موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

اللغة وعاء العالم ومأوى الوجود ولا إدراك خارجها

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي
TT

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

لا يخفى على أحد، أن اللغة محدد أساسي في إنسانية الإنسان. فهي خاصية بشرية بامتياز، لا ترقى إليها بقية الحيوانات، وإن تواصلت بأعلى المستويات الغريزية، كالنمل بإفرازاته الكيميائية، والنحل برقصاته المعلنة عن مكان وجود الطعام، أو تلك الأصوات التي تلفظها الحيوانات للإخبار بالفزع أو التزاوج. فالإنسان له لغة متمفصلة، كما يقول عالم اللسانيات «بنفينيست». فالحروف الأبجدية مثلا، تمكن الإنسان من صناعة كلمة وجملة وفقرة ونص وكتاب ومجلدات.. وهذا ما يعجز عنه الحيوان. فالإنسان قادر على تشكيل الألفاظ بحسب الحاجة والمتغيرات، وما تنامي المعاجم إلا دليل ذلك.
لكن الخطير في اللغة، باعتبارها علامات وصور منطوقة أو مكتوبة، هو قدرتها على اختصار العالم وضمه في الذهن. وهذا عمل اقتصادي يلم شمل الجزئيات المتناثرة هنا وهناك في هذا الكون الفسيح. فماذا سيكون مصير الإنسان في غياب اللغة؟ من المؤكد أنه سيكون صورا حسية مشتتة لا ضابط لها ولا جامع يمكن الإنسان منها. فعندما أقول لك في غرفة مغلقة لفظة قمر، فأنا لا أحضر هذا القمر الملموس الخارجي الموضوعي، بل أختزل معناه في كلمة تسعفني وتغنيني عن الموضوع. فاللغة تحضر لي العالم كله وتختزله لي في ذهني. وكم يعتبر الأمر مثيرا وعجيبا وملغزا، إذ يكفي أن نتفق على إعطاء اسم لغوي لموضوع معين وسط جماعة معينة، لننسى نهائيا هذا الواقع، ونكتفي بالرموز فقط. وهذا اقتصاد شديد، فغياب اللغة يعني الدخول في بعثرة كاملة تفضي إلى غياب التواصل.
إن عقلنا البشري لا يستطيع فهم العالم بمعزل عن اللغة، فهي عدته وأداته الأساس. ولا يكتفي العقل بالتسميات المفردة اللصيقة بالمحسوس، بل يتجه صوب المجردات لمزيد من الجمع والضم، كي يسهل التعامل مع الواقع. فلفظة إنسان، تضم زيدا وعمرا ومحمدا وفاطمة.. وهي أشمل وأعم. إنها الكل والتعريف، إنها الاختصار الأكبر. ويقال الشيء نفسه عن لفظة حيوان ولفظة حشرة وغير ذلك. فعقلنا يسعى بواسطة اللغة، سواء في بعدها الملموس أو المجرد، إلى التجميع والترتيب، واختزال العالم في قوالب لغوية جامعة، تسهل الفهم والإدراك، وتبعد الغموض، وتمكن من التواصل الأحسن. إذن اللغة وعاء العالم ومأوى الوجود، ولا إدراك خارج اللغة.
أصول الفقه والتغير الدلالي
مع مرور القرون والتجارب والخبرات، نجد أن اللفظ الموضوع أولا، تعلق به معان تكون مختلفة، أحيانا، عن الأصل، فيصبح مشحونا بدلالات ومعان كأنها طبقات فوق طبقات، تشوش كل طبقة منها على الأخرى، فتظهر مشكلات في المعنى. ونجد أنفسنا نردد الألفاظ نفسها، لكن ليس بالدلالة نفسها. وتكون انعكاسات ذلك وخيمة على التواصل السليم. هذا الأمر المرتبط بالتغير الدلالي للألفاظ، بحسب التخصصات وبحسب مرور الزمن، تنبه له المسلمون بقوة. ويكفي التنبيه إلى علم أصول الفقه، وهو علم يزود الفقيه بالأدوات والخطة والمنهج اللازم لاستنباط الأحكام الشرعية، خاصة التكليفية منها، والأمر عندهم كان معقدا، والجري وراء إيقاف نزيف المعنى وسيولته كان أمرا ملحا. فاللفظ المتعامل معه مأخوذ من الوحي، والتعامل مع مراد الشارع محفوف بالمخاطر. وترك المعنى منفلتا من دون قيود، سيضرب الأحكام الربانية في الصميم. ما جعل الأصوليين يتعاملون بجدية منقطعة