المانجو.. ملك الفواكه

أساطيرها تنتشر في الهند .. وفوائدها الصحية مذه لة

مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو
مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو
TT

المانجو.. ملك الفواكه

مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو
مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو

حل الموسم، وتكدست أكوام المانجو فوق بعضها البعض في كل مكان. ويستمتع عشاق المانجو خلال هذا الموسم بمذاق مجموعة متنوعة من ثمار الفاكهة حلوة المذاق. يعتبر المانجو واحدًا من الفواكه التي تنتمي في أصلها إلى الهند تحديدًا، ويعتقد الكثيرون أن هذا الملك غير المتوج لمملكة الفواكه بأسرها يكون في أفضل صوره لدى تناوله طازجًا.
أيضًا، تستقي الكثير من الأطباق اللذيذة إلهامها من هذه الفاكهة الرائعة، حيث يمكن الاستعانة بالمانجو في صورته الطازجة في أطباق السلطة، ويمكن تقطيعه ليصبح جزءًا من أطباق الحلوى، بجانب إمكانية تحويله إلى عصير، بل ويمكن تحويله إلى مخلل. أما المفاجأة الكبرى فهي إمكانية استخدام المانجو كبهارات. من جانبها، تقدم الهند مجموعة مذهلة من أنواع المانجو المختلفة للاختيار من بينها، وتشكل مصدرًا لـ56 في المائة من إنتاج المانجو بالعالم.
يعتبر «مانجو لاسي» واحدًا من المشروبات التي تحظى بإقبال بالغ بمختلف أرجاء جنوب آسيا، ويجري إعداده عبر مزج ثمار مانجو طازجة مع حليب منزوع الزبد وسكر. كما يجري استخدام ثمار مانجو طازجة في صنع بهارات. أيضًا، يدخل المانجو في صنع «أمراس»، وهو عصير ثخين يحظى بشعبية واسعة، ويجري إعداده من ثمار المانجو ممزوجة مع سكر أو حليب، ويجري تناوله مع خبز هندي.
كما يجري حفظ المانجو في صور متنوعة، منها «مورامبا» (مانجو مبشور)، و«أمشور»، وهو مانجو غير طازج مجفف وفي صورة مسحوق.

الفوائد الصحية للمانجو

لا يقتصر سحر المانجو على رائحته الساحرة، وإنما يمتد إلى فوائده الصحية المذهلة. ويكشف العلم أن المانجو يحتوي الكثير من فيتامين «سي»، علاوة على اعتباره مخزنًا لعدد من الفيتامينات الأخرى، مثل «بي 6»، إضافة إلى البوتاسيوم والماغنسيوم.
ويحمل المانجو فوائد كبرى للجلد، ما يجعله فاكهة واجب توافرها بالمنزل لأطول فترة ممكنة. يساعد المانجو على تغذية الجلد وتجديد نشاطه، ما يضفي عليه لمعانًا وإشراقًا، وهو حلم كل امرأة.

تاريخ المانجو

وردت إشارات إلى المانجو في نصوص دينية هندية والنصوص الكلاسيكية الأدبية والشعر والرسومات ومنحوتات باعتباره رمزًا للخصوبة. ومن غير المثير للدهشة أن نجد بلدًا يعبد فيه مئات الآلهة ويتحدث أبناؤه بعشرات اللغات واللهجات ويضم مئات الطبقات، يوجد به كذلك ما يصل إلى 1400 نوع من المانجو.
ويشير العلماء إلى أن تاريخ زراعة المانجو في جنوب آسيا يعود إلى آلاف السنين، وانتقلت الفاكهة إلى شرق آسيا بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. بحلول القرن العاشر الميلادي، كانت زارعة المانجو قد بدأت في شرق أفريقيا. وقد أورد الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي عاش في القرن الـ14، إشارة إلى المانجو في مذكراته. وفي وقت لاحق، انتقلت زراعة المانجو إلى البرازيل وبرمودا والمكسيك وجزر الهند الغربية.
ويعتبر المانجو الفاكهة الوطنية داخل الهند وباكستان، علاوة على أن شجرة المانجو الشجرة الوطنية في بنغلاديش. جدير بالذكر أن الدول الثلاث كانت كيان واحد تحت اسم الهند قبل الاستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني عام 1947.

عاصمة المانجو داخل الهند

على بعد قرابة 400 كيلومتر عن العاصمة الهندية دلهي، تعرف كل من ماليهاباد ومال وكاكوري معًا بحزام المانجو الهندي، رغم أن الفاكهة تزرع أيضًا داخل أجزاء أخرى من البلاد.
وتشير الأقاويل المتداولة بالمنطقة إلى أنه منذ أكثر من 200 عام ماضية، استقرت مجموعة من «أفريدي باثان» داخل حزام ماليهاباد، قادمين من منطقة خيبر باس الأفغانية. ويقال إنهم عملوا جنود مرتزقة في جيوش أمراء وشخصيات نافذة محلية. أما في أوقات السلم، عملوا بالزراعة، ويعود إليهم الفضل وراء زراعة أول شجرة مانجو بالمنطقة. وهناك بعض الأقاويل المبالغة التي تشير إلى أن أشجار المانجو بالمنطقة كانت على قدر من الكثافة ذات وقت لدرجة حالت دون وصول أشعة الشمس إلى الأرض.
واليوم، تنتج المنطقة بعض أفضل أنواع المانجو، مثل «دوسهري» و«لانغدا».
وعندما تمر بالسيارة على طول الطريق السريع من لوكناو حتى ماليهاباد، تطلع على مشهد أشجار المانجو الساحرة، حيث تصطف على جانبي الطريق أعداد لا حصر لها من بساتين وحدائق المانجو، بينما يختلس المزارعون لحظات استرخاء داخل أكواخ مصنوعة من القش، في إطار حراستهم لأشجار المانجو ضد أي عدوان من حيوانات أو طيور في الجوار. أما الجو فيعبق برائحة المانجو الطازج.
وتشير الأرقام إلى أن ماليهاباد تضم 30 ألف هيكتار من الأراضي المزروعة. وفي هذا الصدد، أوضح إنشرام علي، رئيس اتحاد مزارعي المانجو في الهند، أن «ماليهاباد تعد عاصمة المانجو في الهند، وتضم بعض أقدم أشجار المانجو على مستوى البلاد. وتعود ملكية حدائق المانجو الموجودة هنا إلى عائلات تعمل بمجال زراعة المانجو منذ سنوات تصل في بعض الحالات إلى 100 أو 200 عام».
أما عن تركز زراعة المانجو في هذا الحزام تحديدًا، فأشار كونوار بهوبندرا سنغ، من مال، إلى أن السر يكمن في التربة المناسبة واتجاهات الرياح ومستوى المياه ودرجة الحرارة. تجدر الإشارة إلى أن جد سنغ الأكبر كان أول من امتلك حديقة أشجار مانجو لأغراض تجارية بالمنطقة.

رجل المانجو الهندي

داخل ماليهباد، يوجد رجل يحمل لقب رجل المانجو، وهو كليم الله خان، 75 عامًا، الذي يعود عمر أشجار المانجو بحديقته إلى 150 عامًا. وقد كرس خان حياته لزراعة المانجو، ويعده الكثيرون بمثابة موسوعة حية من لحم ودم فيما يخص أنوع المانجو المختلفة، وكيفية زراعتها والأمراض التي قد تصيبها وما إلى غير ذلك. وقد نال واحدًا من أرفع الأوسمة المدنية بالهند والمعروف باسم «بادام شري»، تقديرًا لجهوده بالمجال الزراعي.
وعلى امتداد حياته، تولى خان زراعة قرابة 350 شجرة مانجو متنوعة - من «كاريلا» الذي يشبه في شكله القرع المر حتى «أسرور موكارار» الذي تشبه ثمرته شكل القلب. وعن المانجو، قال خان: «إنها شغفي الأول. إنها بالنسبة لي أهم من أبنائي».
وقد كرس خان من حياته 10 سنوات في العناية بشجرة سحرية تثمر أنواعًا مختلفة من المانجو. وتتميز الشجرة بألوانها المختلفة، حيث تتنوع ألوان أوراقها بين المائل للسفرة والأخضر الداكن. وفي الوقت الذي كانت الثمار في جزء من الشجرة ناضجة تمامًا، كانت براعم ثمار أخرى لا تزال في بداية ظهورها في جزء آخر من الشجرة. وقد بلغ خان قدرًا من الشهرة لدرجة أنه ذات يوم جاءه خطاب من جدة يحمل الظرف فقط ما يلي: «كليم الله خان، ماليهاباد، الهند».
وهذا العام، نجح خان في تطوير شجرة مانجو خاصة أطلق عليها «كلام مانجو»، احتفاءً بالرئيس الـ11 للهند، الرئيس عبد الكلام، الذي توفي عام 2015.
ومثلما كان الرئيس عبد الكلام إنسانا رائعًا وعالمًا عظيمًا، تتميز «كلام مانجو» عن أنواع المانجو الأخرى بتنوع ألوانها، بل وحمل لب الثمرة لونين.
كما نجح خان في تطوير سلسلة من الأنواع المختلفة من المانجو، حمل الكثير منها أسماء مشاهير، مثل أسطورة بوليوود أميتاب باتشان، وزوجة ابنه ملكة جمال العالم وممثلة بوليوود إيشواريا راي باتشان، ولاعب الكريكيت ساشين تندولكار، علاوة على سياسيين مثل رئيس الوزراء ناريندرا مودي وسونيا وغاندي وحاكم ولاية أوتار براديش، أكهيليش ياداف.
وقد رفض خان عروض عمل من دبي وإيران وأبوظبي. وعلق خان على هذا بقوله: «أعلم أن بمقدوري زراعة المانجو في الصحراء، لكن ليس باستطاعة أحد شرائي بالمال»، والواضح بالفعل أن خان لا يأبه كثيرًا للمال، وإنما يدور اهتمامه حول شغفه بالمانجو. وقال: «لقد نقلت هذا الفن إلى أبنائي، لكن أحيانًا يخالجني القلق من أن هذه المعرفة ستدفن معي في قبري».
وأكد بثقته المعهودة: «حال عدم اتباع الأسلوب الذي ابتكرته في الزراعة، فإنه حتى لو اجتمع علماء الأرض معًا فإنهم لن يتمكنوا من محاكاة ما حققته».
وادعى خان أنه يعرف عن الأمراض التي تصيب المانجو أكثر من أي شخص آخر يعيش على السهول الشمالية في الهند. وفسر السبب وراء هذا بقوله: «إن شجرة المانجو الواحدة تصاب بمرض واحد فقط في المرة الأولى، بينما الشجرة التي أتعامل معها تتعرض لعشرات الأمراض في الوقت ذاته نظرًا لتعدد الأنواع التي تثمرها»، ورغم أن الحكومة لم تسهم سوى بالقليل في تجاربه، فإن خان حريص على المشاركة في تعزيز إنتاج المانجو، الذي يشكل حاليًا 60 في المائة من إجمالي الناتج العالمي للمانجو. وقال: «دعوني أعمل بأحد المزارع المملوكة للحكومة. لا أريد راتبًا، وإنما فقط التعامل مع خبير من اختياري. وإذا أخفقت في تقديم نتائج طيبة، سأعيد دفع كل بنس أنفقته الحكومة على المشروع».

