«داعش» يخسر البيئة السنية في المحافظات الغربية ويربح خلافات العشائر

الفهداوي: الاحتقان الطائفي والتصعيد السياسي تسببا في انتشار التنظيم الإرهابي

«داعش» يخسر البيئة السنية في المحافظات الغربية ويربح خلافات العشائر
TT

«داعش» يخسر البيئة السنية في المحافظات الغربية ويربح خلافات العشائر

«داعش» يخسر البيئة السنية في المحافظات الغربية ويربح خلافات العشائر

بعد طرد تنظيم القاعدة من محافظة الأنبار غرب العراق عام 2007 وبعد تشكيل قوات الصحوة العشائرية بمساعدة أميركية لافتة قادها قائد القوات الأميركية وقتذاك الجنرال ديفيد بترايوس لم يكن أحد من رجال الطبقة السياسية العراقية يعي أن نسخة جديدة من هذا التنظيم المتطرف سوف تولد بعد سنوات لتتسبب هذه المرة ليس في التمدد بمحافظة الأنبار وحدها أيام تنظيم القاعدة في عهد الأردني أبو مصعب الزرقاوي (قتل في غارة أميركية عام 2006 في محافظة ديالى) بل باحتلال نحو ثلث الأراضي العراقية من خلال احتلال محافظات نينوى وديالى وصلاح الدين والأنبار.
سياسات الإهمال التي تسببت بها سياسة الحكومة العراقية السابقة في عهد نوري المالكي (2006-2014) كانت سببا مباشرا في الانتفاضة التي انطلقت عام 2013 في تلك المحافظات والتي سرعان ما تم اختطافها من قبل تنظيم داعش الذي ولد على أنقاض «القاعدة» في وقت بدأت فيه الحكومة العراقية محاربة منتسبي الصحوات العشائرية بوصفهم مزدوجي الولاء بين الانتماء سابقا لـ«القاعدة» والانتفاضة عليها فيما بعد.
وبعد سنتين من تمدد «داعش» في المحافظات الغربية (احتلال الموصل خلال شهر يونيو/حزيران عام 2014) وتمدده باتجاه المحافظات الأخرى وصولا إلى تهديد بغداد، دارت الدائرة الآن على هذا التنظيم المتطرف. فبعد خسارته العام الماضي ديالى وصلاح الدين خسر هذا العام الرمادي قبل شهور والفلوجة قبل أسابيع وهو يوشك الآن على خسارة الموصل بعد إقدام القوات العراقية على تحرير قاعدة القيارة الاستراتيجية. لكن هذا التنظيم الذي بدأ يخسر عسكريا تمكن من زرع توابع له وحواضن في تلك المناطق باتت تشكل أزمة عشائرية مجتمعية بحد ذاتها. فبالإضافة إلى الصراعات العشائرية ذات الجنبة السياسية والمتمثلة بمحاولات بعض قادة العشائر والزعماء السياسيين قطف النصر على «داعش» من خلال التأسيس لعلاقات أخطبوطية سواء مع الحكومة العراقية أو مع الأميركان سواء على مستوى الدعوة لإقامة إقليم سني كجزء للحل في العلاقة مع بغداد أو على مستوى عقود إعادة الأعمار. لكن هناك ما بدا مسكوتا عنه وهو العلاقات العشائرية التي خلفها هذا التنظيم وراءه والتي تتمثل في كيفية التعامل مع عوائل المنتمين لهذا التنظيم.
ولعل المفارقة اللافتة أنه في الوقت الذي بدأت العشائر تتعاون فيه مع الجيش العراقي الذي لم يكن مرغوبا به في زمن المالكي لكنها بدأت تواجه أزمة التعايش الداخلي. وفي هذا السياق يقول الشيخ رافع الفهداوي أحد شيوخ عشيرة البوفهد التي تعرضت لمجزرة على يد تنظيم داعش ومن قبل أفراد ينتمي بعضهم إلى العشيرة نفسها يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الاحتقان الطائفي خلال المرحلة الماضية والتصعيد السياسي الذي تسببت به التصريحات النارية للسياسيين من الطرفين كان هو السبب الرئيسي في ذلك الأمر الذي سهل لتنظيم داعش إيجاد بيئة تحولت إلى حاضنة لها تمددت من خلالها». وأوضح الفهداوي أن «تنظيم داعش استغل جو الاحتقان كما حاول استغلال كل العشائر لكنه في الوقت الذي لم ينجح في كسب ود عشيرة بكاملها فإنه نجح في إيجاد حاضنة ولو صغيرة في كل عشيرة».
ويرى الفهداوي أنه «من الصعب في الواقع التعايش مع من أوغل في دماء أهالي الأنبار حتى لو كان من أبنائها حيث تم الاتفاق بين شيوخ العشائر على عدم منح هؤلاء فرصة للبقاء ضمن المناطق وهو عرف عشائري معمول به».
من جهته يرى عضو البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين مشعان الجبوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه «في صلاح الدين تم تطبيق تجربة ناجحة وهي منع عائلة الداعشي لا سيما والديه وإخوته من العودة إلى المحافظة حيث إن الأمر يحتاج إلى المزيد من التدقيق لأن هناك الكثير ممن بقوا مع (داعش) لسنتين أو أكثر تأثروا بهم وبالتالي علينا أن نكون حذرين وهو ما يدعونا إلى التعامل بحذر بمن في ذلك دعوة المؤسسات الدولية لمساعدتنا».
أما النائب عن محافظة الأنبار محمد الحلبوسي فقد أكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «أي إجراء من شأنه أن يحفظ سيادة القانون نحن معه وأن يكون القصاص من الإرهابيين بمختلف تسمياتهم وإنزال أقصى العقوبات بهم لأنهم دمروا مدننا ومحافظاتنا لكن مع ذلك فإننا ضد مبدأ العقوبة الجماعية لأنه في النهاية لا تزر وازرة وزر أخرى حيث لا يوجد في القانون مادة يمكن أن تحاسب العائلة كلها نتيجة جرم ارتكبه أحد أعضائها». وأضاف أنه «في حال عملنا بمبدأ العقوبة الجماعية فمن غير المتوقع معرفة ردود الفعل المستقبلية لأن التعميم غير صحيح وغير واقعي». وأكد الحلبوسي: «الحل يكمن في أن تتبرأ العوائل ذاتها من أفرادها المنتمين إلى (داعش) وهو ما حصل في الأنبار بالفعل ولنعمل جميعا من أجل مصالحة مجتمعية حقيقية بعد فرز المتطرفين وعزلهم مجتمعيا لنتمكن من العيش بسلام وأمان لأن الانتقام يلد انتقاما متبادلا وقد تعبنا خلال السنوات الماضية من سياسات رد الفعل حيث يتوجب علينا التفكير بالجيل القادم الذي لا ذنب له فيما يجري».
ودعا الحلبوسي «إلى العمل على بناء مجتمع متسامح ودعم المؤسسات الأمنية القادرة على حفظ الأمن والعمل على اقتلاع فكر (داعش) بالحوار وبخلق بدائل صحيحة وهو ما تقع مسؤوليته على المؤسسات الدينية والعشائرية والمجتمع المدني».
أما عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي والنائب عن محافظة الأنبار محمد الكربولي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدواعش لم يرحموا النساء والأطفال وبالتالي فإن التعامل معهم على وفق مبدأ عفا الله عما سلف سياسة خاطئة لأنهم لم يرحموا أطفالنا ونساءنا حين سيطروا على مدننا ولذلك لا بد من اتباع سياسة حازمة جدا معهم».
وأوضح الكربولي أن «(داعش) فكر وهو ليس وليد لحظة وأهالي الدواعش يعرفون أنهم دواعش وساندوهم ولذلك نحن أمام مهمة صعبة وفي غاية الخطورة».
أما المحلل السياسي واثق الهاشمي رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية فيقول لـ«الشرق الأوسط» إن «من غير الصحيح أن نعاقب المجتمع كله بجريرة شخص أو مجموعة أشخاص ويجب علينا أن لا ننسى أن (داعش) قام بعمليات غسل دماغ للأطفال والشباب»، مؤكدا أن «علينا القيام بعمليات مضادة لاحتضان من لم تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين وهم قلة ونعيد الآخرين لحضن الوطن حيث يجب أن لا نضع أهالي تلك المحافظات (صلاح الدين ونينوى والأنبار) بين كماشتي (داعش) والحكومة».
في السياق نفسه يرى عضو البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين عبد القهار السامرائي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر في غاية الأهمية، ولعل في قيام بعض المؤسسات الهامة مثل دواوين الأوقاف لا سيما الوقف السني دور بارز في هذا المجال وذلك على صعيد تطوير الأئمة والخطباء ومنحهم أدوارا ومسؤولية في تصويب الأفكار لا سيما أفكار الناس البسطاء حيث إن الفكر التكفيري لا يمكن أن يحارب إلا بالفكر التنويري». وأضاف أن «عوائل المنتمين لـ(داعش) هم إما تلوثت عقولهم بهذا الفكر فعلينا تحمل المسؤولية في تصويب أفكارهم أو تجمعهم بهم صلة قربى أو مصلحة وهو ما يستدعي بذل جهود كبيرة لإعادة تأهيلهم».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.