القبيلة في استراتيجيات المتشددين

القبيلة في استراتيجيات المتشددين

من «القاعدة» إلى «داعش»
الاثنين - 29 شهر رمضان 1437 هـ - 04 يوليو 2016 مـ

تتجاوز القبيلة بصفتها وحدة وهوية اجتماعية مستقرة وجامعة لأفرادها، مساحاتها الاجتماعية والاقتصادية والتكافلية الخاصة نحو ما هو سياسي وعام، سواء عبر التاريخ أم الحاضر الراهن، منذ أن بلور ابن خلدون في مقدمته عصبيتها بصفتها عاملا فاعلا في حركة التاريخ القديم ومسلسل التغلب والاستيلاء فيه، وحتى الآن، حيث يؤكد الكثير من المراقبين أهمية دور القبائل والعشائر في بؤر الصراع ضد الإرهاب سوريًا أو عراقيًا أو ليبيًا أو يمنيًا، أو غير ذلك دائما.
احتفظت القبيلة بمكانها دائما؛ لما تمثله لأفرادها من سلطة رمزية وثقافية ورابطة عرقية ممتدة وموحدة، فكانت محلا للاستهداف، ولاء أو عداء من قبل الطامحين للسلطة، كما كانت محط أنظار مختلف الجماعات المتشددة والتطرف العنيف في الاختراق والاحتواء وتغيير هياكل مشيخاتها عبر إبراز شخصيات ورموز موالية، وتهميش الشخصيات الفاعلة المعادية. ولقد فسر البعض بموقف بعض القبائل المتخلي عن نظام معمر القذافي في ليبيا وثورتها ضده أحد أهم أسباب سقوطه، كما أن ما تعرضت له القبائل الموالية له في سرت وبني وليد بعد سقوط نظامه من الثوار مثلت كذلك أحد أسباب توجه تنظيم داعش إلى سرت لإقامة ملاذه الآمن الجديد هناك، كما كان انبعاث الثورة السورية من براءة أطفال محافظة درعا العشائرية الطبيعة دالاً كذلك.
أيضًا دعم أهمية القبيلة ودورها الثقل السكاني والعددي الوازن لها في كثير من بلدان العالم العربي، وفي بؤر الصراعات تحديدًا، حيث تبلغ نسبة أبناء القبائل في سوريا البالغ تعدادها 24.504 مليون نسمة في إحصاء الأول من يناير (كانون الثاني) 2011 نحو 30 في المائة من عدد السكان. وفي العراق مثّلت كذلك القبائل والعشائر النسبة الأكبر من سكانه بأنواعها المختلفة المتحضرون وغير المستقرين، والوسط بينهما، حيث تقارب حسب بعض المراقبين ما بين 70 في المائة إلى 65 في المائة من بين عدد السكان، وكان لها الدور الأبرز مع تأسيس دولته الحديثة سنة 1921 حتى سقوط نظام صدام حسين في أبريل (نيسان) 2003، وهو ما عرف بدورها كذلك الكبير في ليبيا قبل وطوال عهد القذافي الراحل في أكتوبر (تشرين الأول) 2011.
ونظرا لما سبق؛ تسعى جماعات الإرهاب، «القاعدة» و«داعش»، للاستثمار فيها، عبر سياسة العصا والجزرة، شراءً للولاء أو قهرا للعداء، فالقبيلة لا تنصهر ولا تنمحي اختياريًا. وبالتالي، جرى تقريب بعض القبائل كما جرى اختراق البعض الآخر، وتم تأليف قلوب بعض رموزها، كما تم التضييق على بعض آخر، حسب درجة الولاء والدعم.
وهذه الاستراتيجية نفسها التي استخدمتها الأنظمة السابقة؛ إذ انتزع البعث وأنظمة الحكم الثورية في الخمسينات ملكيات عدد من القبائل الكبرى، وفككت اتحاداتها الرسمية في سوريا ومصر والعراق. لكن مع فارق وحيد في كلتا الاستراتيجيتين، هو أداة التجنيد الآيديولوجي التي تملكها جماعات التطرف العنيف، التي يمكن أن تفصم الروابط القرابية في كثير من الأحيان، بحسم الفصل بين الإيمان الكفر، ومفهوم الولاء والبراء الرائج عند هذه الجماعات ضد كل مختلف أيا ما يكن، حتى لو كانوا من أسرة واحدة كما شاهدنا في اغتيال شقيقين لأسرتيهما في المملكة العربية السعودية خلال يونيو (حزيران) الماضي، أو قتل عدد من عناصر الجماعات الإرهابية لأقاربهم من رجال الأمن في مصر والعراق وغيرهما، خلال السنتين الأخيرتين.
