كافكا وصيرورة الإنسان بين «التحول» و«المحاكمة»

يرسم في أعماله «لوحة عبثية» للوجود الإنساني ويجسد اللامعنى

غلاف الأعمال الكاملة
غلاف الأعمال الكاملة
TT

كافكا وصيرورة الإنسان بين «التحول» و«المحاكمة»

غلاف الأعمال الكاملة
غلاف الأعمال الكاملة

يعتقد البعض أن الروائي لا يخترع الرواية، لأنها موجودة في مكان ما منذ زمن بعيد، ولا يفعل سوى الكشف عنها. وعلى إيقاع هذا الكشف، سنقرأ أدب فرانز كافكا (1883 - 1924)، ونسبر عوالمه «الواقعية».
وصفت روايات كافكا بأنها نقد للمجتمع الصناعي، ولكل أشكال الاستغلال والاستلاب، والأخلاق البرجوازية، وبشكل عام، للرأسمالية وللمجتمع الحداثي. لكن المتصفح أعمال كافكا، يتجاوز هذا النمط من النقد إلى نقد أكثر جذرية للإنسان ذاته، الذي تعد الظواهر تلك، مفعولات له. بهذا المعنى، فالكافكوية تمثل، حسب ميلان كونديرا، قوة أولية كامنة في الإنسان وعالمه. وهي كامنة غير محددة تاريخيا، وترافق الإنسان حتى الأبد. على الرغم من أننا نعيش عصر القلق بامتياز، عصر اللامعنى، أو لنقل عصر غياب المعنى وانتشار العبث في كل علاقاتنا الوجودية. وهذا ما سنلمسه من خلال أدب كافكا، الذي خضع لتأويلات متعددة حد التناقض. إنه يقدم أبطال رواياته منفصلين وتائهين عما يحدث، وكأنهم داخل عالم مظلم أو متاهة، من جراء قوة الحدث وتأثيراته. ففي روايته «المحاكمة» مثلا، لا يعرف المتهم لماذا اتهم وبماذا. ومع ذلك، يتكيف مع اتهامه ويقبله. وهذا ما يجعلنا نميز بين عالمين: «عالم اليومي - الواقعي، وعالم التوجس» والتساؤل حول هذا الذي يحدث لأبطال رواياته (التحول الحيواني لغريغوار والمحاكمة العبثية لجوزيف كـ...)، إنه ينظر إليهم كإمكانية إنسانية أو طريقة في الوجود، وليس كنماذج خاصة يحتذى بها داخل المجتمع. بمعنى أن المغامرات التي تشكل المادة الأولية لرواياته، تنقلنا من «عالم واقعي مألوف» إلى «عالم غريب» ننشد إليه، وكأن الواقع يفجر ذاته كطاقة من الممكنات الوجودية التي يتغير معناها. وهذا هو عالم كافكا، حيث لم يعد الإنسان إنسانا، والحيوان حيوانا، والمحاكمة محاكمة، والعدالة عدالة، والعائلة عائلة. إنه عالم غامض معتم، تتساكن فيه المتناقضات وتتجاور، ما يجعل واقعيته جديرة بالمعرفة والاكتشاف.
في روايته «التحول» (في ترجمات أخرى: المسخ)، استيقظ «غريغوار سامسا» وقد تحول في فراشه إلى حشرة حقيقية (ظهر صلب كدرع، بطن بني، قائمتان نحيلتان، إحساس بانقباضات باردة، رجف على الظهر، حكة في أعلى البطن، تغير في الصوت، صعوبة في الكلام، وعدم التحكم أحيانا في القائمتين...). تساءل «غريغوار»: ماذا وقع لي ؟ ليس هناك اعتراض لهذا الذي حدث، التحول وقع ويجب التعامل معه بإيجاب. إلا أن ما يميز هذا التحول أنه تم إدراكه والوعي به، وأنه واضح للعيان ولا يمكن اعتباره «حلما» أو «خيالا» أو «وهما»، بل إنه «الواقع» وكل الواقع. بهذا المعنى، فهو يمتلك قوة وجوده وقدرة الاستمرار بشكل عادي. لكن بشكل مختلف وبمعان أخرى. إن «حدث التحول» أسس لعلاقة الإنسان - الحيوان مع ذاته ومع العالم. وفتح الحدود بين عالم الإنسانية وعالم الحيوانية. ووضع الإنسان أمام مرآة الطبيعة الإنسانية ومآلاتها ومصيرها، بحيث انصب اهتمام «غريغوار» على التفكير في معنى علاقاته، وفي معنى ما يقوم به، ومعنى عمله. ويتوج هذا التفكير، برفض هذا العمل وهذا الواقع. ويقول: «فليأخذ الشيطان هذا المتجر» (سفر دائم، الأكل الرديء، صعوبة خلق صداقات...). بينما ركزت أسرته اهتمامها على تبعات غيابه عن وظيفته، التي تمس وضعهم الاقتصادي وتهدد مصالحهم المادية فقط، بمعنى الحفاظ على وضعية الاستغلال واستمرارها. إن رواية «التحول» تفجر الرؤية المتعالية والمقدسة عن الإنسان. وتفتح جروحا أخرى أصابت كيانه، إلى جانب الجروح الكسمولوجية (الطبيعية) والبيولوجية والنفسية. إنه جرح المعنى وتشظيه، والانغماس في اللامعنى. ويتمظهر ذلك من خلال فعل التحول. إذ تكمن إنسانية الإنسان في حيوانيته، بينما تكمن حيوانية الحيوان في إنسانيته. بمعنى أنه كلما اتجهنا نحو الحيوانية، كلما اقتربنا من الإنسانية، وكلما اعتقدنا أننا في قلب الإنسانية كنا في قلب الحيوانية. مع كافكا كل شيء معكوس، بحيث يخرج المعنى من اللامعنى، والواقعي من الخيالي، والوجود من العدم. وهذه الثنائيات، لا يمكن عزلها عن بعضها فهي تحمل قوتها في ارتباطاتها، لتشكل ذلك الغموض الإنساني، الذي يتأسس من خلال العلاقات التي يحددها مع ذاته والعالم والآخرين. ففي حالة «غريغوار»، لا يأتي الأذى الحقيقي من التحول في حد ذاته، بل من مفعولاته، من المجتمع، من علاقات الناس المعقدة والمحكومة بالمصالح. لذلك فهو لم يخف مما حدث له. بل مما يحدث في المتجر، كمؤسسة أو كمتاهة لإنتاج اللامعنى. فـ «كافكا» لا ينظر إلى المؤسسة بوصفها مجالا لصراع المصالح الشخصية والاجتماعية، بل يعتبرها آلية للخضوع لا علاقة لها بالمصالح. وهذا ما يجعلها غامضة وعسيرة على الفهم. فالمتجر هو عالم «غريغوار» القبلي، الذي كان يعيش فيه مستلبا بقوانينه ومنفصلا عن ذاته. أما غرفته المظلمة، فهي عالمه الخاص الذي يفكر فيه في ذاته وفي إنسانيته. فهذا «الحيوان - الإنسان»، حول هذه الغرفة المظلمة إلى «غرفة مضيئة»، حيث جعلنا نسائل إنسانيتنا من خلاله. إن هذا «التحول»، عرى كل الادعاءات وكل العلاقات والقيم، وأسقط الأقنعة التي تغلف وجودنا «الإنساني - الحيواني». فالقريب لم يعد قريبا، والأب لم يعد أبا، والأم لم تعد أما، والأخت لم تعد أختا، والأنا لم تعد أنا. لنستمع إلى ما تقوله أخت «غريغوار» لأبويها في حق أخيها: «هذه الوضعية لا يمكن أن تستمر هكذا. وإذا لم تعوا خطورة الأمر. فأنا أعي ذلك. لا أريد أن أنطق اسم أخي وأنا أتحدث عن هذا الوحش الذي يوجد هنا. سأقول لكم فقط، يجب أن نبحث عن طريقة نتخلص بواسطتها من هذا الشيء. لقد قمنا بكل ما يمكن القيام به إنسانيا من أجل معالجته وتحمله. أعتقد لا أحد سوف يلومنا». ماذا ترك لنا كافكا على لسان «غريت» شقيقة «غريغوار»؟ كيف يمكن أن نقبل هذه العدائية، هذا التنكر، هذا التشيؤ، هذا اللامعنى المؤلم، هذه الأنانية الوقحة؟ إنه يكشف لنا عن الأنا وما تحمله من صراع وتصادم بين «إنسانية - الحيوان» و«حيوانية - الإنسان».
وفي روايته «المحاكمة»، يقدم كافكا وضعا إنسانيا غامضا ومعلقا، من خلال شخصية البطل «جوزيف ك»، المتهم من دون أن يعرف طبيعة التهمة الموجهة إليه، ولا أسبابها وحيثياتها. فاللامعنى يغمر صيرورة أحداث الرواية، ابتداء من التهمة والتوقيف والاعتقال إلى الإعدام. يقول: «جوزيف ك»: «أستنتج من هذه الواقعة، أنني متهم دون أن أتمكن من إيجاد أدنى خطأ يمكن تقديم اللوم لي بسببه». فحتى الموظفون الذين جاؤوا لتوقيفه، لا يعرفون شيئا عن أسباب الاعتقال. بل ينفذون الأوامر، وعليه فقط الامتثال. ومن بإمكانه تقديم توضيحات لـ«جوزيف ك» بصدد اعتقاله؟ وما طبيعة التهمة الموجهة إليه؟
ترسم المحاكمة «لوحة عبثية» للوجود الإنساني، وتجسد اللامعنى السافر الذي يخترق التجربة الإنسانية. إنه العدم الذي يتربص بالإنسان أثناء العلاقات التي يقيمها مع العالم. فـ«جوزيف ك» يعترف بأنه يجهل القانون، ويؤكد في الوقت نفسه، أنه غير مذنب. ويقول: «لست مذنبا هناك خطأ ما». إنه على يقين من وجود سلطة ما تتحمل مسؤولية ما يقع، أو أنه، كما أعتقد، ضحية جهاز بيروقراطي فاسد، يستعمل السلطة - القوة لإقامة واقع الاتهام والاعتقال والمحاكمة باسم «العدالة».
تفضح «المحاكمة» عبثية العدالة المتجسدة في لا معنى الاتهام. وتكشف عن كل أشكال الزيف التي تطبع المشتغلين في حقلها، من قضاة وموظفين ومحامين وشرطة... إنها تجعل كل إنسان يحمل في ذاته إمكانية اتهامه. أو لنقل، إنه ليس بريئا، وفي الوقت نفسه ليس مذنبا. إنه في المنزلة بين المنزلتين؟ فهذا الشرخ الوجودي للإنسان، ليس عابرا أو ظرفيا، بقدر ما هو بنية أنطولوجية تخص الكائن الإنساني في مختلف علاقات القوى التي ينسجها مع العالم، سواء أكان صالحا أو طالحا، جبانا أو قويا. فالإحساس بالذنب ملازم للكينونة الإنسانية. إن رواية «المحاكمة» ليست محاكمة لـ«جوزيف ك»، ولا هي محاكمة لوضع اجتماعي أو سياسي معين، ولا هي محاكمة لنمط فكري تم إنتاجه، ولا هي محاكمة لعصر بعينه أو ثقافة أو حضارة ما. بل هي محاكمة لـ«الإنسان» ولـ«إنسانية» الإنسان، ولصيرورته الإنسانية الحيوانية أو الحيوانية الإنسانية، التي تعري وجوده وتفضح أننا لا نعرف، ولم نعرف بعد ذواتنا.
ويلاحظ عند كافكا عموما، أنه لم يتناول المشكلات الإنسانية بشكل نظري تجريدي. أي أنه لم ينتج تصورات نظرية حول هذه القضايا، مثلما هو الأمر عند «جان بول سارتر» أو «ألبير كامو». بل كانت ورشته هي فن الرواية. فهذه الأخيرة، هي المجال العملي لكشف تناقضات الكائن الإنساني نفسه، والغموض الذي يسكنه، المتجسد في فقدان الإنسان إنسانيته، وإبراز الصيرورة الإنسانية الحيوانية، وعقم العدالة وعيبها، لكن مع ذلك قد يشكل هذا العمل أحد المفاتيح الأساسية لفهم عصرنا الراهن، أو لنقل فهم الإنسان فينا.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.