وثائق 11 سبتمبر السرية تبرئ السعودية

الكونغرس: لجنتا الاستخبارات لم تتوصل لوجود علاقة بين السلطات السعودية ومنفذي الهجمات

صور ضوئية للوثائق التي أفرجت عنها لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي مساء أمس والتي تبرىء السعودية
صور ضوئية للوثائق التي أفرجت عنها لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي مساء أمس والتي تبرىء السعودية
TT

وثائق 11 سبتمبر السرية تبرئ السعودية

صور ضوئية للوثائق التي أفرجت عنها لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي مساء أمس والتي تبرىء السعودية
صور ضوئية للوثائق التي أفرجت عنها لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي مساء أمس والتي تبرىء السعودية

أكدت مقاطع في تقرير لجنة تحقيق برلمانية أعد عام 2002، وكشف النقاب عنها، مساء أمس، أن الولايات المتحدة لا تملك دليلا على ضلوع مسؤولين سعوديين في اعتداءات سبتمبر 2001. وقالت لجنتا الاستخبارات في مجلسي الشيوخ والنواب في 28 صفحة من هذا التقرير رفعت عنها السرية، أمس، إن وكالات الاستخبارات الأميركية لم تتمكن من «أن تثبت في شكل نهائي» وجود صلات بين السلطات السعودية ومنفذي هجمات 11 سبتمبر أيلول.
وقالت الوثيقة التي أفرجت عنها لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، مساء أمس، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها إن «تقرير الاستخبارات لا يغير من تقييم الحكومة الأميركية أنه لا يوجد دليل على أن الحكومة السعودية بصفتها مؤسسة أو كبار المسؤولين السعوديين، قد قدموا تمويلا إلى تنظيم (القاعدة)».
وفور صدور الأوراق، قال جوش إرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن رفع السرية عن الأوراق يضع حدا للتكهنات، التي استمرت فترة طويلة بأن الحكومة السعودية كان لها دور في الهجمات. وأشار إرنست إلى أن الرئيس أوباما أقر برفع السرية عن الأوراق، مشيرا إلى أنها لا تلقي ضوءا جديدا ولا تغير من الاستنتاجات حول أحداث 11 سبتمبر.
من جهته، قال عبد الله بن تركي آل سعود، السفير السعودي، لدى الولايات المتحدة الأميركية في بيان، إن السعودية طالما طالبت بالكشف عن هذه الصفحات، ونأمل في أن يزيل هذا الكشف للأبد أي شكوك حول أفعال السعودية ونياتها أو صداقتها القديمة مع الولايات المتحدة، مؤكدا أن «المملكة تعمل عن كثب مع الولايات المتحدة والحلفاء الآخرين للقضاء على الإرهاب والتنظيمات الإرهابية».
وتشير الأوراق التي سودت بعض العبارات فيها، إلى أن نتائج التحقيقات أشارت إلى أن بعضا من منفذي هجمات 11 سبتمبر قد تلقوا مساعدات من أفراد قد يكونوا على صلة بالحكومة السعودية بناء على مصادر معلومات مكتب المباحث الفيدرالية التي أشارت إلى أن اثنين من المهاجمين كانوا على علاقة بشخص سعودي، وربما كانت له علاقات مع تنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات الإرهابية، لكن التحقيقات ومعلومات كل من مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركي «سي آي إيه» «أكدت أنه لا يوجد أي روابط بين الحكومة السعودية والعناصر الإرهابية».
وأضافت الوثيقة: «في شهادات مسؤولي المباحث الفيدرالية والاستخبارات المركزية لم يستطع أحد إثبات بشكل قاطع وجود مساندة من الحكومة السعودية للأنشطة الإرهابية سواء التي تمت داخل الولايات المتحدة أو التي تمت على مستوي العالم».
وأوضحت سطور الوثيقة أنه تم تشكيل لجنة مشتركة للتركيز على احتمالات تورط الحكومة السعودية، في الهجمات وأسباب فشل أجهزة الاستخبارات الأميركية، في توقع مخاطر حدوث هجمات والإخفاق في حماية الأمن القومي. وأوضحت الوثيقة أنه قبل هجمات سبتمبر كانت الاستخبارات والمباحث الفيدرالية تصنف السعودية باعتبارها حليفا للولايات المتحدة، ولم يكن لدى المباحث الفيدرالية أي سبب للاعتقاد بمخاطر على الولايات المتحدة.
وتمضي سطور الوثيقة التي تم إخفاء بعض العبارات وبعض الجمل بها باللون الأسود أن تقريرا واحدا من الاستخبارات الأميركية أشار إلى «احتمال» وجود اتصال بين أحد منفذي الهجمات وأحد المسؤولين في الحكومة السعودية. وتقول الوثيقة إن «أجهزة الاستخبارات والمباحث الفيدرالية لم تحاول التحقق من دقة هذه المعلومات».
وكشف التقرير أن المباحث الفيدرالية استجوبت عمر البيومي في عام 1999 لشكوكها في قيامه بتقديم مساعدة لكل من خالد المحضار، ونواف الحازمي (اثنين من منفذي هجمات 11 سبتمبر) بعد وصولهما إلى مدينة سان دييجو بولاية كاليفورنيا، في فبراير (شباط) عام 2000. حيث تقابل البيومي مع المحضار، والحازمي في مكان عام بعد اجتماع حضره في القنصلية السعودية، وقالت الوثيقة إنه لا يوجد أي مؤشرات تثير الشكوك في هذه المقابلات، وإن اللقاء بين عمر البيومي ومنفذي الهجوم كان مصادفة. وتشير الأوراق إلى أن البيومي كان على علاقات وثيقة مع مسؤولي الحكومة السعودية في الولايات المتحدة وعلاقات مع بعض الشركات السعودية والمنظمات الأهلية.
والشخص الثاني هو أسامة بسنان، الذي أوضحت تقارير الاستخبارات أنه كان على صلة مع المحضار، والحازمي، خلال فترة إقامتهما في مدينة سان دييجو، وكان يقيم في الشارع نفسه وكان يحصل على مساعدات مالية من مسؤولين سعوديين لعلاج زوجته.
وأشارت الوثيقة إلى أسماء عدة أشخاص اشتبهت في علاقاتهم بمنفذي هجوم 11 سبتمبر، وأجرت التحقيقات معهم ورصدت مكالمات هاتفية قام بها قائد تنظيم القاعدة أبو زبيدة إلى أرقام داخل الولايات المتحدة في مدينة إسبن بكولورادو، وشركة تدير منزل السفير السعودي بندر بن سلطان. وأشارت الأوراق إلى حيرة المحققين في الدور الذي لعبه فهد الثميري، وهو مسؤول في القنصلية السعودية وكان يقيم بمدينة لوس أنجليس وقت الهجمات. ولم يجد المحققون أي صلة بين عناصر تنظيم القاعدة ومسؤولين سعوديين. وقالت الأوراق إن مسؤولي الاستخبارات والمباحث الفيدرالية كانوا غير قادرين على تقديم أدلة قاطعة على وجود مساندة سعودية للأنشطة الإرهابية سواء داخل الولايات المتحدة أو على المستوى العالمي.
وقد أشار مصدر بالبيت الأبيض إلى أنه تم إخفاء بعض الكلمات والجمل والعبارات باللون الأسود في التقرير، لأنها تشير إلى تفاصيل وأسلوب قيام الاستخبارات بتجميع المعلومات، ولذا تم إخفاء الطرق والأساليب التي يتم استخدامها لسريتها.
وقد زعمت عدة مصادر سياسية وقضائية وإعلامية حول روابط بين مسؤولين سعوديين وعناصر من تنظيم القاعدة ووقوع اتصالات في ولاية كاليفورنيا بين مسؤولين سعوديين وبين خاطفي الطائرات. واستندت تلك المزاعم على تتبع اتصال تليفوني بين هاتف لعنصر من تنظيم القاعدة وشركة تدير منزل الأمير بندر بن سلطان في مدينة كلورادو، ثم اتصال آخر مع السفير السعودي في واشنطن.
وردا على تلك المزاعم، طالبت المملكة العربية السعودية بالإفراج عن الأوراق السرية ونتائج لجنة التحقيقات التي جرت في أحداث 11 سبتمبر وأصدرت تقريرها في عام 2002 الذي أبقى على وثيقة من 28 صفحة تحت غطاء السرية، خوفا من أن تتأثر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين واستمرت معركة كبيرة بين المشرعين وأهالي أسر ضحايا 11 سبتمبر في الكشف عن تلك الأوراق وتقديم أي دليل علني على الدور المزعوم للمملكة في تلك الهجمات.
وعلى مدى عشر سنوات تزايدت المطالب برفع السرية عن الوثيقة، وقاد السيناتور الديمقراطي بوب غراهام هذه الجهود، خصوصا أنه كان أحد المشاركين في تحقيقات الكونغرس. وقال ستيفن لينش، النائب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس، الذي قاد جهود الكشف عن التقرير السري، في بيان: «رفع السرية عن التقرير وجعله متاحا للجمهور قد يجيب عن كثير من الأسئلة التي ما زالت عالقة وقد يساعدنا في ملاحقة المسؤولين الحقيقيين وتقديمهم للمساءلة».
وأضاف: «نحن نتطلع إلى دراسة هذه الأوراق الـ28 وإتاحتها للجمهور يعد انتصارا في إطار تشكيل رأي مستنير حول السياسة الخارجية والأمن القومي للحكومة الأميركية وهو يستند إلى قدرة الوصول على أكبر قدر من المعلومات الممكنة». وأبدى آدم شيف، الديمقراطي المتخصص في الاستخبارات في مجلس النواب، أمله في أن يتيح نشر هذه الصفحات «الحد من التكهنات» في شأن تضمنها «دليلا على ضلوع رسمي للحكومة السعودية أو لمسؤولين سعوديين كبار» في الاعتداءات. ولاحظ أن أجهزة الاستخبارات واللجنة الوطنية حول الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة التي نشرت تقريرها عام 2004 «لم تتمكن أبدا من إيجاد أدلة كافية» لتأييد هذه المزاعم.
من جهتها، رحبت الحكومة السعودية بنشر الصفحات الـ28 التي أبقيت سرية لوقت طويل. ويأتي نشر هذه الصفحات في مرحلة يسود فيها الفتور العلاقات التاريخية بين واشنطن والرياض. وكان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، جون برينان، ذكر هذا الأسبوع أن السعودية تبقى «أحد أقرب شركائنا» على صعيد مكافحة الإرهاب.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.