كافكا وصيرورة الإنسان بين «التحول» و«المحاكمة»

يرسم في أعماله «لوحة عبثية» للوجود الإنساني ويجسد اللامعنى

غلاف الأعمال الكاملة
غلاف الأعمال الكاملة
TT

كافكا وصيرورة الإنسان بين «التحول» و«المحاكمة»

غلاف الأعمال الكاملة
غلاف الأعمال الكاملة

يعتقد البعض أن الروائي لا يخترع الرواية، لأنها موجودة في مكان ما منذ زمن بعيد، ولا يفعل سوى الكشف عنها. وعلى إيقاع هذا الكشف، سنقرأ أدب فرانز كافكا (1883 - 1924)، ونسبر عوالمه «الواقعية».
وصفت روايات كافكا بأنها نقد للمجتمع الصناعي، ولكل أشكال الاستغلال والاستلاب، والأخلاق البرجوازية، وبشكل عام، للرأسمالية وللمجتمع الحداثي. لكن المتصفح أعمال كافكا، يتجاوز هذا النمط من النقد إلى نقد أكثر جذرية للإنسان ذاته، الذي تعد الظواهر تلك، مفعولات له. بهذا المعنى، فالكافكوية تمثل، حسب ميلان كونديرا، قوة أولية كامنة في الإنسان وعالمه. وهي كامنة غير محددة تاريخيا، وترافق الإنسان حتى الأبد. على الرغم من أننا نعيش عصر القلق بامتياز، عصر اللامعنى، أو لنقل عصر غياب المعنى وانتشار العبث في كل علاقاتنا الوجودية. وهذا ما سنلمسه من خلال أدب كافكا، الذي خضع لتأويلات متعددة حد التناقض. إنه يقدم أبطال رواياته منفصلين وتائهين عما يحدث، وكأنهم داخل عالم مظلم أو متاهة، من جراء قوة الحدث وتأثيراته. ففي روايته «المحاكمة» مثلا، لا يعرف المتهم لماذا اتهم وبماذا. ومع ذلك، يتكيف مع اتهامه ويقبله. وهذا ما يجعلنا نميز بين عالمين: «عالم اليومي - الواقعي، وعالم التوجس» والتساؤل حول هذا الذي يحدث لأبطال رواياته (التحول الحيواني لغريغوار والمحاكمة العبثية لجوزيف كـ...)، إنه ينظر إليهم كإمكانية إنسانية أو طريقة في الوجود، وليس كنماذج خاصة يحتذى بها داخل المجتمع. بمعنى أن المغامرات التي تشكل المادة الأولية لرواياته، تنقلنا من «عالم واقعي مألوف» إلى «عالم غريب» ننشد إليه، وكأن الواقع يفجر ذاته كطاقة من الممكنات الوجودية التي يتغير معناها. وهذا هو عالم كافكا، حيث لم يعد الإنسان إنسانا، والحيوان حيوانا، والمحاكمة محاكمة، والعدالة عدالة، والعائلة عائلة. إنه عالم غامض معتم، تتساكن فيه المتناقضات وتتجاور، ما يجعل واقعيته جديرة بالمعرفة والاكتشاف.
في روايته «التحول» (في ترجمات أخرى: المسخ)، استيقظ «غريغوار سامسا» وقد تحول في فراشه إلى حشرة حقيقية (ظهر صلب كدرع، بطن بني، قائمتان نحيلتان، إحساس بانقباضات باردة، رجف على الظهر، حكة في أعلى البطن، تغير في الصوت، صعوبة في الكلام، وعدم التحكم أحيانا في القائمتين...). تساءل «غريغوار»: ماذا وقع لي ؟ ليس هناك اعتراض لهذا الذي حدث، التحول وقع ويجب التعامل معه بإيجاب. إلا أن ما يميز هذا التحول أنه تم إدراكه والوعي به، وأنه واضح للعيان ولا يمكن اعتباره «حلما» أو «خيالا» أو «وهما»، بل إنه «الواقع» وكل الواقع. بهذا المعنى، فهو يمتلك قوة وجوده وقدرة الاستمرار بشكل عادي. لكن بشكل مختلف وبمعان أخرى. إن «حدث التحول» أسس لعلاقة الإنسان - الحيوان مع ذاته ومع العالم. وفتح الحدود بين عالم الإنسانية وعالم الحيوانية. ووضع الإنسان أمام مرآة الطبيعة الإنسانية ومآلاتها ومصيرها، بحيث انصب اهتمام «غريغوار» على التفكير في معنى علاقاته، وفي معنى ما يقوم به، ومعنى عمله. ويتوج هذا التفكير، برفض هذا العمل وهذا الواقع. ويقول: «فليأخذ الشيطان هذا المتجر» (سفر دائم، الأكل الرديء، صعوبة خلق صداقات...). بينما ركزت أسرته اهتمامها على تبعات غيابه عن وظيفته، التي تمس وضعهم الاقتصادي وتهدد مصالحهم المادية فقط، بمعنى الحفاظ على وضعية الاستغلال واستمرارها. إن رواية «التحول» تفجر الرؤية المتعالية والمقدسة عن الإنسان. وتفتح جروحا أخرى أصابت كيانه، إلى جانب الجروح الكسمولوجية (الطبيعية) والبيولوجية والنفسية. إنه جرح المعنى وتشظيه، والانغماس في اللامعنى. ويتمظهر ذلك من خلال فعل التحول. إذ تكمن إنسانية الإنسان في حيوانيته، بينما تكمن حيوانية الحيوان في إنسانيته. بمعنى أنه كلما اتجهنا نحو الحيوانية، كلما اقتربنا من الإنسانية، وكلما اعتقدنا أننا في قلب الإنسانية كنا في قلب الحيوانية. مع كافكا كل شيء معكوس، بحيث يخرج المعنى من اللامعنى، والواقعي من الخيالي، والوجود من العدم. وهذه الثنائيات، لا يمكن عزلها عن بعضها فهي تحمل قوتها في ارتباطاتها، لتشكل ذلك الغموض الإنساني، الذي يتأسس من خلال العلاقات التي يحددها مع ذاته والعالم والآخرين. ففي حالة «غريغوار»، لا يأتي الأذى الحقيقي من التحول في حد ذاته، بل من مفعولاته، من المجتمع، من علاقات الناس المعقدة والمحكومة بالمصالح. لذلك فهو لم يخف مما حدث له. بل مما يحدث في المتجر، كمؤسسة أو كمتاهة لإنتاج اللامعنى. فـ «كافكا» لا ينظر إلى المؤسسة بوصفها مجالا لصراع المصالح الشخصية والاجتماعية، بل يعتبرها آلية للخضوع لا علاقة لها بالمصالح. وهذا ما يجعلها غامضة وعسيرة على الفهم. فالمتجر هو عالم «غريغوار» القبلي، الذي كان يعيش فيه مستلبا بقوانينه ومنفصلا عن ذاته. أما غرفته المظلمة، فهي عالمه الخاص الذي يفكر فيه في ذاته وفي إنسانيته. فهذا «الحيوان - الإنسان»، حول هذه الغرفة المظلمة إلى «غرفة مضيئة»، حيث جعلنا نسائل إنسانيتنا من خلاله. إن هذا «التحول»، عرى كل الادعاءات وكل العلاقات والقيم، وأسقط الأقنعة التي تغلف وجودنا «الإنساني - الحيواني». فالقريب لم يعد قريبا، والأب لم يعد أبا، والأم لم تعد أما، والأخت لم تعد أختا، والأنا لم تعد أنا. لنستمع إلى ما تقوله أخت «غريغوار» لأبويها في حق أخيها: «هذه الوضعية لا يمكن أن تستمر هكذا. وإذا لم تعوا خطورة الأمر. فأنا أعي ذلك. لا أريد أن أنطق اسم أخي وأنا أتحدث عن هذا الوحش الذي يوجد هنا. سأقول لكم فقط، يجب أن نبحث عن طريقة نتخلص بواسطتها من هذا الشيء. لقد قمنا بكل ما يمكن القيام به إنسانيا من أجل معالجته وتحمله. أعتقد لا أحد سوف يلومنا». ماذا ترك لنا كافكا على لسان «غريت» شقيقة «غريغوار»؟ كيف يمكن أن نقبل هذه العدائية، هذا التنكر، هذا التشيؤ، هذا اللامعنى المؤلم، هذه الأنانية الوقحة؟ إنه يكشف لنا عن الأنا وما تحمله من صراع وتصادم بين «إنسانية - الحيوان» و«حيوانية - الإنسان».
وفي روايته «المحاكمة»، يقدم كافكا وضعا إنسانيا غامضا ومعلقا، من خلال شخصية البطل «جوزيف ك»، المتهم من دون أن يعرف طبيعة التهمة الموجهة إليه، ولا أسبابها وحيثياتها. فاللامعنى يغمر صيرورة أحداث الرواية، ابتداء من التهمة والتوقيف والاعتقال إلى الإعدام. يقول: «جوزيف ك»: «أستنتج من هذه الواقعة، أنني متهم دون أن أتمكن من إيجاد أدنى خطأ يمكن تقديم اللوم لي بسببه». فحتى الموظفون الذين جاؤوا لتوقيفه، لا يعرفون شيئا عن أسباب الاعتقال. بل ينفذون الأوامر، وعليه فقط الامتثال. ومن بإمكانه تقديم توضيحات لـ«جوزيف ك» بصدد اعتقاله؟ وما طبيعة التهمة الموجهة إليه؟
ترسم المحاكمة «لوحة عبثية» للوجود الإنساني، وتجسد اللامعنى السافر الذي يخترق التجربة الإنسانية. إنه العدم الذي يتربص بالإنسان أثناء العلاقات التي يقيمها مع العالم. فـ«جوزيف ك» يعترف بأنه يجهل القانون، ويؤكد في الوقت نفسه، أنه غير مذنب. ويقول: «لست مذنبا هناك خطأ ما». إنه على يقين من وجود سلطة ما تتحمل مسؤولية ما يقع، أو أنه، كما أعتقد، ضحية جهاز بيروقراطي فاسد، يستعمل السلطة - القوة لإقامة واقع الاتهام والاعتقال والمحاكمة باسم «العدالة».
تفضح «المحاكمة» عبثية العدالة المتجسدة في لا معنى الاتهام. وتكشف عن كل أشكال الزيف التي تطبع المشتغلين في حقلها، من قضاة وموظفين ومحامين وشرطة... إنها تجعل كل إنسان يحمل في ذاته إمكانية اتهامه. أو لنقل، إنه ليس بريئا، وفي الوقت نفسه ليس مذنبا. إنه في المنزلة بين المنزلتين؟ فهذا الشرخ الوجودي للإنسان، ليس عابرا أو ظرفيا، بقدر ما هو بنية أنطولوجية تخص الكائن الإنساني في مختلف علاقات القوى التي ينسجها مع العالم، سواء أكان صالحا أو طالحا، جبانا أو قويا. فالإحساس بالذنب ملازم للكينونة الإنسانية. إن رواية «المحاكمة» ليست محاكمة لـ«جوزيف ك»، ولا هي محاكمة لوضع اجتماعي أو سياسي معين، ولا هي محاكمة لنمط فكري تم إنتاجه، ولا هي محاكمة لعصر بعينه أو ثقافة أو حضارة ما. بل هي محاكمة لـ«الإنسان» ولـ«إنسانية» الإنسان، ولصيرورته الإنسانية الحيوانية أو الحيوانية الإنسانية، التي تعري وجوده وتفضح أننا لا نعرف، ولم نعرف بعد ذواتنا.
ويلاحظ عند كافكا عموما، أنه لم يتناول المشكلات الإنسانية بشكل نظري تجريدي. أي أنه لم ينتج تصورات نظرية حول هذه القضايا، مثلما هو الأمر عند «جان بول سارتر» أو «ألبير كامو». بل كانت ورشته هي فن الرواية. فهذه الأخيرة، هي المجال العملي لكشف تناقضات الكائن الإنساني نفسه، والغموض الذي يسكنه، المتجسد في فقدان الإنسان إنسانيته، وإبراز الصيرورة الإنسانية الحيوانية، وعقم العدالة وعيبها، لكن مع ذلك قد يشكل هذا العمل أحد المفاتيح الأساسية لفهم عصرنا الراهن، أو لنقل فهم الإنسان فينا.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.