أساطير المانجو

بجانب الأنواع المتنوعة للمانجو، تكثر حول هذه الفاكهة المميزة مجموعة من القصص المثيرة. على بعد قرابة 200 متر من قرية دوسهري، خلف تقاطع للسكك الحديدة، تقف شجرة وحيدة على جانب طريق رئيس يملؤه الغبار. ويحيط بالشجرة أسلاك شائكة وحارس، ما يوحي بوضوح بأهمية الشجرة. وتشير الأقاويل إلى أن عمر الشجرة يتجاوز 300 عام وكانت مملوكة في وقت من الأوقات لحاكم لوكناو. وتشير الأسطورة الرائجة إلى أنها كانت الشجرة الوحيدة من نوعها، وحظر الحاكم زراعة مثلها، بل وعمد لتخريب بذور جميع الفواكه كي لا يعيد أحد زراعتها. ومن الواضح أن الحاكم كان مفتونًا للغاية بهذه الشجرة لدرجة جعلته يضع عليها شباك تغطيها عندما تبدأ ثمارها في الظهور خشية أن تهاجمها الطيور وتخطف الثمار. إلا أنه ذات يوم، نجح صاحب أرض من ماليهاباد المجاورة في خداع خادمه وسرقة ثمرة من الشجرة، وبذلك انتشرت أشجار المانجو في مناطق أخرى من البلاد.
ويجري النظر لهذه الشجرة باعتبارها «أم» جميع أشجار دوسهري، بل وحملت القرية كلها اسم دوسهري نسبة لها.
حتى يومنا هذا، يتولى حارس حماية الشجرة على مدار أيام الأسبوع، ويحتكر أحفاد هذا الحاكم جميع ثمار الشجرة، ولا يبيعون منه شيئًا في السوق قط. وسنويًا، تنتج الشجرة ما يتراوح ما بين 800 إلى 900 كيلوغرام على الأقل من ثمار المانجو الرائعة.
وتدور قصة أخرى حول أشجار نور جيهان مانجو التي تقتصر زراعتها على منطقة كاتهيوارا في مادهيا براديش. وتحمل هذه النوعية من المانجو اسم الإمبراطورة نور جيهان. وفي المتوسط، يبلغ وزن ثمرة المانجو الواحدة منها قرابة أربعة كيلوغرامات ويبلغ ارتفاعها قدمًا واحدًا. وذكر صاحب واحدة من المزارع الخاصة بنور جيهان مانجو أن هذه النوعية من المانجو تعود أصولها إلى أفغانستان، وجرى نقلها لاحقًا إلى جوجارات.



«كبدة البرنس»... نكهاته تنسيك طابور الانتظار

ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)
ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)
TT

«كبدة البرنس»... نكهاته تنسيك طابور الانتظار

ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)
ناصر البرنس يلتقط صورة مع أسرة (صفحة ناصر البرنس)

يحتاج زائر «كبدة البرنس» إلى إضافة ما بين ساعة إلى ساعتين لإيجاد مكان شاغر وموقف لسيارته، والانتظار في طابور طويل للحصول على طاولة؛ مما يجعل العابرين من أمام المطعم الذي تنبعث منه الروائح الشهية يتساءلون في دهشة: «هل يُقدَّم الطعام في الداخل مجاناً؟».

مطعم «كبدة البرنس» هو عبارة عن مساحة مفتوحة تعد زائريها بتناول طعام شهي ينسيك الانتظار الطويل، ليتحوّل إلى مشهد اجتماعي مكتمل الأركان، تتجاور فيه الرغبة والصبر، فيبدو الانتظار ذاته جزءاً من تجربة الطعام، لا مقدمة عابرة لها.

تقديم الملوخية له طابع لدى ناصر البرنس (صفحة المطعم)

وتكتمل مفارقات هذا المشهد الاجتماعي حين يكتشف الزائر وجود قاعة كبيرة مجهّزة، موازية للمطعم المفتوح، تعلو مدخلها عبارة «VIP»، وتصطفّ أمامها سيارات فارهة. وبسؤال أحد منظّمي الدخول أمام المطعم عن طبيعة هذه القاعة، يجيب في عبارة مقتضبة وسط تدافع الزبائن للحصول على رقم انتظار لدخول المطعم: «هذه قاعة مخصصة لضيوف ناصر البرنس، من فنانين ولاعبي كرة قدم ومشاهير»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

أعلن البرنس عن افتتاح مطعمه الجديد في مدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، ولم يكن الانتقال جغرافياً فحسب من قلب حي «إمبابة» الشعبي إلى منطقة الشيخ زايد «الراقية»، بقدر ما كان انتقالاً للصيت والشعبية الجارفة للمطعم على مدار سنوات طويلة. هي شعبية تأسست على تقديم الكبدة بوصفة صارت «علامة» مسجلة باسمه، بالإضافة لقائمة طعام حافظت على بساطتها وانحيازها الواضح للمطبخ الشعبي، مما جعل اسمه يتجاوز حدود الحي، ويتحوّل إلى ظاهرة يتقاطع عندها أبناء الطبقات المختلفة، كلٌّ يبحث عن نصيبه من التجربة ذاتها.

يحمل المنتظرون أمام المطعم، وهم يمسكون أرقام الانتظار كما في المصالح الحكومية أو البنوك، تجاربَ مختلفة؛ فبينهم زبائن ارتبطوا بالمكان منذ أيامه الأولى في إمبابة، وبينهم من جاء بدافع الفضول لاكتشاف سرّ هذا الصيت الواسع الذي يسبق اسم كبدة البرنس. من بين هؤلاء المهندس محمد صادق، الذي ينتظر مع أسرته المكوّنة من أربعة أفراد طاولة شاغرة، قائلاً: «ارتبط اسم كبدة البرنس لديّ منذ بداياته بمكانه الأول في إمبابة، وذهبت إليه أكثر من مرة. في كل زيارة، كان التفاعل المباشر بين البائع وزبونه أحد أهم عناصر الجذب في المكان. اعتدنا تناول الكبدة الإسكندراني وورقة اللحم والملوخية، واليوم أصطحب أسرتي لأول مرة بعد افتتاحه هنا، أتمنى فقط ألا يتأثر طابعه الشعبي بعد انتقاله إلى منطقة أكثر رُقياً؛ لأن تميّزه الحقيقي كان دائماً في الأكل الشعبي، وفي تلك الألفة البسيطة التي صنعت التجربة»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط». على طريقة البرنس تحرص قائمة الطعام على إبراز معلومة: «ليس للمطعم فروع أخرى»، قبل أن تترك زبائنها أمام خيارات تبدو متنوّعة، لكنها في جوهرها منسجمة مع هوية واحدة واضحة؛ في مقدّمتها اللحم المحمّر، والسجق، والكفتة الضاني على الفحم، إلى جانب «ورقة اللحم على طريقة البرنس»، التي يصفها أحد الطُهاة بالمطعم، الشيف محمود السيد، بأنها: «يُطبخ فيها اللحم ببطء مع مرق غني من البصل والثوم والطماطم، وتعتمد على تسوية سريعة على نار عالية، مع تتبيلة بسيطة تبرز طعم اللحم نفسه من دون أن تطغى عليه، مع توازن دقيق بين الدهن والتسوية، بحيث تخرج طرية من الداخل ومحمّرة من الخارج»، حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط».

رواد المطعن في انتظار تناول كبدة البرنس (الشرق الأوسط)

ومن أبرز خيارات الطعام كذلك الكبدة الكندوز والكبدة الجملي، حيث يتم تقطيعها إلى شرائح رقيقة وتتبيلها بخلطة بهارات تقليدية تضم الكمون والثوم والفلفل الأسود، ثم تُقلى في سمن بلدي حتى تصل إلى درجة من النضج تمنحها طراوةً ومذاقاً غنياً.

كما يستقطب اللحم المحمر والسجق والكفتة الضاني على الفحم الأنظار؛ إذ تُشوى الكفتة من لحم الضأن المفروم مع بصل وبهارات مختارة على جمر ساخن، مما يمنحها نكهة دخانية مميزة. علاوة على «الملوخية» التي يتم تقديمها للزبائن بطريقة «استعراضية»؛ حيث تُسكب الملوخية من الوعاء إلى الأطباق مباشرة، فتفوح منها رائحة «التقلية» التقليدية المكوّنة من الثوم والكزبرة المذابين في السمن البلدي. ويبدو اختيار الطواجن من أبرز خيارات الزبائن على الطاولات، ففي طاجن العكاوي بالبصل، تنضج العكاوي مع حلقات البصل في مرق خفيف تُثريه توابل مصرية. أما طاجن البامية باللحم فيجمع بين حبات البامية الطريّة وقطع اللحم المتبلة، بينما طاجن الكوارع يُقدّم في حساء غني بالعظم والنكهة، وطاجن المكرونة باللحم المفروم والموزة الضاني مما يمنحها دسماً أكبر.

ويبدو كذلك أن أجواء الشتاء الباردة جعلت طاولات الزبائن تتكدس بأنواع الشوربة، وتحديداً شوربة الكوارع التي يقول عنها الشيف محمود السيد إنها «تطهى لساعات مع البهارات العطرية وأعواد القرفة

والقرنفل، مما يمنحها قواماً ثقيلاً وطعماً مميزاً».

تبدو أسعار «كبدة البرنس»، قياساً إلى تصنيفها الشعبي، مرتفعة نسبياً، رغم الزحام الذي يوحيصبأن معظم زائريه لا يزالون في طور اكتشاف «سر» كبدة البرنس، الذي يبدو بدوره مكلفاً نسبياً؛ إذ يصل سعر نصف لو الكبدة الكندوز إلى نحو 550 جنيهاً مصرياً (الدولار يساوي 47.7 جنيه)، فيما يبلغ سعر ورقة اللحم على طريقة البرنس مع الأرز والبطاطس نحو 700 جنيه، ويصل سعر طاجن العكاوي بالبصل إلى 500 جنيه.

كما تلفت قائمة الطعام نظر الزبائن إلى أن إضافة أي نوع من السلطات تُحتسب بسعرٍ إضافي، سواء كانت السلطة الخضراء (البلدي)، أو الطحينة، أو الباذنجان (بابا غنوج)، وهي اختيارات تلائم المزاج الشعبي المصري لأطباق البرنس.

غير أن المفارقة لا تكمن في الأسعار وحدها، بل في زمن انتظار طاولة شاغرة؛ إذ تتطلّب قائمة الانتظار قدراً من «التفرّغ» حتى ينتهي الجالسون على موائد البرنس من تناول أطباقهم «الدسمة»، فيما يُطمئن منظّم الطوابير المنتظرين بألا يفقدوا الأمل في تناول العشاء، حيث المطعم لا يُغلق أبوابه إلا في الرابعة صباحاً.


ما أشهر أطباق أذربيجان؟

سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)
سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)
TT

ما أشهر أطباق أذربيجان؟

سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)
سمك على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك مكان جدير بحمل لقب «أرض المتناقضات»، فسوف يكون بالتأكيد أذربيجان. إنه بلد يحتك فيه الطموح نحو المستقبل بالتقاليد الضاربة بجذورها في الأرض كل يوم تقريباً، سواء كان ذلك خلال استضافة قمم تناقش الذكاء الاصطناعي في الجيل المقبل أو المناخ العالمي أو الحفاظ على تقاليد الرعي البدوية.

فيما يتعلق بثقافة الطعام بالبلاد، ما زالت تمثل العادات القديمة والمكونات المزروعة محلياً العمود الفقري لها، فهناك لحوم تُشوى على السيخ، وأطباق أرز منقوعة في البهارات، وخبز مسطح بالأعشاب، وتين ورمان. كذلك يوجد الزعفران الأذربيجاني، الذي يحظى بشهرة عالمية، حيث الأطباق المتأثرة بطرق التجارة التي تمر عبر طريق الحرير. ويتمتع البلد بتنوع كبير وشغف عميق بين المزارعين وخبراء الطعام المحليين، الذين حققوا نجاحاً باهراً في رحلة الخمسين مطعماً الأفضل مع الطاهي ويليام هيل، الذي حصل مطعمه الذي يحمل اسمه في مدينة أوستند ببلجيكا، على المركز 62 على القائمة الممتدة لأفضل 50 مطعماً حول العالم لعام 2025، مع تصويره لفيلم وثائقي عن مجال الطهي بالبلاد.

الشيف ويليام هيل (أفضل 50 مطعماً)

إن ذلك الشغف، إلى جانب الإرث الذي تتمتع به البلاد من إجادة للطهي وحب للطعام الجيد والمجموعة الثرية من النكهات، مصدر إلهام خصوصاً لطاهٍ عالمي. وقد أوضح قائلاً: «تمثل أذربيجان حُسن الضيافة الصافي. وتتمتع نفوس أهلها بقوة كبيرة، كذلك تعدّ طريقة تواصلهم مع بعضهم بعضاً متميزة جداً. إن التقاليد والحرفية من الأمور التي على العالم اكتشافها هنا». من العاصمة باكو إلى قرية باسكال القديمة ووصولاً إلى مدينة لانكران في الجنوب، هناك الأطباق التي تمثل هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالجانب الحسي، الذي يعتمد على طريقة الطهي البطيء.

أرز بالزعفران الأذربيجاني (أفضل 50 مطعماً)

بز «الغوتاب»ستجد على طول ممرات إيشيري شهر، وهي مدينة باكو القديمة، بائعي خبز «الغوتاب» الذين يعدّون هذا النوع من الخبز المسطح في دقيقة. إنه عمل سريع، حيث يفردون العجين ويحشونه بالخضرة المقطّعة جيداً أو القرع أو الجبن أو اللحم قبل طيّه على هيئة قطعة تتخذ شكل هلال وخبزه على صينية خبز تتخذ شكل القبة تُعرف باسم «صاج». وقال هيل، وهو يفرد كرات العجين على إحدى عربات بيع الخبز في الشارع، إن «هذا العدد الكبير من الوصفات التي يمكن إعدادها من الدقيق والملح والماء مذهل حقاً. إنه مالح وطازج وحمضي وحلو في الوقت ذاته». يُفضل تناول هذا الخبز ساخناً مع الزبادي أو السماق، بوصف ذلك وجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

الشيف ويليام هيل (أفضل 50 مطعماً)

كعك «الهالفا» في باسكال

لطالما مثّل كعك «الهالفا»، وهو بالأساس لوح سميك أخضر اللون، غذاءً رئيسياً لسكان باسكال، بمنطقة أذربيجان الوسطى، على مدى قرون. إنه معدّ مسبقاً من القمح النابت، الذي يتم تحميصه بعد ذلك لمدة ثماني ساعات، وطحنه ليصبح مسحوقاً. ويتم إضافة لب الجوز مع الشمر والقرنفل والكركم المطحون لعمل عجين هش سهل التفتت، ثم يُخلط بالعسل الأبيض أو العسل الأسود. لا يكذب السكان المحليون حين يقولون إن كعكة واحدة قادرة على تزويدك بالطاقة طوال اليوم.

تعتمد أذربيجان على المكونات المزروعة محلياً (أفضل 50 مطعماً)

«دوشبارا»

يساعد هذا الطبق على تهيئة المعدة لاستقبال الأطباق المحببة التي تتكون منها أي وجبة أذربيجانية تقليدية. «الدوشبارا»، الذي يُقدم في مرقة عظم منظّفة، هي فطائر صغيرة محشوة بلحم الضأن، تشبه على نحو ما «الونتون» (الزلابية الصينية التقليدية)، أو «التورتليني» (معكرونة إيطالية محشوة). إن الواحدة منها ليست أكبر من فص ثوم، لكن تناول ست أو سبع منها يكفي لفتح الشهية. «الدولمة»

كن الدولمة، نوع من أوراق العنب المحشوة، طبق يحظى باعتراف وتقدير منظمة «اليونيسكو»، بوصفه رمزاً للتراث الثقافي المعنوي، حيث يعود أصل اسم الطبق إلى كلمة «دولدورماق» في اللغة الأذربيجانية التي تعني «المحشو». ويتم حشو أوراق العنب أو شجر النير أو الكرنب، باللحم المفروم والأرز والأعشاب، قبل طهيها على نار هادئة حتى تنضج تماماً، وتضيف كل منطقة مزيجها الخاص من النكهات إلى الطبق.

الشيف ويليام هيل في أحد مطاعم أذربيجان (أفضل 50 مطعماً)

«الكباب»

إن الكباب من أصناف الطعام المألوفة لكثيرين، فهي أسياخ من لحم الضأن أو اللحم البقري أو الدجاج توضع على الفحم الساخن. ولا يُستخدم في إعداد هذا الطبق توابل كثيرة، حيث يُنقع في ملح وفلفل فقط، في أكثر الأحوال في أذربيجان. ويقول هيل: «أهم ما في الطبق هو نكهة اللحم الخالصة» مشيراً إلى سلالة الحملان الأصيلة ذات الذيل السمين التي تشتهر بها منطقة قره باغ. ولا يحتاج الأمر سوى إلى لفّ اللحم في خبز «اللافاش» الرقيق والسماح لجودة اللحم بالظهور والإعلان عن نفسها.

ربما يكون هذا الطبق هو أهم طبق أذربيجاني. وتختلف أشكاله المتنوعة اليوم باختلاف المنطقة، لكن المكونات الرئيسية له، هي الأرز البسمتي المنقوع في الزعفران والمطهو بالبخار، والمضاف إلى طبقات من المشمش والبرقوق المجفف والكستناء، مع لحم الضأن أو اللحم البقري أو السمك المشوي على نار هادئة. في بعض المناطق يتم لفّ الخبز المسطح حول الأرز وحشوه لعمل طبقة مقرمشة بعد خبزه، في حين تتم إضافة الزبادي والزبد والبيض إلى الطبق من أجل عمل طبقة مطاطية تشبه البودنغ مع طهي الطبق على البخار. ويوضح هيل، بينما يجرب النوع الذي يُعرف باسم «شاه بلوف»: «هناك توازن بين المذاق الحلو للزبيب والمذاق المالح للأرز. إنه طعام يغذي الروح حقاً، خصوصاً مع نكهة العجين المخبوز على الفحم».

من الأطباق الشهيرة في أذربيجان (أفضل 50 مطعماً)

«الشاكي بيتي»

إن هذا الطبق المعدّ من لحم الضأن من الأطباق المميزة في المطبخ الأذربيجاني أيضاً. توضع كل قطعة في إناء فخاري صغير أسطواني الشكل يعرف باسم «دوبو»، وهو مكوّن من لحم الضأن والبازلاء والكستناء والبرقوق، ويوضع فوقه بصل مقطّع ومرقة منقوعة في الزعفران، قبل خبزه داخل فرن الطوب لمدة تصل إلى ست ساعات. وعادة ما يؤكل هذا الطبق على مرحلتين. تشمل الأولى صبّ المرقة من كل إناء وتناولها مع الخبز، قبل تناول باقي المكونات الطرية بشكل منفصل، أحياناً مع السماق. بالنسبة إلى هيل هناك قوة في تلك البساطة، حيث يقول: «إنك تتذوق بالفعل جودة اللحم مع إضافة بعض المكونات البسيطة. تحوّل طريقة الطهي البطيئة المكونات إلى طبق جميل رائع».

نادراً ما يرى المرء في جميع أنحاء أذربيجان وجبة دون وجود خبز على المائدة. يتم ضغط تلك الأقراص من العجين، المعترف بها من «اليونيسكو» في تعبير عن إرث ثقافي معنوي، على جدران فرن عميق من الفخار يُعرف باسم «التندر»، حيث يلتصق ويصنع فقاعات ويتم إخراجه قبيل احتراقه. تكون النتيجة هي خبز مقرمش من الخارج يتم تناوله مع كل الأطعمة، سواء كانت أنواع الجبن المحلية أو الكمبوت المماثل للمربى. ويتم تقطيعه وهو دافئ، أو تناوله مع «البيتي»، أو لفّه حول قطع لحم الضأن الطري.

«اللافانغي»

إن طبق «اللافانغي» من الأطباق المميزة لجنوب أذربيجان، حيث يتم حشو الدجاج أو السمك أو الباذنجان بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم خبزه ببطء في فرن «التندر» لعدة ساعات. وهناك مجموعة كبيرة متنوعة من النكهات ودرجات القوام في الطبق الواحد، من الطبقة المدخّنة والمكسرات التي تطهى على الفحم إلى الحشوة ذات المذاقين الحلو والمالح. ويقدم كل هذا مذاقاً خاصاً عند تناوله مع السمك المشوي، وهو انطباع تكوّن لدى هيل بعد مشاهدته لطريقة إعداد الطبق. وأوضح قائلاً: «يحمل الطبق مذاق الأومامي (المذاق الخامس) اللذيذ مع درجة قرمشة كبيرة. كأن الحشو شيء لم أصنعه يوماً، حيث منح الجوز والمذاق الحمضي لمعجون البرقوق الطبق الحياة حقاً».


سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
TT

سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

لم يُطلب مني قط توقيع اتفاقية عدم إفصاح مقابل قطعة حلوى؛ ومع ذلك، عادةً ما يحدث هذا عند التفاوض مع نجوم مثل سيدريك غروليه، الذي يعد أشهر طهاة الحلويات ليس عبر الإنترنت فحسب، بل وكذلك في العالم الواقعي.

جدير بالذكر أن نحو 13 مليون شخص يتابعون غروليه على «إنستغرام»، ما يفوق متابعي مارثا ستيوارت (5.8 مليون)، وإينا غارتن (4.8 مليون)، وبوبي فلاي (مليونان) مجتمعين. وتكشف فيديوهاته المتقنة والآسرة عن براعته في صنع فطائر الزهور الشهيرة، وكعكات رقائق الشوكولاته، وحلوياته التي تُوهم الناظر بأنها تفاح وليمون.

إبداع في تصنيع الشوكولاتة عززته وسائل التواصل الاجتماعي (نيويورك تايمز)

واجتذبت هذه الفيديوهات زبائن من جميع أنحاء العالم إلى متاجره في باريس، حيث تجري الاستعانة بحواجز مخملية وحراس أمن لتنظيم الحشود. ومنذ عام 2022، افتتح كذلك متاجر في لندن، وسان تروبيه، وموناكو، وسنغافورة، ومنتجع فال ديزير الفاخر للتزلج في جبال الألب. وبفضل استغلاله لقوة وسائل التواصل الاجتماعي، تمكن غروليه، 40 عاماً، في غضون خمس سنوات فقط، من بناء إمبراطورية استغرق بناء مثيلاتها من أجيال سابقة من طهاة الحلويات عقوداً طويلة.

ديكور المحل مصنوع من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

وفي مقابلة أجريت باللغتين الفرنسية والإنجليزية، قال غروليه إنه بدأ تدريباً مكثفاً في فنون الحلويات منذ سن الرابعة عشرة، في مسقط رأسه، فيرميني، بمنطقة لوار. وكان هدفه إرضاء «زبائن النخبة»، الذين يشكلون نسبة قليلة جداً من سكان العالم القادرين على الاستمتاع بفنون الحلويات الراقية. ومع ذلك، أدرك فجأة عام 2013، عندما شجعه مساعد طاهٍ شاب على استخدام «إنستغرام»، أن هناك جمهوراً أوسع لأعماله على الإنترنت. وعلق على ذلك، بقوله: «لقد نجحت الفكرة».

شوكولاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وكشف غروليه النقاب، عن أول متجر شوكولاته له، «سيدريك إيه لا شوكولاتيري»، وهو مشروع أشبه بعالم «ويلي ونكا» (عبقري صناعة الشوكولاته ومالك مصنع شوكولاته سحري وسري، من كتاب الأطفال الكلاسيكي «تشارلي ومصنع الشوكولاته» للكاتب روالد دال)، استغرق إعداد المتجر ثلاث سنوات. وفي قلب المتجر، يوجد شلال من الشوكولاته الذائبة تفوح منه رائحة زكية، يمكن رؤيته من الشارع، ويتدفق دونما انقطاع على جدار مصنوع خصيصاً من الفولاذ المقاوم للصدأ. (يحتوي النظام على 330 رطلاً من الشوكولاته، ممزوجة بالزيت لتسهيل انسيابيتها).

لوحات فنية مصنوعة من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

كما تصطف مربعات الشوكولاته على الجدران؛ وتثير الحواف المُسنّنة للطاولات ذات اللون البني الفاتح، في الأذهان صورة بسكويت الزبدة الفرنسي الكلاسيكي «LU»؛ وتتدلى من السقف منحوتات عملاقة لامعة من الفول السوداني الكامل، وقرون الكاكاو، والفستق.

في وقت سابق من هذا الشهر، عندما أُزيل الورق الذي يُغطي النوافذ بصورة مؤقتة، احتشد جمع غفير على الرصيف، وألصقوا هواتفهم بالزجاج، بينما شرعوا في التلويح بحماس لجذب انتباه غروليه.

يصطف المارة في الطريقة لرؤية الشوكولاتة في متجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

في الواقع، يبدو هذا الحماس المُصاحب لافتتاح متجر حلويات منطقياً هنا في فرنسا، حيث يشكل احترام المهارة والإبداع في فنون الطهي جزءاً من صميم الثقافة. (بيير إيرميه، سلف غروليه نجم عالم الحلوى في فرنسا، هو من نشر حلوى الماكرون عالمياً في العقد الأول من الألفية الثانية، وحصل على لقب فارس تقديراً لإسهاماته).

من جهتها، قالت ألكسندرا كرابانزانو، مؤلفة كتاب «شوكولاته»، الذي يُصوّر عالم الشوكولاته الفاخرة في باريس: «عندما يُطلق طاهي حلويات شهير منتجاً جديداً، يُذاع الخبر في نشرات الأخبار المسائية، وفي الصحف، وفي البرامج الحوارية التي تحظى بالمشاهدة في جميع أنحاء البلاد».

شوكلاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وداخل أرقى أحياء المدينة، تُعرض قطع البونبون وتُضاء كقطع المجوهرات في واجهات المتاجر. وفي جميع أنحاء البلاد، تشتد المنافسة لإنتاج أرقى الهدايا وأكثر أعشاش بيض عيد الفصح وكيك عيد الميلاد «بوش دو نويل» جاذبية. وبجوار متجر غروليه الجديد مباشرةً، تعكف صانعة الشوكولاته جايد جينين، على ملء أهرامات الشوكولاته الصغيرة بنكهات مثل الليمون والكمون والهيل الأسود المدخن، بينما تقف عشرات من متاجر الشوكولاته الفاخرة الأخرى على بُعد خطوات فقط.

من جهته، قال دومينيك أنسل، طاهي الحلويات الفرنسي صاحب ابتكار «الكرونوت»، إن سر غروليه يكمن في بساطته، وهي سرّ تأثير أعماله وشعبيتها، بغض النظر عن وسائل التواصل الاجتماعي. وأضاف: «إنها تخاطب شريحة أوسع من الناس بالتأكيد. بصفتي طاهياً، أُقدّر رقائق التويل والديكورات والزخارف على الطبق، لكن أي شخص يُمكنه الاستمتاع بفراولة بطعم الفراولة الأصيلة».

من حلويات غروليه على شكل فاكهة (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، لا يُرحب الجميع بتأثير منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، التي جلبت صوراً لحيوانات مصنوعة من الشوكولاته، وكرواسون عملاق، إلى عامة الناس.

في هذا الصدد، أشارت كرابانزانو، التي أجرت مقابلات مع عشرات من طهاة الحلويات من أجل كتابها، إلى أن هناك استياءً واسعاً بين الطهاة المخضرمين من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. والسبب أنه لم يعد كسب احترام الناس الذين يتذوقون أعمالهم ببطء كافياً، بينما ليس من السهل إتقان لغة الإنترنت الجديدة.

تستخدم في تصنيع الشوكولاتة لدى سيدريك غروليه تقنيات عالية (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، كان لدى غروليه رؤية ثاقبة لنقل حقيقة المجهود الشاق الذي يبذله طهاة الحلويات، الذين لطالما عملوا بجد خلف الكواليس، إلى الملايين. وبمهارةٍ فائقة، يعمل غروليه في صمتٍ تام، مستخدماً أوعيةً ضخمةً من الغاناش، وشرائحَ من عجينة الباف بايستري، وحفناتٍ من حبوب الفانيليا التي تملأ الشاشة، ما يوحي لجمهوره بأن العمل أهم منه. وبدلاً من زيّ الطهاة الأبيض التقليدي، وقبعة الطاهي الطويلة، وحقيبة الحلويات، يظهر غروليه مرتدياً قميصاً ومئزراً، وهو يغمس ذراعه في وعاءٍ من التوت.

وبطبيعة الحال، مع النجاح، تعلو أصوات النقد. يُصوّر المؤثرون في مجال الطعام من جميع أنحاء العالم أنفسهم وهم ينتظرون في طوابير طويلة أمام متاجره، تمتد أحياناً لساعات، ليحظوا بشرف شراء كعكة غروليه، ثم يُعبّرون عن خيبة أملهم في فيديوهاتٍ تحمل عناوين مثل «مراجعتي الصادقة» أو «هل يرقى هذا المخبز إلى مستوى الضجة المثارة حوله؟». وفي تعليقات على «إنستغرام» ومنشورات «ريديت»، يتساءل البعض حول ما إذا كان كرواسون غروليه، البالغ سعره 5 يوروهات، أفضل حقاً من كرواسون ميزون كايزر، سلسلة المخابز الوطنية الراقية، البالغ سعره 1.40 يورو، وما إذا كانت معجناته مصممةً في حقيقة الأمر كي تبهر الآخرين بشكلها، وليس مذاقها.

في الواقع، تتماشى أسعار غروليه مع أسعار غيره في عالم الحلويات الراقية. وكما الحال في عالم الأزياء الراقية، لا يتيح غروليه سهولة الوصول. والمثير أن تفاحة غروليه، وهي عبارة عن قشرة رقيقة من الشوكولاته محشوة بمربى التفاح والتفاح الطازج وغناش التفاح وكعكة القرفة، لا تشبه فطيرة التفاح العادية بقدر ما يشبه فستان «شانيل».

وكما توضح شخصية ميريل ستريب في فيلم «الشيطان يرتدي برادا» في مونولوجها الشهير بالسترة الزرقاء، فإن العمل الإبداعي الذي يحطم الحدود في عالم الرفاهية هو ما يفرض تغييراً حقيقياً في السوق الجماهيرية.

يذكر أنه عام 2015، ابتكر غروليه مكعب روبيك صالحاً للأكل، عندما كان مساعد رئيس الطهاة في فندق «لو موريس»، الفندق الباريسي الفاخر الذي عمل فيه طوال 10 سنوات ولا يزال يدير قسم الحلويات فيه. وكانت هذه أول حلوى له تُحقق نجاحاً باهراً، وتتكون من 27 مكعباً صغيراً لامعاً من الكيك، مفصولة بألواح رقيقة من الشوكولاته، ومُزودة بعجلات بلاستيكية صغيرة لتدويرها.

وفي هذا الإطار، أوضح غروليه أنه في المطاعم الراقية، يكون من المتوقع أن تبهر الحلويات الأنظار ببنيتها وألوانها وملمسها وإضاءتها. وقد تتضمن حلوى الليمون موس، وميرينغ، وماكرون، وغيرها، جميعها مُرتبة بدقة هندسية تُبرز الجهد المبذول فيها، وتُقنع الزبائن بأن السعر مُبرر.

الحلوى التي أكسبته شهرة واسعة، «لو سيترون» - ليمونة مُتقنة الصنع بتقنية الخداع البصري، مُزينة بورقة ليمون حقيقية - أثارت في البداية استياء إدارة «لو موريس»، الذين كانوا على يقين من أن الزبائن لن يدفعوا 25 يورو مقابل قطعة واحدة على طبق أبيض.

منذ افتتاح متجره المستقل الأول عام 2018، واصل غروليه تحدي تقاليد صناعة الحلويات الراقية، عبر الاستعانة بمكونات أميركية مثل الجوز الأميركي والفول السوداني، ويُقدم كعكات رقائق الشوكولاته العملاقة في علب البيتزا. ويتعاون مع علامات تجارية مثل «لا بريري» و«هاي سنوبايتي»، ومع مؤثرين مثل عارضة الأزياء نيجين ميرصالحي ومؤثر السيارات جورج مارون كيكانو، المعروف باسم «جي إم كيه».

الحقيقة كل من ظن أن غروليه مجرد مؤثر، فقد ثبت خطؤه منذ فترة طويلة. تجدر الإشارة إلى أن شركته توظف 600 شخص حول العالم، ويُعدّ دخوله عالم الشوكولاته قراراً تجارياً مدروساً؛ فالمعجنات الهشة، مثل معجنات غروليه، يكاد يكون من المستحيل شحنها، لذا لا يمكن تركيز الإنتاج؛ فلكلٍّ من متاجره الثمانية للمعجنات طاقم عمل مدرب تدريباً عالياً، وهو أمر مكلف بالتأكيد.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، في منطقة صناعية عادية بضاحية نانتير، فتح غروليه أبواب غرف تبريد متعددة، مُكدّسة من الأرض إلى السقف بصناديق الشوكولاته الجاهزة للنقل إلى متجره في باريس، ومن ثمّ إلى جميع أنحاء العالم. وعمل الموظفون، مرتدين أغطية الشعر والأحذية الواقية، على خط تجميع لتشكيل وتبريد وتزيين وتسوية وإغلاق قطع الشوكولاته على شكل بندق، المحشوة بعجينة البندق المحمص والمملح بشكل مثالي

وتتميز المنتجات الجديدة الـ134 التي ابتكرها ببساطته المعهودة بحلوى البونبون على شكل مانغو محشوة بالمانغو؛ وعصا الشوكولاته الطويلة والرفيعة المنقوشة بحبة فانيليا، تحتوي على غاناش الشوكولاته البيضاء المرصع ببذور الفانيليا السوداء. (كانت الحلويات التي جربتها لذيذة كالعادة).

واليوم، يرى غروليه، بعد وقت طويل، أن الحلويات التي كان يُعدّها سابقاً كانت تبدو مبالغاً فيها ومُفتعلة، بل وحتى مبتذلة. وقال: «كانت تعكس مُبالغة في التزيين»، على حد قوله.

* خدمة «نيويورك تايمز»