كذلك، ونظرا للأهمية ذاتها؛ حاولت بعض الدول توظيف القبيلة في الصراع والحرب على الإرهاب، من ذلك بدأ توظيف القبيلة في الحرب على الإرهاب في عدد من الدول، وإن اختلفت جوهرية وطبيعة الدور من دولة لأخرى. فقد تم تأسيس مجلس للقبائل العربية المصرية برعاية حكومية ورسمية في سبتمبر (أيلول) 2014، كما أعلنت هيئة تمثيلية للقبائل الليبية في مصر في 21 أكتوبر 2014، وما زالت الذاكرة قريبة في تذكر دور «الصحوات» ومجالس القبائل في الأنبار في القضاء على دولة «القاعدة» في العراق عام 2007 قبل أن ينجح - أو يسقط - نظام المالكي المخلوع في تفكيكها عبر سياسات التمييز الطائفي التي مارستها وما زالت تمارسها ميليشيات «الحشد الشعبي» الطائفية في عدد من المناطق؛ ما يجيّر كثيرا من أبناء القبائل لصالح «داعش» من جديد.
لا نتفق مع القائلين بتميز استراتيجية «داعش» في التعاطي مع القبائل عن استراتيجية «القاعدة»، فكلاهما اعتنى اعتناء كبيرا في أدبياته بهذه الوحدة الاجتماعية المؤثرة، وهو ما نجحت «القاعدة» في استغلاله في مناطق مختلفة في العراق وأفغانستان والصومال واليمن، ومنطقة ساحل الصحراء. ولقد أقر به أنور العولقي في حواره مع مؤسسة «صدى الملاحم» في 25 أبريل 2010، حين اعتبر القبيلة «الحاضن الأول للجهاد». وحقًا نرى في أفغانستان القبيلة، وفي العراق القبيلة، وفي الصومال القبيلة، بل حتى في باكستان هناك مناطق قبلية وغير قبلية، لكننا نجد أن الحاضن للتطرف في المناطق القبلية. ولعل تحالف «القاعدة» القديم والمستمر مع طالبان البشتونية يؤكد هذا التوجه المبكر.
أما في اليمن، فلقد سبق أن شارك في 13 يونيو 2010 رجال قبائل متحالفون مع تنظيم القاعدة في اليمن بتفجير خط أنابيب نفط يصل بين محافظة مأرب وساحل البحر الأحمر؛ وهو ما أوقع ضررًا كبيرًا، على صناعة النفط بها حينئذ. ويصور العلاقة هذا الصراع على القبيلة مستشهدا بتجربة «الصحوات» في العراق، حيث يصفهم بقوله «هم من أبناء القبائل واستغلوهم ضد المجاهدين، وهذه هي أيضًا كما كنا نسمع من بريطانيا من قبل سياسة (فرِّق تسود) هم الآن يحاولون أن يحيوا هذه السياسة في العالم الإسلامي».
أما أبو بكر ناجي، صاحب «إدارة التوحش» وأكثر الملهمين لـ«داعش» الآن، فيعتمد النظرة نفسها لأهمية القبيلة، فيؤكد في الفصل السابع من كتابه «ضرورة الصراع على القبائل مع الأنظمة» التي تعمد - حسب رأيه – إلى «تفتيت وتذويب العصبيات والعشائر ليحكم سيطرته عليها أو يحرف تلك العصبيات إلى وجهة جاهلية تخدم أهدافه». وبعدما يستثنى كثيرا منها، يبقى عليها الرهان قائلا: «ما زال في الأرياف والبوادي وبعض المدن التي بها تجمعات محافظة على تقاليدها ذلك النظام بدرجة ما».
ويدعو ناجي قيادات القاعدة للفهم المتعمق لسياسات كل من الأنظمة والقبائل، بل يوجب على العاملين في اللجان السياسية بجوار العمل العسكري من أعضاء القاعدة التوسع في «دراسة علم الاجتماع ويركز فيه على دراسة ما يتعلق بدور القبائل والعشائر في عالمنا العربي والإسلامي والفارق بين العصبية المحمودة والعصبية المذمومة، وما أحدثه النظام الجاهلي المعاصر في بنية القبائل وعمله على تفتيتها وتذويبها في المؤسسات المدنية المعاصرة أو الانحراف بها إلى العصبية الجاهلية» حتى يمكن استغلاله.
ويشدد صاحب «إدارة التوحش» أيضًا على التوازن والمرونة في خطاب هذه القبائل وعدم دعوتهم لنبذ عصبيتهم، التي هي مصدر قوتهم، ولكن استقطاب هذه العصبيات في صف «القاعدة»، وتحويلها لعصبية القضية التي تسعى وتؤمن بها «القاعدة». ويؤكد أن الأفضل هو تحويل مسار العصبية القبلية لتتحول لوسيلة في سبيل ما يؤمن به التنظيم، ويمكن في البداية تأليف قلوب زعماء القبائل عبر المال، وغير ذلك من وسائل الجذب والإغراء جاعلا استراتيجية احتواء القبائل على مرحلتين: الأولى مرحلة التأليف: يبدأ الأمر بتأليف المُطاعين فيهم بالمال، ونحو ذلك «وهو ما نظن أن (القاعدة) تسعى لتطبيقه الآن على أعضاء الصحوات في العراق بعد أن تخلت عنهم الدولة وتأخرت رواتبهم، بل ونزعت سلاحهم. والأخرى السيطرة: وهو ما يتحقق داخل أفراد القبيلة حين تغزوها أفكار التنظيم ويتأثرون بأعضائه وبقضيتهم»، وهي المرحلة التي يوصفها ناجي بقوله «يختلط أتباعهم بأتباعنا وتخالط قلوبهم بشاشة الإيمان سنجد أن أتباعهم لا يقبلون منهم أي أوامر تخالف الشرع، نعم تبقى العصبية، لكن تتحول إلى عصبية ممدوحة بدلاً عن العصبية المذمومة التي كانوا عليها».
من جهة أخرى، حرصت «القاعدة» دائما على استنفار مظلوميات بعض القبائل أمنيا وتهميشها اقتصاديا أو عمرانيا، أو التمييز الطائفي ضدها، احتواءً واختراقا وتجنيدا لأبنائها، كما يحدث في سيناء المصرية أو ما حدث في المحافظات السنّيّة في العراق، مثل استراتيجية ثابتة لدى «القاعدة» وفروعها قبل انتفاضات الربيع العربي، ثم مثل خطا ثابتا كذلك لدى تنظيم داعش و«جبهة النصرة»، وغيرهما.
ربما كان «داعش» أكثر توجها لنبذ القبيلة من القاعدة، تحسبًا عنده من تجربة «القاعدة» في العراق المريرة مع «الصحوات» التي أسقطت دولتها في السابق، رغم أن «دولته» الأولى عام 2006 كانت نتاج «حلف المطيبين» الذي شارك فيه بعض أبناء القبائل. وبعد دخول «داعش» سوريا وسيطرته على الموصل سعى لاعتماد الروابط القرابية كاستراتيجية للموالاة مع بعض القبائل هناك، فتم تزويج فتيات من أعضاء رفيعي المستوى في التنظيم، كما سمح بتسهيلات وسيطرة بعض القبائل على آبار نفطية وأراض أخرى شراءً لولائهم.
لكنه كما استخدم أداة التأليف والترغيب تجاه بعض القبائل التي بايعت أميره، استخدم الترهيب والقمع ضد القبائل غير الموالية، فقتل التنظيم وقتل من عشائر بونمر في الأنبار 500 شخص حتى أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، كما قتل العشرات من عشائر البوجبارة في نوفمبر من العام نفسه، وتبعتها في السلسلة عشيرة البوفراج التي قتل «داعش» 35 فردا منهم يوم الجمعة 10 أبريل 2015، كما خطف بعض شيوخ القبائل الأخرى وطرد بعض القبائل المعادية من مناطقها لصالح قبائل موالية.
أيضًا تعرضت عشائر الشعيطات في شرق سوريا خلال شهر أغسطس (آب) 2014 لحملات «داعش» ضدهم وتم اقتحام بيوتهم في 2 و3 أكتوبر 2014، واعتبرهم «داعش» طوائف ممتنعة مرتدة يجب قتالها. وفي ليبيا أعلنت مناطق ورشفانة وتاغوراء مناطق منكوبة في ليبيا دوليا في 20 سبتمبر (أيلول) 2014، بعدما استهدفتها ميليشيات المتشددين في هذا التاريخ، وقام «داعش» في سرت في أغسطس 2015 بتنفيذ إعدامات جماعية بحق قبيلة الفرجان بعد سقوط ما يزيد على مائة قتيل، أغلبهم من هذه القبيلة في صراع مع «داعش» هناك.
وهكذا يبدو الشك تجاه القبيلة لدى «داعش» - بصفتها مشروعا للدولة وللتوسع - أكبر منه عند «القاعدة»، الأقل غلوا وتشددا منه، كما أن منظري «داعش» أهملوا التنظير لهذا المفهوم، وزادوا اقتداء بسلفهم الزرقاوي لاستخدام الفظاعة والذبح المعلن بصفتها وسيلة للجذب والتحقق وإرهاب الخصوم؛ ما يجعل المرونة والحوار قيما مهمشة في ذهنية هذه الجماعة تجاه المختلف سياسيا أو اجتماعيا كلية.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة