نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

الضجة التي أقامها حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)

قد لا يصدق المرء، أن فيلما إيرانيا وقف وراء «هجمة» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أفريقيا، وما رافق زيارته لأربع من دولها، الأسبوع الماضي، من إشكاليات. لكن هكذا هي السياسة الإسرائيلية في عهد اليمين، مليئة بالارتجالية. حتى تبدو في بعض الأحيان راكضة إلى سراب. وبعدما عاد الرجل إلى تل أبيب، وجد أمامه تساؤلات كثيرة حول جدوى هذه الزيارة وليس صدفة. والمحاولات التي قام بها نتنياهو لتضخيم أهمية الزيارة وإظهارها دليلاً على انعدام وجود عزلة دولية لإسرائيل والتبشير بمكانة إسرائيلية خاصة في مكافحة «الإرهاب الإسلامي»، كما قال، والحديث عن صفقات أسلحة وتجارة، كلها تصطدم بواقع آخر هو: أن إيران والصين وغيرهما من دول العالم سبقت إسرائيل منذ سنوات طويلة إلى القارة السمراء.
وحقًا، الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادته واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا.

كثير من التحليلات نشرت لتفسير دوافع وأهداف الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى أربع دول أفريقية في الأسبوع الماضي. فالبعض اعتبرها زيارة تاريخية تعيد لإسرائيل دورها المفقود في هذه القارة. ونتنياهو نفسه تحدث عن «مصلحة مشتركة في مكافحة الإرهاب الإسلامي وفي تطوير التبادل التجاري والاقتصادي». والبعض اعتبرها «هجمة دبلوماسية من إسرائيل لصد الهجمة الفلسطينية في الأمم المتحدة»، غرضها تجنيد عدد من الأصوات لصالح إسرائيل لإفشال المشاريع الفلسطينية والعربية المعادية. ومع أن هناك أكثرية ساحقة في الجمعية العامة مناصرة للفلسطينيين، وفي السنوات الأخيرة وسّع الفلسطينيون جدًا من نشاطاتهم الدولية وحصدوا غير قليل من الثمار الرمزية، ابتداء من رفع علم فلسطين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك وصولاً إلى الاعتراف بالسلطة الفلسطينية من جانب برلمانات وحكومات أوروبا، فإنه من الجهة الأخرى، وفي التصويت الأهم في الشأن الفلسطيني في العامين الأخيرين، فشل الفلسطينيون في تأمين الأغلبية في مجلس الأمن للاعتراف بفلسطين كدولة. وبالمناسبة، كانت رواندا الأفريقية، إحدى الدول التي امتنعت عن التصويت، حين سقط الاقتراح الفلسطيني على صوت واحد فقط. ولذلك شمل نتنياهو هذه الدولة في جولته الجديدة.
كما أن هناك من يرى في جولة نتنياهو محاولة لتجنيد «زبائن» يشترون الغاز الذي تستخرجه إسرائيل من أعماق البحر الأبيض المتوسط. وهناك من يرى أن الهدف الأساسي هو فك العزلة الدولية عن إسرائيل، عن طريق تقديم مساعدات أمنية وتكنولوجية لهذه الدول وتجنيدها لصالح مواقف إسرائيل في المحافل الدولية. لا بل هناك من يقول إن الجولة جاءت بغرض أساسي هو إثارة عناوين كبيرة في الصحف الإسرائيلية، تغطي على العناوين الخاصة بقضايا التحقيق الجاري بحثها في الشرطة ضد نتنياهو شخصيا بشبهات تبييض وغسل الأموال.

* خدمات أمنية
وكان لافتا للنظر أن الكاتب الصحافي بيتر فام، المتخصص في شؤون أفريقيا لدى مجموعة الأبحاث «أتلانتيك»، كشف في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية عن أن إسرائيل ستقوم بمساعدة كينيا على بناء جدار بطول 708 كيلومترات تقريبا على طول الحدود مع الصومال، وذلك لمنع حركة «الشباب المجاهدين» والميليشيات المسلحة الأخرى من عبور الحدود، وأن نتنياهو عرض مشروعا يستند إلى الخبرة الإسرائيلية الطويلة في مجال إقامة الجدران، ليس فقط في كينيا بل في بقية الدول الأفريقية التي زارها.
والحقيقة، أن كل هذه الأسباب واقعية وقد يكون لكل منها نصيب في تخطيط وإخراج هذه الزيارة. إلا أن هناك حقيقة أخرى تكشفها سطور مفكرة نتنياهو وتشير إلى دوافع أخرى. وهذه هي:
فيلمان سينمائيان، أحدهما روائي من الخيال والثاني وثائقي لا يخلو من الخيال، كانا الشرارة التي أطلقت زيارة نتنياهو الصاخبة إلى أفريقيا. الفيلم الأول إيراني. والثاني إسرائيلي. الأول يدعى «الولد الرابع»، والثاني يدعى «يوني»، ويحكي بطولة يونتان نتنياهو شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي قتل قبل أربعين عاما وهو يقود فرقة كوماندو إسرائيلية حررت الرهائن الإسرائيليين والأجانب من الطائرة التي اختطفها فلسطينيون وهي في طريقها من باريس إلى تل أبيب، وانعطفوا بها إلى أوغاندا سنة 1986.
الفيلم الأول، عرض لأول مرة في شهر أغسطس (آب) 2013. مع تصادف نهاية شهر رمضان المبارك وعشية عطلة عيد الفطر. اسمه بالفارسية «الطفل الرابع» (فرزند جهارم)، وقد تم تصوير أجزاء منه في الصومال وكينيا. ويحكي الفيلم عن نجمة سينمائية اسمها راوية سئمت حياة النجومية الفارغة وخرجت إلى الصومال لكي توثق بكاميراتها المأساة اليومية للحرب والمجاعة. وتسعى راوية، مع رجل صناعة إيراني، يدعى «مظفر»، وطبيب من الهلال الأحمر الإيراني، إلى «محاولة إنقاذ الأفارقة من أنفسهم»، كما تقول. ويعرض الفيلم الصراعات القبلية والدينية، والبلدان الأفريقية الغنية وأصحاب رؤوس الأموال الأفارقة كجهات تقف وراء الحروب والمجاعة. وفي أحد مشاهد الفيلم، يركل رجل الصناعة الإيراني مظفر وعاء الحساء «الحقير» الذي يتم توزيعه على اللاجئين في المخيم التابع لجنوب أفريقيا؛ وأمام صدمته من نوعية الطعام والمعاملة المهينة للاجئين، يأخذ مظفر على عاتقه مهمة تزويد اللاجئين بالطعام الجيد (من المطبخ الفارسي) ومعاملتهم بشكل إنساني وباحترام. مهمة الإنقاذ التي تطالب الأبطال الإيرانيين بتضحيات شخصية، تشمل في النهاية تبني طفلة أفريقية مهجورة وإحضارها إلى إيران لكي يتم تثقيفها داخل أسرة إيرانية، سخية وكريمة.
* فيلم «يوني»
فيلم «يوني»، بالمقابل، هو قصة «بطولة إسرائيلية» على حساب الأفارقة، جرت وقائعها قبل أربعين عاما. فيها يظهر الجنود والضباط الإسرائيليون وهم يضعون خطة مليئة بالمخاطر لإطلاق سراح الرهائن، تنتهي نسبيا بنجاح خارق. فالفرقة تهبط في كينيا وتصل إلى مطار عينتيبة في أوغندا وتقود قافلة من السيارات العسكرية، تم وضع سيارة مارسيدس شبح في وسطها، شبيهة بسيارة الرئيس عيدي أمين آنذاك، حتى تضلل الجنود والحراس الأوغنديين، فتسيطر على المطار وعلى الموقف. ويظهر الفيلم كيف نجح الكوماندو الإسرائيلي في تصفية الخاطفين الفلسطينيين، بعد معركة طويلة قتل فيها 40 راكبا و31 جنديا أوغنديا وضابطا إسرائيليا واحدا هو شقيق نتنياهو. بنيامين نتنياهو، الذي كان ولدا آنذاك، اعتبرها أكبر بطولة إسرائيلية، لكنه لم يُطرِ على أصحابها، وهم خصومه السياسيون (إسحاق رابين وشمعون بيريس وإيهود باراك وموشيه يعلون)، ويحاول إظهارها بطولة لعائلة نتنياهو. واحتفل بذكرى مرور 40 عاما على الحدث، في أوغندا خاصة، بحضور ستة رؤساء أفارقة في مقدمتهم الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، الذي لم يشعر بحرج وهو يمتدح شجاعة ضيوفه الإسرائيليين (لكنه ذكر فلسطين بدل إسرائيل وهناك من اعتبرها «خطأ مقصودا»)، رغم ما دفعوه من ثمن باهظ بسفك دماء عشرات من جنود جيشه وانتهاك حرمة بلاده.
الفيلم الأول، أثار غيرة وحسد المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية من إيران، التي تثبت بواسطته وبواسطة نشاطات أخرى أنها تعرف قيمة السوق الأفريقية وتستثمر فيها كثيرا، خصوصا مع إهمال أفريقيا في الدول العربية. ويتضح أنه بالإضافة إلى فيلم «الولد الرابع»، الذي تم إنتاجه بمبادرة صندوق السينما الحكومي «الفارابي»، هناك سلسلة أفلام وثائقية تلفزيونية، تحمل اسم «أفريقيا هنا». ويشكل هذان الإنتاجان محاولة لتجنيد الشاشتين، الكبرى والصغرى، من أجل تعريف المشاهد الإيراني على القارة الأفريقية، كما ينظر إليها في إيران. والسلسلة تتألف من 52 حلقة، جاءت لإطلاع المشاهد الإيراني على أهمية القارة الأفريقية والمحفزات السياسية والتجارية الكامنة فيها. ففي العقود الأربعة التي مضت منذ تأسيسها، سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى ترسيخ علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأفريقية.
* فتح أبواب أفريقيا
وقد أعد معهد الدراسات الأفريقية في جامعة تل أبيب دراسة أوصى في نهايتها الحكومة بفتح أبواب أفريقيا، لأنها «سوق عذراء يكتشفها الصينيون والإيرانيون ويغزونها». وتقول الدراسة إن إيران تستفيد آيديولوجيا في أفريقيا، وذلك بواسطة نشر المذهب الشيعي، وهذا سيؤدي حتما إلى صدام مع قوى محلية كثيرة وينبغي على إسرائيل أن تكون جاهزة لاحتلال مكان إيران في هذه الحالة، والبدء في الوقت نفسه في العمل على إطلاق مشاريع أخرى في مجالات تحتاجها أفريقيا ولا تستطيع إيران توفيرها مثل الدعم الأمني والتكنولوجيا الزراعية وحرب السايبر.
والسؤال هو: ماذا يمكن لنتنياهو أن يحقق في جولة قصيرة كهذه؟ وهل دخل أبواب أفريقيا بالقدم اليمنى، الإيجابية، أم بالقدم اليسرى، السلبية، حسب التقاليد المحلية؟
هنا يأتي دور الفيلم الثاني. صحيح أن نتنياهو لم يكن مخرج فيلم «يوني» المذكور، وما احتواه من غطرسة وتباه بالقوة الإسرائيلية العسكرية، لكنه يعبر تماما عن روح نتنياهو وعقليته. فقصة الفيلم تروى بروح الموقف المعلن أن «لا تفاوض مع إرهابيين يخطفون الرهائن، مهما كان الثمن»، لكنها تبين أن الثمن قد يكون باهظا لدول أخرى وليس فقط لإسرائيل. فالهجوم على مطار عينتيبة كان بمثابة انتهاك لحرمة أوغندا وفي ضمنه تم تضليل الجيش الأوغندي بواسطة استخدام سيارة شبيهة بسيارة الرئيس الفخمة وتم قتل 20 جنديا أوغنديا خلال تراشق الرصاص ودمرت القوة الإسرائيلية 17 طائرة حربية أوغندية قبل أن تغادر.
وعلى الرغم من أن رئيس أوغندا رحب بنتنياهو والاحتفال بمناسبة 40 سنة على العملية، فإن كثيرين من أفراد الحاشية أكدوا أن ردود الفعل على الأرض لم تكن مثيرة للحماس. فمن مجموع 54 رئيس دولة تمت دعوتهم لحضور الحفل، حضر سبعة زعماء فقط (هم رؤساء أوغندا وكينيا وورواندا وإثيوببيا وجنوب السودان وتنزانيا وزامبيا). والفكرة التي يحاول نتنياهو دحرجتها لقبول إسرائيل عضوا مراقبا في اتحاد دول أفريقيا، رفضت بشكل قاطع. ووسائل الإعلام التي رحبت بنتنياهو، ليست صحافة حرة إنما تعمل بوقا للسلطات هناك، والصحافيون الإسرائيليون المشاركون في الزيارة تكلموا عن تذمر شديد من سياسة الكبت الحكومية ولم يبخلوا في توجيه النقد، ولكن بصوت خافت لسياسة نتنياهو في الشرق الأوسط والعالم. ولذلك فهي ليست مقياسا لنبض الشارع. ورجال الأعمال الإسرائيليون الذين شاركوا نتنياهو رحلته، أكدوا أن الطريق سيكون طويلا جدا حتى تصبح هناك علاقات تجارية عميقة وكبيرة مع الدول الأفريقية. لا، بل إن القرار الذي أعلنه نتنياهو نفسه برصد مبلغ 50 مليون شيكل لتشجيع العلاقات مع دول أفريقيا، يعتبر مثارا للسخرية. فهذا المبلغ يضاهي 14 مليون دولار. فما الذي يمكن عمله بمبلغ هزيل كهذا؟
من هنا، فإن الآمال التي يبنيها نتنياهو بعودة العصر الذهبي الإسرائيلي في أفريقيا، حينما كانت لها علاقات دبلوماسية واقتصادية قوية مع 33 دولة، تبدو أقل واقعية مما يظهر من لهجة رئيس الوزراء الإسرائيلي ومساعديه الكثيرين، الذين اعتبروها زيارة تاريخية. صحيح أنها ساهمت في رفع المعنويات الإسرائيلية، خصوصا في وزارة الخارجية، التي لطالما رغبت في مكافحة العزلة السياسية الدولية، وصحيح أنها ستفتح بعض الأبواب الجديدة في مجال العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية والتجارية، لكن أحدا لا يتوقع من الإسرائيليين أن يتدفقوا بمئات ألوفهم على العواصم الأفريقية حاملين حقائب سفر أو حقائب دولارات.
* هدف استراتيجي
وكما يقول د. عوفر يسرائيلي، الباحث في المعهد الأكاديمي المتعدد المجالات في مدينة هرتسيليا، فإن «أفريقيا باتت هدفا استراتيجيا للسياسة الإسرائيلية، يضعه نتنياهو وغيره من صناع القرار الإسرائيلي لتوسيع العلاقات السياسية والأمنية مع مجتمعات جديدة، بجانب الحلفاء التقليديين في شمال أميركا وغرب أوروبا. وهناك إدراك قوي لضرورة وأهمية التعاون الأمني والاستخباري بين الإسرائيليين والأفارقة، تعبيرا عن مصالح متبادلة، ولكن هناك في المقابل مخاوف كثيرة وبيروقراطية شديدة وشعور غير مريح بأن الحكومة تذكرت أفريقيا متأخرا. لذلك، فإن المتوقع هو أن تسير عملية التجديد ببطء وبحذر زائد حتى لو تم توقيع العقود التجارية الخاصة بصفقات الأسلحة والعقود الاستثمارية».
وأما الكاتب الصحافي بن كاسبيت، فيقول: «من الأمور القليلة التي يمكن تسجيلها نجاحا لصالح نتنياهو هو زيارته لأفريقيا. فهو وضع حدا للعار الإسرائيلي بإهمال هذه القارة، الذي يشتم منه رائحة كريهة تدل على أن حكوماتنا السابقة تعاملت على أساس أنها بيضاء أكثر من اللازم تجاه بلاد سوداء أكثر من اللازم، بلغة أخرى عنصرية. ولكن أفريقيا اليوم هي ليست أفريقيا الأمس. ولن تكون سهلة. إلا أن نتنياهو الفاشل في كل شيء كان ناجحا هنا في المحاولة. المشكلة هي أن أفريقيا الجديدة حذرة وعطشى. عطشى بمعنى أنها تريد أن تنتقل إلى العالمية. الدول التي زارها نتنياهو تتقدم نسبيا أكثر من غالبية دول أفريقيا، خصوصا من الناحية الاقتصادية. ولكنها حذرة بمعنى أنها لا تريد أن تحارب حروب إسرائيل. ولا تريد أن تتخلى عن الموقف السياسي التقليدي في قضية السلام في الشرق الأوسط وما زالت غالبيتها تساند الفلسطينيين وترفض الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولن نتمكن من تبديد مخاوفها منا، إلا إذا عرفنا كيف نبادر لتغيير الواقع السياسي هنا مع الفلسطينيين. فأفريقيا، وإن كانت تغرب في خبراتنا الأمنية وقدراتنا التكنولوجية، لكنها لا تتنازل عن مصالحها السياسية مع العالم العربي.
وهكذا، فإن الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج، قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادة (نتنياهو) واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا كونها بحاجة ماسة للخبرات الأمنية والتكنولوجيا الصناعية والزراعية. وكل فراغ يتركه العرب أو غيرهم وراءهم في أفريقيا، يخططون لملئه عاجلا. وهي تفعل ذلك ببطء وبنواقص كبيرة ولكن بإصرار. فعند نتنياهو اليوم هم كبير هو فك العزلة السياسية عن إسرائيل.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».