اللحظة الحالمة بين اليقظة والمنام

اللحظة الحالمة بين اليقظة والمنام

خالد القشطيني يعيد نشر ترجمته كتاب «الماركسية والشِعر»
الأحد - 21 شهر رمضان 1437 هـ - 26 يونيو 2016 مـ

صدرت عن دار «المدى» طبعة جديدة لكتاب «الماركسية والشعر» لجورج تومسون، ترجمة خالد القشطيني. وعلى الرغم من مرور سبعة عقود على ظهور الكتاب بنسخته الإنجليزية فإن مادته النقدية لا تزال ثرية، ومقروءة، وقابلة للحياة لسنواتٍ طوال. يتألف الكتاب من سبعة فصول، بالإضافة إلى المقدمتين القصيرتين للمؤلف والمترجم.
يؤكد تومسون في الفصل الأول «الكلام والسحر» بأن بعض الناس يقتنعون بالمتعة التي توفرها لهم قراءة الشعر، لكن التجارب أثبتت له «أن الشعر يصبح أكثر إمتاعًا بعد دراسته دراسة علمية. لكي نتمتع به علينا أن نفهم كُنهه، ولكي نفهم كُنهه علينا أن نبحث كيف نشأ وتطور» (ص11). فلا غرابة أن يدعونا المؤلف إلى دراسة الشعر البدائي وتقصّي الفوارق الشعرية بين الأمم المبثوثة على وجه البسيطة.
لا يدعّي الباحث سعة الاطلاع، بل يعترف بأن إلمامه لا يتعدى حدود الشعر الإغريقي والإنجليزي والآيرلندي، وإذا كان الأول والثاني شعرًا حضريًا في الماضي والحاضر، فإن الشعر الآيرلندي هو الأكثر بدائية من بعض الوجوه، وهو يحيا على شفاه الفلاحين رغم كونهم أميين. الأغاني لا تؤلَّف، بالمعنى المُتعارف عليه، وإنما تُرتجل، وهناك شعراء كُثر يرتجلون أغانيهم وقصائدهم. يتساءل الباحث إن كان الشعراء الإغريق أمثال أسكيلوس وبندار قد كتبا قصائدهما بقلم وورق بعد تأنٍ طويل، أم أنهما نظماها مثل أي شاعر آيرلندي أمي بعد السقوط في حالة من النشوة والغيبوبة؟
يشير تومسون إلى الكلام بوصفه ميزة أساسية تميز الإنسان عن الحيوان، لكنه سخّر هذا المُعطى لغاياته الروحية أو الحلمية في أقل تقدير. فالباحث يصف السحر بأنه «تكنيك وهمي يستخدم في محل التكنيك الواقعي» (ص16)؛ فالإنسان البدائي يحاكي ظواهر الطبيعة بغية فرض إرادته عليها «إذا أرادوا مطرًا يقومون برقصة يحاكون بها تجمّع الغيوم، وصوت الرعد، وسقوط المطر» (ص16).
يعتقد تومسون أن صرخات الإنسان تطورت وانتظمت بصفتها وسيلة لتوحيد جهود الجماعة المُنتجة، وأن المصاحبة الصوتية ساعدت كثيرًا في إنجاز المهمات التي يأخذها الإنسان على عاتقه. وعليه، فقد ظهر الكلام جزءا من التكنيك الحقيقي للإنتاج.
يفرّق الباحث بين نوعين من الكلام في كل اللغات، كلام اعتيادي، وكلام شعري يعتمد على الخيال، والسحر، وإذا كان الأول تكنيكا حقيقيا فإن الثاني هو تكنيك وهمي بامتياز، الأمر الذي يفضي بنا إلى القول بأن الشعر قد نشأ من السحر، وأنه يصور خياليًا كل ما نريده أن يتحقق على أرض الواقع. ويسوق المؤلف أمثلة كثيرة تعزز قناعاته منها مناجاة الخادم الزنجي العجوز الذي يصف القطار، و«رقصة البطاطا» لقبائل الماوري، وتعويذة مالينوفكسي، وأغنية الحطابين في ألمانيا الذين ينادون على الأشجار أن تسقط وتتكسر وتتدحرج إلى خارج الغابة وهم يعرفون ألا شيء من هذا الوهم سيتحقق، لكنهم يستأنسون إن حصل ذلك فعلاً. هذا الوهم ووصف الواقع المنشود يتكرر في الشعر الآيرلندي والأغاني الموسمية التي تحمل في طياتها أصداء التسابيح والتعاويذ. لقد خرج الشعر من نطاق السحر شيئا فشيئا. وظل الشعراء يتوقون إلى المستحيل لأن رغبة الشاعر هي تحقيق ما يعجز الآخرون في تحقيقه على أرض الواقع، أو بتعبير بلنسكي «رفع الواقع إلى المثالية» (ص23).
يفيد تومسون في الفصل الثاني «الإيقاع والعمل» من رأي «بوخر» Bücher الذي يؤكد بأن «الكلام نشأ من الأفعال الانعكاسية للأعضاء الصوتية المصاحبة للمجهود العضلي عند استعمال الآلات» (ص27). كما أن أغاني الغَزِل والحصاد والتجديف تساعد في العمل، وتزيد من عملية الإنتاج عبر الإيحاء المغناطيسي. فالغازِلة تعتقد أن الأغنية تساعدها في إدارة عجلة الغزِل وهذا الشعور قريب جدًا من السحر. وثمة أمثلة كثيرة على أغانٍ تساعد في التجديف وجرّ الزوارق وتخفف من مجهود المجّدفين.
