اللجوء إلى الدولار قد يعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر جديدة

اللجوء إلى الدولار قد يعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر جديدة

إيكينغرين: هناك أسئلة وجودية حول مستقبل اليورو.. ولكن لا أحد يشكك في وجود الدولار لـ20 سنة قادمة
الأربعاء - 1 شوال 1437 هـ - 06 يوليو 2016 مـ
الاندفاع نحو الدولار لا يعكس كثيرًا من ثقة المستثمرين في الولايات المتحدة (رويترز)

من المعروف أن اللجوء إلى الدولار بمثابة الرحلة إلى بر الأمان، ومع ذلك فهو قد يقود الاقتصاد العالمي نحو أخطار جديدة.
منذ أن فاجأت بريطانيا العالم بتصويت الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي، غرقت الأسواق العالمية في محيط من عدم اليقين، حيث تخلص المستثمرون من العملات التي تبدو محفوفة بالمخاطر - مثل الجنيه الإسترليني واليورو والأسهم في البورصات في جميع أنحاء العالم، وعهدوا بالمبادلات إلى الشيء الوحيد واليقيني، ألا وهي سندات خزانة الولايات المتحدة الأميركية، وتدور كثير من الأموال في الوقت الراهن دورتها في اتجاه الدولار.
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن العملة القوية تجعل الصادرات أكثر تكلفة في الأسواق العالمية، مما يزيد من تعقيد التوسع الاقتصادي المتوقف بالفعل، وبالنسبة للأسواق الناشئة، فإن الانتقال إلى الدولار يمكن أن ينذر بموجة من الاستثمارات المتدفقة خارجها، مما يعرض الاقتصادات الناشئة من البرازيل وحتى إندونيسيا إلى خطر كبير، وبالنسبة لأوروبا، يؤكد اليورو الضعيف من الشكوك الأساسية حول ما إذا كان القادة سوف يستطيعون في نهاية المطاف صياغة المعادلة الاقتصادية الحيوية بعد سنوات من خيبة الأمل والاتهامات المتبادلة.
عندما تعمل الاقتصادات بصورة صحية، تتدفق الأموال عبر الاستثمارات في مسعاها وراء الأرباح التي من المفترض أن تكون مرتبطة بالمخاطر، ولكن عندما تتعرض الأسواق لصدمة ويسود الخوف، يميل المستثمرون إلى اللجوء إلى مستودعات الثقة ذات السمة الأساسية الوحيدة، ألا وهي اليقين بالبقاء على قيد الحياة.
منذ الاستفتاء البريطاني على مغادرة الاتحاد الأوروبي، أو ما يعرف إعلاميا باسم «البريكست»، اكتسب الدولار ما يقرب من 3 نقاط مئوية بالمقارنة مع مجموعة واسعة من العملات، مسجلا نحو 2.5 نقطة مئوية في مقابل اليورو، ونحو 12 نقطة مئوية في مقابل الجنيه الإسترليني، وتحقق ارتفاع آخر يوم الخميس الماضي، عندما صرح مارك جيه كارني محافظ بنك إنجلترا قائلا إن البنك المركزي قد يتجه إلى تخفيض أسعار الفائدة من أجل دعم الاقتصاد، ولقد تسبب ذلك في هبوط جديد في الجنيه الإسترليني، وفي يوم الجمعة، كانت العائدات على سندات الخزانة الأميركية ذات العشر سنوات قد سجلت هبوطا قياسيا بواقع 1.385 نقطة مئوية، مما يعكس حرص المستثمرين على الدفع بأموالهم إلى مكان آمن حتى لو كان مقابل القليل من العوائد.
والاندفاع نحو الدولار لا يعكس كثيرا من ثقة المستثمرين في الولايات المتحدة ولكنه يقول كثيرا بالفعل حول الأوضاع المسببة للقلق والتي تواجه الاقتصادات الكبيرة الأخرى.
ومع التصويت البريطاني، عرضت بريطانيا مركزها المالي المهيمن وتجارتها مع أوروبا للخطر، وهي أكبر سوق مشتركة على وجه الأرض، وانغمست البلاد الآن في أزمة القيادة التي تشيع حالة من عدم اليقين في جميع الاتجاهات، بما في ذلك من سوف يضطلع بالتفاوض حول شروط الطلاق الفوضوي من الاتحاد الأوروبي، وإذا ما تابع الزعماء ذلك وبدأت بالفعل عملية التفاوض، ينبغي على بريطانيا المساومة مع بقية دول الكتلة الأوروبية، والتي تتكون من 27 حكومة أوروبية تعمل من خلال سياساته الداخلية الخاصة.
وتبدو الدول الـ19 التي تشترك في عملة اليورو أكثر عرضة للخلافات السياسية واتساع رقعة الانقسام في الوقت الذي تواجه فيه تدفقات اللاجئين، وشيخوخة السكان المحليين، والنمو الاقتصادي الفاتر، وقد تتكشف سنوات من الارتباك إثر ذلك - وهو ذلك النوع من الاضطرابات التي قد تدفع بمدير الأموال إلى التلهف للأمان والسلامة.
وليست الولايات المتحدة بمعزل عن المخاطر، فلقد تجاوز الدين العام الداخلي الأميركي 19 تريليون دولار، ولقد دفعت السياسات المتوترة في السنوات الأخيرة بالبلاد إلى حافة العجز المالي الذاتي، وهناك حالة من عدم المساواة الاقتصادية التي تضاهي تلك الفترة من القرن التاسع عشر والمعروفة باسم «العصر الذهبي»، وعشرات الملايين من العمال الذين فقدوا الثقة بالأساس في الصفقات الاقتصادية الأميركية مع تدني مستويات المعيشة إلى الحضيض.
والحزب الجمهوري على وشك الإعلان عن ترشيح دونالد ترامب لرئاسة البلاد، وتنويهاته بأنه قد يشرف على وزارة الخزانة تماما كما نجح في إدارة كازينوهات أتلانتيك سيتي التي أعلنت عن إفلاسها - من خلال إعادة التفاوض مع الدائنين - بعثت بمشاعر خوف مريعة في أرجاء الأسواق المالية العالمية.
ومع ذلك، يمكن للولايات المتحدة طباعة النقود الخاصة بها في حين تحاول العثور على الطلب غير المحدود فيما يبدو لديونها الداخلية، لا يزال الدولار هو الأساس للتمويل العالمي، وهو عبارة عن قطعة واحدة من الألغاز الكونية المعقدة والتي تستلزم مواصلة الثقة فيها أو أن الصورة بكاملها لن يكون لها معنى.
يكون سعي الأسواق قويا للغاية نحو الدولار في أوقات الأزمات لدرجة غير مسبوقة حتى عندما تكون الولايات المتحدة ذاتها هي موضع المتاعب، في الفترة بين سبتمبر (أيلول) 2008 وحتى فبراير (شباط) 2009. ومع انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري والذي تحول من مجرد أزمة إلى أسوأ ذعر مالي أصاب العالم منذ الكساد الكبير، سجل الدولار ارتفاعا بما يقرب من 10 نقاط مئوية.
يقول باري إيكينغرين خبير الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي: «سواء كان صوابا أو خطأ، فهناك أسئلة وجودية حول مستقبل اليورو، وقولوا ما تشاءون عن الدولار، فلا يشكك أحد في أنه سوف يظل موجدا لنحو 10 أو 20 سنة قادمة».
وفي السنوات الأخيرة، ومع فشل القادة الأوروبيين في تحفيز النمو ومع تراجع الاقتصاد اليوناني نحو الهاوية، واقترابها من التخلي تماما عن اليورو، أفسد عدم وجود التنسيق السياسي الإيجابي مرارا وتكرارا من وجود الاستجابة المالية والسياسية الفعالة.
وأسوأ البلدان حالا، اليونان، وإسبانيا، والبرتغال، قد حاولت إطلاق العنان للإنفاق الحكومي، وإدارة العجز العام من أجل تحفيز اقتصاداتها، وألمانيا، وهي أقوى الأعضاء في منطقة اليورو، قد صوتت لصالح تلك الخطوة، وطالبت في الوقت ذاته بخفض الإنفاق الحكومي، بما في ذلك المعاشات والخدمات الاجتماعية.
ولقد فُسر القرار البريطاني بالانسحاب من عضوية الاتحاد الأوروبي، وعلى نطاق واسع، بأنه معاتبة الغاضبين حيال المؤسسة الأوروبية الكبيرة من جانب الطبقات العاملة والذين تحملوا التجارة العالمية، والهجرة، والاندماج السياسي الأوروبي لا لشيء إلا لمزيد من الركود في مستوياتهم المعيشية، لدى بريطانيا عملتها الخاصة وسلطتها الخاصة على ميزانية البلاد، وهي تعاني من معدلات بطالة أقل بكثير، ولديها نمو اقتصادي صحي أفضل من دول منطقة اليورو، وإذا قُدر لذلك الهياج أن ينفجر في بريطانيا، فيعني أن منطقة اليورو باتت أشبه برميل البارود.
يقول مارك إيزبروت، المدير المشارك لمركز أبحاث الاقتصاد والسياسة: «يعاني القادة الذين يديرون دفة أوروبا من الانفصال التام عما يريده السواد الأعظم من الناس، وعما كانوا يريدونه منهم لعقود من الزمن».
فهل من شأن الانسحاب البريطاني أن يسبب تغييرا في السياسة الأوروبية ويحفز ألمانيا لكي تهدئ من هوسها الشهير بالتقشف؟ وهل من شأن برلين أن تجنح إلى حزمة من السياسات الاقتصادية الأقل تشددا والهادفة إلى تعزيز النمو وتوزيع الغنائم؟ تلك هي الأسئلة التي تفتقر إلى إجابات، وفي الوقت نفسه، نشط الانسحاب البريطاني من الحركات الشعبوية ذات النزعات الانفصالية في هنغاريا، وإيطاليا، وهولندا.
وكل تطور جديد يشعل مزيدا من الشكوك حول التماسك والترابط الأوروبي يجازف باستفزاز المستثمرين للمطالبة بتعويضات أكبر على القروض للمقترضين المتعثرين مثل إيطاليا، والبرتغال، واليونان، وكلما ازداد مقدار ما يتعين أن تدفعه هذه الدول للمحافظة على التدفقات الائتمانية، كلما تعاظم القلق حول صحة أنظمتهم المصرفية، وكلما انخفضت رغبة البنوك في الإقراض، ضاق عنق زجاجة النمو الاقتصادي الأوروبي، ويلعب غياب النمو دور السبب والأثر الناتج في ميول الانفصال الشعبوية التي تجوب المنطقة.
ولذا، من المحتمل أن يرتد صدى الصوت بالنتيجة الوحيدة المتوقعة: اللجوء إلى بر الأمان.
يقول كينيث روغوف، الخبير الاقتصادي الأسبق لدى صندوق النقد الدولي والبروفسور في جامعة هارفارد: «استمرار حالة عدم اليقين سوف تؤدي إلى ارتفاع الدولار أكثر وأكثر، وإذا ما استمرت تلك الحالة لفترة طويلة، فسوف تبلغ تخوم أوروبا من دون شك، وربما تصل إلى حدود الأسواق الناشئة كذلك».
تترابط الأسواق العالمية الآن بشكل غير مسبوق بحيث إنه عندما تتحول الأموال بشدة غير متوقعة، يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، كما كان الحال تماما في عام 2013. عندما أعرب بنك الاحتياطي الفيدرالي عن رغبته في إبطاء وتيرة التدخلات المالية الاستثنائية.
كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يبتاع كميات هائلة من السندات للمحافظة على أسعار الفائدة عند انخفاضها في أعقاب الأزمة المالية، وأعرب بن برنانكي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ذلك الوقت، عن نية البنك في «إبطاء» تلك المشتريات. وكانت النتيجة ما أصبحت تعرف باسم «نوبة الغضب البطيئة» - أو ما يوصف بالفرار الجماعي المؤلم للأسواق الناشئة، حيث انخفضت قيمة العملات في الأرجنتين، وإندونيسيا، والمكسيك، وتركيا، وتراجعت أسواق الأسهم، وعانت الشركات لدرجة تسريح العمالة.
وبدت الزلة نفسها تتكشف إماراتها اليوم في تلك الأوقات العسيرة، فلقد تسبب تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني في فقدان الشهية لابتياع السلع المنتجة في مختلف أنحاء العالم، والنمو الضعيف في أوروبا يضيف مزيدا من الضغوط على الأسواق الناشئة كذلك.
ومن المفترض أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يعمل على خدمة المصالح الأميركية، ومع ذلك ومع عودة «نوبة الغضب البطيئة» إلى البلاد، فإن آثارها باتت مشهودة في كل مكان، والآن، يقدر بنك الاحتياطي الفيدرالي متى يعمد إلى رفع أسعار الفائدة بعد سنوات طويلة من تجميدها عند المستوى الصفري.
يقول مارك بلايث، الخبير في الاقتصاد السياسي لدى جامعة براون: «هناك احتمال لوقوع تقلبات حادة وصدمات هائلة، والجزء الذي لا يريد الجميع الحديث عنه علانية في ذلك هو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي ليس إلا البنك المركزي العالمي».


*خدمة نيويورك تايمز


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة