غراتسيانو بيليه.. المال قبل المجد أحيانًا

على أي إنسان أن يسأل نفسه ماذا كان سيفعل لو عرض عليه 34 مليون إسترليني مقابل العمل 30 شهرًا؟

غراتسيانو بيليه يحرز هدف إيطاليا الثاني في مواجهة إسبانيا (إ.ب.أ)
غراتسيانو بيليه يحرز هدف إيطاليا الثاني في مواجهة إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

غراتسيانو بيليه.. المال قبل المجد أحيانًا

غراتسيانو بيليه يحرز هدف إيطاليا الثاني في مواجهة إسبانيا (إ.ب.أ)
غراتسيانو بيليه يحرز هدف إيطاليا الثاني في مواجهة إسبانيا (إ.ب.أ)

في الحقيقة، ثمة إجابة واضحة للتساؤل حول سبب انتقال كبار لاعبي كرة القدم إلى الصين، فالرياضيون لا يختلفون عن أي منا، فعندما تعرض على أي شخص فينا وظيفة تحمل زيادة هائلة في الراتب ومستوى المعيشة، فإنه سيجد من الصعب رفض العرض. وفي إطار الدوري الصيني الممتاز، المفعم بالمال والطموح، بمقدور حتى اللاعبين متوسطي المستوى الحصول على زيادات هائلة في أجورهم.
بعد إنجاز صفقة انتقال غراتسيانو بيليه من ساوثهامبتون إلى فريق شاندونغ لوننغ هذا الأسبوع، سيصبح في قائمة أعلى 10 لاعبين من حيث الأجر على المستوى العالمي، تحديدًا في مكان ما بين المركزين الثالث والعاشر. وتشير تقارير إلى أنه سيتقاضى 34 مليون جنيه إسترليني على مدار عامين ونصف العام، بما يعادل قرابة 260.000 جنيه إسترليني أسبوعيًا. وبمقدور مبلغ بهذه الضخامة قلب حياة إنسان ما إلى الأبد. لذا، فإنه من غير المثير للدهشة أن يسارع بيليه لاستغلال الفرصة التي سنحت له، علاوة على أنه ليس من شأننا إصدار أحكام على لاعب ما لانتقاله من ناد لآخر بناءً على اعتبارات مالية.
ومع ذلك، يبقى هناك أمر مختلف هذه المرة. بصورة عامة، فإن اللاعبين الذين اتجهوا إلى الصين في السنوات الأخيرة ينتمون لفئتين: اللاعبين الأكبر سنًا الذين تجاوزوا فترة ذروة عطائهم داخل الملاعب، ويسعون للحصول على شيك أخير يضمن لهم حياة رغدة لباقي العمر، وآخرين نجحوا في بناء أسماء معروفة على نطاق واسع، لكن أداءهم داخل الملعب لا يكافئ حجم الشهرة التي نالوها. وعليه، نجد في الفئة الأولى أسماء من عينة ديدييه دروجبا ونيكولاس أنيلكا، في حين تضم الثانية أسماء مثل ديمبا با وبولينهو وأوبافيمي مارتينز. ورغم وجود استثناءات بطبيعة الحال، يبقى العنصر المشترك بين المجموعتين أن جميع هؤلاء اللاعبين لم تتوافر أمامهم فرصة للترقي في الهيكل الهرمي الكروي.
إلا أن الأمر المثير والمختلف بالنسبة لبيليه فهو أنه ربما يكون أول لاعب يملك ما يمكن وصفه بـ«النفوذ» يغادر إنجلترا متجهًا إلى الصين، فبجانب تقديمه موسما جيدا مع ساوثهامبتون، قدم أداءً ممتازًا مع المنتخب الإيطالي خلال بطولة أمم أوروبا، حيث سجل أهدافًا أمام إسبانيا وبلجيكا وأسهم في صعود الفريق بقيادة المدرب أنطونيو كونتي لدور الثمانية، رغم أن هذا الأمر كان يبدو غير محتملاً. وحتى بالنظر إلى ركلة الجزاء التي أهدرها أمام ألمانيا، وحتى لو كان يرغب في الرحيل عن ساوثهامبتون (وهناك بالفعل تقارير تشير إلى أن النادي لم يكن يرغب في تجديد تعاقده معه)، فإنه كان باستطاعته ترجمة هذا النجاح إلى صفقة انتقال توصف بالكبيرة. ومن هال روبسون كانو، إلى صخرة دفاع آيسلندا، راغنار سيغردسون، فإن كثيرًا من اللاعبين كانوا سيحرصون على استغلال نجاحهم في تعزيز مسيرتهم على صعيد الأندية بصورة أكثر تقليدية.
بالنظر إلى بيليه تحديدًا نجد أنه ليس في ذروة مشواره الكروي، ذلك أنه بلغ الـ31 الجمعة الماضي. ومع هذا، فإنه في حالة بيليه، مثلما الحال مع كثيرين ممن يوشكون على توديع فترة الشباب، فإن هذا العمر لا يعدو كونه مجرد رقم فحسب. داخل وطنه، كان يجري فيما مضى النظر إليه كأضحوكة، نظرًا لأن عدد الأهداف التي سجلها لم تتجاوز الـ10 سوى موسم واحد خلال تسعة مواسم قبل أن ينضم إلى فينورد الهولندي عام 2012. ومنذ ذلك الحين، سجل بيليه 85 هدفًا خلال 147 مباراة في الدوريين الإنجليزي والهولندي. كما كانت أول مشاركة له مع منتخب بلاده في سن الـ29. ومع هذا سجل رقمًا جيدًا من الأهداف بلغ سبعة خلال 17 مباراة. وبهذا يتضح أنه على عدد من الجوانب، تبدو مسيرة بيليه في الملاعب ما تزال في بدايتها.
ويحمل هذا في طياته حججًا للجانبين: فمن ناحية، بإمكان بيليه القول إنه في سن متقدمة من عمره تحتم عليه محاولة الحصول على أكبر قدر ممكن من المال خلال السنوات القلائل المتبقية بمشواره داخل الملاعب، أو ربما يدفع بأن هذه الفرصة الأخيرة أمامه للفوز بأمر رفيع القيمة، بعد أن تنقل كثيرًا بين الأندية على امتداد مشواره الكروي. إن موقفه الراهن يمكن اختيار عنوان له بأنه المجد مقابل المال، لكنه في الوقت ذاته المخاطرة مقابل الأمن، فالتساؤل الآن: هل ينبغي أن يطارد اللاعب البطولات التي ربما لا يصل إليها، أم يقبل الآن بالمال ليضمن على الأقل تأمين نفسه على أحد الجوانب لباقي عمره؟
ومن يدري، ربما يكون أي شخص يعمد للتشكيك في مستوى بيليه الآن واحدًا من أولئك الذين تقتصر أنظارهم على أوروبا عند إصدار أحكام وتقديرات بخصوص كرة القدم، بمعنى أنه ضحية لفكرة أن مسابقات الدوري الكبرى بهذه القارة العجوز هي بطولات الدوري الوحيدة التي تحمل كرة قدم حقيقية على مستوى العالم. ومن يدري، ربما يؤمن بيليه من جانبه حقًا بالدوري الصيني الممتاز وأنه يمثل مستقبل كرة القدم ويرى نفسه واحدًا من رواد استكشاف هذا الدوري. إلا أن الأمر المؤكد هنا يبقى أن الحافز الرئيس وراء هذا الانتقال هو المال.
ويكمن جزء من الاعتراض على اللاعبين الذين ينتقلون من ناد لآخر من أجل المال فحسب في الإيمان بفكرة المال «الكافي»، بمعنى كم حجم المال الذي يحتاجه الإنسان؟ بطبيعة الحال، بالنسبة لأولئك الذين لا يتقاضون أجورًا أسبوعية تصل إلى ستة أرقام، يبدو الأمر تصرفًا جشعًا، لكن في هذه الحالة يبدو الرقم فلكيًا على نحو يتجاوز قدرتنا جميعًا على الاستيعاب. على أي حال، فإنه على أقل تقدير، فإن هذا الانتقال يرفع أجر بيليه إلى أربعة أضعاف، وهنا يصبح من غير المهم فكرة أنه كان يتقاضى من قبل 80.000 جنيه إسترليني أسبوعيًا أو 8 جنيه إسترليني بالساعة، ذلك أن الغالبية الكاسحة منا لم تكن لترفض عرضًا بزيادة راتبها 225 في المائة!
وعليه، فإن أي شخص يوجه سهام النقد إلى بيليه عليه أن يسأل نفسه ماذا كان ليفعل لو أنه عرض عليه 34 مليون جنيه إسترليني مقابل العمل 30 شهرًا. ومع هذا، تبقى هناك تساؤلات قائمة في ذهن المرء يتعذر التخلص منها: ماذا سيشعر بيليه لو أن إيطاليا فازت بكأس العالم في روسيا لكن لم يتم اختياره بالمنتخب لأنه يلعب في الصين؟ وماذا سيشعر لو أن ساوثهامبتون حاكى تجربة ليستر سيتي الموسم الماضي واقتنص بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز؟، رغم أن هذا يبدو غير محتملاً لدرجة بعيدة.
الحقيقة أن بيليه يكسب كثيرا لكنه في الوقت ذاته يضحي بكثير. يذكر أنه في أعقاب إهداره ركلة الجزاء وخسارة بلاده، قال بيليه: «لو أنني سجلت ركلة الجزاء، لكنت تحولت إلى اسم تاريخي، لكن بدلاً عن ذلك... وصلت هنا شخصا مجهولا وسأرحل شخصا مجهولا». ويكشف هذا التصريح أنه يؤمن بالقيم الرومانسية لكرة القدم، ما يزيد من هالة الغموض حول قراره بالانتقال إلى الصين. ربما يكون بيليه مجهولا حقًا، وقليلون بإمكانهم لومه على قراره الأخير، لكن عليه أن يدرك أنه ضحى بأي فرصة لدخول التاريخ.



«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026
TT

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

تشهد كرة القدم المغربية في الآونة الأخيرة طفرة استراتيجية تتجاوز مجرد تحقيق الإنجازات الآنية، لتكشف عن عمق التخطيط الذي تبنته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عبر الاستثمار في الفئات السنية.

ولم يعد المنتخب المغربي الأول مجرد تجميع للنجوم الجاهزين من الدوريات الأوروبية، بل أضحى امتداداً طبيعياً لجيل ترعرع في المنتخبات الشابة ونال شرف التتويج الأفريقي والأولمبي.

هذا التحول التكتيكي والجيل الجديد الذي يتقدمه نجوم واعدون، يمنح الإدارة الفنية لـ«أسود الأطلس» دماءً جديدة متشبعة بروح الانتصارات القارية، وقادرة على حمل لواء المستقبل بعقلية احترافية نضجت مبكراً قبل بلوغ المونديال الحالي.

أسامة ترغالين والمايسترو الذي يضبط إيقاع المستقبل

يبرز أسامة ترغالين البالغ من العمر 24 ربيعاً بوصفه أحد أهم خريجي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم الذين شقوا طريقهم بنجاح نحو الملاعب الأوروبية عبر بوابة نادي لو هافر الفرنسي. ترغالين، الذي كان القائد الملهم ومنظم الإيقاع في وسط ميدان المنتخب المغربي لأقل من 23 عاماً، نجح في قيادة الأشبال للتتويج بلقب كأس أمم أفريقيا تحت 23 سنة ونيل الميدالية البرونزية التاريخية في أولمبياد باريس.

اللاعب المغربي أسامة ترغالين (فيسبوك)

يمنح هذا النجم الشاب خط وسط المنتخب الأول عمقاً تكتيكياً نادراً بفضل قدرته الفائقة على قراءة الملعب، وقطع الكرات، وتحويل اللعب من الدفاع إلى الهجوم بسلاسة بالغة، ما يجعله الخليفة الشرعي لركائز خط الوسط في المنظومة الوطنية.

زكرياء الواحدي وعنفوان الرواق الشامل في بلجيكا

يقدم زكرياء الواحدي صاحب الـ24 عاماً نموذجاً حياً للاعب العصري الشامل الذي يطوع طاقته البدنية لخدمة الواجب التكتيكي برفقة نادي جينك البلجيكي. الواحدي، الذي لفت الأنظار بشدة في المحافل القارية والأولمبية الأخيرة بفضل مستوياته الثابتة، يعد مكسباً كبيراً لأسود الأطلس نظراً لمرونته الشديدة في شغل مركزي الظهير والجناح على حد سواء.

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

إن إنجازاته المحلية في الدوري البلجيكي ومساهمته الفعالة في الصعود بالمنتخب الأولمبي إلى منصات التتويج، تمنح التشكيلة المغربية الحالية خياراً ديناميكياً سريعاً قادراً على صناعة الفارق في الأطراف واللعب تحت الضغط العالي الذي تفرضه مباريات المونديال.

ياسين جاسم والرهان الدفاعي الصاعد من الدوري الفرنسي

في الخط الخلفي، تبرز الموهبة الواعدة للمدافع ياسين جاسم البالغ من العمر 21 عاماً، كإحدى الأوراق التي تجسد سياسة ضخ الدماء الشابة ذات التكوين الصارم في الدوري الفرنسي.

الدولي المغربي ياسين جاسم (فيسبوك)

تمكن جاسم، من خلال تدرجه السريع وأدائه المنضبط، من إثبات جدارته كعنصر مستقبلي في الدفاع المغربي يعتمد على البناء الهادئ من الخلف والتفوق في الكرات الهوائية. ويمثل وجوده في المنظومة الوطنية امتداداً لجيل المدافعين المغاربة الذين يجمعون بين القوة البدنية والذكاء التكتيكي، ما يجعله خياراً استراتيجياً طويل الأمد قادراً على تعويض أصحاب الخبرة والحفاظ على صلابة الحصن الدفاعي المغربي.

عبد الحميد آيت بودلال والصلابة المتفجرة من رين الفرنسي

يعدّ عبد الحميد آيت بودلال البالغ من العمر 20 عاماً أحد ألمع الجواهر الدفاعية الصاعدة في أوروبا، حيث نجح نادي رين الفرنسي في خطف توقيعه للاستفادة من مؤهلاته البدنية والفنية الاستثنائية. آيت بودلال، الذي قاد دفاع المنتخب المغربي لفئة أقل من 17 عاماً بكفاءة منقطعة النظير في كأس العالم للناشئين وكأس أفريقيا، يمتلك شخصية قيادية تفوق عمره بكثير داخل المستطيل الأخضر.

الدولي المغربي عبد الحميد آيت بودلال (فيسبوك)

وتتجلى قيمته الفنية في قدرته العالية على التمركز الصحيح والتدخلات الأرضية الحاسمة، وهو ما يجعله ركيزة واعدة يعول عليها المغرب لبناء جدار دفاعي حديدي يضمن استمرارية التوهج العالمي لـ«أسود الأطلس» لسنوات طويلة قادمة.

هذا الجيل الجديد ليس مجرد أسماء عابرة في قائمة «أسود الأطلس»، بل هو تجسيد حي لـ«فلسفة الاستدامة» الكروية التي انتهجها المغرب طوال السنوات الماضية، فبين خبرة النضج التي يقدمها ترغالين والواحدي، وعنفوان الموهبة المتفجرة في أقدام جاسم وآيت بودلال، يملك المغرب ترسانة تكتيكية للمستقبل صُنعت في قوالب الإنجازات القارية والأولمبية. هؤلاء الشبان، الذين تدرجوا في الفئات السنية وتجرعوا مرارة المنافسة وعاشوا نشوة التتويج مبكراً، يحملون اليوم طموحات شعب يرفض التراجع عن القمة.


7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟
TT

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

منذ أن وطأت أقدام «أسود الأطلس» ملاعب كأس العالم لأول مرة في مكسيكو 1970 وحتى مشارف المونديال الحالي 2026، تعاقب على سدّة الإدارة الفنية للمنتخب المغربي سبعة مدربين حفروا أسماءهم في السجل المونديالي. تنوعت هذه المدارس الفنية بين الانضباط اليوغوسلافي، والواقعية البرازيلية، والأناقة الفرنسية، والعبقرية المحلية، لينتهي المطاف بـ«ثورة الحداثة» التكوينية المعاصرة.

مسيرة جنرالات الدكة الفنية الذين قادوا سفينة المغرب في رحلاتها السبع عبر تاريخ المونديال بدأت مع فيدينيتش.

بلاغوي فيدينيتش... مهندس الإطلالة التاريخية الأولى (المكسيك 1970)

مدرب المنتخب المغربي السابق بلاغوي فيدينيتش (إكس)

صاغ المدرب اليوغوسلافي الراحل بلاغوي فيدينيتش فصول الرواية المونديالية الأولى للمغرب، بعدما قاد جيل العمالقة للتأهل إلى نسخة المكسيك 1970. نقل فيدينيتش، المستند إلى إرث تكتيكي أوروبي صارم، عقلية الانضباط والالتزام البدني الشديد إلى اللاعب المغربي، فكانت النتيجة أداءً بطولياً بهر العالم، خصوصاً في الملحمة الشهيرة أمام ألمانيا الغربية التي تقدم فيها الأسود أولاً قبل الخسارة بصعوبة.

منح هذا الرجل الصافرة والكرة المغربية صكّ الاعتراف الدولي الأول، ممهداً الطريق لسطوع الموهبة الأفريقية عالمياً.

خوسيه فاريا... ملهم المعجزة المكسيكية الخالدة (المكسيك 1986)

خوسيه فاريا مدرب المنتخب المغربي السابق (فيسبوك)

في مونديال المكسيك 1986، قاد البرازيلي الداهية خوسيه المهدي فاريا ثورة كروية غير مسبوقة وضعت المغرب في صدارة المشهد العالمي. امتاز فاريا بقدرة عجيبة على المزج بين المهارة الفطرية للاعب المغربي والتنظيم الدفاعي المحكم بنكهة «السامبا» الواقعية، لينجح في صناعة التاريخ بوصفه أول منتخب أفريقي وعربي يتأهل إلى الدور الثاني من صدارة مجموعة حديدية ضمت إنجلترا، وبولندا، والبرتغال.

تحول فاريا إلى أسطورة في الوجدان المغربي بعدما أثبت أن التخطيط التكتيكي الدقيق قادر على قهر فوارق الإمكانيات التقليدية.

عبد الله بليندة... الشجاعة المحلية في بلاد العم سام (الولايات المتحدة 1994)

عبد الله بليندة مدرب المنتخب المغربي السابق (ويكيبيديا)

أوكلت الجامعة الملكية المغربية مهمة قيادة الأسود في مونديال أميركا 1994 إلى الإطار المغربي الراحل عبد الله بليندة، لتكون أول تجربة قيادة محلية خالصة في كأس العالم.

واجه بليندة ظروفاً معقّدة وضغوطاً جماهيرية بالغة، واعتمد على تشكيلة غلب عليها اللاعبون المحليون الممزوجون ببعض المحترفين، ورغم أن النتائج لم تسعفه بمغادرة دور المجموعات بعد ثلاث هزائم مريرة، فإن مسيرته جسّدت شجاعة الإطار الوطني في تحمّل المسؤولية بالمنعطفات الكبرى وصقل كبرياء الصافرة والتدريب المحلي.

هنري ميشال... الأناقة الفرنسية المكلومة بالدراما (فرنسا 1998)

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

قاد الساحر الفرنسي الراحل هنري ميشال كتيبة الأسود في مونديال فرنسا 1998، مقدماً واحدة من أجمل النسخ الهجومية في تاريخ الكرة الوطنية. نجح ميشال في صياغة توليفة متجانسة اتسمت بالأناقة الفنية والتمريرات القصيرة الممتعة بقيادة مصطفى حجي وصلاح الدين بصير، مفرزاً انتصاراً تاريخياً على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة. غير أن الأقدار والدراما الكروية في مباراة النرويج والبرازيل حرمت جيله الفذ من تأهل مستحق للدور الثاني، لتبقى حقبة هنري ميشال مرادفة للمتعة الكروية الممزوجة بالدموع.

هيرفي رينارد... ثعلب الصلابة وعودة الروح (روسيا 2018)

رينارد انتهت مهمته مع المنتخب السعودي (أ.ف.ب)

بعد غياب دام عشرين عاماً عن المحفل العالمي، أعاد «الثعلب» الفرنسي هيرفي رينارد الروح إلى جسد المنتخب المغربي في مونديال روسيا 2018. اتسم تكتيك رينارد بالاندفاع البدني الهائل، والضغط العالي الخانق، والصلابة الدفاعية المستميتة التي أحرجت عمالقة القارة الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال. ورغم الخروج المبكر من الدور الأول بفعل تفاصيل صغيرة غاب عنها التوفيق، فإن رينارد أعاد الهيبة المفقودة إلى الشخصية الكروية المغربية وزرع في اللاعبين عقلية مقارعة الكبار دون مركب نقص.

وليد الركراكي... صانع الملحمة والمربع الذهبي الإعجازي (قطر 2022)

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (أ.ف.ب)

دخل الإطار المغربي وليد الركراكي سفر التاريخ العالمي من أوسع أبوابه في مونديال قطر 2022، محققاً إعجازاً كروياً ببلوغ المربع الذهبي واحتلال المركز الرابع عالمياً في سابقة تاريخية أفريقية وعربية. اعتمد الركراكي على واقعية براغماتية صارمة وتكتيك الكتل الدفاعية المتراصة (Low Block) مع الارتداد الهجومي الخاطف، مكسراً طموحات إسبانيا، والبرتغال، وبلجيكا. لم يصنع الركراكي مجداً كروياً فحسب، وإنما صاغ بعبارته الشهيرة «ديرو النية» ملحمة تلاحم وطني ألهمت الملايين حول العالم.

محمد وهبي... رهان الحداثة وعصر «المهاجم الشبح» (المونديال الحالي 2026)

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (أ.ف.ب)

يتولى الإطار الوطني الشاب محمد وهبي دفة القيادة الفنية لأسود الأطلس في النسخة الحالية لنهائيات كأس العالم 2026، حاملاً على عاتقه إرثاً ثقيلاً وتطلعات جماهيرية بلغت عنان السماء. وهبي، الذي عُيّن في مارس (آذار) 2026 مستنداً إلى نجاحه الباهر بالفوز بكأس العالم للشباب تحت 20 عاماً، يمثل تيار الحداثة التكتيكية القائم على الاستحواذ والضغط العكسي والاعتماد على خطة «المهاجم الشبح». يقود وهبي جيل المستقبل في المونديال الحالي برهان استراتيجي يسعى لتتويج مسار البناء الكروي ونقل المغرب من حذر الدفاع إلى جرأة الريادة العالمية.

Your Premium trial has ended


«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
TT

«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)

تفرض كرة القدم في شمال أفريقيا واقعاً تكتيكياً جديداً على مسرح مونديال 2026، حيث نجحت المدارس المغاربية الثلاث (المغرب وتونس والجزائر) في إعادة صياغة هويتها الفنية عبر الاستثمار الصارم في «عنصر الشباب»

.

ويتصدر المنتخب المغربي هذا التحول الطموح باحتلاله المرتبة الرابعة عالمياً كأصغر المنتخبات معدلاً للأعمار بـ«26.4 سنة»، يليه نسور قرطاج في المركز الخامس بـ«26.6 سنة»، بينما يستقر محاربو الصحراء في المرتبة التاسعة بمتوسط يبلغ «26.9 سنة».

لم تعد اللياقة البدنية والسرعة مجرد عوامل مكملة في الخطط الكروية المعاصرة، بل تحولت إلى الركيزة الأولى التي تُبنى عليها منظومات الضغط العالي والتحول السريع. ومن هذا المنطلق، تدخل المنتخبات المغاربية الثلاثة منافسات المونديال الحالي، وهي مسلحة بأقوى توازن رقمي في تاريخها الحديث.

هذه «الثورة الصامتة» في خفض معدلات الأعمار لم تأتِ كإجراء اضطراري، بل تعكس توجهاً مدروساً يهدف إلى كسر نمطية الاعتماد على الحرس القديم، وضخّ دماء شابة قادرة على تلبية المتطلبات البدنية القاسية التي تفرضها الملاعب الأميركية الشمالية بمساحاتها الشاسعة وتقلباتها المناخية.

الحيوية المغربية... هندسة الاستدامة وبناء الجيل الثالث

يُثبت المنتخب المغربي، بتموقعه رابعاً في قائمة أصغر منتخبات المونديال بمتوسط أعمار يناهز 26.4 سنة، أن طفرة الإنجازات السابقة كانت مجرد نقطة انطلاق لخط استراتيجي مستدام. ولا يقتصر تميز هذه القائمة على الأرقام فحسب، بل يمتد إلى نوعية الخيارات التكتيكية، حيث يقود هذا التحول جيل يافع، يتصدره الموهوب أيوب بوعدي أحد أصغر اللاعبين في البطولة بأكملها، إلى جانب ثنائي كريستال بالاس وسندرلاند، شادي رياض وشمس الدين الطالبي. هذا العمق البشري الشاب يمنح الإدارة الفنية مرونة استثنائية لتطبيق أسلوب تكتيكي هجومي وديناميكي، يرتكز على تضييق المساحات وحرمان المنافسين من الكرة، دون الخشية من الإجهاد البدني المبكر.

المنتخب التونسي لكرة القدم (إ.ب.أ)

التوازن التونسي... ذكاء الانتقال وبناء الهوية الجديدة

في المرتبة الخامسة عالمياً، يحل ّالمنتخب التونسي بمعدل أعمار ناضج ومبشر يبلغ 26.6 سنة، وهو رقم يعكس نجاح الكرة التونسية في تدبير المرحلة الانتقالية الحرجة دون السقوط في فخ الهزات الفنية.

وقد نجح «نسور قرطاج» في صهر المواهب الشابة الصاعدة في الملاعب الأوروبية، مثل إسماعيل الغربي ومعتز النفاتي، داخل قالب تكتيكي يتسم بالانضباط الدفاعي التقليدي. هذه الجرأة في منح الثقة للشبان تُوازنها خبرة ميدانية هادئة لبعض ركائز الفريق المخضرمين، ما يمنح المنتخب التونسي القدرة على تسيير ريتم المباريات بذكاء عالٍ، والتحول من التكتل الدفاعي المنضبط إلى المرتدات الخاطفة بأقل عدد من التمريرات.

الثورة الجزائرية الهادئة... عقلية بيتكوفيتش وتغيير الجلد

المنتخب الجزائري لكرة القدم (أسوشييتد برس)

أما المنتخب الجزائري، الذي يستقر في المرتبة التاسعة عالمياً بمتوسط أعمار يبلغ 26.9 سنة، فيعيش مرحلة «إعادة ابتكار» حقيقية تحت قيادة السويسري فلاديمير بيتكوفيتش. فقد أظهرت الاختيارات الفنية الأخيرة شجاعة واضحة في التخلي عن الأسماء التي استهلكت طاقتها الدولية، لصالح جيل جديد يفيض حيوية بقيادة إبراهيم مازة وياسين تيطراوي. وتكمن قوة التركيبة التكتيكية لـ«محاربي الصحراء» في أن هذا الاندفاع الشبابي الشرس في خطوط الوسط والهجوم، يحتمي بـ«مظلة خبرة» يقودها القائد رياض محرز وعيسى ماندي، ما يقي الفريق مغبة الاندفاع غير المحسوب أمام المنتخبات الكبرى التي تجيد استغلال حماس الشبان.

صراع الأجيال في المونديال... نفَس الشبان في مواجهة حكمة العجائز

تكتسب هذه الأرقام المغاربية قيمتها الحقيقية عند وضعها في مقارنة مباشرة مع بقية المدارس المونديالية، ففي الوقت الذي تتصدر فيه ساحل العاج والإكوادور القائمة كأصغر الفرق، تعاني قوى تقليدية في البطولة من معضلة «الشيخوخة الكروية» بتجاوز متوسط أعمار لاعبيها حاجز الثلاثين عاماً.

وسيكون هذا التباين العمري بمثابة الورقة الرابحة للمنتخبات العربية في دور المجموعات، إذ إن التفوق في معدل اللياقة، والقدرة على مواصلة العطاء بنفس الكثافة طوال الدقائق التسعين، سيكونان العامل الحاسم لكسر طموح الفرق المعتمدة على الخبرة الميدانية الصرفة، وتحويل أحلام الجماهير المغاربية إلى واقع ملموس على المستطيل الأخضر.

إليك ترتيب المنتخبات الـ10 الأصغر سناً في مونديال 2026:

1- ساحل العاج (الأصغر سناً في المونديال بمتوسط 25.35 سنة)

2- الإكوادور (بمتوسط 25.58 سنة)

3- البوسنة والهرسك (بمتوسط 25.92 سنة)

4- المغرب

(بمتوسط 26.40 سنة)

5- تونس

(بمتوسط 26.60 سنة)

6- إسبانيا (بمتوسط 26.65 سنة)

7- النرويج (بمتوسط 26.72 سنة)

8- جنوب أفريقيا (بمتوسط 26.80 سنة)

9- الجزائر

(بمتوسط 26.90 سنة)

10- كندا

/ الولايات المتحدة (بمتوسط 26.95 سنة)