بدلاً من شراء أجهزة جديدة.. لماذا لا نرضى بجهازنا الحالي؟

الأجهزة الجوالة المستعملة يمكن أن تؤدي مهماتها بعد تقليص الملفات المخزونة واستبدال البطارية

فنسنت لاي يحمل الهاتف «بالم تريو» المستعمل الذي توقف إنتاجه العقد الماضي
فنسنت لاي يحمل الهاتف «بالم تريو» المستعمل الذي توقف إنتاجه العقد الماضي
TT

بدلاً من شراء أجهزة جديدة.. لماذا لا نرضى بجهازنا الحالي؟

فنسنت لاي يحمل الهاتف «بالم تريو» المستعمل الذي توقف إنتاجه العقد الماضي
فنسنت لاي يحمل الهاتف «بالم تريو» المستعمل الذي توقف إنتاجه العقد الماضي

كان فينسينت لاي يعمل في مصنع لإعادة التدوير في نيويورك، وكان يفرز مختلف الهواتف الجوالة المستعملة قبل عدة أعوام عندما وقع في يده جهاز «بالم تريو»، وهو من الهواتف الذكية التي توقف إنتاجها العقد الماضي. واختبر لاي البالغ من العمر 49 عامًا الهاتف المستعمل، ووجد أنه لا يزال يعمل.
ومن ثم أخذ الجهاز إلى منزله وجعل منه رفيقه المحمول اليومي، مثلما يتبنى أحدهم حيوانًا ضعيفًا في طريقه إلى الموت الرحيم.
يقول لاي: «تلك هي الطريقة التي أفكر بها حول الكثير من أشيائي التكنولوجية: إنها مرشحة لخطة إنقاذها»، مضيفا أنه تم فصله من عمله في المصنع عام 2010 بعدما اكتشف مديره السابق أنه يواصل أخذ الأجهزة المستعملة غير المرغوب فيها إلى منزله ضد أوامره. وهو الآن يعمل لدى شركة «Fixers Collective» وهو ناد اجتماعي في نيويورك يعمل على إصلاح الأجهزة القديمة لتمديد عمر تشغيلها الافتراضي.
وتحاول كثير من شركات التكنولوجيا تدريب الناس حول كيفية تحديث الأجهزة التي بحوزتهم - بهدف استمرارهم مع الأجهزة الحالية لحين ظهور شيء جديد في الأسواق.
إلا أن عددًا من الخبراء مثل فينسينت لاي، وكذلك كايل وينز الرئيس التنفيذي لشركة «iFixit»، وهي شركة توفر تعليمات مكتوبة ومكونات إصلاح الأجهزة القديمة، تقدموا بالنصيحة لأجل الاستفادة القصوى من الهاتف الذكي، أو التابلت، أو حتى الكومبيوتر.
* إدامة الأجهزة الجوالة
عندما تكون الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية (التابلت) بطيئة إلى حد ما ومحدودة القدرات بالمقارنة مع الكومبيوتر، فهناك سبب مقنع ووجيه لشراء جهاز محمول جديد كل بضعة أعوام.
ولكن الأجهزة الجوالة في الوقت الحالي صارت سريعة للغاية وقادرة على العمل والمواكبة، حتى أصبح بإمكان المستخدم أن يحتفظ يها لأطول فترة ممكنة.
يقول السيد وينز: «إن جهاز الكومبيوتر ذا الخمسة أعوام لا يزال على ما يرام، ويعمل بصورة جيدة للغاية الآن، وإننا نحاول تنفيذ الشيء نفسه مع الهواتف الذكية حاليًا».
إن إدامة الهواتف الذكية وأجهزة التابلت من السهولة بمكان. وهناك أمران مهمان فقط يستدعيان الانتباه: تخزين البيانات وسعة البطارية. إذا ما اقتربت سعة التخزين على الجهاز من النفاد، قد يبطئ ذلك من سرعة برنامج التشغيل. وإذا ما قاربت البطارية على نهاية دورة حياتها، فسوف يتوقف الجهاز عن العمل بأسرع من المتوقع.
على أجهزة «آبل»، و«آيفون»، و«آيباد»، التي تفتقر إلى دعم بطاقات الذاكرة الخارجية، فإن إدارة سعة التخزين تتطلب مجهودا أكبر. ومن النصائح الذكية الموصى بها أخيرا من قبل أحد المستخدمين على موقع «Reddit.com» كانت استئجار فيلم عبر خدمة «آي تيونز» ثم تجاوز المساحة المطلوبة على الجهاز. وعندما يكتشف الجهاز أنه يفتقر إلى المساحة المطلوبة لعرض الفيلم، يرفض التحميل، ويبدأ في تطهير البيانات المخزنة بصفة مؤقتة، والعالقة في الكثير من التطبيقات. ولقد اختبرت هذه الطريقة عن طريق تحميل فيلم حرب النجوم الجديد على جهاز «آيباد» تبلغ سنوات استخدامه 3 سنوات، الذي نفدت مساحته التخزينية، ولقد نجحت الطريقة في تفريغ مساحة على لجهاز بسعة 2 غيغابايت، مما ساعد في تسريع عمل الجهاز إلى حد كبير.
