قبائل ليبية تحيي قوانينها العُرفية للتغلب على ضعف مؤسسات الدولة

عقوبات تتضمن نفي عائلة الجاني.. ومن طقوس الصلح تقاسم التمر والحليب

جانب من جلسة قبلية في شرق ليبيا لحل الخلافات في ظل تراجع دور الدولة  ({الشرق الأوسط})
جانب من جلسة قبلية في شرق ليبيا لحل الخلافات في ظل تراجع دور الدولة ({الشرق الأوسط})
TT

قبائل ليبية تحيي قوانينها العُرفية للتغلب على ضعف مؤسسات الدولة

جانب من جلسة قبلية في شرق ليبيا لحل الخلافات في ظل تراجع دور الدولة  ({الشرق الأوسط})
جانب من جلسة قبلية في شرق ليبيا لحل الخلافات في ظل تراجع دور الدولة ({الشرق الأوسط})

هذا ليس صراعا سياسيا أو عسكريا. في ظهيرة يوم من أيام الصيف أطلق مسلحٌ ليبي النار عشوائيا، فقتل أحد سكان مدينة طبرق في شرق البلاد. ولأنه لا توجد قوة يعتد بها لإنفاذ القانون في دولة تعاني أصلا من الفوضى منذ نحو خمس سنوات، توجهت عائلة القتيل للثأر لابنها، فسقط منها قتيلان آخران.
في غياب النظام، تسعى كثير من القبائل الليبية لإحياء موروثات قديمة تتعلق بقوانين عُرفية لردع القتلة واللصوص. ويشارك في أحدث عملية لنزع فتيل الانتقام، رموز من قبائل مصرية لديها امتداد قبلي في ليبيا، من بينهم النائب السابق في البرلمان المصري، عبد الرحمن عبد الجواد، أحد قيادات قبائل «أولاد خروف»، والذي قال: جئنا لمساعدة إخوتنا إلى أن تعود دولتهم قوية.
من بين «العقوبات العُرفية» دفع دية من النوق أو الأغنام، ونفي عائلة الجاني، بينما تجري وقائع الصلح مع أكل التمر وشرب الحليب. في الغرب الليبي اندلعت اشتباكات في عدة مدن منذ بداية هذا العام، تتعلق بملكية أراض أو القتل الخطأ. استمرت بعض المواجهات عدة أسابيع وسقط فيها عشرات الضحايا، قبل أن تتدخل رموز قبلية محلية لعقد مصالحات وكتابة «أوراق عرفية مُلزمة» والتلويح بنزع الغطاء الاجتماعي عن المعتدين. كل ذلك بعيدا عن سلطة الدولة الغارقة في حروب الميليشيات.
يقول رجب أمحمد بن غزي، وهو إعلامي ليبي من أبناء مدينة بنغازي تعود أصوله لمدينة مصراتة: القبائل قادرة على لعب دور مؤثر في وضع حلول للقضايا الاجتماعية، لكن إذا اقتربت من الأمور السياسية، فهذا يتطلب النظر للوضع برؤية مختلفة للخروج من الأزمة التي تمر بها البلاد، مثل تأسيس مجلس شيوخ يتكون من القبائل الكبرى القادرة على تحريك الأمور.
على الضفاف الأخرى، المُقفرة والحارة، تدور معارك شبه عسكرية على بسط النفوذ، مثل تلك الجارية على مشارف العاصمة طرابلس وفي سرت وبنغازي ودرنة، ويسقط فيها عشرات الشبان، ومعظمهم غير مدرب جيدا على القتال. بيد أنَّ عبد الجواد يقول وهو يستعد لعقد مصالحة بين قبيلتين في شرق البلاد: «لا علاقة لنا بالخلافات الناجمة عن الصراع السياسي. هدفنا يتعلق بتسوية قضايا اجتماعية خاصة بسقوط قتلى».
تزداد أعمال القتل سواء القريبة أو البعيدة عن الصراع السياسي، بسبب انتشار السلاح على نطاق واسع في دولة يبلغ عدد سكانها نحو 6 ملايين نسمة. وحذر مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، مارتن كوبلر، الأسبوع الماضي، من «فوضى السلاح»، مشيرا إلى أنه يوجد نحو 20 مليون قطعة سلاح في هذا البلد.
في طرابلس ما زالت مفاوضات وتحقيقات جارية بشأن مقتل 12 سجينا في المدينة عقب تبرئة ساحتهم والإفراج عنهم قبل عدة أيام. هل الحادث نتاج لـ«ثأر قبلي» أم «تصفية سياسية» تتعلق بخلافات في الماضي؟ حوادث بشعة تقع في الظلام ويعاني ذوو الضحايا في صمت.
الوضع أسوأ في بنغازي، فبعض الناس لا يضمن الوصول لأسرته، «إذا رجعتُ من الدكان إلى البيت، فإنني أريدُ أن أعود في أمان، وأن أصلَ لأولادي». هذه أمنية من أمنيات نادرًا ما تتحقق وسط قذائف صاروخية طائشة. هكذا يتحدث محمود أحد أبناء القبائل في بنغازي. ويقول أحد زعماء قبيلة القطعان: كل يوم يأتي نبأ عن مقتل مواطنين بالخطأ. عدد الضحايا مفزع. هذه كارثة. وحيث لا توجد دولة فالحل الآن يكمن في تفعيل قوانين القبيلة.
تفاصيل حياتية صغيرة لا يهتم بها أحد، كما يقول صاحب الدكان الذي يقع في آخر شارع العشرين القديم في بنغازي. يبعد دكان الأقمشة الذي ورثه الشاب محمود عن والده بمسافة كيلومترين تقريبا عن بيته. يقول: القتل بالصدفة يحدث، لكن هناك، في كل يوم أيضا، حوادث تبدو هامشية، مثل السرقة والمشاجرات العادية، وهي تكبر سريعا، وتتدخل فيها قذائف مضادة للدبابات لحسم الموقف، فيسقط ضحايا جدد ويتعقد الموقف.
إذا لم يكن لديك قبيلة فإن مصيرك، في خضم الفوضى، محفوف بالمخاطر. مثل كثير من الليبيين، يخشى محمود أن يلقى حتفه دون جريرة. يضيع مستقبل أطفاله الثلاثة وزوجته في مدينة متداعية. يعيش في بنغازي، المحترقة بقذائف المدفعية، قبائل شتى ومسلحون غرباء من جنسيات مختلفة. يبلغ عدد سكان المدينة نحو مليون نسمة، لكن هجرتها ألوف العائلات منذ عام 2014 بسبب الحرب الأهلية.
كبح جماح الخارجين عن القانون في المدن الكبرى، مثل طرابلس، ومثل بنغازي هنا، يأخذ وقتا أطول، مقارنة بمدن أصغر ذات قبائل محددة وخالية تقريبا من المسلحين الأجانب، كـ«ورشفانة» في الغرب و«طبرق» في الشرق. يقول النائب السابق عبد الجواد: «هناك جُناة يرفضون الخضوع للقانون العرفي للقبيلة، ولهذا تضطر قبيلتهم للتبرؤ منهم».
رغم كل شيء فقد امتد تأثير إحياء الأعراف القبلية، على أبناء القبائل ممن التحقوا بمجموعات مسلحة وميليشيات متطرفة، حيث جرى التبرؤ من المئات بالفعل، أي إعلان القبيلة عدم مسؤوليتها عن تصرفاتهم ومن ثم يحق القصاص منهم دون الرجوع لها. لكن هذا التأثير يظهر أنه ما زال محدودا، كما يقول أمحمد بن غزي، وذلك «بغض النظر عن قيام قبائل بالتنصل من أبنائها ممن انضموا لتنظيمات مثل (داعش) وأنصار الشريعة».
يغلق محمود دكانه، ويجري اتصالات ليعرف أي طريقٍ آمن يسلكه في هذه الساعة للرجوع لأسرته آمنا. تعرضت مدينة بنغازي للدمار بسبب قتالٍ يغلب عليه الكر والفر، مستمر حتى الآن، بين المتطرفين والجيش، بينما تعاني مدن أخرى من الذعر لانتشار المسلحين وغياب القانون.
يقول محمود إن العالم مشغول بالحروب التي لها علاقة بالتناحر السياسي وبالصراع على النفط والغاز في بلاده، لكنه لا يبدو مهتما بالفوضى التي شردت آلاف العائلات.. «تخيل نفسك في مدينة من دون شرطة ومن دون جيش. الضعيف بلا سند».
وقعت حوادث قتل مروعة. يقول النائب السابق عبد الجواد بعد أن وصل مع الوفد المصري إلى ليبيا: «لا نتحدث هنا عن نزاعات نتج عنها إصابات. الإصابات رفاهية في دولة تعج بالسلاح والمسلحين. جئنا لتسوية قضايا قتل».
منذ سقوط نظام معمر القذافي، تعاني سلطة إنفاذ القانون من عراقيل. يهيمن على البلاد ميليشيات جهوية وعقائدية، مع وجود مجلسي حرب يتنافسان على قتال المتطرفين في الشرق والغرب. وفي الشوارع التي يخيم عليها البؤس، يعاني معظم الناس من مشكلة انتشار السلاح ومن عصابات قطع الطرق ومن نقص الأموال وشح المواد الغذائية.
تنتشر في ليبيا ومصر قبائل ذات قوانين عرفية واحدة. في المساء جرى بناء عدة خيام، وبدأت المفاوضات. ومن بين الزعماء القبليين الحضور، العمدة عايزينه المعبدي، والعمدة عبد الله الزيات، والشيخ عبد الله العشيبي، وعبد الرازق الزريريع، وسعيد الصنقري، وعبد الجليل الجميعي. وشاركت قيادات قبلية من بنغازي ومن إجدابيا، وممثلون لقبائل «العواقير» و«المغاربة» و«البراعصة» وغيرهم من شرق البلاد وغربها.
الجانب الخفي من المأساة الليبية يتعلق بأولئك الذين يتسللون إلى أعمالهم اليومية وهم يرون فوهات البنادق على نواصي الطرق وأحيانا يتعثرون في جثث مشوهة ليلا. فبعيدا عن الحرب الأهلية، هناك حروب خفية لا تحظى باهتمام، باعتبارها حوادث اجتماعية ليس لها منابر إعلامية ولا قيادات سياسية ولا عسكرية. إحدى القضايا تخص الشبان القتلى الثلاثة وشقيقهم الرابع المصاب. كل قتيل ترك زوجة وأطفالا. يقول عبد الجواد: «كانت مأساة».
حدثت الواقعة في طبرق كالتالي.. مسلح أطلق الرصاص، فأصاب أحد جيرانه، وهو شاب من إحدى القبائل الكبرى في شرق ليبيا. بعد عدة أيام لفظ المصاب أنفاسه الأخيرة. هنا توجهت عائلته للانتقام، فقتل منها اثنان آخران. يقول عبد الجواد: المعركة ليست ببنادق خرطوش، ولكن بأسلحة أوتوماتيكية، منها مدافع من عيار 14.5 مم و23 مم (المضادة للطائرات المنخفضة). ويضيف: تصادف أنه لم يكن هناك مارة كثيرون في الشارع، وإلا كانت المنطقة تحولت إلى مذبحة.
في اليوم التالي، وخلال استكمال مفاوضات الصلح، استندت عائلة القتلى على «القانون العرفي»، وطلبت أولا: تسليم الجناة. ثانيا: إبعاد عدد من ذويهم عن المنطقة السكنية التي يعيشون فيها. ثالثا: إلزام قبيلتهم بالنزوح إلى منطقة القعرة في شرق طبرق. يقول عبد الجواد إنه وفقا للعرف القبلي فإن هذه تعد «مطالب مشروعة لذوي الضحايا».
مع ذلك جرى تيسير الأمور من أجل إنجاز الصلح وتهيئة الحياة للطرفين دون ضغائن. تم الصلح بعد تقدير غرامة مالية على الجاني، وإبعاد (نفي) اثنين من أسرته خارج المدينة. أما مسألة نفي باقي القبيلة في منطقة القعرة فتنتهي بإتمام بنود الصلح كاملة. وتشارك الخصوم في تبادل أطباق التمر وشرب أكواب الحليب تعبيرا عن طي صفحة الماضي.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».