الشهر الفضيل يعيد الحياة إلى أزقة محافظة ديالى العراقية

الشهر الفضيل يعيد الحياة إلى أزقة محافظة ديالى العراقية

طبول المسحراتي والرقصات الشعبية تستبدل مظاهر البؤس والعنف
الجمعة - 19 شهر رمضان 1437 هـ - 24 يونيو 2016 مـ
المسحراتي أبو محمد وأعضاء فريقه بين أهالي مدينة بعقوبة وهم يؤدون رقصة الدبكة الشعبية احتفالاً بالشهر الكريم في ساعات متأخرة من الليل

تشهد مدن العراق عند حلول شهر رمضان المبارك طقوسًا خاصة وممارسات وتقاليد اعتاد سكان هذه المدن على إقامتها في أيام وليالي الشهر الكريم. محافظة ديالى كانت محطتنا الأولى بين تلك المدن العراقية، «الشرق الأوسط» واكبت حياة الناس من خلال يوم وليلة من أيام وليالي رمضان المبارك في تلك المحافظة الشهيرة بزراعة النخيل والحمضيات، حتى أطلق عليها (مدينة البرتقال)، وسجلت تلك العادات والممارسات الجميلة التي يعيشها السكان في الشهر المبارك.
ومن جانبه قال المسحراتي أبو محمد (37 عاما): «لقد توارثنا هذه المهمة التي نعتبرها تشريفًا نحظى به في كل عام من الأعوام وخلال ليالي شهر رمضان المبارك حيث نقوم بالتجوال في الأزقة والشوارع في الساعات المتأخرة من الليل وتحديدا قبل وقت السحور بنحو ساعتين في أماكن متعددة من مدينة بعقوبة من أجل إيقاظ الناس على وقع الطبل ومن خلال ضربات اعتاد الناس على سماعها». وأضاف: «نقوم بإطلاق عبارات جميلة لأجل ذلك منها، وهنا أتذكر كيف كنت أخرج وأنا صغير برفقة والدي رحمه الله ونتجول في الأزقة وأنا أحمل مشعلاً من أجل عملية الحصول على الإنارة ليهتدي أبي وبقية إخواني إلى الطريق». واستطرد بقوله، «اليوم مع انتشار أعمدة الإنارة ووجود المحلات التجارية وبقائها إلى ساعات متأخرة من الليل كان لا بد لي من تغيير أسلوب وطريقة عمل المسحراتي واتفقت مع أصحابي أن نشكل فريق عمل لإيصال هذا الإرث ومزج الماضي بالحاضر».
وحول تلك الطريقة المبتكرة قال أبو محمد: «فمع الطبل الذي كنا معتادين على حمله والسير به بين الطرقات والضرب عليه من أجل إصدار الصوت الذي يوقظ النائمين، قمنا باصطحاب آلات أخرى منها آله هوائية تسمى (الزرنة) وآلات أخرى مصنوعة من النحاس، ليتجمع هذا الفريق في ساحة كبيرة بعد أن انتهى من القيام بالعمل القديم وهو الضرب على الطبل وإيقاظ الأهالي بصوتي وأصوات أولادي للنهوض من النوم والاستعداد للسحور».
ويقوم هذا الفريق بإقامة فعالية صغيرة وهي رقصات شعبية قديمة تسمى الدبكة على أنغام الطبل والزرنة، فيتبادل الشباب الهدايا والعصائر وبعض الأكلات، مما يضفي جوًا من الفرح، خصوصًا وأن المدينة تتعرض بين فترة وأخرى إلى أحداث مأساوية أضفت على الجميع صور القهر والبؤس. ويعلق: «لذا قررنا أن نقيم مثل تلك الممارسات الترفيهية في كل ليلة من ليالي الشهر الكريم وفي أوقات السحور».
وأضاف أبو محمد: «لقد اعتدت أن أتسحر في كل ليلة من ليالي شهر رمضان عند أحد البيوتات في المنطقة ولم أتذكر بأني تسحرت مع أفراد عائلتي في يوم من الأيام بسبب إصرار الأهالي على استضافتنا في نهاية عملنا وتقديم الطعام للمسحراتي ومن معه، وهذا التقليد متبع في كل عام ويتسابق الأهالي على استضافتنا للسحور بل يذهب البعض على دعوتنا قبل أيام من الموعد المحدد لكثرة ما نتلقى من دعوات كريمة من العائلات في المدينة».
وفي سياق متصل، قال كريم طه الزيدي (65 عاما) وأحد وجهاء ناحية بهرز التابعة لقضاء بعقوبة في محافظة ديالى أن «عمل المسحراتي ورغم ما وصل إليه العالم من تقدم في مجال التكنولوجيا والأجهزة الرقمية ووسائل التواصل باقٍ وسيبقى له نكهة خاصة لدى الجميع هنا وفي كل مدن العراق وبقية مدن العالم العربي والإسلامي، لما له من وقع ونكهة تعيدنا إلى القدم والأصالة، حيث كان الناس تراهم كالأسرة الواحدة». ويضيف شارحًا: «المسحراتي يعيد لذاكرتي مشاهد ليالي رمضان في أيام الطفولة والصبا حيث توقظنا الوالدة رحمها الله لتناول السحور ونستمع فور إيقاظنا إلى دقات الطبل وصوت المسحراتي ونهرع إلى الشبابيك لرؤيته في منظر لازلت إلى الآن أشاهده وأحرص على مشاهدته رغم تقادم الأعوام».
ويستطرد بقوله: «نحن فرحون جدًا بقدوم الشهر الفضيل لكونه يبعد عنا شبح الليالي الظلماء التي تعيشها مدننا الآن خصوصًا مع نشاط الإرهاب الإجرامي الذي أجبر الناس على لزوم بيوتهم مع غياب الشمس والبقاء كالسجناء داخلها بيوتهم خوفًا من الأعمال الإرهابية وما إلى ذلك، الكل هنا يلتف حول أي فعالية من شأنها أن تجمع الناس على المحبة والألفة والسلام، لذا نحن نحتفل بقدوم شهر رمضان ولياليه المباركة».
ومن جانبه، قال الإعلامي العراقي آدم مهدي هادي إن «رمضان في المدن العراقية بشكل عام وفي مدينة ديالى بشكل خاص له وقع مميز، حيث تشهد مدينتنا وبخاصة ناحية بهرز التي تشتهر بزراعة النخيل والرمان والبرتقال، حيث يتفنن أهالي المنطقة في صناعة كثير من الحلويات والعصائر التي اعتاد العراقيون على استخدامها في شهر رمضان المبارك، ومنها حلوى تصنع من التمور وعصائر تصنع من الرمان والحمضيات، وتقوم النساء بصناعة تلك المنتجات في البيوت، ليقصد محافظة ديالى قبل حلول شهر رمضان بعدة أيام تجار مختصون من باقي مدن العراق ومحافظاتها من أجل شراء تلك المنتجات ومن ثم بيعها في المحافظات الأخرى».
وأضاف هادي: «إن محافظة ديالى بكل مدنها تتسابق من أجل الاحتفال بهذا الشهر الكريم كلٌ على طريقته وتجد مدننا في هذا الشهر مسرحًا للمسابقات الثقافية والدينية والرياضية، وتنشط كذلك مأثورات شعبية في الأحياء السكنية وبين الناس كلعبة المحيبس ولعبة الصينية، والمسابقات الرمضانية في الألعاب الرياضية، ولتكون ملامح وألوان الفرح والسعادة هي الصورة السائدة على المشهد الاجتماعي في مدن المحافظة ترحيبًا بشهر رمضان المبارك».


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة