«هانوفر ماركت» السوق الأولى للعرب ومسلمي فيينا

«هانوفر ماركت» السوق الأولى للعرب ومسلمي فيينا

جولة في أسواقها الرمضانية
السبت - 20 شهر رمضان 1437 هـ - 25 يونيو 2016 مـ
«هانوفر ماركت» أهم سوق تمد المدينة باللحوم الحلال والخضراوات والفواكه والمعلبات والمنتجات التي لا تغيب عن الموائد الرمضانية

في جولة لـ«الشرق الأوسط» حول أسواق فيينا المشهورة ببيع احتياجات رمضان، قصدنا بحكم معرفة سابقة سوق «الناش ماركت» أقدم سوق للخضراوات والفاكهة بالمدينة، ولا يزال يعمل منذ عام 1793، ويمتاز بموقع استراتيجي لا يبعد كثيرا عن قلب البلد وأفخم مناطقها، وله نحو 170 كشكا بطول 1.5 كيلومتر.
بعد جولة قصيرة جدا بـ«الناش ماركت» لاحظنا غلاء الأسعار؛ إذ تباع لفة قمر الدين بـ3.50 يورو وصندوق البلح بـ17 يورو، وحبة الطعمية الواحدة بـ30 سنتا والساندويتش بثلاثة يوروات، ناهيك عن غلاء معظم البضائع الأخرى، وعلى سبيل المثال تباع المائة جرام من الزيتون بـ2.9 يورو، وتفيض السوق بزيتون لم تتنوع جنسياته فحسب، ومنه إيطالي ويوناني وتركي وتونسي ومغربي وبرتغالي وحتى أرجنتيني، بل تنوعت ألوانه حتى أن هناك من يبيع زيتونا أحمر!
كما تنوعت أشكال وأصناف الحلويات والمعجنات وألوان ونكهات حتى «سلطة الحمص» التي يبيعونها جاهزة; وعندهم حمص بالكاري وحمص بالبنجر، إضافة إلى أصناف من الأجبان ومنها المستخدمة حشوات لخضراوات مختلفة، فيما زاد من حوله عدد المطاعم شبابية الطابع.
خلال الحديث مع بعض الباعة، ومنهم مصريون وسوريون وروس وبنغلاديشيون وأتراك، أكدوا لنا قلة الزبائن العرب، مرجعين السبب إلى غلاء «الناش ماركت» الذي أصبح بمثابة موقع سياحي أغلب رواده من السياح، ولا سيما أن منتجاته عالمية تأتي من معظم بقاع العالم، وتمثل موردا لسياحة ثقافية وغذائية عالية الذوق وفرصا للتذوق. وفي هذا السياق، أضحى من يقصد «الناش ماركت» من سكان المدينة يأتيه إما بحثا عن منتج بعينه أو بقصد النزهة وإمتاع العين لتلك المعروضات الثرية بجانب الاستمتاع بمطاعمه المنتشرة صيفا في الهواء الطلق. ونصحنا بعض البائعين بالتوجه إلى سوق هانوفر ماركت بالمنطقة 20 باعتباره أضحى قبلة توفر مختلف احتياجات الشهر الكريم الطازجة والمعلبة وبأسعار «متهاودة».
وبالفعل، وعكس «الناش ماركت» وجدنا هانوفر ماركت سوقا متواضعة من حيث الموقع، وإن فاضت بمحال لحوم حلال ونعم من خضراوات وفاكهة. وبدا الفرق في الأسعار جليا وكثير من القوائم تشير لـ«1 يورو، ويوروين، و3 يوروات».
يقع هانوفر ماركت في مربع واسع وسط الحي الـ20 بفيينا التي لها 23 حيا تم تخطيطها دائريا بحيث ترتبط المدينة وطرقاتها ومواصلاتها بشكل دائري منسق تنسيقا لا تخطئه عين.
قبل ثلاث سنوات، لم تكن هذه السوق غير عدد محدود من دكاكين تعود ملكيتها لجزارين أتراك، ومن حولهم مقهى أو اثنان نمساويان، إضافة إلى عدد محدود من بقالات يمتلكها شيشان من بينهم نساء شيشانيات، وذلك بعدما قامت سلطات الحي بتقليصه بسبب بوار قاصع ضربه نتيجة افتتاح «سوبرماركت» وطنية معروفة برخص أسعارها ووفرة بضائعها.
اليوم، تغير حال هانوفر ماركت (واسمه مأخوذ من اسم شارع يقابله) وأضحى أهم سوق تمد المدينة باللحوم الحلال والخضراوات والفواكه والمعلبات والمنتجات التي لا تغيب عن الموائد الرمضانية، بل أصبح السوق الأولى التي يقصدها عرب فيينا ومسلموها. ومن أهم زبائنه الدبلوماسيون ومنسوبو المنظمات الدولية واللاجئون ممن لا يتحدثون الألمانية، اللغة الرسمية للبلاد، فيما لا يمثل النمساويون أكثر من 5 في المائة من زبائنه.
بعد جولة صغيرة أشار علينا أكثر من بائع بأن أعلم من يتحدث عن هذا السوق هو الحاج علي عبد الحافظ، الذي رغم أنه شخصيا لا يعمل في السوق إلا أنه بمثابة «شيخ للسوق» فيما قال بائع مصري إن «السوق صعيدية بحق وحقيقة!».
بلهجة مصرية صعيدية، وجلابية بيضاء، استقبلنا الحاج علي مبتسما مؤكدا «آه الصعايدة وصلوا» في إشارة أن صعايدة يمتلكون عددا من أكبر محال وبسطات هذا السوق وما حوله.
أوضح الحاج، علي عبد الحافظ علي المولود بأسيوط أنه لا يعمل بالسوق؛ إذ تقاعد وأنه بالمعاش الآن، إلا أن «نفسه» يرعى السوق، وجلبابه الصعيدي بمثابة أحسن دعاية، مستخدما كلمة ألمانية تعني ذلك، مضيفا أن أبناءه وأبناء أخيه من أكبر تجار السوق، وحتى أم عياله كانت هناك تساعد أبناءها في نظافة الفاكهة.
وللحاج علي الشهير باسم عادل قصة كفاح- كما حكاها- يمكن أن تعين كثيرا من الشباب ممن قصدوا فيينا بهدف تغيير مسارات حياتهم بحثا عن مصادر رزق وحياة كريمة.
بتاريخ 20 أغسطس (آب) 1990 وصل الصعيدي علي عبد الحافظ العاصمة النمساوية فيينا وهو لا يمتلك غير أقل قليل من المال، ولا يتحدث غير اللغة العربية، وبعد شهور قضاها في عيشة مزرية وحيدا؛ إذ ترك من خلفه زوجته وثمانية أبناء، فتح الله عليه حين ساعده مصري قاده للعمل موزع إعلانات تجارية ورقية توزع على البيوت. ظل يمتهن تلك المهنة التي عرفته على المدينة وساعدته لاحقا في العمل بائعا للورد يتجول بها مساءً.
وبيع الورد مهنة نجح فيها عدد من الشباب المصري، على وجه الخصوص، ويشاهدون في فيينا وهم يحملون على دراجة هوائية كمية من الورود يلفون بها على المقاهي والمطاعم، كما ظل بعضهم يبيع الصحف والمجلات بالشوارع لدرجة أن أطلق عليهم لقب «ملوك الثقافة» قبل أن يتحول معظمهم لقيادة التاكسي.
وكما حكى الحاج علي، فإنه ظل يعمل في المهنتين دون كلل أو ملل، صباحا ومساء، إلى أن تمكن من إحضار أسرته بكامل عددها، كما أصبح في عام 2003 مواطنا نمساويا له حقوق وعليه واجبات، مشيرا إلى أن أسرته حاليا تتكون من 33 فردا.
بعد سنين من الشقاء تقاعد الحاج علي وأصبح له معاش شهري تمنحه له الحكومة النمساوية، إضافة إلى مساعدة اجتماعية لابنيه الأخيرين، فيما تمكن أبناؤه من افتتاح أكثر من متجر بهانوفر ماركت وأضحوا تجار خضراوات وفاكهة، كما لهم محل ورد صغير.
جنبا لجنب أولاد الحاج علي هناك أبناء شقيقه، وهكذا زاد التمدد الصعيدي بالهانوفر ماركت، ويعملون يوميا عدا الأحد من السابعة صباحا حتى السابعة مساء، وكثيرا ما تبدأ الترتيبات تمام الخامسة صباحا.
وفيما يختص بالأسعار قالوا إن «الشادر» هو الذي يحدد «بكم اشتروه، وكم كيلو فيه، ومن ثم يضيفون له 10 في المائة ضرائب وربحا مما يتناسب وبقية الأسعار المطروحة بالسوق حتى لا تبور البضاعة، خصوصا يوم السبت حيث تنتشر بسطات يمتلكها أتراك مما يزيد المنافسة التي تكون في صالح الزبائن».
وبالنسبة لرمضان يؤكدون، أنه بالفعل شهر خير وبركة على السوق؛ لذلك فإنهم يسعون ما أمكن لإرضاء كل زبون، وبالطريقة العربية هناك «أخذ وعطا» ومساومات، رغم أن الأسعار معلنة. وبالطبع للمحتاج من اللاجئين معاملة خاصة، ولا سيما أن المنطقة أصبحت مأهولة باللاجئين من مختلف الجنسيات والأكثر سوريون.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة