كارثة الفلوجة الإنسانية.. 85 ألفًا يواجهون خطر الموت

مجلس اللاجئين النرويجي: الظروف المعيشية في المخيمات تزداد سوءاً بمرور الوقت.. والحكومة عاجزة عن تقديم شيء

عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
TT

كارثة الفلوجة الإنسانية.. 85 ألفًا يواجهون خطر الموت

عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)

اضطرت أسر الفارين من جحيم القتال في مدينة الفلوجة العراقية إلى النوم في الصحراء المكشوفة لمدة أسبوع كامل، في ظل تحذيرات هيئات الإغاثة الإنسانية من أن هؤلاء الناس معرضون إلى خطر الموت مع النقص الحاد والخطير في إمدادات الخيام والمياه إليهم.
وأكثر من 85 ألف مواطن تمكنوا من الفرار من المدينة وضواحيها خلال الأسابيع الأخيرة في الوقت الذي تخوض القوات العراقية فيه حربها من أجل استعادة المدينة من تنظيم داعش الإرهابي. وهناك ما يقرب من 4.4 مليون مواطن عراقي في البلاد أصبحوا من النازحين داخليا، وهو أكبر عدد من النازحين المسجلين في أي دولة. وقالت منظمة الأمم المتحدة أن وتيرة الوافدين الجدد أخذها على حين غرة، على الرغم من علمها بأن عشرات الألوف من الناس كانوا محاصرين في المدينة قبل بدء العمليات العسكرية في الشهر الماضي. والحكومة العراقية، في الأثناء ذاتها، تبدو وأنها قد أعدت القليل، مما لا يكفي، من المساعدات لأسر المواطنين الفارين من القتال.
جلست ميهال عدنان وأطفالها الأربعة إلى جانب متعلقاتهم الشخصية في ذلك المخيم الذي أقيم على عجل على مسافة تبعد 15 ميلا إلى الغرب من الفلوجة بالقرب من مدينة الحبانية العراقية. وكان ذلك يومهم الرابع في العراء من دون مأوى من أي نوع، حيث يتعرضون يوميا للعواصف الترابية ودرجات الحرارة التي تتجاوز حدودا غير مسبوقة من الارتفاع. كانت ميهال تحمل طفلها المعاق البالغ من العمر 13 عاما وتحاول تدليك عضلاته المتيبسة وهو يبكي من آلامه. لقد اتسخت ملابسه وليست هناك مراحيض أو خزانات للمياه يمكن أن تستخدمها لتنظيف طفلها. ولقد انطلقت تلك الأسرة إلى إحدى الخيام التابعة للحكومة للشكوى من انخفاض الإمدادات، حيث إن الأولويات هناك لمن يملكون الأموال أو الاتصالات ببعض المسؤولين. تقول ميهال عدنان: «سوف ننام هنا الليلة»، مشيرة إلى بطانية رمادية واحدة يتقاسمونها بينهم، وأضافت تقول: «ماذا يمكن أن نفعل أيضا؟ إننا بائسون. ليس لدينا شيء البتة».
على مقربة منهم، اندفع الرجال نحو صندوق وحيد من زجاجات المياه كانت قد ألقت به إحدى الشاحنات أثناء سيرها. يقول محمد جاسم خليل، 72 عاما: «إننا نلقى معاملة الكلاب. ما ذنبي في كل الذي يحدث هنا؟» كانت عائلته تنام في العراء لمدة ستة أيام ثم تمكنت أخيرا من الحصول على خيمة. ويقول إسماعيل محمد حسين، 51 عاما: «تمنيت لو أن قذيفة هاون قد سقطت على منزلي في الفلوجة وقتلتني. لكان ذلك أفضل كثيرا من الحياة بهذه الطريقة». وصرح مجلس اللاجئين النرويجي قائلا إن الظروف المعيشية في المخيمات تزداد سواء بمرور الوقت. والفئات الأكثر عرضة للمخاطر هن النساء الحوامل، وكبار السن، وذوو الإعاقة، وبعضهم ينهار بسبب الإرهاق، كما يقول عمال الإغاثة.
يقول نصر مفلحي، مدير المنظمة في العراق إن «الأوضاع تتدهور يوما بعد يوم، وسوف يلقى الناس حتفهم في تلك المخيمات ما لم تصلهم الإمدادات والإغاثة الضرورية. إن ما نشهده اليوم هو نتيجة مباشرة لتأخر استجابة والنقص الشديد في التمويل مع أعداد هائلة من المدنيين الفارين من الكابوس ليعيشوا كابوسا آخر». وتقول الأمم المتحدة إنها تعاني من نقص شديد في التمويل لأنها تتعامل مع أعداد غير مسبوقة من النازحين في العالم، مع وجود واحد من أصل 113 شخصا في العالم غير قادر على العودة إلى وطنه بسلام.
أعلنت الحكومة العراقية انتصارها في الفلوجة، ولكن لم يتم تطهير سوى ثلث مساحة المدينة من المتطرفين، وفقا للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولا يعلم أحد تعداد السكان المحاصرين في داخل المدينة. ولقد حذرت الأمم المتحدة من فرار مزيد من المواطنين مع تقدم القوات العراقية في المدينة، مما يضيف مزيد من الجهد والإرهاق إلى المخيمات التي تعاني من نقص الإمدادات بالفعل. ولقد ناشد المسؤولون في الأمم المتحدة المجتمع الدولي لتوفير 17.5 مليون دولار من تمويل الطوارئ.
وتحمل العائلات التي تصل إلى المخيمات قصصا مروعة عن الحياة في ظل تنظيم داعش الإرهابي ومسلحيه الذين سيطروا على المدينة لما يقرب من عامين ونصف العام.
كانت إمدادات المواد الغذائية شحيحة لعدة شهور، في الوقت الذي كانت المدينة فيه خاضعة لحصار قوات الأمن العراقية وتتعرض للقصف اليومي بالمدفعية والغارات الجوية. وكانت رحلات الفرار من المدينة محفوفة بكثير من المخاطر، حيث كان المتطرفون من أعضاء «داعش» يطلقون النار على السكان النازحين من المدينة.
رفع فلاح حسين علي ذراعيه ليكشف للناس عن الكدمات الغائرة التي قال إنها نتيجة للجلد بالأسلاك الكهربائية الغليظة على أيدي مسلحي التنظيم. وقال إنه كان سجينا لدى «داعش» عندما بدأت العمليات العسكرية وتمكنت قوات الأمن العراقية من إطلاق سراحه. وقال إنه اعتقل وظل قيد الاحتجاز لمدة 20 يوما حيث تعرض الرجال في حي النزال الذي كان يسكنه للاعتقال على أيدي مسلحي التنظيم بعد رفع العالم العراقي على تلك المنطقة بين عشية وضحاها.
وأضاف فلاح قائلا: «لم نكن نريد بقاء التنظيم الإرهابي هناك. ولكنهم نقلونا من موت إلى موت من نوع آخر. أي نوع من الحياة هذه التي نحياها؟» يقول غسان أبو شعر، وهو منسق الطوارئ لمنظمة أطباء بلا حدود، إن إجمالي الإصابات داخل المخيمات هو للإصابات الجسدية والعقلية، مضيفا أن «الناس هنا في نقطة الانهيار».
ومما يضيف إلى الضغوط العسيرة التي تشهدها العائلات هناك أن الرجال كافة من سن القتال هم قيد الاحتجاز من أجل الفحص والمراجعة الأمنية، حيث تركوا النساء والأطفال لمواجهة الشدائد بمفردهم حتى يتم الإفراج عن الرجال.
ولا يزال زوج ميهال عدنان وولدها البالغ من العمر 17 عاما قيد الاحتجاز الأمني. وقالت إحدى النساء من حي المعلمين في الفلوجة، وقد فضلت الإفصاح عن اسمها لأنها كانت تنتقد ردود فعل الحكومة العراقية: «إذا كانت الحكومة عاجزة عن مساعدتنا فينبغي عليهم الإفراج عن رجالنا. لقد فررنا من (داعش)، ومن القصف المستمر، ومن الجوع، حتى نلقى ذلك في انتظارنا».
ولقد اشتكى كثيرون أنهم لا يُسمح لهم بالمغادرة من محافظة الأنبار العراقية، حتى من أجل تلقي العلاج أو حتى إن كانت لهم عائلة أو أقارب في بغداد التي تبعد 40 ميلا إلى الشرق. وفي حين أن السكان ذوي الأغلبية السنية يشكلون تهديدا أمنيا، إلا أن الوصول إلى المدينة مقيد بمنتهى الشدة.
وفي مخيم آخر مقام في خارج بلدة الخالدية القريبة، يتلقى السكان وجبات غذائية جاهزة يوميا، وهناك عدد محدود من دورات المياه وخزانات المياه. تقول بعض العائلات إنه على الرغم من تلك المصاعب، فإن الحياة في المخيمات أفضل كثيرا من الحياة في ظل «داعش».
حيث يقول مهدي صالح عابد، 94 عاما، وهو يجلس في ظل خيمة من الخيام إن «الحياة هنا أشبه بالسجن. ولكن الحياة هنا في الغبار والأتربة أفضل بكثير من الحياة مع (داعش)». كانت إحدى الهيئات الإغاثية قد قامت بتسليم مائة ألف رطل من المواد الغذائية، مع انتشار الغبار خلال الصفوف الجرداء من الخيام في الصحراء أثناء اصطفاف الناس من أجل تسلم نصيبهم منها – ولكن العائلات هناك تفتقر إلى أساسيات الحياة مثل المواقد المحمولة حتى يمكنها الاستفادة من أكياس الدقيق والأرز التي يتلقونها من الهيئات الإغاثة.
يقول جيريمي كورتني، مؤسس تحالف الحب الوقائي، وهي من الجمعيات الإغاثية التي كانت تشرف على التوزيع، إن مستوى التخطيط ليس إلا عبارة عن كارثة متكاملة الأركان، وأضاف يقول: «لقد فشلت الحكومة العراقية والمنظمات الدولية في القيام بما يلزمهم القيام به لمواجهة هذه الكارثة».
وأعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي تواجه حكومته احتجاجات شعبية واسعة النطاق في بغداد، وعلى نحو غير متوقع عن عملية استعادة الفلوجة في أواخر مايو (أيار) فيما وصفه بعض المحللين بأنه محاولة لتشتيت الانتباه بعيدا عن مشاكله السياسية المتفاقمة في الداخل.
ولكن على الرغم من حقيقة أن العملية العسكرية قد بدأت بمثابة «محاولة سريعة لحفظ ماء الوجه» والتي أخذت الجميع على حين غرة، كان من الواضح أنه سوف يكون هناك نزوج جماعي للمواطنين بمجرد الإعلان عن بدء العمليات العسكرية قبل شهر من الآن، مما يمنح الجمعيات الإغاثية الوقت الكافي للاستعداد والتجهيز، كما قال كورتني.
من بين 85 ألف شخص من الفارين من المدينة، هناك 60 ألف مواطن وصلوا خلال ثلاثة أيام فقط الأسبوع الماضي، مما أغرق جهود وكالات الإغاثة الإنسانية بأعدادهم الهائلة. يقول برونو غيدو، الممثل العراقي لوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «لا يمكن لأحد أن يكون مستعدا لكارثة بهذا الحجم الرهيب». وأضاف أن المخيمات التي ترعاها الأمم المتحدة لا يمكنها استقبال سوى 16.830 شخص فقط، على الرغم من أن المخيمات الحكومية والخيام الكبيرة المؤقتة التي تستخدمها أكثر من 30 عائلة عراقية من الفلوجة تمثل درجة من درجات النقص في التجهيزات، فلا تزال هناك حاجة إلى 20 مخيما آخرين، كما أضاف.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني، في إعلان مثّل انتقالاً رسمياً من مرحلة الاستعداد والتعبئة إلى مرحلة العمل العسكري المفتوح.

وقال العليمي، في خطاب إلى الشعب اليمني، إن قرار بدء العمليات اتُّخذ بعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، وبناءً على قرارات مجلس الدفاع الوطني، مؤكداً توجيه القوات المسلحة والأمن وجميع التشكيلات العسكرية إلى تنفيذ مهامها وفق الخطط المعتمدة، «حتى تحرير البلاد من وطأة الميليشيا الإرهابية».

وبرر رئيس مجلس القيادة القرار باستنفاد فرص التهدئة، قائلاً إن الدولة منحت السلام الوقت والفرص الكافية، فيما قابلت الجماعة الحوثية ذلك بمزيد من التحشيد والتصعيد والاعتداءات والتهديدات للمدنيين والمنشآت الوطنية ودول الجوار والممرات الدولية.

وأكد أن المعركة المعلنة ليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، ولا ضد مذهب أو قبيلة، وإنما «معركة الدولة من أجل مواطنيها واستعادة مؤسساتها»، مشدداً على أن هدفها إنهاء مصادرة إرادة اليمنيين ومستقبلهم السياسي بقوة السلاح.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

ووجه العليمي رسالة مباشرة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً في الوقت نفسه التزام الدولة بالعودة الآمنة والعفو المعلن لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد رئيس مجلس القيادة على أن المهمة «ليست استعادة الأرض فقط، بل إعادة الدولة إليها»، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون، ومؤكداً أنه لا مجال للثأر أو الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

توجيهات للحكومة

في الجانب المدني، أعلن العليمي توجيه الحكومة بإعداد برنامج عمل متزامن مع العمليات العسكرية، بحيث تبدأ مؤسسات الدولة ممارسة مسؤولياتها في المناطق التي تستعيدها القوات الحكومية أولاً بأول.

وتشمل الأولويات التي أعلنها إعادة صرف رواتب موظفي الدولة ومعالجة المستحقات المتأخرة بأثر رجعي، وإطلاق برنامج عاجل للتعافي وإعادة الإعمار، وإصلاح الطرق والكهرباء والمياه والمنشآت المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي.

وقال العليمي إن نجاح المعركة لن يقاس بعدد المدن المستعادة، وإنما بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن، والأسر التي تعود إلى منازلها، والإجراءات التي تمنع العودة إلى ممارسات القتل والقهر ومصادرة إرادة الشعب.

القوات الحكومية اليمنية تخوض معارك ضارية في تعز (إعلام عسكري)

كما جدد التزام مجلس القيادة والحكومة بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي - الجنوبي الذي ترعاه السعودية، بما يضمن حلاً عادلاً وشاملاً للقضية الجنوبية، ودعا الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي إلى مساندة اليمن وقواته المسلحة ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الإنسانية والاقتصادية وبرامج التعافي وإعادة الإعمار.

وختم العليمي بإعلان دخول مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية في «حالة استنفار كامل» حتى إنجاز المهمة، مؤكداً أن المرحلة الجديدة تستهدف استعادة الدولة لأرضها ومؤسساتها، وعودة السلاح إلى «مكانه الطبيعي تحت سلطة القانون».


ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

ضغطت الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران بكامل ثقلها في الريف الجنوبي الغربي لمدينة تعز، للسيطرة على الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بريفها الجنوبي، وقطع خطوط الاتصال باتجاه محافظة لحج ومدينة عدن، في وقت تخوض فيه القوات الحكومية مسنودة بالمقاومة الشعبية معارك عنيفة لوقف هذا التقدم، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف تعزيزات الجماعة وقدراتها العسكرية.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة، مع استمرار الحوثيين في الدفع بمجاميعهم نحو مناطق جديدة في جنوب تعز، وسط أنباء عن سيطرتهم، الأحد، على منطقتي الصافية والبركاني، وقطع الطريق الذي يربط بين مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين في الجنوب، بمدينة تعز في الشمال، وهو ما يعني عزل الأخيرة عن المناطق المحررة؛ حيث لحج وعدن.

ومع ذلك، لا تزال الجبهة مفتوحة على مواجهات عنيفة، وسط مؤشرات على إصرار الحوثيين على مواصلة الضغط في هذا المحور، وهو ما دفع مصادر ميدانية إلى التحذير من خطورة استمرار الهجمات والحاجة إلى تعزيزات فورية للقوات الحكومية الموجودة في المنطقة.

وفي موازاة هذه المعارك في الريف الجنوبي الغربي، كانت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية قد حققت مكاسب ميدانية في عدد من جبهات تعز؛ حيث استعادت السيطرة على منطقتي المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين، جنوب المحافظة، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين، إلا أن الحوثيين استعادوا السيطرة عليها مجدداً.

آلية عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في منطقة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

كما تمكنت القوات الحكومية في الجبهة الجنوبية الشرقية، بمساندة مقاومين من أبناء مديرية سامع، من السيطرة على حصن سامع، قبل أن تتقدم إلى جبل الجعشة الاستراتيجي، عقب إحكام السيطرة على جبل حصن سامع.

وقالت المصادر إن هذه العمليات أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الحوثيين، شملت مقتل وإصابة عشرات منهم، بينما فر عدد آخر من عناصر الجماعة من مواقع المواجهات. وتواصلت المعارك -وفق المصادر نفسها- في جبهات جبل حبشي والكدحة.

وفي جبهة جبل هان وحذران، غربي مدينة تعز، اندلعت مواجهات عنيفة وانتهت -حسب محور تعز العسكري- بهزيمة القوات المهاجمة، ومقتل قائد الهجوم الحوثي الذي استهدف مواقع القوات الحكومية في جبل هان.

257 عملية خلال يوم

بالتزامن مع المواجهات البرية، صعَّدت القوات الحكومية عملياتها ضد مواقع وتحركات الحوثيين، على امتداد عدد من الجبهات.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات نفَّذت 257 عملية استهداف دقيقة ضد مواقع وتحركات وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.

وأوضح أن العمليات شملت صنعاء وميدي في حجة وباقم في صعدة، وجبهات الجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد العملياتي على جبهات تعز؛ مشيراً إلى استهداف مراكز قيادة وسيطرة، وتجمعات وتحشيدات واحتياطيات قتالية، إلى جانب مخازن الأسلحة والذخائر وخطوط ووسائل الإمداد العسكرية.

توغل الحوثيين في تعز أدى إلى فرار آلاف الأُسَر (فيسبوك)

وحسب النزيلي، أسفرت العمليات -وفق التقديرات الميدانية الأولية- عن تحييد ما لا يقل عن 700 من عناصر الحوثيين، وتدمير 170 وسيلة وآلية قتالية، وهو ما قال إنه ألحق أثراً مباشراً بالقدرة القتالية للجماعة، وحدَّ من قدرتها على مواصلة هجماتها ضد المدنيين في مساكنهم وقراهم.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، في تطور آخر، تنفيذ 97 عملية استهداف دقيقة ضد تعزيزات عسكرية حوثية في جبهة طور الباحة ومحور تعز.

وقال النزيلي إن العمليات تنوعت بين الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والقناصة، وأسفرت عن تحييد 260 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

صورة متداولة للفارِّين من الهجمات الحوثية في ريف تعز الجنوبي (فيسبوك)

كما أعلنت القوات الجوية تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة، بينما أعلنت القوات المسلحة، في وقت سابق، تنفيذ هجوم على أهداف عسكرية حوثية في العاصمة صنعاء.

وترفع هذه الأرقام خسائر الحوثيين إلى قرابة 6 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوع، حسب البيانات المتعاقبة للقوات المسلحة اليمنية.

تعبئة واستنفار

وتزامنت التطورات الميدانية في تعز مع انتقال الحكومة والقوات المسلحة إلى مستوى أعلى من التعبئة والاستعداد العسكري.

فقد دشَّنت وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة التعبئة العامة والنفير المجتمعي، تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.

وجاء الإعلان خلال اجتماع موسع ترأسه وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في عدن، بينما شارك رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، عبر الاتصال المرئي من مأرب، إلى جانب مساعدي وزير الدفاع ونائب رئيس هيئة الأركان ورؤساء الهيئات والدوائر العسكرية.

وقال العقيلي إن الوزارة اتخذت الإجراءات العملية لتنفيذ قرار التعبئة العامة والنفير العام، وتفعيل مسارات التعبئة البشرية والاحتياط، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتكليف الجهات المعنية بالبدء في تنفيذ المهام الموكلة إليها.

وأكد وزير الدفاع اليمني اضطلاع القوات المسلحة بواجبها في الدفاع عن البلاد وسيادتها، ودحر الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على الضبط والربط العسكريين، وحشد الطاقات، وتكامل الجهود.

من جهته، قال بن عزيز إن إعلان التعبئة العامة يمثل قراراً وطنياً يستدعي الانتقال المنظم إلى أعلى مستويات الاستعداد، وتوحيد الجهود والإمكانات، ورفع كفاءة القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على أداء واجباتها.

وشدد على استكمال حصر القوى والوسائل والاحتياجات، وتنظيم أعمال الاستدعاء والتعزيز، ورفع مستوى الانضباط والجاهزية، وتعزيز التدريب والتأهيل، والعمل على بناء جهد عسكري ومجتمعي متكامل.

وفي ظل اشتداد القتال، أجرى رئيس هيئة الأركان اتصالات مع قيادات عسكرية وميدانية في تعز، بينهم عضو اللجنة العسكرية العليا، قائد جبهة تعز، اللواء الركن يوسف الشراجي، وقائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، ورئيس أركان المحور اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، وقائد مقاومة تعز رشيد شمسان.

واستمع بن عزيز إلى إيجازات حول سير العمليات والموقف الميداني في مختلف جبهات المحافظة، مشيداً بمواقف أبناء تعز ومساندتهم للقوات المسلحة، ومبادرتهم إلى المشاركة في القتال.

وأكد وقوف القوات المسلحة في مختلف الجبهات والقطاعات إلى جانب القوات المقاتلة في تعز، مشيداً بما وصفها بالكفاءة والقدرات القتالية للمقاتلين، وبأداء الطيران الحربي والطيران المسيَّر.


مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.