المظاهرات تشتعل في ولايات عدة والشرطة تعتقل مئات المتظاهرين

دالاس: المحتجون يلقون زجاجات المولوتوف ضد الشرطة ويغلقون الطرق الرئيسية

استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)
استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)
TT

المظاهرات تشتعل في ولايات عدة والشرطة تعتقل مئات المتظاهرين

استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)
استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)

لليوم الثالث، استمرت مسيرات الآلاف من المتظاهرين في شوارع ومدن رئيسية في الولايات المتحدة مساء أول من أمس وصباح أمس احتجاجا على عنف الشرطة ضد الرجال السود ومقتل كلٍ من فيلاندو كاستيل في مدينة سان بول بولاية منيسوتا، وألتون ستيرلينغ في مدينة باتون روج بولاية لويزيانا. وأثار الحادثان التوترات العرقية التي اندلعت مرارا في مختلف أنحاء البلاد منذ عام 2014 في أعقاب مقتل مايكل براون، وهو مراهق أسود غير مسلح على يد ضابط شرطة أبيض في فيرجسون بولاية ميزوري. شهدت بعض المسيرات الاحتجاجية تصاعد التوترات واندلاع أحداث عنف، وأغلقت الاحتجاجات طرقا رئيسية في عدد من المدن الأميركية السبت، وأدت إلى اعتقالات، لكنها ظلت سلمية إلى حد كبير على الرغم من أن احتجاجا في باتون روج شهد اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. شهدت مدينة باتون روج بولاية لويزيانا مظاهرات ضد رجال الشرطة تهتف «لا عدالة لا سلام»، وشهدت مصادمات بين شرطة مكافحة الشغب ونشطاء حمل بعضهم البنادق؛ إذ يسمح القانون في لويزيانا بحمل السلاح علنا. بعد مواجهات قصيرة اعتقلت شرطة مكافحة الشغب عددا من الأشخاص، وأشار كيسي هيكس، المتحدث باسم شرطة المدينة إلى أن الشرطة ألقت القبض على 100 شخص، وصادرت بعض الأسلحة التي كانت بحوزة المتظاهرين. كما ألقت الشرطة القبض على ديراي مكيسون الذي يعد من أبرز قادة حركة بلاك لايف ماترز (حياة السود مهمة) الذي كان يقود مظاهرة احتجاج على مقتل ألتون ستيرلينغ.
في مدينة سان بول بولاية منيسوتا، أغلق المتظاهرون مساء أول من أمس أحد الشوارع الرئيسة السريعة في المدينة وألقوا زجاجات المولوتوف والألعاب النارية والحجارة والزجاجات الفارغة وألواحا من الخرسانة والطوب على قوات مكافحة الشغب. وأغلق مئات المتظاهرين طريقا يربط مينيابوليس بمدينة سان بول؛ ما أدى إلى عرقلة حركة المرور لنحو ساعتين.
على الرغم من التحذيرات بتفريق المتظاهرين قالت شرطة سانت بول: إن «المتظاهرين رشقوا الشرطة بالزجاجات والحجارة؛ مما أدى إلى إصابة ثلاثة على الأقل، وبعد ذلك بدأت الشرطة في الاعتقالات واستخدمت قنابل الدخان لتفريق الحشد».
وقال متظاهرون: إن «الشرطة أطلقت الغاز المسيل للدموع واستخدمت الرصاص المطاطي واجهتها قوات الشرطة بإلقاء رزاز الفلفل وقنابل الدخان لتفريق المتظاهرين، وقبضت على أكثر من 200 متظاهر. وبعد ساعات عدة، أعلن مسؤولو الشرطة السيطرة على محاولات الشغب وإعادة فتح الطرق الرئيسية بعد تفريق المتظاهرين بقنابل الدخان وكرات الطلاء». وقال مسؤولو الشرطة إن «ولايات تنيسي وميسوري وجورجيا شهت ثلاث عمليات إطلاق نار ضد رجال الشرطة خلال المظاهرات».
جرت أيضا احتجاجات في ناشفيل، وأغلقت الاحتجاجات لفترة وجيزة طريقا سريعا، ونظمت احتجاجات أيضا في انديانابوليس وفيلادلفيا، حيث دعا المنظمون إلى «عطلة نهاية أسبوع من الغضب». وفي فينيكس وأريزونا استخدمت الشرطة رذاذ الفلفل لتفريق المتظاهرين الذين رشقوها بالحجارة. وفي روتشستر، نيويورك، ألقي القبض على 74 شخصا خلال اعتصام احتجاجي، حيث تظاهر مئات الأشخاص سلميا مساء السبت، رافعين لافتات تحمل اسمي ألتون ستيرلينغ وفيلاندو كاستيل. وقام المتظاهرون بمسيرة من مبنى البلدية إلى يونيون سكوير في وسط نيويورك. وارتفع عدد المتظاهرين إلى ألف وأغلقوا طريقا رئيسيا. وقالت شرطة نيويورك إنها اعتقلت نحو 12 محتجا بسبب إغلاق طريق رئيسية في المدينة. وأشارت شرطة شيكاغو إلى أنها قبضت على ثلاثة أشخاص. وفي سان فرانسيسكو خرج المئات من المتظاهرين للشوارع وحاولا إغلاق بعض الطرق رافعين شعارات تندد بالعنف ولافتات حركة حياة السود مهمة. وفي العاصمة الأميركية واشنطن، سارت الاحتجاجات ليلة السبت تهتف «نحن الشباب ونحن أقوياء وسنسير طوال الليل»، وسارت المظاهرات إلى مناطق واسعة من شمال غربي واشنطن وتوجهت إلى منطقة حي جورج تاون الراقي في وسط العاصمة. كما استمرت المظاهرات في مدن أخرى مثل أتلانتا وفلوريدا إلى هيوستن، مرورا بنيو أورلينز وديترويت وبالتيمور، حيث جرت الاحتجاجات التي نظمت نهاية الأسبوع تنديدا بعنف الشرطة من دون حوادث. ويطالب المحتجون الذين تقودهم حركة «حياة السود مهمة» بالعدالة لأميركيين أسودين ألتون ستيرلينغ وفيلاندو كاستيل قتلا هذا الأسبوع برصاص الشرطة في لويزيانا ومينيسوتا، ونشر لقطات فيديو للحادثين أثارت صدمة في المجتمع الأميركي.
ونفى محامي الشرطي الذي قتل فيلاندو كاستيل السبت، أن يكون موكله جيرونيمو يانيز أطلق النار بدافع العنصرية، مؤكدا في المقابل أن كاستيل كان مسلحا. وقال: إن ما حمل الشرطي على إطلاق النار «لا علاقة له بالعرق، بل هو على ارتباط بوجود سلاح».
وعلى إثر تواتر حوادث مقتل رجال من السود برصاص الشرطة، وبعد الحادثين الأخيرين، وقال القناص الذي قتل قبل أيام خمسة شرطيين في دالاس واسمه ميكا جونسون (25 عاما) لمفاوضيه قبل مقتله إنه يريد قتل رجال شرطة من البيض انتقاما لمقتل السود.
وبات المسؤولون في دالاس متأكدين الآن من أن جونسون، الجندي السابق في الجيش، تحرك بمفرده ولا علاقة له بأي تنظيم أو مجموعة كما كان يخشى في البداية. لكن مشاهد الرعب في دالاس بولاية تكساس جددت المخاوف من فصل مظلم جديد من العنصرية في أميركا.
من جانب آخر، سعى السياسيون الأميركيون إلى توحيد صفوف الأميركيين بعد أسبوع من أعمال العنف.
وكتبت المرشحة الديمقراطية إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية هيلاري كلينتون على «تويتر» أن «على الأميركيين البيض، الاستماع عندما يتحدث الأميركيون الأفارقة عن العوائق التي تواجههم». من جهته، قال نيوت غينغريتش، المرشح البارز لمنصب نائب الرئيس على لائحة المرشح الجمهوري للبيت الأبيض دونالد ترامب: «الأخطر في أميركا هو أن تكون أسود». وأضاف: «أحيانا من الصعب بالنسبة إلى البيض أن يفهموا ذلك. إنه خطر يومي». وقد سيطر الذعر على مدينة دالاس مجددا مساء السبت إثر تلقي المقر العام لشرطة المدينة الواقعة في جنوب الولايات المتحدة، تهديدا من مجهول ورصد شخص مشبوه في أحد المباني، بعد يومين من إقدام قناص على قتل خمسة شرطيين خلال مظاهرة سلمية.
وقالت الشرطة في بيان: إن «دائرة شرطة دالاس تلقت تهديدا من مجهول ضد قوات الأمن في سائر أنحاء المدينة واتخذت إجراءات احترازية» لتعزيز أمن عناصرها. وأفاد عناصر في الشرطة وكالة الصحافة الفرنسية بأن هذه الإجراءات شملت فرض طوق أمني حول المقر العام، بينما أكدت وسائل إعلام محلية أن عناصر من وحدة التدخل السريع «سوات» انتشروا حول المبنى. لكن الشرطة نفت لاحقا على «تويتر» فرض طوق أمني حول المقر العام، مؤكدة أنها أعلنت حالة التأهب في إجراء احترازي يأتي بعد يومين من مقتل خمسة من عناصرها وإصابة سبعة آخرين برصاص رجل أسود. وبحسب صحيفة «دالاس مورنينغ نيوز»، فإن الإنذار صدر إثر رصد رجل يرتدي قناعا، موضحة أن «رجلا يرتدي قناعا أسود تم رصده في موقف للسيارات يقع خلف المقر العام». وأفادت وسائل إعلام أنه على إثر ذلك، بدأ رجال الشرطة بتفتيش الموقف. ولاحقا، أوضحت الشرطة عبر حسابها على «تويتر»، أنها أجرت عملية تفتيش أولى للموقف من دون أن تعثر على شيء، وأن طواقم التحري ستجري عملية تفتيش ثانية على سبيل الاحتياط.
وشاهد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية الكثير من عناصر الشرطة المسلحين ببنادق يسيرون دوريات في الجزء المخصص للزوار من موقف السيارات.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...