كارثة الفلوجة الإنسانية.. 85 ألفًا يواجهون خطر الموت

مجلس اللاجئين النرويجي: الظروف المعيشية في المخيمات تزداد سوءاً بمرور الوقت.. والحكومة عاجزة عن تقديم شيء

عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
TT

كارثة الفلوجة الإنسانية.. 85 ألفًا يواجهون خطر الموت

عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)

اضطرت أسر الفارين من جحيم القتال في مدينة الفلوجة العراقية إلى النوم في الصحراء المكشوفة لمدة أسبوع كامل، في ظل تحذيرات هيئات الإغاثة الإنسانية من أن هؤلاء الناس معرضون إلى خطر الموت مع النقص الحاد والخطير في إمدادات الخيام والمياه إليهم.
وأكثر من 85 ألف مواطن تمكنوا من الفرار من المدينة وضواحيها خلال الأسابيع الأخيرة في الوقت الذي تخوض القوات العراقية فيه حربها من أجل استعادة المدينة من تنظيم داعش الإرهابي. وهناك ما يقرب من 4.4 مليون مواطن عراقي في البلاد أصبحوا من النازحين داخليا، وهو أكبر عدد من النازحين المسجلين في أي دولة. وقالت منظمة الأمم المتحدة أن وتيرة الوافدين الجدد أخذها على حين غرة، على الرغم من علمها بأن عشرات الألوف من الناس كانوا محاصرين في المدينة قبل بدء العمليات العسكرية في الشهر الماضي. والحكومة العراقية، في الأثناء ذاتها، تبدو وأنها قد أعدت القليل، مما لا يكفي، من المساعدات لأسر المواطنين الفارين من القتال.
جلست ميهال عدنان وأطفالها الأربعة إلى جانب متعلقاتهم الشخصية في ذلك المخيم الذي أقيم على عجل على مسافة تبعد 15 ميلا إلى الغرب من الفلوجة بالقرب من مدينة الحبانية العراقية. وكان ذلك يومهم الرابع في العراء من دون مأوى من أي نوع، حيث يتعرضون يوميا للعواصف الترابية ودرجات الحرارة التي تتجاوز حدودا غير مسبوقة من الارتفاع. كانت ميهال تحمل طفلها المعاق البالغ من العمر 13 عاما وتحاول تدليك عضلاته المتيبسة وهو يبكي من آلامه. لقد اتسخت ملابسه وليست هناك مراحيض أو خزانات للمياه يمكن أن تستخدمها لتنظيف طفلها. ولقد انطلقت تلك الأسرة إلى إحدى الخيام التابعة للحكومة للشكوى من انخفاض الإمدادات، حيث إن الأولويات هناك لمن يملكون الأموال أو الاتصالات ببعض المسؤولين. تقول ميهال عدنان: «سوف ننام هنا الليلة»، مشيرة إلى بطانية رمادية واحدة يتقاسمونها بينهم، وأضافت تقول: «ماذا يمكن أن نفعل أيضا؟ إننا بائسون. ليس لدينا شيء البتة».
على مقربة منهم، اندفع الرجال نحو صندوق وحيد من زجاجات المياه كانت قد ألقت به إحدى الشاحنات أثناء سيرها. يقول محمد جاسم خليل، 72 عاما: «إننا نلقى معاملة الكلاب. ما ذنبي في كل الذي يحدث هنا؟» كانت عائلته تنام في العراء لمدة ستة أيام ثم تمكنت أخيرا من الحصول على خيمة. ويقول إسماعيل محمد حسين، 51 عاما: «تمنيت لو أن قذيفة هاون قد سقطت على منزلي في الفلوجة وقتلتني. لكان ذلك أفضل كثيرا من الحياة بهذه الطريقة». وصرح مجلس اللاجئين النرويجي قائلا إن الظروف المعيشية في المخيمات تزداد سواء بمرور الوقت. والفئات الأكثر عرضة للمخاطر هن النساء الحوامل، وكبار السن، وذوو الإعاقة، وبعضهم ينهار بسبب الإرهاق، كما يقول عمال الإغاثة.
يقول نصر مفلحي، مدير المنظمة في العراق إن «الأوضاع تتدهور يوما بعد يوم، وسوف يلقى الناس حتفهم في تلك المخيمات ما لم تصلهم الإمدادات والإغاثة الضرورية. إن ما نشهده اليوم هو نتيجة مباشرة لتأخر استجابة والنقص الشديد في التمويل مع أعداد هائلة من المدنيين الفارين من الكابوس ليعيشوا كابوسا آخر». وتقول الأمم المتحدة إنها تعاني من نقص شديد في التمويل لأنها تتعامل مع أعداد غير مسبوقة من النازحين في العالم، مع وجود واحد من أصل 113 شخصا في العالم غير قادر على العودة إلى وطنه بسلام.
أعلنت الحكومة العراقية انتصارها في الفلوجة، ولكن لم يتم تطهير سوى ثلث مساحة المدينة من المتطرفين، وفقا للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولا يعلم أحد تعداد السكان المحاصرين في داخل المدينة. ولقد حذرت الأمم المتحدة من فرار مزيد من المواطنين مع تقدم القوات العراقية في المدينة، مما يضيف مزيد من الجهد والإرهاق إلى المخيمات التي تعاني من نقص الإمدادات بالفعل. ولقد ناشد المسؤولون في الأمم المتحدة المجتمع الدولي لتوفير 17.5 مليون دولار من تمويل الطوارئ.
وتحمل العائلات التي تصل إلى المخيمات قصصا مروعة عن الحياة في ظل تنظيم داعش الإرهابي ومسلحيه الذين سيطروا على المدينة لما يقرب من عامين ونصف العام.
كانت إمدادات المواد الغذائية شحيحة لعدة شهور، في الوقت الذي كانت المدينة فيه خاضعة لحصار قوات الأمن العراقية وتتعرض للقصف اليومي بالمدفعية والغارات الجوية. وكانت رحلات الفرار من المدينة محفوفة بكثير من المخاطر، حيث كان المتطرفون من أعضاء «داعش» يطلقون النار على السكان النازحين من المدينة.
رفع فلاح حسين علي ذراعيه ليكشف للناس عن الكدمات الغائرة التي قال إنها نتيجة للجلد بالأسلاك الكهربائية الغليظة على أيدي مسلحي التنظيم. وقال إنه كان سجينا لدى «داعش» عندما بدأت العمليات العسكرية وتمكنت قوات الأمن العراقية من إطلاق سراحه. وقال إنه اعتقل وظل قيد الاحتجاز لمدة 20 يوما حيث تعرض الرجال في حي النزال الذي كان يسكنه للاعتقال على أيدي مسلحي التنظيم بعد رفع العالم العراقي على تلك المنطقة بين عشية وضحاها.
وأضاف فلاح قائلا: «لم نكن نريد بقاء التنظيم الإرهابي هناك. ولكنهم نقلونا من موت إلى موت من نوع آخر. أي نوع من الحياة هذه التي نحياها؟» يقول غسان أبو شعر، وهو منسق الطوارئ لمنظمة أطباء بلا حدود، إن إجمالي الإصابات داخل المخيمات هو للإصابات الجسدية والعقلية، مضيفا أن «الناس هنا في نقطة الانهيار».
ومما يضيف إلى الضغوط العسيرة التي تشهدها العائلات هناك أن الرجال كافة من سن القتال هم قيد الاحتجاز من أجل الفحص والمراجعة الأمنية، حيث تركوا النساء والأطفال لمواجهة الشدائد بمفردهم حتى يتم الإفراج عن الرجال.
ولا يزال زوج ميهال عدنان وولدها البالغ من العمر 17 عاما قيد الاحتجاز الأمني. وقالت إحدى النساء من حي المعلمين في الفلوجة، وقد فضلت الإفصاح عن اسمها لأنها كانت تنتقد ردود فعل الحكومة العراقية: «إذا كانت الحكومة عاجزة عن مساعدتنا فينبغي عليهم الإفراج عن رجالنا. لقد فررنا من (داعش)، ومن القصف المستمر، ومن الجوع، حتى نلقى ذلك في انتظارنا».
ولقد اشتكى كثيرون أنهم لا يُسمح لهم بالمغادرة من محافظة الأنبار العراقية، حتى من أجل تلقي العلاج أو حتى إن كانت لهم عائلة أو أقارب في بغداد التي تبعد 40 ميلا إلى الشرق. وفي حين أن السكان ذوي الأغلبية السنية يشكلون تهديدا أمنيا، إلا أن الوصول إلى المدينة مقيد بمنتهى الشدة.
وفي مخيم آخر مقام في خارج بلدة الخالدية القريبة، يتلقى السكان وجبات غذائية جاهزة يوميا، وهناك عدد محدود من دورات المياه وخزانات المياه. تقول بعض العائلات إنه على الرغم من تلك المصاعب، فإن الحياة في المخيمات أفضل كثيرا من الحياة في ظل «داعش».
حيث يقول مهدي صالح عابد، 94 عاما، وهو يجلس في ظل خيمة من الخيام إن «الحياة هنا أشبه بالسجن. ولكن الحياة هنا في الغبار والأتربة أفضل بكثير من الحياة مع (داعش)». كانت إحدى الهيئات الإغاثية قد قامت بتسليم مائة ألف رطل من المواد الغذائية، مع انتشار الغبار خلال الصفوف الجرداء من الخيام في الصحراء أثناء اصطفاف الناس من أجل تسلم نصيبهم منها – ولكن العائلات هناك تفتقر إلى أساسيات الحياة مثل المواقد المحمولة حتى يمكنها الاستفادة من أكياس الدقيق والأرز التي يتلقونها من الهيئات الإغاثة.
يقول جيريمي كورتني، مؤسس تحالف الحب الوقائي، وهي من الجمعيات الإغاثية التي كانت تشرف على التوزيع، إن مستوى التخطيط ليس إلا عبارة عن كارثة متكاملة الأركان، وأضاف يقول: «لقد فشلت الحكومة العراقية والمنظمات الدولية في القيام بما يلزمهم القيام به لمواجهة هذه الكارثة».
وأعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي تواجه حكومته احتجاجات شعبية واسعة النطاق في بغداد، وعلى نحو غير متوقع عن عملية استعادة الفلوجة في أواخر مايو (أيار) فيما وصفه بعض المحللين بأنه محاولة لتشتيت الانتباه بعيدا عن مشاكله السياسية المتفاقمة في الداخل.
ولكن على الرغم من حقيقة أن العملية العسكرية قد بدأت بمثابة «محاولة سريعة لحفظ ماء الوجه» والتي أخذت الجميع على حين غرة، كان من الواضح أنه سوف يكون هناك نزوج جماعي للمواطنين بمجرد الإعلان عن بدء العمليات العسكرية قبل شهر من الآن، مما يمنح الجمعيات الإغاثية الوقت الكافي للاستعداد والتجهيز، كما قال كورتني.
من بين 85 ألف شخص من الفارين من المدينة، هناك 60 ألف مواطن وصلوا خلال ثلاثة أيام فقط الأسبوع الماضي، مما أغرق جهود وكالات الإغاثة الإنسانية بأعدادهم الهائلة. يقول برونو غيدو، الممثل العراقي لوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «لا يمكن لأحد أن يكون مستعدا لكارثة بهذا الحجم الرهيب». وأضاف أن المخيمات التي ترعاها الأمم المتحدة لا يمكنها استقبال سوى 16.830 شخص فقط، على الرغم من أن المخيمات الحكومية والخيام الكبيرة المؤقتة التي تستخدمها أكثر من 30 عائلة عراقية من الفلوجة تمثل درجة من درجات النقص في التجهيزات، فلا تزال هناك حاجة إلى 20 مخيما آخرين، كما أضاف.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».