لا بد من الإشارة إلى أن الموسيقى والرقص والشعر بدأت بصفتها شيئا واحدا، وكان مصدرها الحركات الإيقاعية لجسم الإنسان في أثناء انهماكه في عمل جماعي. تنقسم الحركات الإيقاعية إلى عنصرين جسمي وشفهي، الأول أصبح مصدرًا للرقص، والثاني مصدرًا للغة، ثم تشعبت لاحقًا إلى كلام اعتيادي وشعري.
يركِّز الباحث في الفصل الثالث على الارتجال والوحي الذي كان سائدًا في العهود القديمة، فلم يكن الشاعر منفصلاً عن جمهوره بجدار من القراءة والكتابة. كما أن الشعر الشعبي لم يكن نتاج فرد، وإنما هو نتاج جماعة بكاملها لا تجد حرجًا في الحذف والإضافة والتعديل. أما الشعر الحديث فهو عمل فردي خالص. أما عن وظيفة الشعر التي لم تتبدل أبدًا، فهي «تكمن في جرّ الشعور من العالم الثابت إلى عالم الخيال» (ص41). العالم الذي يشبه اللحظة الحالمة التي تجمع بين اليقظة والمنام. كما يفعل الوحي فعله في نفس الشاعر وكأنه لا يبذل جهدًا في تأليف قصائده وأغانيه، يقول فيموس: «إنني معلِّم نفسي؛ لأن الله غرس في قلبي كل أحوال الغناء» (46). كما ادعى الشاعر الأنجلو - ساكسوني كادمون أنه «يتلقى أشعاره من مَلاك يزوره في أحلام النوم» (ص46).
يتمحور الفصل الرابع على ملحمتي الإلياذة والأوديسة التي كانت تُرتجل بطريقة إلقائية متطورة أغنتهم عن التدوين. لعل القارئ يتساءل: منْ هو مؤلف هذين العملين البارعين؟ هل هو مؤلف واحد، أم أنها قطع متناثرة كتبها مؤلفون كثيرون؟ ورغم اختلاف الأساتذة بين مؤيد لمؤلف واحد ومؤازر لمؤلفين عدة فإن الطرفين كانا مخطئين؛ فهذه الأشعار لا يمكن أن تكون نتاج شاعر واحد أو شعراء عدة متعاقبين يشتغلون بمعزل عن بعضهم بعضا: «إنها عمل مدرسة وهبتها حياتها أجيال من الأساتذة والتلاميذ المخلصين المتدربين للوصول بتراثهم إلى الكمال» (59).
إذا كانت الحروب قد أوحت بالملاحم، فإن قيام الزراعة كان سببا في نشأة الدراما. وبحسب أرسطو فإن قائد الجوقة قد تحول إلى ممثل أول الأمر، ثم إلى ممثلَين ثم ثلاثة. بدأت التراجيديا بممثل واحد، وكان الممثل هو الشاعر نفسه. فتسلسل الكاهن، الشاعر، الممثل هو الذي أضفى هالة القداسة على محترفي التمثيل. يتوقف الباحث طويلاً عند القرن السادس عشر الذي ظهرت فيه الدراما شكلا فنيا ودور آل تيودور الذين أدخلوا الدراما إلى بلاطهم وأوكلوا مهمة تأليف المسرحيات إلى السير توماس الذي كان يقوم بأدوار تمثيلية أحيانا. ثم ينتقل الباحث من مسرحيات أسكيلوس إلى مسرحيات شكسبير التي أُنتجت في مجتمع أكثر غنى وأوسع حركة.
يقتصر الفصل السادس على التراجيديا التي يعرفها أرسطو بأنها «تمثيل عمل ينطوي على انتكاسة في حياة البطل نتيجة عمل وقع فيه» (72) وغالبًا ما تكون هذه الانتكاسة مُهلكة كما هو الحال في مسرحية «أوديب ملكًا» الذي يقتل أباه ويتزوج أمه كما توقعت العرّافة.
يعقد الباحث في الفصل الأخير «المستقبل» مقارنة بين شعبي طاجيكستان وقرغستان اللذين امتصا كلاسيكيات الحضارة الأوروبية البرجوازية في الشعر والمسرح، وبين إنجلترا التي اضطرت إلى تقليص شكسبير وتحجيم نطاقه الشعبي بحيث بات ذائعًا في قرغستان وبقية جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق أكثر من ذيوعه في إنجلترا، ويعزو السبب إلى «البرجوازية الحديثة التي شوّهت أعمال أكبر شعرائها بأنفاسها الكريهة» (ص99). بكلمات مقتضبة، لم ترقَ الترجمة إلى مستوى النص وفيها من الأخطاء المطبعية والإملائية واللغوية ما يربك هذا الكتاب السلس الذي يغصّ بالمعلومات والآراء النقدية الجادة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة