كافكا وصيرورة الإنسان بين «التحول» و«المحاكمة»

يرسم في أعماله «لوحة عبثية» للوجود الإنساني ويجسد اللامعنى

غلاف الأعمال الكاملة
غلاف الأعمال الكاملة
TT

كافكا وصيرورة الإنسان بين «التحول» و«المحاكمة»

غلاف الأعمال الكاملة
غلاف الأعمال الكاملة

يعتقد البعض أن الروائي لا يخترع الرواية، لأنها موجودة في مكان ما منذ زمن بعيد، ولا يفعل سوى الكشف عنها. وعلى إيقاع هذا الكشف، سنقرأ أدب فرانز كافكا (1883 - 1924)، ونسبر عوالمه «الواقعية».
وصفت روايات كافكا بأنها نقد للمجتمع الصناعي، ولكل أشكال الاستغلال والاستلاب، والأخلاق البرجوازية، وبشكل عام، للرأسمالية وللمجتمع الحداثي. لكن المتصفح أعمال كافكا، يتجاوز هذا النمط من النقد إلى نقد أكثر جذرية للإنسان ذاته، الذي تعد الظواهر تلك، مفعولات له. بهذا المعنى، فالكافكوية تمثل، حسب ميلان كونديرا، قوة أولية كامنة في الإنسان وعالمه. وهي كامنة غير محددة تاريخيا، وترافق الإنسان حتى الأبد. على الرغم من أننا نعيش عصر القلق بامتياز، عصر اللامعنى، أو لنقل عصر غياب المعنى وانتشار العبث في كل علاقاتنا الوجودية. وهذا ما سنلمسه من خلال أدب كافكا، الذي خضع لتأويلات متعددة حد التناقض. إنه يقدم أبطال رواياته منفصلين وتائهين عما يحدث، وكأنهم داخل عالم مظلم أو متاهة، من جراء قوة الحدث وتأثيراته. ففي روايته «المحاكمة» مثلا، لا يعرف المتهم لماذا اتهم وبماذا. ومع ذلك، يتكيف مع اتهامه ويقبله. وهذا ما يجعلنا نميز بين عالمين: «عالم اليومي - الواقعي، وعالم التوجس» والتساؤل حول هذا الذي يحدث لأبطال رواياته (التحول الحيواني لغريغوار والمحاكمة العبثية لجوزيف كـ...)، إنه ينظر إليهم كإمكانية إنسانية أو طريقة في الوجود، وليس كنماذج خاصة يحتذى بها داخل المجتمع. بمعنى أن المغامرات التي تشكل المادة الأولية لرواياته، تنقلنا من «عالم واقعي مألوف» إلى «عالم غريب» ننشد إليه، وكأن الواقع يفجر ذاته كطاقة من الممكنات الوجودية التي يتغير معناها. وهذا هو عالم كافكا، حيث لم يعد الإنسان إنسانا، والحيوان حيوانا، والمحاكمة محاكمة، والعدالة عدالة، والعائلة عائلة. إنه عالم غامض معتم، تتساكن فيه المتناقضات وتتجاور، ما يجعل واقعيته جديرة بالمعرفة والاكتشاف.
في روايته «التحول» (في ترجمات أخرى: المسخ)، استيقظ «غريغوار سامسا» وقد تحول في فراشه إلى حشرة حقيقية (ظهر صلب كدرع، بطن بني، قائمتان نحيلتان، إحساس بانقباضات باردة، رجف على الظهر، حكة في أعلى البطن، تغير في الصوت، صعوبة في الكلام، وعدم التحكم أحيانا في القائمتين...). تساءل «غريغوار»: ماذا وقع لي ؟ ليس هناك اعتراض لهذا الذي حدث، التحول وقع ويجب التعامل معه بإيجاب. إلا أن ما يميز هذا التحول أنه تم إدراكه والوعي به، وأنه واضح للعيان ولا يمكن اعتباره «حلما» أو «خيالا» أو «وهما»، بل إنه «الواقع» وكل الواقع. بهذا المعنى، فهو يمتلك قوة وجوده وقدرة الاستمرار بشكل عادي. لكن بشكل مختلف وبمعان أخرى. إن «حدث التحول» أسس لعلاقة الإنسان - الحيوان مع ذاته ومع العالم. وفتح الحدود بين عالم الإنسانية وعالم الحيوانية. ووضع الإنسان أمام مرآة الطبيعة الإنسانية ومآلاتها ومصيرها، بحيث انصب اهتمام «غريغوار» على التفكير في معنى علاقاته، وفي معنى ما يقوم به، ومعنى عمله. ويتوج هذا التفكير، برفض هذا العمل وهذا الواقع. ويقول: «فليأخذ الشيطان هذا المتجر» (سفر دائم، الأكل الرديء، صعوبة خلق صداقات...). بينما ركزت أسرته اهتمامها على تبعات غيابه عن وظيفته، التي تمس وضعهم الاقتصادي وتهدد مصالحهم المادية فقط، بمعنى الحفاظ على وضعية الاستغلال واستمرارها. إن رواية «التحول» تفجر الرؤية المتعالية والمقدسة عن الإنسان. وتفتح جروحا أخرى أصابت كيانه، إلى جانب الجروح الكسمولوجية (الطبيعية) والبيولوجية والنفسية. إنه جرح المعنى وتشظيه، والانغماس في اللامعنى. ويتمظهر ذلك من خلال فعل التحول. إذ تكمن إنسانية الإنسان في حيوانيته، بينما تكمن حيوانية الحيوان في إنسانيته. بمعنى أنه كلما اتجهنا نحو الحيوانية، كلما اقتربنا من الإنسانية، وكلما اعتقدنا أننا في قلب الإنسانية كنا في قلب الحيوانية. مع كافكا كل شيء معكوس، بحيث يخرج المعنى من اللامعنى، والواقعي من الخيالي، والوجود من العدم. وهذه الثنائيات، لا يمكن عزلها عن بعضها فهي تحمل قوتها في ارتباطاتها، لتشكل ذلك الغموض الإنساني، الذي يتأسس من خلال العلاقات التي يحددها مع ذاته والعالم والآخرين. ففي حالة «غريغوار»، لا يأتي الأذى الحقيقي من التحول في حد ذاته، بل من مفعولاته، من المجتمع، من علاقات الناس المعقدة والمحكومة بالمصالح. لذلك فهو لم يخف مما حدث له. بل مما يحدث في المتجر، كمؤسسة أو كمتاهة لإنتاج اللامعنى. فـ «كافكا» لا ينظر إلى المؤسسة بوصفها مجالا لصراع المصالح الشخصية والاجتماعية، بل يعتبرها آلية للخضوع لا علاقة لها بالمصالح. وهذا ما يجعلها غامضة وعسيرة على الفهم. فالمتجر هو عالم «غريغوار» القبلي، الذي كان يعيش فيه مستلبا بقوانينه ومنفصلا عن ذاته. أما غرفته المظلمة، فهي عالمه الخاص الذي يفكر فيه في ذاته وفي إنسانيته. فهذا «الحيوان - الإنسان»، حول هذه الغرفة المظلمة إلى «غرفة مضيئة»، حيث جعلنا نسائل إنسانيتنا من خلاله. إن هذا «التحول»، عرى كل الادعاءات وكل العلاقات والقيم، وأسقط الأقنعة التي تغلف وجودنا «الإنساني - الحيواني». فالقريب لم يعد قريبا، والأب لم يعد أبا، والأم لم تعد أما، والأخت لم تعد أختا، والأنا لم تعد أنا. لنستمع إلى ما تقوله أخت «غريغوار» لأبويها في حق أخيها: «هذه الوضعية لا يمكن أن تستمر هكذا. وإذا لم تعوا خطورة الأمر. فأنا أعي ذلك. لا أريد أن أنطق اسم أخي وأنا أتحدث عن هذا الوحش الذي يوجد هنا. سأقول لكم فقط، يجب أن نبحث عن طريقة نتخلص بواسطتها من هذا الشيء. لقد قمنا بكل ما يمكن القيام به إنسانيا من أجل معالجته وتحمله. أعتقد لا أحد سوف يلومنا». ماذا ترك لنا كافكا على لسان «غريت» شقيقة «غريغوار»؟ كيف يمكن أن نقبل هذه العدائية، هذا التنكر، هذا التشيؤ، هذا اللامعنى المؤلم، هذه الأنانية الوقحة؟ إنه يكشف لنا عن الأنا وما تحمله من صراع وتصادم بين «إنسانية - الحيوان» و«حيوانية - الإنسان».
وفي روايته «المحاكمة»، يقدم كافكا وضعا إنسانيا غامضا ومعلقا، من خلال شخصية البطل «جوزيف ك»، المتهم من دون أن يعرف طبيعة التهمة الموجهة إليه، ولا أسبابها وحيثياتها. فاللامعنى يغمر صيرورة أحداث الرواية، ابتداء من التهمة والتوقيف والاعتقال إلى الإعدام. يقول: «جوزيف ك»: «أستنتج من هذه الواقعة، أنني متهم دون أن أتمكن من إيجاد أدنى خطأ يمكن تقديم اللوم لي بسببه». فحتى الموظفون الذين جاؤوا لتوقيفه، لا يعرفون شيئا عن أسباب الاعتقال. بل ينفذون الأوامر، وعليه فقط الامتثال. ومن بإمكانه تقديم توضيحات لـ«جوزيف ك» بصدد اعتقاله؟ وما طبيعة التهمة الموجهة إليه؟
ترسم المحاكمة «لوحة عبثية» للوجود الإنساني، وتجسد اللامعنى السافر الذي يخترق التجربة الإنسانية. إنه العدم الذي يتربص بالإنسان أثناء العلاقات التي يقيمها مع العالم. فـ«جوزيف ك» يعترف بأنه يجهل القانون، ويؤكد في الوقت نفسه، أنه غير مذنب. ويقول: «لست مذنبا هناك خطأ ما». إنه على يقين من وجود سلطة ما تتحمل مسؤولية ما يقع، أو أنه، كما أعتقد، ضحية جهاز بيروقراطي فاسد، يستعمل السلطة - القوة لإقامة واقع الاتهام والاعتقال والمحاكمة باسم «العدالة».
تفضح «المحاكمة» عبثية العدالة المتجسدة في لا معنى الاتهام. وتكشف عن كل أشكال الزيف التي تطبع المشتغلين في حقلها، من قضاة وموظفين ومحامين وشرطة... إنها تجعل كل إنسان يحمل في ذاته إمكانية اتهامه. أو لنقل، إنه ليس بريئا، وفي الوقت نفسه ليس مذنبا. إنه في المنزلة بين المنزلتين؟ فهذا الشرخ الوجودي للإنسان، ليس عابرا أو ظرفيا، بقدر ما هو بنية أنطولوجية تخص الكائن الإنساني في مختلف علاقات القوى التي ينسجها مع العالم، سواء أكان صالحا أو طالحا، جبانا أو قويا. فالإحساس بالذنب ملازم للكينونة الإنسانية. إن رواية «المحاكمة» ليست محاكمة لـ«جوزيف ك»، ولا هي محاكمة لوضع اجتماعي أو سياسي معين، ولا هي محاكمة لنمط فكري تم إنتاجه، ولا هي محاكمة لعصر بعينه أو ثقافة أو حضارة ما. بل هي محاكمة لـ«الإنسان» ولـ«إنسانية» الإنسان، ولصيرورته الإنسانية الحيوانية أو الحيوانية الإنسانية، التي تعري وجوده وتفضح أننا لا نعرف، ولم نعرف بعد ذواتنا.
ويلاحظ عند كافكا عموما، أنه لم يتناول المشكلات الإنسانية بشكل نظري تجريدي. أي أنه لم ينتج تصورات نظرية حول هذه القضايا، مثلما هو الأمر عند «جان بول سارتر» أو «ألبير كامو». بل كانت ورشته هي فن الرواية. فهذه الأخيرة، هي المجال العملي لكشف تناقضات الكائن الإنساني نفسه، والغموض الذي يسكنه، المتجسد في فقدان الإنسان إنسانيته، وإبراز الصيرورة الإنسانية الحيوانية، وعقم العدالة وعيبها، لكن مع ذلك قد يشكل هذا العمل أحد المفاتيح الأساسية لفهم عصرنا الراهن، أو لنقل فهم الإنسان فينا.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.