مهندسو الخروج يتراجعون عن وعودهم ويعترفون بتضليل الناخبين

مهندسو الخروج يتراجعون عن وعودهم ويعترفون بتضليل الناخبين

خبراء: الاستفتاء ليس ملزمًا دستوريًا.. لكن تجاوزه في البرلمان مستبعد
الثلاثاء - 22 شهر رمضان 1437 هـ - 28 يونيو 2016 مـ

لم يكتمل أسبوع على إعلان نتائج الاستفتاء البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، حتى اعترف بعض أبرز المطالبين بالانفصال بـ«مبالغتهم» في بعض الوعود التي قدموها خلال حملتهم لإقناع الناخبين.
وكان نايجل فاراج، زعيم حزب الاستقلال الذي شن حملة مثيرة للجدل، أبرز هؤلاء، حيث تراجع غداة الاستفتاء عبر برنامج مباشر على قناة «أي. تي. في» عن وعده بتخصيص 350 مليون جنيه إسترليني لنظام الصحة الاجتماعي (إن. إش. إس)، بعد أن زعم سابقًا أن لندن تساهم أسبوعيًا بهذا المبلغ في تمويل ميزانية الاتحاد الأوروبي. وقال فاراج أن هذا المبلغ كان «خطئا»، وأنه لم يروّج له في حملته المنفصلة عن حملة الخروج الرسمية. وأضاف فاراج، بعد أن واجهته مذيعة «صباح الخير بريطانيا» بحقيقة أن جزءًا من 17 مليون ناخبًا الذين صوتوا لصالح الخروج اعتمدوا على هذه الحجة تحديدًا في حسم موقفهم، قائلاً: «لقد أخطأوا في ذلك».
وكان هذا المبلغ محطّ جدل كبير خلال الحملة، حيث اعتمد بوريس جونسون، رئيس بلدية لندن السابق وزعيم معسكر الخروج، برفقة وزير العدل المحافظ مايكل غوف، في حملة الخروج الرسمية على حجّة أن بريطانيا تشارك في ميزانية الاتحاد الأوروبي بـ350 مليون جنيه إسترليني أسبوعيًا، متجاهلين الاتفاق الذي حصلت عليه مارغريت تاتشر عام 1984، والذي قلّص مساهمات لندن لأقل من 1% ناتجها المحلّي سنويًا.
ولم يكتف جونسون وغوف بغض النظر عن هذه الحقائق، بل قاموا بالتجول عبر البلد على متن حافلة انتخابية تحمل شعار: «نرسل 350 مليون جنيه إلى الاتحاد الأوروبي أسبوعيًا.. فلنمول نظام الصحة الاجتماعي بدل ذلك».
وعلى غرار فاراج، وصف إيان دنكن سميث، وزير العمل المستقيل من حكومة ديفيد كاميرون وأحد قياديي حملة الخروج، وعد تخصيص 350 مليون جنيه أسبوعيًا لنظام الصحة الاجتماعي بـ«المبالغ فيه». وقال في برنامج «أندرو مار» السياسي على قناة «بي بي سي» صباح أول من أمس أنه لم يقم شخصيًا بهذا الادعاء، وأن حملة الخروج لم تأكد أن المبلغ كاملاً سيخصص لـ«إن. إش.إس». وأضاف سميث مدافعًا عن وعود حملته أن «تخصيص جزء من هذا المبلغ لقطاع الصحة ضروري، إلا أن ذلك في يد الحكومة، كما هناك قطاعات أخرى كالزراعة في حاجة إلى تمويل إضافي».
وكانت هيئة الإحصاء البريطانية قد «عاتبت» معسكر الخروج مرّتين لاستعماله أرقامًا مضلّلة خلال الحملة التي استمرت 4 أشهر، فيما استقالت النائبة سارة ولاستون من الحملة وانضمت إلى معسكر البقاء، معتبرة أن تلاعب «الخروج» بالحقائق دفعها إلى الانسحاب.
وإلى جانب مساهمة بريطانيا المكلفة في ميزانية الأوروبي، كانت قضية الهجرة مهيمنة على حملة «الخروج» التي دعت الناخبين إلى التصويت لصالح استعادة السيطرة على حدود بلادهم. وبهذا الصدد، انضمّ نايجل إفنز، السياسي البريطاني البارز ووزير الدولة عن ويلز في حكومة الظل بين عامي 2001 و2003، إلى فاراج وجونسون للتراجع عن وعد حملته بأن الانسحاب من «الأوروبي» سيؤدي إلى تخفيض أعداد المهاجرين. وقال إفنز للمذيع ستيفن نولن على راديو «بي بي سي 5» إن حملة الخروج تحدّثت عن «السيطرة على الهجرة» لا تخفيضها.
وعلى ضوء هذه التصريحات وتداعيات الانفصال المباشرة على قيمة الإسترليني، يتساءل المراقبون عن دوافع تصويت الشارع البريطاني لصالح الخروج. فيرى بعضهم أن الناخبين اعتمدوا في قرارهم على معطيات مغلوطة استغلت لخدمة مصالح سياسية وفي إطار صراعات حزبية، بينما يعتبر البعض الآخر أن التصويت ضد حملة رئيس الوزراء جاء تعبيرا عن استياء الناخبين من نخبة سياسية لا تلتزم بوعودها الانتخابية وتهمّش مصالحهم، خاصة في قطاع الصحة.
ويقول إيان بيغ، خبير الشؤون السياسية البريطانية والأوروبية والزميل في معهد الدراسات الأوروبية في جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أن «جزءًا كبيرًا من الناخبين قاموا بتصويت احتجاجي ضد الحكومة، ولم يتوقّعوا أن يفوز معسكر الخروج، وهؤلاء ندموا بالفعل». ولفت إلى أن «هناك جزءا آخر من الناخبين الذين صوتوا بالاعتماد على معلومات مغلوطة ومضلّلة، كالادعاء الكاذب المتعلق بـ350 مليون جنيه أسبوعيًا».
وعن مطالبة بعض الجهات بإعادة الاستفتاء أو عدم المصادقة عليه في البرلمان، أوضح بيغ لـ«الشرق الأوسط» أن «الاستفتاء ليس ملزما دستوريا، وأن عدم المصادقة عليه يدخل ضمن صلاحيات البرلمان البريطاني. إلا أن التصويت الشعبي في الاستفتاء يتجاوز البرلمان في هذه الحالة، وبالتالي فإنه من المستبعد للغاية أن يصوت البرلمان ضد إرادة الشعب»، لافتا إلى أن الاستثناء الوحيد هو إمكانية أن يحجب البرلمان الثقة عن الحكومة ويطالب بانتخابات عامة مبكرّة، «ما قد يغير المشهد السياسي».
من جهته أوضح جونسون أنه من المستحيل بالنسبة للحكومة أن تحد من الهجرة، وهي تحت لواء الاتحاد الأوروبي. وقال حليفه مايكل غوف إن التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي سيساهم في «تقليل الأرقام» بحلول عام 2020. كما يقول الخبراء إن التراجع سيكون في غاية الصعوبة، فقد طالب الاتحاد الأوروبي الدول غير الأعضاء، مثل النرويج على سبيل المثال، بحرية تنقل العمالة في مقابل الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة.
وفي يوم الجمعة التالي ليوم الاستفتاء، قال دانيال هانان، وهو عضو في البرلمان الأوروبي وأحد أشد المؤيدين لـ«بريكسيت»، مفاجئًا مشاهدي بي بي سي: «بصراحة، إذا كان المشاهدون يعتقدون بأنهم قد صوتوا وبأن معدلات الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي ستتلاشى إلى الصفر، فسوف يصابون بخيبة أمل كبيرة».
كما كتب هانان في تغريدة له على «تويتر» أنه أيد الخروج من أجل «مزيد من التحكم، لا من أجل الحد من الهجرة». وقال معلقًا على ردود الفعل العنيفة التي تعرض لها إن الكثير من مؤيدي البقاء «يستشيطون غضبًا مني الآن، لأنني لا أريد خفض معدلات الهجرة بشكل حاد»، مضيفًا أنه «ثمة بعض الأفراد لا يمكن إرضاؤهم». ثم أعلن بعد ذلك أنه «لن يستخدم حساب (تويتر) لمدة شهر».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة