إردوغان مستبعدًا التقارب مع مصر: الأمر مختلف عن روسيا وإسرائيل

القاهرة تستنكر تصريحاته * الرئيس التركي: منح الجنسية للسوريين سيخدم مصالح البلاد

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد أدائه صلاة العيد في إسطنبول أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد أدائه صلاة العيد في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

إردوغان مستبعدًا التقارب مع مصر: الأمر مختلف عن روسيا وإسرائيل

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد أدائه صلاة العيد في إسطنبول أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد أدائه صلاة العيد في إسطنبول أمس (رويترز)

استبعد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس أي تقارب مع النظام المصري، وذلك بعد المصالحة التي أجرتها أنقرة مع إسرائيل وروسيا.
وقال إردوغان في تصريحات بعد أدائه صلاة العيد في إسطنبول إن «إطار (التطبيع) مع مصر يختلف عن النهج الذي بدأناه مع روسيا وإسرائيل»، حسبما أوردت عنه وكالة «دوغان» للأنباء.
وأكد أن تركيا ليست في نزاع مع الشعب المصري، موضحا أن المشكلات سببها النظام المصري. وندد مجددا بأحكام السجن والإعدام التي صدرت بحق أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وعبر الرئيس التركي مجددًا أمس عن رفضه لسياسة الحكومة المصرية تجاه جماعة الإخوان المسلمين، خصوصًا الأحكام الصادرة بحق قياداتها ومنهم الرئيس الأسبق محمد مرسي. وقال إردوغان: «نرفض أحكام القضاء المصري. الأحكام الصادرة في حق مرسي ورفاقه بنيت على ادعاءات. هؤلاء الناس إخواننا، ولا يمكن أن نقبل قرار نظام قمعي».
وردت الخارجية المصرية على هذه التصريحات وخصوصًا على تعليق إردوغان بخصوص حصر الخلاف التركي مع النظام وليس مع الشعب المصري، بقولها إن على القيادة التركية أن تتذكر أن الشعب المصري هو الذي اختار قيادته الحالية في انتخابات حرة وديمقراطية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية المستشار أحمد أبو زيد في بيان له إنه «من المهم التذكير دائما بأن احترام إرادة الشعوب هو نقطة الانطلاق لإقامة علاقات طبيعية بين الدول، وهي الحقيقة التي ما تزال غائبة عن البعض»، مضيفا أن «مصر هي التي لديها تحفظات على التعامل مع القيادة التركية التي تصر على تبني سياسات متخبطة إقليميا».
وتوترت العلاقات بين مصر وتركيا منذ عزل مرسي المنتمي لجماعة الإخوان في يوليو (تموز) 2013. عقب احتجاجات شعبية ضده ساندها الجيش، حيث رفضت تركيا الاعتراف بعزل مرسي وما ترتب عليه، كما استضافت قيادات جماعة الإخوان الهاربة على أراضيها. وتدار العلاقات بين البلدين حاليا عبر قائم بالأعمال.
وحوكم مرسي في أكثر من قضية، وصدرت ضده أحكام غير نهائية بالإعدام والسجن في قضايا مختلفة كان آخرها قضية التخابر مع قطر. وما زال يحاكم الآن في قضية تتعلق بإهانة القضاء.
من جهة ثانية، طرح الرئيس التركي أمس خططا لمنح الجنسية لبعض من نحو ثلاثة ملايين مهاجر فروا من الحرب في سوريا لا سيما من تتوفر لديهم مؤهلات قد تفيد تركيا. وقال: «الدول الغربية تفتح أبوابها لمثل هؤلاء الأفراد الموهوبين وليس لدى هؤلاء أي خيار سوى الذهاب (للغرب) عندما لا نفتح لهم أبواب المواطنة. نود أن ننتفع من علمهم».
وأبرمت تركيا اتفاقا مع الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) للحد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا وقلص هذا الاتفاق بشكل حاد من أعداد اللاجئين والمهاجرين التي تصل اليونان. لكن الاتفاق واجهته عقبات بسبب الخلاف على قانون تركيا لمحاربة الإرهاب والذي يريد الاتحاد الأوروبي أن يتماشى مع قوانينه.
وقالت أنقرة بالفعل إنها ستسهل على المهاجرين من سوريا ودول أخرى الحصول على تصاريح عمل، وقال إردوغان إنهم قد يحصلون على الجنسية التركية. وأضاف إردوغان في مستهل عطلة عيد الفطر الذي احتفلت تركيا بأول أيامه أمس «هناك الكثير من الأفراد ذوي المؤهلات العليا بين اللاجئين السوريين في تركيا»، مشيرا إلى أن منحهم الجنسية «سيخدم مصالح تركيا وسيحسن مستوى معيشتهم». ونقلت وكالة رويترز عن إردوغان قوله: «لا نعتقد أنه من الصواب استضافة هؤلاء الأشخاص في مخيمات أو مساكن من الحاويات أو في أماكن بدائية».
وطرح إردوغان فكرة منح السوريين الجنسية خلال مطلع الأسبوع قائلا: إن وزارة الداخلية تتخذ تحركات في هذا الصدد. جاءت تصريحاته بعد أن اتخذت الحكومة التركية خطوات الأسبوع الماضي لتحسين العلاقات مع إسرائيل وروسيا الأمر الذي يمثل تحولا في السياسة الخارجية التي وضعت تركيا في حالة عزلة حرمتها من نفوذها.
إذا كان إعلان الرئيس التركي عن منح اللاجئين السوريين فرصة الحصول على الجنسية التركية أشاع ارتياحا لدى هؤلاء إلا أن المحللين يرون أن رجب طيب إردوغان يرمي من خلاله إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
ولجأ إلى تركيا نحو 2. 7 مليون سوري منذ بداية النزاع في بلادهم في 2011 ولا يعيش سوى 10 في المائة منهم في مخيمات قريبة من الحدود، أما الباقون على مختلف انتماءاتهم الاجتماعية فيعانون الأمرين للاندماج في المجتمع وفي سوق العمل. وغالبا ما يشير المسؤولون الأتراك إلى هؤلاء على اعتبارهم «ضيوفا» وليسوا لاجئين بالمعنى القانوني، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
ويقول محمد نزار بيطار السوري المقيم في تركيا منذ خمس سنوات إن الحديث عن التجنيس «نبأ ممتاز، لأننا سنبقى هنا على أي حال». ويضيف بيطار الذي يملك ثلاثة مطاعم في إسطنبول ويعمل لديه عشرات السوريين «هذا سيحسن كثيرا من ظروف حياة أبناء بلدي».
بدوره، قال جان ماركو أستاذ العلوم السياسية في غرونوبل بفرنسا إن «الأرجح أن يرغب غالبية اللاجئين في البقاء في تركيا أو حيث استقروا ووجدوا عملا أو بدأوا بالاندماج». ويضيف أن «تركيا تعرف أنه لم يعد أمامها سوى أن تتصرف حيال وضع بات يفرض نفسه».
ويقول المحلل لدى مؤسسة كارنيغي أوروبا مارك بيريني إنه «في إطار هذا التقارب بات على تركيا أن تقبل بأن حل النزاع في سوريا لا يمر إلا عبر بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة». ويرى الباحث لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات آيكان أردمير أن «إعلان الرئيس إردوغان لا علاقة له بالتعاطف مع الأوضاع الصعبة للاجئين» وإنما «ينظر إليه عموما على أنه استراتيجية جديدة لخدمة طموحاته الشخصية». وفي هذا السياق، يرى بيريني أنه وبحثا عن المزيد من التأييد لضمان حزب العدالة والتنمية غالبية الثلثين في مجلس النواب بعد أن فقد أصوات الأكراد، يجد الرئيس إردوغان في مئات الآلاف من اللاجئين «مستودعا للأصوات الانتخابية» فهؤلاء الذين «وصلوا بحقيبة ظهر ليس إلا ينظرون إلى إردوغان بوصفه الأب الذي أعاد لهم كرامتهم ومنحهم بطاقة هوية مؤقتة ورعاية صحية مجانية». ويقول أردمير: «في حال ضمن غالبية أصوات السوريين المجنسين يمكنه أن يحقق غالبية ساحقة لتعديل الدستور و-أو الفوز في استفتاء حول النظام الرئاسي» الذي يرغب في إقامته بدلا من النظام النيابي.
وحسب ماركو فإن إردوغان يسعى إلى «تحسين صورته» أمام المجتمع الدولي عبر «تكريس تركيا بلدا للهجرة» بعد أن عانى الاتحاد الأوروبي الكثير من موجة الهجرة الحالية. ويضيف أن «تجنيس اللاجئين السوريين يمكن أن يتيح لأنقرة كذلك الدخول في مرحلة من الاستقرار والحصول على تأييد جديد واستعادة مكانتها في الشرق الأوسط» بعد أن أعادت الأسبوع الماضي تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
على المستوى الوطني، ستكسب تركيا الكثير من دمج اللاجئين السوريين في سوق العمل، وفق أردمير. ويقول: «لطالما تغنت البلاد بشباب سكانها لكن هذه الفرصة الديموغرافية وصلت إلى نهايتها ودمج اللاجئين السوريين سيعطي دفعة للاقتصاد التركي المتعثر». ويضيف الباحث أن «هذا يتطلب من أنقرة تبني خطة اجتماعية اقتصادية لتوفر التدريب وبرامج الاندماج» معربا في الوقت نفسه عن خشيته من أن إردوغان «ليس مدركا لمدى تعقيد هذه المهمة». ويقول إنه « يخشى من أن يحول اتفاقا منصفا لتركيا واللاجئين السوريين إلى تدبير يخسر فيه الطرفان. فإعلان إردوغان الصادم أحدث ردود فعل معادية للاجئين وللأجانب».
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي شكك كثيرون بجدوى المشروع ولا سيما على «تويتر» من خلال وسم «لا أريد سوريين في بلدي».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.