نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

الضجة التي أقامها حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)

قد لا يصدق المرء، أن فيلما إيرانيا وقف وراء «هجمة» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أفريقيا، وما رافق زيارته لأربع من دولها، الأسبوع الماضي، من إشكاليات. لكن هكذا هي السياسة الإسرائيلية في عهد اليمين، مليئة بالارتجالية. حتى تبدو في بعض الأحيان راكضة إلى سراب. وبعدما عاد الرجل إلى تل أبيب، وجد أمامه تساؤلات كثيرة حول جدوى هذه الزيارة وليس صدفة. والمحاولات التي قام بها نتنياهو لتضخيم أهمية الزيارة وإظهارها دليلاً على انعدام وجود عزلة دولية لإسرائيل والتبشير بمكانة إسرائيلية خاصة في مكافحة «الإرهاب الإسلامي»، كما قال، والحديث عن صفقات أسلحة وتجارة، كلها تصطدم بواقع آخر هو: أن إيران والصين وغيرهما من دول العالم سبقت إسرائيل منذ سنوات طويلة إلى القارة السمراء.
وحقًا، الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادته واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا.

كثير من التحليلات نشرت لتفسير دوافع وأهداف الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى أربع دول أفريقية في الأسبوع الماضي. فالبعض اعتبرها زيارة تاريخية تعيد لإسرائيل دورها المفقود في هذه القارة. ونتنياهو نفسه تحدث عن «مصلحة مشتركة في مكافحة الإرهاب الإسلامي وفي تطوير التبادل التجاري والاقتصادي». والبعض اعتبرها «هجمة دبلوماسية من إسرائيل لصد الهجمة الفلسطينية في الأمم المتحدة»، غرضها تجنيد عدد من الأصوات لصالح إسرائيل لإفشال المشاريع الفلسطينية والعربية المعادية. ومع أن هناك أكثرية ساحقة في الجمعية العامة مناصرة للفلسطينيين، وفي السنوات الأخيرة وسّع الفلسطينيون جدًا من نشاطاتهم الدولية وحصدوا غير قليل من الثمار الرمزية، ابتداء من رفع علم فلسطين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك وصولاً إلى الاعتراف بالسلطة الفلسطينية من جانب برلمانات وحكومات أوروبا، فإنه من الجهة الأخرى، وفي التصويت الأهم في الشأن الفلسطيني في العامين الأخيرين، فشل الفلسطينيون في تأمين الأغلبية في مجلس الأمن للاعتراف بفلسطين كدولة. وبالمناسبة، كانت رواندا الأفريقية، إحدى الدول التي امتنعت عن التصويت، حين سقط الاقتراح الفلسطيني على صوت واحد فقط. ولذلك شمل نتنياهو هذه الدولة في جولته الجديدة.
كما أن هناك من يرى في جولة نتنياهو محاولة لتجنيد «زبائن» يشترون الغاز الذي تستخرجه إسرائيل من أعماق البحر الأبيض المتوسط. وهناك من يرى أن الهدف الأساسي هو فك العزلة الدولية عن إسرائيل، عن طريق تقديم مساعدات أمنية وتكنولوجية لهذه الدول وتجنيدها لصالح مواقف إسرائيل في المحافل الدولية. لا بل هناك من يقول إن الجولة جاءت بغرض أساسي هو إثارة عناوين كبيرة في الصحف الإسرائيلية، تغطي على العناوين الخاصة بقضايا التحقيق الجاري بحثها في الشرطة ضد نتنياهو شخصيا بشبهات تبييض وغسل الأموال.

* خدمات أمنية
وكان لافتا للنظر أن الكاتب الصحافي بيتر فام، المتخصص في شؤون أفريقيا لدى مجموعة الأبحاث «أتلانتيك»، كشف في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية عن أن إسرائيل ستقوم بمساعدة كينيا على بناء جدار بطول 708 كيلومترات تقريبا على طول الحدود مع الصومال، وذلك لمنع حركة «الشباب المجاهدين» والميليشيات المسلحة الأخرى من عبور الحدود، وأن نتنياهو عرض مشروعا يستند إلى الخبرة الإسرائيلية الطويلة في مجال إقامة الجدران، ليس فقط في كينيا بل في بقية الدول الأفريقية التي زارها.
والحقيقة، أن كل هذه الأسباب واقعية وقد يكون لكل منها نصيب في تخطيط وإخراج هذه الزيارة. إلا أن هناك حقيقة أخرى تكشفها سطور مفكرة نتنياهو وتشير إلى دوافع أخرى. وهذه هي:
فيلمان سينمائيان، أحدهما روائي من الخيال والثاني وثائقي لا يخلو من الخيال، كانا الشرارة التي أطلقت زيارة نتنياهو الصاخبة إلى أفريقيا. الفيلم الأول إيراني. والثاني إسرائيلي. الأول يدعى «الولد الرابع»، والثاني يدعى «يوني»، ويحكي بطولة يونتان نتنياهو شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي قتل قبل أربعين عاما وهو يقود فرقة كوماندو إسرائيلية حررت الرهائن الإسرائيليين والأجانب من الطائرة التي اختطفها فلسطينيون وهي في طريقها من باريس إلى تل أبيب، وانعطفوا بها إلى أوغاندا سنة 1986.
الفيلم الأول، عرض لأول مرة في شهر أغسطس (آب) 2013. مع تصادف نهاية شهر رمضان المبارك وعشية عطلة عيد الفطر. اسمه بالفارسية «الطفل الرابع» (فرزند جهارم)، وقد تم تصوير أجزاء منه في الصومال وكينيا. ويحكي الفيلم عن نجمة سينمائية اسمها راوية سئمت حياة النجومية الفارغة وخرجت إلى الصومال لكي توثق بكاميراتها المأساة اليومية للحرب والمجاعة. وتسعى راوية، مع رجل صناعة إيراني، يدعى «مظفر»، وطبيب من الهلال الأحمر الإيراني، إلى «محاولة إنقاذ الأفارقة من أنفسهم»، كما تقول. ويعرض الفيلم الصراعات القبلية والدينية، والبلدان الأفريقية الغنية وأصحاب رؤوس الأموال الأفارقة كجهات تقف وراء الحروب والمجاعة. وفي أحد مشاهد الفيلم، يركل رجل الصناعة الإيراني مظفر وعاء الحساء «الحقير» الذي يتم توزيعه على اللاجئين في المخيم التابع لجنوب أفريقيا؛ وأمام صدمته من نوعية الطعام والمعاملة المهينة للاجئين، يأخذ مظفر على عاتقه مهمة تزويد اللاجئين بالطعام الجيد (من المطبخ الفارسي) ومعاملتهم بشكل إنساني وباحترام. مهمة الإنقاذ التي تطالب الأبطال الإيرانيين بتضحيات شخصية، تشمل في النهاية تبني طفلة أفريقية مهجورة وإحضارها إلى إيران لكي يتم تثقيفها داخل أسرة إيرانية، سخية وكريمة.
* فيلم «يوني»
فيلم «يوني»، بالمقابل، هو قصة «بطولة إسرائيلية» على حساب الأفارقة، جرت وقائعها قبل أربعين عاما. فيها يظهر الجنود والضباط الإسرائيليون وهم يضعون خطة مليئة بالمخاطر لإطلاق سراح الرهائن، تنتهي نسبيا بنجاح خارق. فالفرقة تهبط في كينيا وتصل إلى مطار عينتيبة في أوغندا وتقود قافلة من السيارات العسكرية، تم وضع سيارة مارسيدس شبح في وسطها، شبيهة بسيارة الرئيس عيدي أمين آنذاك، حتى تضلل الجنود والحراس الأوغنديين، فتسيطر على المطار وعلى الموقف. ويظهر الفيلم كيف نجح الكوماندو الإسرائيلي في تصفية الخاطفين الفلسطينيين، بعد معركة طويلة قتل فيها 40 راكبا و31 جنديا أوغنديا وضابطا إسرائيليا واحدا هو شقيق نتنياهو. بنيامين نتنياهو، الذي كان ولدا آنذاك، اعتبرها أكبر بطولة إسرائيلية، لكنه لم يُطرِ على أصحابها، وهم خصومه السياسيون (إسحاق رابين وشمعون بيريس وإيهود باراك وموشيه يعلون)، ويحاول إظهارها بطولة لعائلة نتنياهو. واحتفل بذكرى مرور 40 عاما على الحدث، في أوغندا خاصة، بحضور ستة رؤساء أفارقة في مقدمتهم الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، الذي لم يشعر بحرج وهو يمتدح شجاعة ضيوفه الإسرائيليين (لكنه ذكر فلسطين بدل إسرائيل وهناك من اعتبرها «خطأ مقصودا»)، رغم ما دفعوه من ثمن باهظ بسفك دماء عشرات من جنود جيشه وانتهاك حرمة بلاده.
الفيلم الأول، أثار غيرة وحسد المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية من إيران، التي تثبت بواسطته وبواسطة نشاطات أخرى أنها تعرف قيمة السوق الأفريقية وتستثمر فيها كثيرا، خصوصا مع إهمال أفريقيا في الدول العربية. ويتضح أنه بالإضافة إلى فيلم «الولد الرابع»، الذي تم إنتاجه بمبادرة صندوق السينما الحكومي «الفارابي»، هناك سلسلة أفلام وثائقية تلفزيونية، تحمل اسم «أفريقيا هنا». ويشكل هذان الإنتاجان محاولة لتجنيد الشاشتين، الكبرى والصغرى، من أجل تعريف المشاهد الإيراني على القارة الأفريقية، كما ينظر إليها في إيران. والسلسلة تتألف من 52 حلقة، جاءت لإطلاع المشاهد الإيراني على أهمية القارة الأفريقية والمحفزات السياسية والتجارية الكامنة فيها. ففي العقود الأربعة التي مضت منذ تأسيسها، سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى ترسيخ علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأفريقية.
* فتح أبواب أفريقيا
وقد أعد معهد الدراسات الأفريقية في جامعة تل أبيب دراسة أوصى في نهايتها الحكومة بفتح أبواب أفريقيا، لأنها «سوق عذراء يكتشفها الصينيون والإيرانيون ويغزونها». وتقول الدراسة إن إيران تستفيد آيديولوجيا في أفريقيا، وذلك بواسطة نشر المذهب الشيعي، وهذا سيؤدي حتما إلى صدام مع قوى محلية كثيرة وينبغي على إسرائيل أن تكون جاهزة لاحتلال مكان إيران في هذه الحالة، والبدء في الوقت نفسه في العمل على إطلاق مشاريع أخرى في مجالات تحتاجها أفريقيا ولا تستطيع إيران توفيرها مثل الدعم الأمني والتكنولوجيا الزراعية وحرب السايبر.
والسؤال هو: ماذا يمكن لنتنياهو أن يحقق في جولة قصيرة كهذه؟ وهل دخل أبواب أفريقيا بالقدم اليمنى، الإيجابية، أم بالقدم اليسرى، السلبية، حسب التقاليد المحلية؟
هنا يأتي دور الفيلم الثاني. صحيح أن نتنياهو لم يكن مخرج فيلم «يوني» المذكور، وما احتواه من غطرسة وتباه بالقوة الإسرائيلية العسكرية، لكنه يعبر تماما عن روح نتنياهو وعقليته. فقصة الفيلم تروى بروح الموقف المعلن أن «لا تفاوض مع إرهابيين يخطفون الرهائن، مهما كان الثمن»، لكنها تبين أن الثمن قد يكون باهظا لدول أخرى وليس فقط لإسرائيل. فالهجوم على مطار عينتيبة كان بمثابة انتهاك لحرمة أوغندا وفي ضمنه تم تضليل الجيش الأوغندي بواسطة استخدام سيارة شبيهة بسيارة الرئيس الفخمة وتم قتل 20 جنديا أوغنديا خلال تراشق الرصاص ودمرت القوة الإسرائيلية 17 طائرة حربية أوغندية قبل أن تغادر.
وعلى الرغم من أن رئيس أوغندا رحب بنتنياهو والاحتفال بمناسبة 40 سنة على العملية، فإن كثيرين من أفراد الحاشية أكدوا أن ردود الفعل على الأرض لم تكن مثيرة للحماس. فمن مجموع 54 رئيس دولة تمت دعوتهم لحضور الحفل، حضر سبعة زعماء فقط (هم رؤساء أوغندا وكينيا وورواندا وإثيوببيا وجنوب السودان وتنزانيا وزامبيا). والفكرة التي يحاول نتنياهو دحرجتها لقبول إسرائيل عضوا مراقبا في اتحاد دول أفريقيا، رفضت بشكل قاطع. ووسائل الإعلام التي رحبت بنتنياهو، ليست صحافة حرة إنما تعمل بوقا للسلطات هناك، والصحافيون الإسرائيليون المشاركون في الزيارة تكلموا عن تذمر شديد من سياسة الكبت الحكومية ولم يبخلوا في توجيه النقد، ولكن بصوت خافت لسياسة نتنياهو في الشرق الأوسط والعالم. ولذلك فهي ليست مقياسا لنبض الشارع. ورجال الأعمال الإسرائيليون الذين شاركوا نتنياهو رحلته، أكدوا أن الطريق سيكون طويلا جدا حتى تصبح هناك علاقات تجارية عميقة وكبيرة مع الدول الأفريقية. لا، بل إن القرار الذي أعلنه نتنياهو نفسه برصد مبلغ 50 مليون شيكل لتشجيع العلاقات مع دول أفريقيا، يعتبر مثارا للسخرية. فهذا المبلغ يضاهي 14 مليون دولار. فما الذي يمكن عمله بمبلغ هزيل كهذا؟
من هنا، فإن الآمال التي يبنيها نتنياهو بعودة العصر الذهبي الإسرائيلي في أفريقيا، حينما كانت لها علاقات دبلوماسية واقتصادية قوية مع 33 دولة، تبدو أقل واقعية مما يظهر من لهجة رئيس الوزراء الإسرائيلي ومساعديه الكثيرين، الذين اعتبروها زيارة تاريخية. صحيح أنها ساهمت في رفع المعنويات الإسرائيلية، خصوصا في وزارة الخارجية، التي لطالما رغبت في مكافحة العزلة السياسية الدولية، وصحيح أنها ستفتح بعض الأبواب الجديدة في مجال العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية والتجارية، لكن أحدا لا يتوقع من الإسرائيليين أن يتدفقوا بمئات ألوفهم على العواصم الأفريقية حاملين حقائب سفر أو حقائب دولارات.
* هدف استراتيجي
وكما يقول د. عوفر يسرائيلي، الباحث في المعهد الأكاديمي المتعدد المجالات في مدينة هرتسيليا، فإن «أفريقيا باتت هدفا استراتيجيا للسياسة الإسرائيلية، يضعه نتنياهو وغيره من صناع القرار الإسرائيلي لتوسيع العلاقات السياسية والأمنية مع مجتمعات جديدة، بجانب الحلفاء التقليديين في شمال أميركا وغرب أوروبا. وهناك إدراك قوي لضرورة وأهمية التعاون الأمني والاستخباري بين الإسرائيليين والأفارقة، تعبيرا عن مصالح متبادلة، ولكن هناك في المقابل مخاوف كثيرة وبيروقراطية شديدة وشعور غير مريح بأن الحكومة تذكرت أفريقيا متأخرا. لذلك، فإن المتوقع هو أن تسير عملية التجديد ببطء وبحذر زائد حتى لو تم توقيع العقود التجارية الخاصة بصفقات الأسلحة والعقود الاستثمارية».
وأما الكاتب الصحافي بن كاسبيت، فيقول: «من الأمور القليلة التي يمكن تسجيلها نجاحا لصالح نتنياهو هو زيارته لأفريقيا. فهو وضع حدا للعار الإسرائيلي بإهمال هذه القارة، الذي يشتم منه رائحة كريهة تدل على أن حكوماتنا السابقة تعاملت على أساس أنها بيضاء أكثر من اللازم تجاه بلاد سوداء أكثر من اللازم، بلغة أخرى عنصرية. ولكن أفريقيا اليوم هي ليست أفريقيا الأمس. ولن تكون سهلة. إلا أن نتنياهو الفاشل في كل شيء كان ناجحا هنا في المحاولة. المشكلة هي أن أفريقيا الجديدة حذرة وعطشى. عطشى بمعنى أنها تريد أن تنتقل إلى العالمية. الدول التي زارها نتنياهو تتقدم نسبيا أكثر من غالبية دول أفريقيا، خصوصا من الناحية الاقتصادية. ولكنها حذرة بمعنى أنها لا تريد أن تحارب حروب إسرائيل. ولا تريد أن تتخلى عن الموقف السياسي التقليدي في قضية السلام في الشرق الأوسط وما زالت غالبيتها تساند الفلسطينيين وترفض الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولن نتمكن من تبديد مخاوفها منا، إلا إذا عرفنا كيف نبادر لتغيير الواقع السياسي هنا مع الفلسطينيين. فأفريقيا، وإن كانت تغرب في خبراتنا الأمنية وقدراتنا التكنولوجية، لكنها لا تتنازل عن مصالحها السياسية مع العالم العربي.
وهكذا، فإن الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج، قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادة (نتنياهو) واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا كونها بحاجة ماسة للخبرات الأمنية والتكنولوجيا الصناعية والزراعية. وكل فراغ يتركه العرب أو غيرهم وراءهم في أفريقيا، يخططون لملئه عاجلا. وهي تفعل ذلك ببطء وبنواقص كبيرة ولكن بإصرار. فعند نتنياهو اليوم هم كبير هو فك العزلة السياسية عن إسرائيل.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.