنما، في المياه الدولية، وأنها ⁠ترافقها إلى الولايات ‌المتحدة.

وقال ‍الجيش: «في عملية ‍تمت قبل فجر اليوم، احتجزت ​وزارة الحرب، بالتنسيق مع وزارة ⁠الأمن الداخلي، ناقلة لا تحمل جنسية، وتخضع لعقوبات من أسطول الظل».

وكان مسؤولان أميركيان قد كشفا لوكالة «رويترز» اليوم أن الولايات المتحدة تحاول الاستيلاء على ناقلة نفط ترفع العلم الروسي، ولها ​صلات بفنزويلا بعد مطاردة استمرت لأكثر من أسبوعين عبر المحيط الأطلسي، وفي ظل وجودها قرب غواصة وسفينة حربية روسيتين.

وجاءت محاولة الاستيلاء، التي ربما تؤدي إلى تأجيج التوتر مع روسيا، بعدما تمكنت الناقلة التي كانت تُعرف في الأصل باسم «بيلا-1» من الإفلات من «حصار» بحري تفرضه الولايات المتحدة على الناقلات الخاضعة للعقوبات، وعقب رفضها محاولات خفر ‌السواحل الأميركية اعتلاء ‌ظهرها.

وذكر المسؤولان، اللذان طلبا عدم ‌نشر ⁠اسميهما، ​أن العملية تنفذها ‌قوات خفر السواحل، والجيش الأميركي.

ويبدو أن هذه هي المرة الأولى في الذاكرة الحديثة التي يحاول فيها الجيش الأميركي الاستيلاء على سفينة ترفع العلم الروسي.

وذكر المسؤولان أن قطعتين بحريتين عسكريتين روسيتين كانتا في محيط العملية، من بينهما غواصة. ولم يتضح مدى قرب القطعتين من العملية التي كانت تُجرى قرب آيسلندا.

الناقلة ⁠ضمن السفن المستهدفة من واشنطن

حاول خفر السواحل الأميركي لأول مرة اعتراض ‌السفينة الشهر الماضي، لكنها رفضت السماح بالصعود ‍إليها. ومنذ ذلك الحين سُجلت تحت ‍علم روسي.

والناقلة، التي تُعرف الآن باسم «مارينيرا»، هي ‍أحدث ناقلة يستهدفها خفر السواحل الأميركي منذ بدء حملة الضغط التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على فنزويلا.

وبشكل منفصل، قال مسؤولون أميركيون لـ«رويترز» إن خفر السواحل الأميركي اعترض أيضاً ناقلة أخرى مرتبطة بفنزويلا ​في مياه أميركا اللاتينية، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة فرض «حصار» بحري على السفن الخاضعة للعقوبات القادمة ⁠من فنزويلا.

وتأتي هذه التحركات بعد أيام فقط من تنفيذ قوات أميركية خاصة عملية خاطفة في كاراكاس قبل فجر يوم السبت، في مداهمة خلفت قتلى لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة. وسلمه الجيش الأميركي إلى السلطات الاتحادية لمقاضاته بتهم تتعلق باتهامات بالاتجار بالمخدرات.

ووصف مسؤولون فنزويليون كبار اعتقال مادورو بأنه عملية خطف، واتهموا الولايات المتحدة بمحاولة سرقة احتياطيات البلاد النفطية الضخمة التي يُقدّر أنها الأكبر في العالم.

وفي المقابل، اتهم ترمب ومسؤولون أميركيون كبار فنزويلا بسرقة نفط الولايات المتحدة، في إشارة واضحة ‌على ما يبدو إلى تأميم فنزويلا لقطاع الطاقة على مراحل عدة خلال نصف القرن الماضي.