تونس: مأزق حكومة.. أم أزمة حكم؟

مع تعثر محاولات تشكيل وزارة جديدة

تونس: مأزق حكومة.. أم أزمة حكم؟
TT

تونس: مأزق حكومة.. أم أزمة حكم؟

تونس: مأزق حكومة.. أم أزمة حكم؟

خلافًا للبرنامج الذي سبق أن أعلن عنه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ومستشاروه لن تتشكل «حكومة الوحدة الوطنية» التي ستعوّض حكومة الحبيب الصيد يوم 27 يونيو (حزيران) الحالي أو قبل عيد الفطر. ولقد أفرز الاجتماع التشاوري الجديد الذي أشرف عليه قائد السبسي أخيرًا بمشاركة ممثلي 9 أحزاب وزعماء النقابات خلافات حول مضمون «الوثيقة الرئاسية» التي تبرر الإطاحة بحكومة الصيد وتشكيل حكومة جديدة تدعمها «كل الأطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية». وفي هذه الأثناء كشفت المشاورات داخل الحزبين الكبيرين، «نداء تونس» و«النهضة»، وفي صفوف المعارضة، عن خلافات في تقييم الحكومة الحالية ورئيسها بما يوشك أن يفجر أزمات داخلية فيها بينها.. خلافات قد تتسبب بانهيار حزب الرئيس الذي فقد الأغلبية البرلمانية منذ أشهر. فإلى أين تسير تونس في ظل «الماراثون السياسي الجديد» الذي تشهده من أجل الإطاحة بالحكومة الثامنة منذ سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011؟
وهل سيكون تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» خطوة نحو الإنقاذ والإصلاح أم مدخلاً لأزمة سياسية اجتماعية اقتصادية جديدة؟

رسميًا، رحبت كل قيادات الأحزاب التونسية بالمبادرة التي أطلقها الرئيس الباجي قائد السبسي مطلع يونيو الحالي ودعا فيها إلى «حكومة وحدة وطنية» طلب من المعارضة ومن نقابات العمال ورجال الأعمال المشاركة فيها. إلا أن الأزمات بدأت تبرز منذ بدء جلسات «الحوار الوطني» في قصر الرئاسة بضاحية قرطاج، قرب تونس العاصمة، لرسم أولويات الحكومة المقبلة، ومناقشة أسماء المرشحين لتعويض الحبيب الصيد ووزرائه.
وفي الوقت نفسه تفجرت خلافات جديدة داخل حزب الرئيس وخارجه بسبب التقييمات المتباينة للحكومة الحالية والبرلمان والمواقف المتناقضة من «البديل» المقترح رغم بروز نوع من الإجماع حول المبرّرات الذي قدمها قائد السبسي لمبادرته ومنها خصوصًا «المخاطر الاقتصادية والاجتماعية» التي تهدد البلاد.
* معركة الكراسي والمواقع
مصادر مسؤولة أفادت «الشرق الأوسط» بأن الاجتماع الموسع لقيادة حزب الرئيس الذي عقد بإشراف نجله حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي للحزب، كشف وجود مناصرين للإبقاء على الحبيب الصيد رئيسًا للحكومة في حال تعديلها وآخرين مساندين لرحيله. وكان بين الذين دافعوا عن الصيد وزيرا الخارجية خميس الجهيناوي والسياحة سلمى اللومي، والوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة خالد شوكات. كذلك صدرت تصريحات عن قياديين في «النهضة» بينهم الوزير السابق عبد اللطيف المكي تؤكد أن الحزب الأول في البرلمان لم يبت نهائيًا في «مشروع» تعويض الحبيب الصيد. وعندما بدأت «الحرب النفسية» ومعركة «لتسريبات» لأسماء المرشحين لتعويض رئيس الحكومة الحالي استفحلت الخلافات داخل الحزب الحاكم منذ عام ونصف العام، وخارجه. وتعالت مجددًا الدعوات لاختيار «شخصية مستقلة» لرئاسة الحكومة المقبلة.
ورغم تصريحات رئيس الجمهورية ومحافظ البنك المركزي ووزير المالية التي حذّرت التونسيين من «العجز المالي» ومن إفلاس الصناديق الاجتماعية وشركات وطنية كبيرة العام المقبل، يبدو السياسيون والنقابيون منشغلين أساسًا بـ«معركة الكراسي والمواقع».
و«مرة أخرى تجد البلاد فيها نفسها مهددة بالمعنيين بـ(الغنيمة)، وليس بإصلاح الأوضاع العامة» على حد تعبير النقيب السابق للمحامين التونسيين عبد الرزاق الكيلاني، ووزير المالية السابق إلياس فخفاخ.
* مشاريع معطّلة
الوزيرة سلمى اللومي، رغم أنها من بين أقارب الرئيس، انتقدت ما وصفته بـ«تعاقب الحكومات بنسق سريع خلال الأعوام الماضية» مما تسبب في «تعطل إنجاز المشاريع وتعثر عمل الإدارة التي أصبحت مكبّلة بالخوف، لأن أغلب المسؤولين الإداريين باتوا يتخوّفون من تنفيذ قرارات الوزراء أو رؤسائهم المباشرين، نتيجة ما حدث بعد 14 يناير 2011 (من محاكمات واعتقالات ومضايقات)، حين دفع كبار الموظفين وبعض الوزراء ثمن قرارات خاطئة اتخذها الرئيس السابق ومستشاروه». كذلك اعتبر برلمانيون معارضون مثل زهير المغزاوي، زعيم حزب الشعب، أنه «ليس من مصلحة شباب تونس العاطل عن العمل والمهمش محاولة إنقاذ حزب النداء عبر مبادرات قد تزيد الأوضاع في البلاد تعفنًا».
* المعارضة تقاطع؟
أما في صفوف المعارضة اليسارية «المتشددة»، بزعامة حمه الهمامي ورفاقه في «الجبهة الشعبية»، فقد تقرر إيقاف المشاركة في الاجتماعات التي يشرف عليها رئيس الدولة. وانطلقت حملة إعلامية دعائية قوية ضد «نداء تونس» وشركائه في حكومتي الحبيب الصيد، مع تحميلها «مسؤولية تعمق أزمات البطالة والفقر والتضخم وعجز موازنات الدولة وبينها الميزان التجاري وميزان الدفوعات»، على حد تعبير البرلماني اليساري عمار عمروسية من حزب العمال الشيوعي.
ويُعتبر بعض المراقبين في تونس، منهم الأكاديمي رضا الشكندالي، أن «خطر الانكماش الاقتصادي في تونس قد يستفحل إذا تعمّقت الأزمة بين النقابات القريبة من اليسار التونسي والسلطات، وإذا لم تتوصل الحكومة والأطراف الاجتماعية إلى اتفاق حول تجميد الإضرابات والتحركات الاحتجاجية لمدة لا تقل عن سنتين». بينما اعتبر محسن مرزوق، زعيم حزب مشروع تونس- المنشق عن حزب قائد السبسي قبل أشهر - أن «الهدف الرئيسي من المبادرة الرئاسية ليس سياسيًا بل كان ولا يزال اجتماعيًا اقتصاديًا»، أي إشراك النقابات والمعارضة اليسارية في الحكومة المستقبلية.
وفي حين فهم نقابيون يساريون بارزون، مثل سامي الطاهري، الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، المبادرة الرئاسية على أساس أنها «محاولة لتوريط النقابات» في الخيارات السياسية والاقتصادية الفاشلة للائتلاف الحكومي، ذهب اليساري عمروسية إلى حد التساؤل عن قيمة التمسك بالمبادرة الرئاسية الحالية إذا لم يدعمها اتحاد نقابات العمال ولم تساندها المعارضة اليسارية بزعامة «الجبهة الشعبية».
* «النهضة» تحسن موقعها
في المقابل، ماذا عن موقف حزب حركة «النهضة» (الإسلامي)، الحزب الأول في البرلمان منذ الانقسامات التي أضعفت «نداء تونس» الفائز بالمرتبة الأولى في انتخابات 2014؟ فرسميًا ساند زعيم «النهضة» راشد الغنوشي ومستشاره السياسي لطفي زيتون ورئيس كتلة الحزب في البرلمان نور الدين البحيري «المبادرة الرئاسية»، وذكّروا بكونهم دعوا إلى حكومة «وحدة وطنية» منذ ما قبل تشكيل حكومة الحبيب الصيد الأولى في يناير 2015.
كذلك تحرّك الغنوشي في تونس وخارجها بقوة لدعم مبادرة الرئيس قائد السبسي وخيار «التوافق الوطني» و«دعم تجربة الشراكة بين العلمانيين والإسلاميين». وبعد التصريح الذي أدلى به الحبيب الصيد، وأعلن فيه أنه لن يستقيل من منصبه، زاره الغنوشي ثم قياديون من «النهضة» مصحوبين بزعماء من أحزاب سياسية أخرى. وصدرت في أعقاب تلك اللقاءات بلاغات صحافية عن ترحيب الحبيب الصيد بالمبادرة الرئاسية، بما يعني استعداده للاستقالة دون «التسبب في أزمة سياسية ودستورية»، حذر منها الأكاديمي خلفية شاطر وبعض الخبراء القانونيين، مثل أمين محفوظ وقيس سعيد. وأكدت مصادر مختلفة أن زعيم «النهضة» تعهد للحبيب الصيد بـ«خروج مشرف» من الحكومة في صورة استكمال مشاورات اختيار «البديل».
لكن الرئيس الجديد لمجلس الشورى - القيادة العليا لحزب «النهضة» - الوزير السابق عبد الكريم الهاروني - أعلن في أكثر من تصريح أن حركته التي أصبحت «صاحبة الكتلة الأولى في البرلمان»، وأثبتت اعتدالها للعالم وللشعب التونسي - من خلال مؤتمرها الوطني العاشر تطالب بأن تكون حصتها في الحكومة المقبلة «مطابقة لحجمها السياسي».
هذا التصريح الذي تزامن مع تصريحات مماثلة لقياديين بارزين في «النهضة» يكشف بوضوح أنها لن ترضى في التشكيلة القادمة بحصتها الحالية - أي بحقيبتي التشغيل والصناعة - بل ستطالب بحقائب أكثر وأهم. كما سيكون موقفها حاسمًا في البت في تغيير رئيس الحكومة من عدمه واختيار «البديل» عنه إذا تأكدت مغادرته موقعه.
* الغنوشي في باريس
ويعتقد المراقبون في تونس الآن أن «حظوظ النهضة في المشاركة بحجم أكبر في رسم توجهات الحكومة المقبلة تحسنت بعد زيارة العمل» غير المسبوقة التي قام بها وفد من قيادة «النهضة» بزعامة راشد الغنوشي هذا الأسبوع إلى باريس، حيث استقبل من قبل رسميين فرنسيين كبار بينهم وزير الخارجية جون مارك إيرولت ورئيسا البرلمان ومجلس الشيوخ ورئيس الحكومة السابق جان بيار رافاران. وإذا كانت واشنطن ولندن وبرلين وبروكسل تساند منذ مدة طويلة مشاركة «النهضة» و«الاتجاه الإسلامي المعتدل» في الحكم رغم اعتراضات فرنسية واضحة، فقد تسفر زيارة الغنوشي والوفد الكبير المرافق له إلى باريس عن «إعادة خلط الأوراق أكثر في تونس» وعن تعديل موقف فرنسا «العلماني المتشدد» من الإسلاميين التونسيين.
* المصالحة التاريخية
لكن هذا الخلط الجديد للأوراق يتناقض جوهريًا مع معارضي إشراك «النهضة» في الحكومة المقبلة من داخل حزب الرئيس وخارجه، وبينهم برلمانيون يساريون ونقابيون من «الجبهة الشعبية» نظموا أخيرًا حملة إعلامية سياسية ضدها مع اتهام حكومتها السابقة مجدّدًا بتحمل «المسؤولية السياسية والأخلاقية» عن اغتيال زعيميها شكري بلعيد ومحمد الإبراهمي عام 2013 من قبل إرهابيين ينتسبون إلى مجموعات مسلحة متعاطفة مع «القاعدة» و«داعش».
لكن التيار السائد في قيادة «نداء تونس»، بزعامة حافظ قائد السبسي ورجلي الأعمال محمد رؤوف الخماسي وفوزي اللومي والوزير خالد شوكات، يناصر مشاركة «النهضة» في الحكومة المقبلة، ويرفض إقصاءها لأسباب كثيرة. من بينها أنها الكتلة الأكبر في البرلمان، وبالتالي، لأن حرمانها من المشاركة في الحكم سيخدمها ويجعل منها أكبر حزب معارض في مرحلة ستضطر خلالها الحكومة لاتخاذ إجراءات غير شعبية وقاسية اقتصاديًا واجتماعيًا، من بينها قرارات تهم الأسعار والرواتب وسن التقاعد والشركات العمومية الكبرى المفلسة.
وحقًا، دعا محمد رؤوف الخماسي وخالد شوكات، آخر أمين عام للحزب الحاكم في عهد بن علي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى «مصالحة تاريخية ونهائية» بين الوطنيين التونسيين، وخصوصًا بين «الدستوريين» و«الإسلاميين المعتدلين».
* المأزق الجديد؟
لكن الأزمة في تونس تتطوّر نحو «مأزق جديد» إذا ما عجز أنصار «مبادرة الحكومة الوطنية» عن تفعيلها وسط دعوات إلى «تجديد الثقة بالحبيب الصيد خدمة للاستقرار الحكومي والسياسي الذي يطالب به المستثمرون». وفي هذه الحالة يتوقع قياديون من داخل «نداء تونس» أن تكون «الحصيلة مأزقًا يتحمل مسؤوليته المستشارون الذين ورّطوا رئيس الدولة في مبادرة غير مضمونة النتائج». وبعدما أجهضت مبادرات سابقة قام بها رئيس الدولة - بينها مبادرة لإعلان مصالحة وطنية شاملة - يخشى قياديون في «النداء» و«النهضة» أن تفشل المبادرة السياسية الجديدة فتكون «النتيجة مزيدًا من إضعاف مؤسسة الرئاسة وحزب الرئيس»، وفي هذه الحالة قد يكون «البديل» عن «حكومة الحبيب الصيد» تكليف رئيس الحكومة الحالي بتشكيل حكومته الثالثة مع تغيير بعض وزرائها.
* صعوبات ولكن
الصعوبات المالية والاقتصادية التي تواجهها تونس تحتاج بالفعل إلى «تصحيح» في نظر عدد من الخبراء الاقتصاديين، بينهم وزير المالية السابق جلول عياد، الذي يقول إن الإفلاس يهدّد الآن كثير من المؤسسات الحكومية والصناديق الاجتماعية، وهذا رغم إشارته إلى أن «أوضاع القطاع الخاص والمؤسسات الصناعية والتجارية الخاصة التونسية تحسنت بشكل ملموس». وفي الوقت نفسه، كشف الشاذلي العياري، محافظ البنك المركزي التونسي، أن البنك لم يسجل سحب أي من المودعين في البنوك التونسية لأرصدتهم «ما يؤكد ثقتهم في النظام البنكي التونسي، رغم البلبلة التي أثيرت حول مشروع قانون البنوك والمؤسسات المالية والمتعلقة أساسًا بمخاوف من الإفلاس». وأشار العياري أمام البرلمان التونسي قبل أيام إلى أن «المؤشرات المتوفرة للبنك المركزي، تؤكد أن أوضاع البنوك التونسية مقبولة، وأنها بعيدة عن شبح الإفلاس باستثناء بنكين اثنين». كما كشف أن تونس ستحصل خلال الفترة المقبلة على تمويلات من المؤسسات المالية الدولية ستمكنها من سد الحاجات في الميزانية والتنمية مع مراعاة نسبة الدين الخارجي حتى لا تتجاوز الحدود المقبولة». واستطرد الشاذلي العياري قائلاً: «المشكل في تونس لا يتعلق بالتمويل الذي سيتم الحصول عليه تدريجيًا، بقدر ما يتعلق بالاستقرار السياسي والأمني والتوافق بين الأطراف الاجتماعية حتى تستفيد تونس من قرارات التي أعلن عنها أطراف دولية، بينها تخصيص منحة سنوية لفائدة تونس تقدر بمليار دولار على مدى 5 سنوات من البنك الدولي و3 مليار من صندوق النقد ونصف مليار من البنك الأفريقي للتنمية ومثلها من الاتحاد الأوروبي.. إلخ».
* «الطريق الثالث»؟
إذا كانت الأوضاع على مثل هذه الدرجة من الهشاشة، هل سيستمر الإصرار إذن على تغيير الحكومة ورئيسها أم يمدد التمديد له إلى ما بعد تنظيم الانتخابات البلدية في مارس (آذار) 2017 مثلما سبق أن أورد راشد الغنوشي في حديث لـ«الشرق الأوسط»؟
مصادر مقربة من الرئيس السابق المنصف المرزوقي، مثل عماد الدايمي الوزير ومدير الديوان الرئاسي سابقًا، تتحدث عن حرص بعض «اللوبيات» على الإطاحة بالصيد لأنه رفض تغيير المدير العام للامن الوطني عبد الرحمن الحاج علي، وقد يكون «اعترض على بعض مشاريع الصفقات المشبوهة».
وفي هذا السياق، تعاد إلى السطح قضية التحرك الذي نظمته إحدى النقابات الأمنية في فبراير (شباط) الماضي في ساحة الحكومة بالقصبة للمطالبة بالإطاحة بالحاج علي والحبيب الصيد مع رفع شعارات لا أخلاقية ضدهما، واقتحام مقر رئاسة الحكومة. وفي المقابل، يتمسك آخرون بتشكيل حكومة جديدة مع إشارة التقارير الوطنية والعالمية إلى استفحال ظواهر الرشوة والفساد والاستبداد في «تونس ما بعد الثورة».
وعليه، قد يكون «الطريق الثالث» هو الحل الوسط الذي يرضي كل الأطراف في النهاية، أي تكليف الحبيب الصيد بترؤس «حكومة الوحدة الوطنية» مع تغيير بعض الوزراء «المثيرين للجدل» أو الذين تعترض عليهم النقابات والمعارضة. وقد يسهم هذا «الحل الوسط» في تكريس شعارات يرفعها كبار السياسيين في تونس منذ سنوات من بينها «أولوية الاستقرار»، خصوصًا في وزارات السيادة، لا سيما وزارة الداخلية.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.