تقرير شيلكوت: السعودية كانت رافضة للحرب على العراق.. وحذرت من تداعياتها

الحكومة البريطانية تشتبك مع المعارضة بشأن «تضليل» بلير للبرلمان

تقرير شيلكوت الذي استغرق الإعداد له أكثر من 7 سنوات وتكون من 12 مجلدًا و2.6 مليون كلمة (رويترز)
تقرير شيلكوت الذي استغرق الإعداد له أكثر من 7 سنوات وتكون من 12 مجلدًا و2.6 مليون كلمة (رويترز)
TT

تقرير شيلكوت: السعودية كانت رافضة للحرب على العراق.. وحذرت من تداعياتها

تقرير شيلكوت الذي استغرق الإعداد له أكثر من 7 سنوات وتكون من 12 مجلدًا و2.6 مليون كلمة (رويترز)
تقرير شيلكوت الذي استغرق الإعداد له أكثر من 7 سنوات وتكون من 12 مجلدًا و2.6 مليون كلمة (رويترز)

كشف التقرير الصادر أول من أمس عن اللجنة البريطانية المكلفة التحقيق في الدور البريطاني في غزو العراق عام 2003، أن المملكة العربية السعودية كانت حذّرت من خوض الحرب ورفضتها.
وأكد تقييم للجنة الاستخبارات الحكومية المشتركة صادر في 19 أبريل (نيسان) عام 2002، على أن «السعودية أعلنت عن موقفها الصريح والواضح بمعارضة الهجوم، ومن غير المرجح أن توفر المملكة الدعم المطلوب لمثل تلك العمليات العسكرية». كما حذرت السعودية، وفقا للتقييم، من التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب على العراق والمنطقة. وذكر التقييم أن الدول المجاورة للعراق، وعلى رأسها السعودية، كان رافضة للحرب. وأشار نصا البندين «17» و«19» إلى أنه «سوف يكون من المستحيل سياسيا بالنسبة للدول العربية إسناد أي إجراءات عسكرية تُتخذ ضد العراق»، وأنه «كان هناك إجماع في الآراء بين دول الجوار العراقي على ضرورة الحفاظ على وحدة وسيادة العراق وسلامة أراضيه».
وفي هذا الصدد، نقل التقييم عن القادة العرب إعرابهم وبقوة عن «موقفهم الراسخ والداعي إلى أن تسقط الإدارة الأميركية من حساباتها القيام بعمل عسكري ضد العراق».
يذكر أنه تزامنا مع تقييم اللجنة، كان الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز (إبان تسلمه منصب ولاية العهد) قد صرح في مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» الإخبارية بأنه «لا يرى أن من مصلحة الولايات المتحدة أو مصلحة المنطقة بأكملها، أو مصلحة العالم أجمع أن يتم الهجوم على العراق». وأضاف حينها أنه لا يعتقد أن مثل هذا الهجوم سوف يحقق النتائج المرجوة من ورائه.
وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الأمير الراحل سعود الفيصل آنذاك، في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على أن «السعودية تعتقد أن الحرب على العراق ستهدد المنطقة بأكملها، خصوصا أنها لم تحظَ بدعم أو موافقة قرار من الأمم المتحدة». وقال الأمير سعود الفيصل إنه «متخوف من ارتفاع نبرات وبوادر التطرف في كل الغرب، وبالأخص في الولايات المتحدة الأميركية».
يذكر أن جون شيلكوت رئيس لجنة التحقيق شدد في تقريره المؤلف من 2.6 مليون كلمة، والمنتظر منذ 7 سنوات، على أن بريطانيا اجتاحت العراق بشكل سابق لأوانه عام 2003، مستندة إلى معلومات استخباراتية لم يتم التحقق منها بشكل كاف.
من جهة اخرى, وعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بمناقشة تداعيات تقرير شيلكوت في البرلمان، على مدار يومين في الأسبوع المقبل. التقرير الذي صدر أول من أمس بعد انتظار 7 سنوات، أشار بأصابع الاتهام إلى تقصير الأجهزة المعنية في المؤسسة البريطانية، استخباراتية وسياسية ودبلوماسية. إذ يرى خبراء أن مشاركة بريطانيا المثيرة للجدل في الحرب على العراق عام 2003 أثارت شعورا عميقا بعدم الارتياح من عمليات التدخل العسكري.
وأعلن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، أنه لا يزال مقتنعا بأن العالم أصبح أفضل حالا من دون صدام حسين، وهذا رأي حليفه توني بلير أيضا. وقال فريدي فورد المتحدث باسم الرئيس السابق، في بيان، إنه «على الرغم من الإخفاقات الاستخبارية والأخطاء الأخرى التي اعترف بها سابقا، فإن الرئيس بوش لا يزال يعتقد أن العالم بأسره هو أفضل حالاً من دون صدام حسين في السلطة».
وأضاف البيان أن بوش الذي أمر بغزو العراق في 2003 «ممتن للغاية لعمل القوات الأميركية والتحالف وتضحياتهم خلال الحرب ضد الإرهاب. ولم يكن هناك حليف أكثر صلابة من بريطانيا بقيادة رئيس الوزراء توني بلير».
ولفت المتحدث إلى أنه لم يتسن للرئيس الأميركي السابق بعد، أن يقرأ تقرير لجنة التحقيق البريطانية الذي نشر الأربعاء في لندن. وفي هذا التحقيق وجه جون شيلكوت رئيس اللجنة انتقادات قاسية لتوني بلير، معتبرا أن اجتياح العراق عام 2003 حدث قبل استنفاد كل الحلول السلمية، وأن خطط لندن لفترة ما بعد الحرب لم تكن مناسبة.
بلير وعد بوش بالوقوف إلى جانبه بخصوص العراق «مهما حدث». واعتبر شيلكوت في تقريره أن بريطانيا اجتاحت العراق بشكل سابق لأوانه في العام 2003 من دون أن تحاول «استنفاد كل الخيارات» الدبلوماسية.
وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بعد نشر التقرير أمام البرلمان، إن المشرعين الذين صوتوا لصالح انضمام بريطانيا لغزو العراق عام 2003 ينبغي أن يتحملوا نصيبهم من المسؤولية عن الأخطاء التي ارتكبت. وقال كاميرون إن البلاد ينبغي أن تضمن أن قواتها المسلحة مجهزة بشكل جديد للتعامل مع أي صراع في المستقبل. وقال للبرلمان: «قرار الذهاب للحرب جاء من تصويت هذا المجلس، وينبغي أن يتحمل الأعضاء من كل الأطراف ممن صوتوا لصالح العمل العسكري نصيبهم من المسؤولية».
وقال مراقبون إن الحرب أعادت تعريف السياسة البريطانية. ويعزو كثير من هؤلاء تحفظات الحكومة البريطانية على إرسال قوات برية إلى ليبيا أو سوريا، إلى أثر تجربتها في العراق.
ويشن البريطانيون حاليا عمليات قصف ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق، لكن البرلمان عارض في 2013 توجيه ضربات جوية إلى نظام بشار الأسد.
واشتبك كاميرون وزعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربن في البرلمان، حول ما إذا كان رئيس الوزراء العمالي الأسبق توني بلير قد ضلل البرلمان بشأن المعلومات التي استخدمت لتبرير قراره بغزو العراق في عام 2003. وقال كاميرون إن الحكومة يجب أن «تتعلم الدروس» من تقرير شيلكوت بشأن قرار بريطانيا الانضمام للغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، لكنه قال إن التقرير لم يظهر أن الشعب تعرض للتضليل عمدا قبل قرار غزو العراق. وأضاف كاميرون أمام البرلمان: «لم يقل شيلكوت صراحة إن هناك نية متعمدة للتضليل».
وأصر كوربن على أن البرلمان تعرض «للتضليل» عندما صوتت أغلبية بالموافقة على الغزو. وقال كوربن إن «الرأي القانوني الدولي الذي يتمتع بثقل كبير وجد أن الغزو غير قانوني».
واعتبر كوربن أن غزو العراق «لم يكن بأي حال من الأحوال هو الملاذ الأخير»، كما جاء في تقرير شيلكوت. وقال كوربن إن غزو العراق «أدى إلى وفاة مئات الآلاف من الأشخاص»، وكان سببا في تشريد الملايين من اللاجئين، وزعزع استقرار المنطقة وغذى الإرهاب. وأضاف كوربن: «بكل المقاييس، أصبح غزو واحتلال العراق، بالنسبة لكثيرين، كارثة».
العراقي الذي تناقلت صوره وسائل الإعلام في العالم وهو يحطم تمثال صدام حسين بمطرقة، كاظم الجبوري، قال للقناة الرابعة البريطانية، إن العراق كان أفضل تحت حكم صدام، ودعا إلى ضرورة محاكمة جورج دبليو بوش، وتوني بلير، متهما الأخير بأنه مجرم حرب، مضيفا: «لو شاهدته وجهًا لوجه لبصقت عليه».
وقال التقرير إن «السياسة بشأن العراق استندت إلى أسس وتقييمات مخابراتية خاطئة»، وإن مزاعم أن العراق يمثل تهديدا بامتلاك أسلحة دمار شامل «طرحت بيقين غير مبرر». وأضاف التقرير أن الاضطرابات التي حدثت في العراق منذ الغزو لم تكن مفاجئة.
وقال الجبوري: «أنا ندمان على تحطيم الصنم». وينتمي الجبوري للطائفة الشيعية، وقد فقد ما يربو على 10 من أقاربه في عهد صدام الذي كان ينتمي للطائفة السنية. وقال إنهم قتلوا لأنهم كانوا يعارضون صدام الذي أعدم شنقا في عام 2006.
وقال الجبوري: «أتمنى أن يعود صدام. هو أعدم كثيرا من أقربائي، لكن يبقى أحسن من هؤلاء السياسيين ورجال الدين الذين أوصلوا العراق للوضع الذي هو به»، في إشارة إلى الأحزاب السياسية الشيعية التي تولت السلطة بعد الغزو. كان الجبوري، 58 عاما، يمتلك متجرا لإصلاح الدراجات النارية في حي الكرادة بوسط بغداد وقت الغزو.
وشهد الحي الذي يغلب على سكانه الشيعة انفجار شاحنة ملغومة، ليل السبت، أسفر عن مقتل نحو 250 شخصا. وأعلن تنظيم داعش المتشدد مسؤوليته عن هذا الهجوم.
وأسقط الانفجار أكبر عدد من القتلى في هجوم واحد منذ بدأت الفوضى التي أعقبت الإطاحة بصدام قبل أكثر من 10 سنوات.
وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان العراقي حسن خضير، إن من عانوا خلال الصراع يستحقون تعويضات. وأضاف: «في العراق كثير من الناس والعسكر تضرروا بسبب الحرب، ونفس الأمر حدث في بريطانيا أيضا، وهذا يعني وجوب دفع تعويضات إلى المواطنين والبلد». ولآخرين عانوا في عهد صدام وجهة نظر مغايرة، وقال بعض هؤلاء إنهم يشعرون بالامتنان لحكومتي واشنطن ولندن لإنهاء حكمه.
يقول فارس محمد علي، 46 عاما، وهو سجين سياسي سابق كان يقضي حكما بالسجن المؤبد في مدينة البصرة: «إسقاط نظام صدام كان حلما، وقد حققته القوات الأميركية والبريطانية، ومن يقول غير هذا فهو كاذب».
وقال موفق الربيعي، عضو البرلمان ومستشار الأمن القومي السابق، إن الحرب اندلعت من أجل هدف نبيل هو الإطاحة بطاغية. وأضاف: «أنا شخصيا قلت لتوني بلير في إحدى المرات: أنت أعظم بريطاني في التاريخ لإطاحتك بالديكتاتور». ومضى قائلا: «التخلص منه أتاح لنا فرصة حقيقية للديمقراطية. كان البلد يحكمه زعيم واحد، والآن لدينا برلمان وانتخابات».
وبعد مرور أكثر من 13 عامًا على الغزو، لا يزال العراق في حالة من الفوضى، ويسيطر تنظيم داعش على أجزاء كبيرة من أراضيه.
وأتيح للجنة التحقيق الاطلاع على وثائق حكومية سرية بصورة لم يسبق لها مثيل. وقالت اللجنة إنه جرى التضخيم من شأن التهديد الذي مثلته أسلحة الدمار الشامل التي كان من المعتقد أن صدام حسين يمتلكها، وهو التبرير الأصلي للحرب، وأن التخطيط لتداعياتها لم يكن كافيا.
وفي دفاع مطول استمر ساعتين تقريبا، شرح بلير قراره مساندة بوش وخوض الحرب دعما للولايات المتحدة في مارس (آذار) 2003، بينما وجد التحقيق أن صدام لم يمثل تهديدا وشيكا.
وبلير هو رئيس الوزراء الوحيد من حزب العمال الذي فاز في الانتخابات العامة 3 مرات، وشغل المنصب مدة 10 سنوات حتى عام 2007، وتمتع بشعبية كبيرة في أوج مجده، لكن حرب العراق أضرت بشعبيته وترِكته كثيرا.
وسلط التقرير الضوء على ما حدث بين بلير وبوش في الأشهر التي سبقت غزو مارس 2003، وهو الأمر الذي ظل فترة طويلة موضع تكهنات بشأن صفقات ووعود سرية.
وفي مذكرة مؤرخة في 28 يوليو (تموز) 2002، أي قبل الغزو بـ8 أشهر، قال بلير لبوش: «أنا معك أيا كان الأمر. لكن هذا هو وقت تقييم الصعوبات بصراحة».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...