المانجو.. ملك الفواكه

أساطيرها تنتشر في الهند .. وفوائدها الصحية مذه لة

مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو
مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو
TT

المانجو.. ملك الفواكه

مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو
مشروب مانغو لاسي الشهير - مانغو تشاتني - آيس كريم بنكهة المانجو

حل الموسم، وتكدست أكوام المانجو فوق بعضها البعض في كل مكان. ويستمتع عشاق المانجو خلال هذا الموسم بمذاق مجموعة متنوعة من ثمار الفاكهة حلوة المذاق. يعتبر المانجو واحدًا من الفواكه التي تنتمي في أصلها إلى الهند تحديدًا، ويعتقد الكثيرون أن هذا الملك غير المتوج لمملكة الفواكه بأسرها يكون في أفضل صوره لدى تناوله طازجًا.
أيضًا، تستقي الكثير من الأطباق اللذيذة إلهامها من هذه الفاكهة الرائعة، حيث يمكن الاستعانة بالمانجو في صورته الطازجة في أطباق السلطة، ويمكن تقطيعه ليصبح جزءًا من أطباق الحلوى، بجانب إمكانية تحويله إلى عصير، بل ويمكن تحويله إلى مخلل. أما المفاجأة الكبرى فهي إمكانية استخدام المانجو كبهارات. من جانبها، تقدم الهند مجموعة مذهلة من أنواع المانجو المختلفة للاختيار من بينها، وتشكل مصدرًا لـ56 في المائة من إنتاج المانجو بالعالم.
يعتبر «مانجو لاسي» واحدًا من المشروبات التي تحظى بإقبال بالغ بمختلف أرجاء جنوب آسيا، ويجري إعداده عبر مزج ثمار مانجو طازجة مع حليب منزوع الزبد وسكر. كما يجري استخدام ثمار مانجو طازجة في صنع بهارات. أيضًا، يدخل المانجو في صنع «أمراس»، وهو عصير ثخين يحظى بشعبية واسعة، ويجري إعداده من ثمار المانجو ممزوجة مع سكر أو حليب، ويجري تناوله مع خبز هندي.
كما يجري حفظ المانجو في صور متنوعة، منها «مورامبا» (مانجو مبشور)، و«أمشور»، وهو مانجو غير طازج مجفف وفي صورة مسحوق.

الفوائد الصحية للمانجو

لا يقتصر سحر المانجو على رائحته الساحرة، وإنما يمتد إلى فوائده الصحية المذهلة. ويكشف العلم أن المانجو يحتوي الكثير من فيتامين «سي»، علاوة على اعتباره مخزنًا لعدد من الفيتامينات الأخرى، مثل «بي 6»، إضافة إلى البوتاسيوم والماغنسيوم.
ويحمل المانجو فوائد كبرى للجلد، ما يجعله فاكهة واجب توافرها بالمنزل لأطول فترة ممكنة. يساعد المانجو على تغذية الجلد وتجديد نشاطه، ما يضفي عليه لمعانًا وإشراقًا، وهو حلم كل امرأة.

تاريخ المانجو

وردت إشارات إلى المانجو في نصوص دينية هندية والنصوص الكلاسيكية الأدبية والشعر والرسومات ومنحوتات باعتباره رمزًا للخصوبة. ومن غير المثير للدهشة أن نجد بلدًا يعبد فيه مئات الآلهة ويتحدث أبناؤه بعشرات اللغات واللهجات ويضم مئات الطبقات، يوجد به كذلك ما يصل إلى 1400 نوع من المانجو.
ويشير العلماء إلى أن تاريخ زراعة المانجو في جنوب آسيا يعود إلى آلاف السنين، وانتقلت الفاكهة إلى شرق آسيا بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. بحلول القرن العاشر الميلادي، كانت زارعة المانجو قد بدأت في شرق أفريقيا. وقد أورد الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي عاش في القرن الـ14، إشارة إلى المانجو في مذكراته. وفي وقت لاحق، انتقلت زراعة المانجو إلى البرازيل وبرمودا والمكسيك وجزر الهند الغربية.
ويعتبر المانجو الفاكهة الوطنية داخل الهند وباكستان، علاوة على أن شجرة المانجو الشجرة الوطنية في بنغلاديش. جدير بالذكر أن الدول الثلاث كانت كيان واحد تحت اسم الهند قبل الاستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني عام 1947.

عاصمة المانجو داخل الهند

على بعد قرابة 400 كيلومتر عن العاصمة الهندية دلهي، تعرف كل من ماليهاباد ومال وكاكوري معًا بحزام المانجو الهندي، رغم أن الفاكهة تزرع أيضًا داخل أجزاء أخرى من البلاد.
وتشير الأقاويل المتداولة بالمنطقة إلى أنه منذ أكثر من 200 عام ماضية، استقرت مجموعة من «أفريدي باثان» داخل حزام ماليهاباد، قادمين من منطقة خيبر باس الأفغانية. ويقال إنهم عملوا جنود مرتزقة في جيوش أمراء وشخصيات نافذة محلية. أما في أوقات السلم، عملوا بالزراعة، ويعود إليهم الفضل وراء زراعة أول شجرة مانجو بالمنطقة. وهناك بعض الأقاويل المبالغة التي تشير إلى أن أشجار المانجو بالمنطقة كانت على قدر من الكثافة ذات وقت لدرجة حالت دون وصول أشعة الشمس إلى الأرض.
واليوم، تنتج المنطقة بعض أفضل أنواع المانجو، مثل «دوسهري» و«لانغدا».
وعندما تمر بالسيارة على طول الطريق السريع من لوكناو حتى ماليهاباد، تطلع على مشهد أشجار المانجو الساحرة، حيث تصطف على جانبي الطريق أعداد لا حصر لها من بساتين وحدائق المانجو، بينما يختلس المزارعون لحظات استرخاء داخل أكواخ مصنوعة من القش، في إطار حراستهم لأشجار المانجو ضد أي عدوان من حيوانات أو طيور في الجوار. أما الجو فيعبق برائحة المانجو الطازج.
وتشير الأرقام إلى أن ماليهاباد تضم 30 ألف هيكتار من الأراضي المزروعة. وفي هذا الصدد، أوضح إنشرام علي، رئيس اتحاد مزارعي المانجو في الهند، أن «ماليهاباد تعد عاصمة المانجو في الهند، وتضم بعض أقدم أشجار المانجو على مستوى البلاد. وتعود ملكية حدائق المانجو الموجودة هنا إلى عائلات تعمل بمجال زراعة المانجو منذ سنوات تصل في بعض الحالات إلى 100 أو 200 عام».
أما عن تركز زراعة المانجو في هذا الحزام تحديدًا، فأشار كونوار بهوبندرا سنغ، من مال، إلى أن السر يكمن في التربة المناسبة واتجاهات الرياح ومستوى المياه ودرجة الحرارة. تجدر الإشارة إلى أن جد سنغ الأكبر كان أول من امتلك حديقة أشجار مانجو لأغراض تجارية بالمنطقة.

رجل المانجو الهندي

داخل ماليهباد، يوجد رجل يحمل لقب رجل المانجو، وهو كليم الله خان، 75 عامًا، الذي يعود عمر أشجار المانجو بحديقته إلى 150 عامًا. وقد كرس خان حياته لزراعة المانجو، ويعده الكثيرون بمثابة موسوعة حية من لحم ودم فيما يخص أنوع المانجو المختلفة، وكيفية زراعتها والأمراض التي قد تصيبها وما إلى غير ذلك. وقد نال واحدًا من أرفع الأوسمة المدنية بالهند والمعروف باسم «بادام شري»، تقديرًا لجهوده بالمجال الزراعي.
وعلى امتداد حياته، تولى خان زراعة قرابة 350 شجرة مانجو متنوعة - من «كاريلا» الذي يشبه في شكله القرع المر حتى «أسرور موكارار» الذي تشبه ثمرته شكل القلب. وعن المانجو، قال خان: «إنها شغفي الأول. إنها بالنسبة لي أهم من أبنائي».
وقد كرس خان من حياته 10 سنوات في العناية بشجرة سحرية تثمر أنواعًا مختلفة من المانجو. وتتميز الشجرة بألوانها المختلفة، حيث تتنوع ألوان أوراقها بين المائل للسفرة والأخضر الداكن. وفي الوقت الذي كانت الثمار في جزء من الشجرة ناضجة تمامًا، كانت براعم ثمار أخرى لا تزال في بداية ظهورها في جزء آخر من الشجرة. وقد بلغ خان قدرًا من الشهرة لدرجة أنه ذات يوم جاءه خطاب من جدة يحمل الظرف فقط ما يلي: «كليم الله خان، ماليهاباد، الهند».
وهذا العام، نجح خان في تطوير شجرة مانجو خاصة أطلق عليها «كلام مانجو»، احتفاءً بالرئيس الـ11 للهند، الرئيس عبد الكلام، الذي توفي عام 2015.
ومثلما كان الرئيس عبد الكلام إنسانا رائعًا وعالمًا عظيمًا، تتميز «كلام مانجو» عن أنواع المانجو الأخرى بتنوع ألوانها، بل وحمل لب الثمرة لونين.
كما نجح خان في تطوير سلسلة من الأنواع المختلفة من المانجو، حمل الكثير منها أسماء مشاهير، مثل أسطورة بوليوود أميتاب باتشان، وزوجة ابنه ملكة جمال العالم وممثلة بوليوود إيشواريا راي باتشان، ولاعب الكريكيت ساشين تندولكار، علاوة على سياسيين مثل رئيس الوزراء ناريندرا مودي وسونيا وغاندي وحاكم ولاية أوتار براديش، أكهيليش ياداف.
وقد رفض خان عروض عمل من دبي وإيران وأبوظبي. وعلق خان على هذا بقوله: «أعلم أن بمقدوري زراعة المانجو في الصحراء، لكن ليس باستطاعة أحد شرائي بالمال»، والواضح بالفعل أن خان لا يأبه كثيرًا للمال، وإنما يدور اهتمامه حول شغفه بالمانجو. وقال: «لقد نقلت هذا الفن إلى أبنائي، لكن أحيانًا يخالجني القلق من أن هذه المعرفة ستدفن معي في قبري».
وأكد بثقته المعهودة: «حال عدم اتباع الأسلوب الذي ابتكرته في الزراعة، فإنه حتى لو اجتمع علماء الأرض معًا فإنهم لن يتمكنوا من محاكاة ما حققته».
وادعى خان أنه يعرف عن الأمراض التي تصيب المانجو أكثر من أي شخص آخر يعيش على السهول الشمالية في الهند. وفسر السبب وراء هذا بقوله: «إن شجرة المانجو الواحدة تصاب بمرض واحد فقط في المرة الأولى، بينما الشجرة التي أتعامل معها تتعرض لعشرات الأمراض في الوقت ذاته نظرًا لتعدد الأنواع التي تثمرها»، ورغم أن الحكومة لم تسهم سوى بالقليل في تجاربه، فإن خان حريص على المشاركة في تعزيز إنتاج المانجو، الذي يشكل حاليًا 60 في المائة من إجمالي الناتج العالمي للمانجو. وقال: «دعوني أعمل بأحد المزارع المملوكة للحكومة. لا أريد راتبًا، وإنما فقط التعامل مع خبير من اختياري. وإذا أخفقت في تقديم نتائج طيبة، سأعيد دفع كل بنس أنفقته الحكومة على المشروع».

أساطير المانجو

بجانب الأنواع المتنوعة للمانجو، تكثر حول هذه الفاكهة المميزة مجموعة من القصص المثيرة. على بعد قرابة 200 متر من قرية دوسهري، خلف تقاطع للسكك الحديدة، تقف شجرة وحيدة على جانب طريق رئيس يملؤه الغبار. ويحيط بالشجرة أسلاك شائكة وحارس، ما يوحي بوضوح بأهمية الشجرة. وتشير الأقاويل إلى أن عمر الشجرة يتجاوز 300 عام وكانت مملوكة في وقت من الأوقات لحاكم لوكناو. وتشير الأسطورة الرائجة إلى أنها كانت الشجرة الوحيدة من نوعها، وحظر الحاكم زراعة مثلها، بل وعمد لتخريب بذور جميع الفواكه كي لا يعيد أحد زراعتها. ومن الواضح أن الحاكم كان مفتونًا للغاية بهذه الشجرة لدرجة جعلته يضع عليها شباك تغطيها عندما تبدأ ثمارها في الظهور خشية أن تهاجمها الطيور وتخطف الثمار. إلا أنه ذات يوم، نجح صاحب أرض من ماليهاباد المجاورة في خداع خادمه وسرقة ثمرة من الشجرة، وبذلك انتشرت أشجار المانجو في مناطق أخرى من البلاد.
ويجري النظر لهذه الشجرة باعتبارها «أم» جميع أشجار دوسهري، بل وحملت القرية كلها اسم دوسهري نسبة لها.
حتى يومنا هذا، يتولى حارس حماية الشجرة على مدار أيام الأسبوع، ويحتكر أحفاد هذا الحاكم جميع ثمار الشجرة، ولا يبيعون منه شيئًا في السوق قط. وسنويًا، تنتج الشجرة ما يتراوح ما بين 800 إلى 900 كيلوغرام على الأقل من ثمار المانجو الرائعة.
وتدور قصة أخرى حول أشجار نور جيهان مانجو التي تقتصر زراعتها على منطقة كاتهيوارا في مادهيا براديش. وتحمل هذه النوعية من المانجو اسم الإمبراطورة نور جيهان. وفي المتوسط، يبلغ وزن ثمرة المانجو الواحدة منها قرابة أربعة كيلوغرامات ويبلغ ارتفاعها قدمًا واحدًا. وذكر صاحب واحدة من المزارع الخاصة بنور جيهان مانجو أن هذه النوعية من المانجو تعود أصولها إلى أفغانستان، وجرى نقلها لاحقًا إلى جوجارات.



أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.


مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
TT

مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)

من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.

في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.

سانت بيتر - سيدني

من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.

ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.

أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.

وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.

أتولييه كرين - سان فرانسيسكو

في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.

وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.

كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.

بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.

يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.

من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.

وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.

بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس

يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.

مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.

ميرازور - مينتون

منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.

يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.


سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.