النظير مع مسألة الدلالة وتغيرها. فقدموا في ذلك أعمالا فذة، لكي لا تكون الفوضى في استخراج المعنى من النص الشرعي، الذي يحتاج إلى الحذر والتريث والتؤدة، خشية الانزلاق في مطب التقول على الله بما يخالف قصده. فقام الأصوليون بوضع قواعد لفهم النصوص، وسنوا ضوابط تسمح للفقيه بالسير في درب أكثر أمانا، وهو يستخرج الأحكام من النص. وعولوا في ﺫلك بالأساس، على الفهم العربي، أي على معهود العرب في التداول. وأول ما قاموا به هو تحرير الألفاظ، حيث نجدهم يتحدثون عن اللفظ من حيث وضوحه (الظاهر – النص – المفسر - المحكم). وعن اللفظ من حيث عدم وضوحه (الخفي – المشكل – المجمل – المتشابه - المؤول). وعن اللفظ من حيث ضيق معناه أو اتساع معناه (الخاص والعام). وعن اللفظ من حيث الإطلاق والتقييد. وكذلك تحدث الأصوليون عن اللفظ كصيغ للتكليف، (الأمر والنهي).. إلى غير ذلك مما يعلمه أهل الاختصاص. ولنأخذ على ذلك مثال الصلاة، فهي على الأقل، تحتوي على ثلاث طبقات من المعاني عند الأصوليين. فنجد المعنى اللغوي، أي الدعاء، والمعنى الشرعي، أي الصلاة، كما جاءت بها التعاليم الإسلامية، والصلاة بالمعنى العرفي. وعلى هذا المنوال اشتغل علماء أصول الفقه، لإيقاف نزيف المعنى.
هذا العمق في استيعاب التغيرات الدلالية، سيزداد حدة مع التلاقحات الإسلامية بالحضارات الأخرى (سريانية وفارسية ويونانية..)، إلى درجة أنه كان من الطبيعي أن تبدأ عملية وضع معاجم متخصصة لضبط هذا السيل من الكلمات التي تحتاج إلى تفسير. وما كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، والتعريفات للجرجاني، ومفاتيح العلوم للخوارزمي، إلا أمثلة على ذلك. وسنقف عند هذا الكتاب الأخير لإبراز العمل العملاق الذي أنجزه المسلمون بخصوص اللغة.
«مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب
نشير بداية، إلى أن الخوارزمي المقصود هنا، ليس أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي، المتوفى سنة (232-847م) الرياضي الشهير، بل هو محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب البلخي الخوارزمي، المتوفى سنة (387-997م)، صاحب كتاب «مفاتيح العلوم».
يعد الكتاب الذي سنعتمد فيه على طبعة «دار المناهل»، لبنان، ط1. 2008، المصحوبة بتصدير ودراسة الدكتور عبد الأمير الأعسم، من أنفس المصادر في تاريخ العلوم. وظهوره إلى الوجود كان جوابا عن الكثير من الأسئلة العالقة في سؤال العلم عند العرب، خاصة فيما يتعلق بالمصطلح خلال القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، وذلك من حيث نحته أو استيراده من لغات أخرى، وإقحامه في بنية العربية بشكل ملائم. ناهيك على أن الكتاب يقف عند مسألة التغير الدلالي بحسب الحقول العلميّة. فاللفظة نفسها، تأخذ معاني مختلفة. والمفاهيم وهي تسافر، تعلق بها شحنات جديدة من الدلالات. وهذا ما سيضرب عليه الخوارزمي الكاتب، الكثير من الأمثلة في مقدمة كتابه. وهذا يدل على نضج عال في تلك الحقبة من تاريخ البشرية، فيما يخص المنهج، مثير للدهشة بحق. فالكتاب موسوعة لغوية شاملة للعلوم، سواء الشرعية أو الدخيلة. فهو يجمع كل المعجم الخاص بكل علم، ويقسمه إلى أبواب، هي: الفقه، والكلام، والنحو، والكتابة، والشعر، والأخبار، والفلسفة، والطب، والرياضيات، والفلك، والحيل، والكيمياء.
لم يحظ كتاب «مفاتيح العلوم» باهتمام لائق من الباحثين العرب إلا نادرا. لكنه وجد بالمقابل، صدى وتفصيلا في الدراسة من طرف المستشرقين، على نحو يثير الإعجاب. لقد قام الدكتور عبد الأمير الأعسم، بدراسة جعلها مقدمة لكتاب مفاتيح العلوم، واستنتج الأمر التالي: إنه شخصيا، كان له موقف صارم من الاستشراق الآيديولوجي. أما هذه المرة، خاصة مع هذا الكتاب، فعلى العكس تماما، تشكلت في ذهنه تصورات إيجابية عن الاستشراق العلمي، الذي أنجز الكثير في تاريخ العلوم عند العرب. فخلص إلى فكرة مفادها أنه ليس كل ما هو قادم من الاستشراق سيئ أو مغرض.
ظهر كتاب «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب، بنصه العربي ولأول مرة، في نشرة المستشرق الألماني فان فلوتن van vloten، سنة 1895، أي أواخر القرن التاسع عشر. وكان ذلك أمرا مدهشا لدى المستشرقين، نظرا لطريقة بنائه وطريقة تفصيلاته. لقد كان إعلانا بانفتاح البحث العلمي الجاد على دراسة المصطلحات التي ضمها الكتاب، خلال القرن الرابع الهجري، أي العاشر الميلادي.
استهل الخوارزمي كتابه بمقدمة بها وضوح في الرؤية. ويمكن أن نقف عند بعض محطاتها التي حاول من خلالها الخوارزمي توضيح عمله ومشروعه، وهي كالآتي:
يعلن الخوارزمي الكاتب أنه من الدواعي لكتابة هذا النموذج من الموسوعات اللغوية، تزويد الباحث بمفاتيح للعلوم، أي جمع كل المواضعات والاصطلاحات المسعفة خاصة للغوي. فهو يقول، بأن كتب علم اللغة تخلو من هذه المواضعات، حتى إن البارز من اللغويين، إذا نظر كتب بعض التخصصات، كان كالأمي الذي لا يفقه شيئا. ومن ثم قرر الخوارزمي تزويده بما يلزم لاختراق كل علم على حدة.
وبعد حديثه عن دواعي الكتابة، قام الخوارزمي بتقديم التفاتة رائعة حول التغير الدلالي من حقل إلى آخر. فاللفظة يكون لها معنى، لكن عندما تسافر إلى علم آخر، فإنها تكتسي دلالة جديدة وتشحن بمعان أخرى. ويضرب لذلك ثلاثة أمثلة:
لفظة الرجعة: وسيحصر لها الخوارزمي خمسة تغيرات في الدلالة وهي:
ا - عند أصحاب اللغة: المرة الواحدة من الرجوع. ويقول: وهم لا يكادون يعرفون غيرها.
ب - عند الفقهاء: الرجوع في الطلاق والذي ليس ببائن.
ج - عند المتكلمين: ما يزعمه بعض الشيعة من رجوع الإمام بعد موته أو غيبته.
د - عند الكتاب: حساب يرفعه المعطي في العسكر لطمع واحد «الأجير».
- عند أهل الفلك: سير الكواكب من الخمسة المتحيرة على خلاف نضد البروج.
لفظة الفك: وحصر لها أربعة تغيرات وهي:
ا - عند أصحاب اللغة والفقهاء: فك الأسير أو الرهن أو الرقبة، أو أحد الفكين وهما اللحيان.
ب - عند أصحاب العروض: إخراج جنس من الشعر من جنس آخر تجمعهما دائرة.
ج - عند الكتاب: أي كتاب الدواوين: الفك هو تصحيح اسم المرتزق في الجريدة السوداء، بعد أن كان وضع عنها.
لفظة الوتد: حصر لها ثلاثة تغيرات.
ا - عند اللغويين والمفسرين: أحد أوتاد البيت أو الجبل من قوله تعالى «والجبال أوتادا».
ب - عند أصحاب العروض: ثلاثة أحرف اثنان متحركان وثالث ساكن.
ج - عند المنجمين: الوتد هو أحد المنازل الأربعة في منطقة البروج وهي الطالع الغار.
يبدو بوضوح أن اللغة العربية قد أصبحت ألفاظها تحتوي على طبقات متعددة من المعاني، مما كان يجعل التواصل صعبا بين الناس. فهم نعم يتحدثون اللغة نفسها لكن بدلالات مختلفة حد التضارب. ومن ثم كانت ضرورة المعاجم المتخصصة، لكي يتمكن الباحث من الحصول على مفاتيح تسمح له باقتحام العلوم. وهذا ما فعله الخوارزمي الكاتب، بجمعه للمصطلحات الرائجة آنذاك، في كل صنوف المعارف، سواء في العلوم الشرعية أو ما سماه علوم العجم.



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».