إذا كنت قد جربت هذه النصائح، وما زلت تواجه مشكلة مع التخزين، فكر في حذف التطبيقات التي نادرا ما تستخدمها أو إجراء النسخ الاحتياطي لكل البيانات خاصتك، وإعادة تثبيت نظام تشغيل الهاتف، وتثبيت أقل عدد ممكن من التطبيقات، كما يقول السيد وينز.
ثم هناك البطارية. فلكل بطارية بالهاتف الجوال عدد معين من الدورات، وهو عدد معين من المرات التي يمكن للبطارية فيه أن تنضب ويعاد شحنها، بعدها لا تكون قابلة للشحن بالأساس. وعلى جهاز «آيفون» أو «آيباد»، يمكنك معرفة عدد الدورات من خلال توصيل الهاتف أو الجهاز بكومبيوتر «ماك»، وتشغيل تطبيق «coconutBattery» المجاني، الذي يعرض لك إحصائيات البطارية.
وإحدى التجارب التي يوصي بها السيد وينز هي استبدال البطارية مرة كل عامين، وتحديث التابلت خاصتك مرة كل 4 أو 5 سنوات. والبطارية الجديدة تتكلف 20 إلى 40 دولارًا، حسب نوع الهاتف. ويمكن استبدال كثير من هواتف «أندرويد» عن طريق فتح الغلاف الخلفي للهاتف، وخطوات استبدال بطارية «آيفون» يمكن الحصول عليها من مواقع مثل «iFixit».
* ترقية جهاز الكومبيوتر
بوجه عام، أصبحت أجهزة الكومبيوتر أكثر سرعة وقوة حتى إن الكومبيوتر الذي يبلغ من العمر 5 إلى 7 سنوات يبدو كالجديد تمامًا مع قليل من الصيانة. وعلى سبيل المزيد من النصائح، فإن من السهل إزالة وتحديث أجزاء الكومبيوتر مقارنة بإزالة وتحديث أجزاء الهاتف أو الجهاز المحمول.
وينصح كل من لاي ووينز بشدة باستبدال الأقراص الصلبة التقليدية بتكنولوجيا التخزين الجديدة المعروفة باسم «أقراص الحالة الصلبة». وتلك الأقراص ذات سعة تخزينية أقل بشكل عام من محركات الأقراص الثابتة، ولكنها تشغل التطبيقات بشكل أسرع وأكثر دوامًا، بسبب عدم وجود الأجزاء المتحركة فيها.
ومن مكونات الكومبيوتر الأخرى التي يمكن تحديثها بسهولة: الذاكرة، والمعروفة في المجال العام باسم «ذاكرة الوصول العشوائي». كلما كان لديك المزيد من هذه الذاكرة، ازداد عدد البرامج التي يمكنك تشغيلها بسرعة أكبر كما يمكن للكومبيوتر خاصتك الانتقال السريع بين مختلف التطبيقات. ويوصي لاي ووينز بتثبيت أكبر قدر ممكن من الذاكرة التي يدعمها الكومبيوتر الخاص بك من أجل تسريع الأداء العام.
وبالنسبة لأفضل درجات الصيانة الممكنة، كن حذرا من المشكلة التي يعاني منها الجميع، ألا وهي الغبار، إذ إن الغبار الذي يتجمع في الأجهزة يرفع من درجة الحرارة، مما يسرع من عملية الشيخوخة التي يصاب بها الكومبيوتر. وسوف تؤدي خدمة كبيرة لجهاز الكومبيوتر الخاصة، إذا ما أنفقت بضعة دولارات على شراء علبة من الرذاذ المقاوم للأتربة والغبار، وخصوصًا في منافذ الهواء والمروحة كل بضعة أشهر.
بالنسبة للكومبيوتر المحمول، راقب سعة التخزين وعمر البطارية المتبقي. يعرض موقع شركة «أبل» معلومات حول أقصى عدد ممكن من دورات البطارية المتبقية لكل جهاز من أجهزة «ماكبوك». ويمكنك مراجعة عدد الدورات التي استكملتها البطارية من خلال تطبيق «coconutBattery» المجاني. وبالنسبة للأجهزة العاملة بنظام ويندوز، فإن تطبيق «Battery Infoview» يعرض صحة بطارية الكومبيوتر المحمول الخاص بك، وإن كانت الشكوك لا تزال تراودك، فعليك استدعاء من يصلح لك الجهاز.
توفر شركة «iFixit» التعليمات حول استبدال البطاريات، وتثبيت المحركات، أو إضافة الذاكرة إلى أجهزة «أبل»، و«ويندوز»، و«أندرويد». ويمكنك دائمًا استخدام خدمات الدعم من الشركة، مثل برامج استبدال بطارية «أبل»، أو دليل أفضل المشترين، أو استئجار فني إصلاح مستقل.
يقول السيد لاي: «يمكن للهاتف الاستمرار في العمل لفترة طويلة جدا إذا كانت احتياجاتك منه ليست استثنائية، وإذا أوليته العناية اللازمة». ويتحدث عن الجهاز المستعمل الذي أنقذه: «عطبت بعض الأزرار في لوحة مفاتيح هاتف (بالم تريو)، ومن ثم وضعت بعض القطع الصغيرة من الشريط الكهربائي محلها. والآن أقوم بالضغط عليها قليلا لكي تعمل».
* خدمة «نيويورك تايمز»



استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية
TT

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

لا يرغب أي والد في معرفة أن ابنه أو ابنته قد تعرَّض، أو تعرَّضت، لضغوط لإرسال صور جنسية، لكن استطلاعاً جديداً يشير إلى أن كثيراً من المراهقين يفعلون ذلك بالفعل، وغالباً مع شخص تربطهم به علاقة.

استطلاع أميركي

شمل الاستطلاع، الذي نُشر في مجلة «JAMA Network Open»، يوم الثلاثاء، أكثر من 6200 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً، سُئلوا عن حوادث التحرُّش الجنسي بواسطة الصور، التي تعرَّضوا لها قبل بلوغهم سن 18 عاماً. وتناول الاستطلاع الجهات التي تميل إلى الضغط على المراهقين لنشر صور جنسية لأنفسهم، ومدى استجابتهم، والآثار النفسية المترتبة على هذه القرارات.

الفتيات يتعرَّضن لطلبات فاضحة من معارفهن

أكثر من 90 في المائة ممن أفادوا بتلقيهم طلباً قسرياً لصورة جنسية كانوا من الإناث، واستجاب أكثر من نصفهن للطلب. وكان من المرجح أن يفعلن ذلك بناءً على طلب شريك في علاقة عاطفية، وليس من شخص غريب أو شخص يعرفونه عبر الإنترنت فقط.

وقالت ليزا جونز، أستاذة علم النفس في مركز أبحاث الجرائم ضد الأطفال بجامعة نيو هامبشاير، وإحدى مؤلفي الدراسة الجديدة، إن هذا الأمر جدير بالملاحظة لأنَّ التغطية الإعلامية لـ«الابتزاز الجنسي» وآثاره قد توحي بأن «الخطر الأكبر يأتي من أشخاص لا تعرفهم على الإنترنت».

وعلى الرغم من وقوع مثل هذه الحالات، فإن «هذا النوع من الإيذاء يرجح أن يكون مصدره شخصاً تعرفه»، كما أوضحت: «بل وحتى شخصاً تربطك به علاقة عاطفية».

الاستجابة لطلبات إكراه متكررة

وكان المراهقون الذين استجابوا لطلبات الإكراه أكثر عرضةً للاستجابة إذا استمرَّت هذه الطلبات لأكثر من شهر، أو إذا طلب الشخص صوراً 4 مرات أو أكثر، ما يشير إلى أنهم ربما شعروا بالإرهاق من كثرة هذه الطلبات.

تأثيرات نفسية سيئة

وكان المشاركون الذين قرَّروا مشاركة الصور تحت الضغط، أكثر عرضةً للتغيب عن المدرسة أو التفكير في إيذاء النفس بعد إرسالها، مقارنةً بمَن لم يشاركوا الصور.

وقالت جونز إن الاستطلاع الجديد أُجري بوصفه جزءاً من دراسة أوسع نطاقاً حول تجارب المراهقين مع الإساءة القائمة على الصور، وكيف يمكن أن تؤثر هذه الطلبات وردود فعلهم على الصحة النفسية.

شيوع تبادل الرسائل الجنسية

وكانت دراسة حديثة شملت أكثر من 3400 مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، وجدت أن نحو ثلثهم قد تلقوا رسائل جنسية، بينما أرسل نحو رُبعهم رسائل جنسية.

فضح الصور... والابتزاز

ووجدت تلك الدراسة أن نحو نصف المراهقين الذين أرسلوا رسائل جنسية قالوا إن صورهم نُشرت لاحقاً دون إذنهم. كما تعرَّض نحو نصفهم للابتزاز الجنسي، أي أنهم تعرَّضوا للتهديد.

وقال سمير هيندويا، الأستاذ في كلية علم الجريمة والعدالة الجنائية بجامعة فلوريدا أتلانتيك، والمدير المشارك لمركز أبحاث التنمر الإلكتروني، والذي أسهم في إعداد الدراسة السابقة: «معظم المراهقين لا يفعلون ذلك». وأضاف: «لكننا نلاحظ أن الأرقام (الحالية) أعلى مما كانت عليه في السابق».

تكتّم المراهقين

وفي الاستطلاع الجديد، كان المشاركون الذين شاركوا صوراً جنسية أقل عرضةً بكثير لإخبار مَن حولهم عن تعرُّضهم للإكراه مقارنةً بمَن قالوا إنهم تعرَّضوا للإكراه لكنهم لم يشاركوا أي صورة.

وقالت جونز: «أعتقد أن هذا الأمر مُقلق للغاية. يجب أن تتمحور رسائلنا حول مساعدتهم على فهم أن الأمر ليس خطأهم، وأنه من المهم توجههم لطلب المساعدة».

ماذا يمكن للوالدين فعله؟

وأشار هيندويا إلى أنه فوجئ بكيفية إشارة الدراسة الجديدة - التي لم يشارك فيها - إلى أنَّ بعض المراهقين يتعرَّضون لضغوط نفسية شديدة من شركائهم في العلاقات العاطفية. وأوضح أن من الطبيعي أن يرغب المراهقون في الشعور بالرغبة والقبول، وألا يُنظر إليهم على أنهم «غير جذابين» أو «متحفظين».

توعية الشباب بالمخاطر

من جهتها أكدت ديبي هيربينيك، مديرة مركز تعزيز الصحة الجنسية في جامعة إنديانا ومؤلفة كتاب «نعم، طفلك: ما يحتاج الآباء إلى معرفته عن المراهقين اليوم والجنس»، أن «الشباب لا يعرفون دائماً كيفية التعامل مع الإكراه، وكثيراً ما يرسلون صوراً عارية».

توصي هيربينيك في كتابها بالتحدث مع الأطفال حول العواقب المحتملة لمشاركة أو طلب صور عارية مع مَن يعجبون بهم، أو مَن يواعدونهم، أو مَن تربطهم بهم علاقة جدية، بما في ذلك التنمر والقلق والابتزاز الجنسي والتبعات القانونية.

وأضافت هيربينيك أن «مَن المستفيد؟ ومَن الخاسر؟» أسئلة جيدة لطرحها على المراهقين. «كيف تُعامل الفتيات عندما تنتشر صورهن؟ وكيف يُعامل الأولاد؟».

وأشارت إلى أن هذا النوع من الحوارات يجب أن يبدأ عندما يمتلك الأطفال جهازاً قادراً على إرسال واستقبال الصور، أو عندما يقضون وقتاً دون إشراف مع مَن يمتلكون هذه الأجهزة.

مناقشة الموضوعات مع الأطفال

قال جيف تمبل، الأستاذ وعالم النفس في جامعة تكساس للعلوم الصحية في هيوستن، إن الدراسة الجديدة تُبرز أهمية مناقشة هذه الموضوعات مع الأطفال في سنٍّ مبكرة وبشكل متكرِّر. وأضاف: «إن أهم ما يُمكن فعله هو التحدث مع أطفالكم، وليس مجرد حديث عابر عن الجنس، بل هو حوار مستمر حول العلاقات الصحية والجنسية السليمة، ومفهوم الموافقة».

* خدمة «نيويورك تايمز».


كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
TT

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

مع تسارع أنظمة الذكاء الاصطناعي في أتمتة مهام كانت تُعدّ في صميم القدرات البشرية؛ من الكتابة والتحليل إلى دعم اتخاذ القرار، تركّزت معظم النقاشات على الإنتاجية والكفاءة، وفقدان الوظائف. لكن خلف هذه التحولات الظاهرة، يبرز تغيّر أعمق بكثير، يطال ليس فقط طريقة عملنا، بل تعريفنا للذكاء والقيمة، وحتى معنى أن نكون بشراً.

بالنسبة للمؤلف العالمي في تطوير الذات، ديريك ريدال، لا يمثل هذا التحول مجرد نقلة تقنية، بل لحظة فلسفية واجتماعية مفصلية، حيث تتعرض مفاهيم راسخة حول الذكاء لإعادة نظر جذرية.

يقول ريدال خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» إن «السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الذكاء، بل ما إذا كنا قد عرّفناه بشكل صحيح منذ البداية».

لعقود طويلة، ارتبط مفهوم الذكاء بالقدرة على معالجة المعلومات، والتعرُّف إلى الأنماط، وحل المشكلات. وقد شكّلت هذه القدرات أساس أنظمة التعليم وسوق العمل والهياكل الاقتصادية. لكن مع تفوق الذكاء الاصطناعي في هذه المهام بسرعة وتكلفة أقل، يفقد هذا التعريف تفرده.

ديريك ريدال - مؤلف عالمي في تطوير الذات

من الذكاء إلى المعنى

مع تحوُّل الذكاء إلى مورد وفير، تبدأ قيمته الاقتصادية بالتراجع. ويختصر ريدال هذه الفكرة بقاعدة بسيطة، وهي أن «القيمة تتجه نحو ما هو نادر».

في هذا السياق، قد يصبح الذكاء بمعناه التقليدي مشابهاً للأكسجين، أي متاحاً للجميع، لكنه لم يعد عاملاً مميزاً. وعندما تصبح المعرفة والتحليل متاحين على نطاق واسع، تنتقل القيمة إلى بُعد آخر أقل قابلية للقياس، لكنه أكثر إنسانية. ويضيف ريدال أن «هناك المادة... وهناك ما له معنى».

فاللحظات التي تدفع البشر إلى الفعل، كالحب والإبداع والرسالة، نادراً ما تكون نتاج حسابات منطقية. إنها تنبع من إدراك أعمق يتجاوز البيانات، وهو ما يجعل القدرة على إنتاج المعنى محوراً جديداً للقيمة.

خطر انهيار الهوية

ورغم أن فقدان الوظائف يشغل حيزاً كبيراً من النقاش، يرى ريدال أن الخطر الأعمق يكمن في الهوية نفسها؛ فقد بنى الناس عبر أجيال تعريفهم لذواتهم على ما يفعلونه. لم تكن الوظيفة مجرد مصدر دخل، بل إطار للمعنى والانتماء. لكن مع قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء هذه الأدوار، ينهار هذا الإطار. ويردف: «لن يفقد الناس وظائفهم فقط، بل سيفقدون الإجابة عن سؤال: من أنا؟».

وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تظهر بالفعل في ازدياد الشعور بالعزلة وفقدان المعنى. ومع غياب الغاية، تتجاوز التأثيرات الجانب الاقتصادي لتطال الاستقرار النفسي والاجتماعي.

لا يعيد الذكاء الاصطناعي فقط تشكيل العمل، بل يفرض إعادة تعريف جوهر الذكاء الإنساني نفسه (شاترستوك)

وهم الاستعانة بالآلة في التفكير

في موازاة ذلك، يبرز خطر آخر أقل وضوحاً كتفويض التفكير للآلة. يحذر ريدال قائلاً: «عندما تفوّض تفكيرك النقدي، لا تحصل فقط على إجابة أسرع، بل تفقد تدريجياً القدرة على معرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة».

وهذا ما يسميه «التراجع الإنساني»، أي تآكلاً بطيئاً للقدرات الذهنية والقدرة على الحكم المستقل. والخطر هنا ليس فورياً، بل يتخفى خلف الراحة والكفاءة، بينما تتراجع القدرات الأساسية، دون أن نلاحظ.

تعزيز أم اعتماد؟

هذا يقود إلى سؤال محوري: هل يعزز الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان أم يستبدلها؟ يجيب ريدال: «السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإنسان خلف الأداة ينمو أم يتضاءل بهدوء».

عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة، يمكنه تطوير التفكير والإبداع. لكن عندما يحل محل الجهد الذهني، فإنه يضعف هذه القدرات. والاختبار هنا بسيط: إذا ابتعدت عن الأداة، هل تبقى لديك القدرة؟

أما على مستوى المؤسسات، فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى كفاءة ظاهرية، لكنه يخلق ثقافات عمل «فارغة». في المقابل، المؤسسات التي تستخدمه لتعزيز التفكير البشري تبني ميزة تنافسية مستدامة. ويصف ريدال هذه الميزة بـ«الإنسانية المصنوعة يدوياً» أي العمق والأصالة اللذين لا يمكن تحويلهما إلى سلعة.

يرى الكاتب أن الخطر الأكبر لا يكمن في فقدان الوظائف بل في اهتزاز هوية الإنسان المرتبطة بما يفعله

إعادة التفكير في التعليم

تكشف هذه التحولات أيضاً حدود أنظمة التعليم الحالية، التي صُممت لنقل المعرفة، وهي مهمة يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي، اليوم. ويرى ريدال أن التعليم يجب أن يُعاد بناؤه حول الإبداع والحكمة والشخصية. الإبداع يعني القدرة على إنتاج أفكار جديدة. والحكمة تنبع من التجربة والتأمل، لا من المعلومات فقط. أما الشخصية، فتشمل القيم والقدرة على بناء علاقات إنسانية حقيقية. وفي مناطق، مثل الشرق الأوسط، حيث لا تزال تقاليد التعلم المجتمعي، ونقل الحكمة حاضرة، قد تمثل هذه المقومات ميزة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي.

ما بعد الاقتصاد التقليدي

يذهب ريدال أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه؛ ففي عالم قد لا يعتمد على العمل البشري بالشكل التقليدي، تصبح مفاهيم، مثل الإنتاجية والناتج المحلي، بحاجة إلى إعادة تعريف. وقد تنتقل القيمة إلى معايير تتعلق بجودة الحياة والمعنى والعلاقات الإنسانية. لكن هل يمكن للآلة أن تحل محل الحدس؟

يرد ريدال، عادّاً أن جزءاً من الحدس يمكن تفسيره كتعرُّف سريع على الأنماط، لكن هناك بُعداً أعمق يسميه «المعرفة التلقائية»، وهو إدراك لا يعتمد على التحليل، بل على الحضور الذهني العميق؛

فكثير من الاكتشافات الكبرى لم تأتِ من التفكير المكثف، بل من لحظات صفاء. وما إذا كان هذا النوع من الإدراك يمكن للآلة الوصول إليه، يبقى سؤالاً مفتوحاً.

تحدّ تنظيمي يتجاوز الاقتصاد

مع توسع الذكاء الاصطناعي، تتجاوز آثاره الجانب الاقتصادي لتشمل الإدراك والصحة النفسية. ويؤكد ريدال ضرورة أن تأخذ السياسات العامة هذه الجوانب بعين الاعتبار، محذراً من «أن عدم القيام بذلك يمثل فشلاً تنظيمياً لا عذر لنا فيه». في النهاية، لا يتمثل التحدي في تطور الذكاء الاصطناعي، بل في قدرة الإنسان على الحفاظ على استقلاله. ويؤكد ريدال أن الحل يبدأ بالوعي الذاتي حيث إن «تنمية الوعي ليست رفاهية... بل شرط أساسي للبقاء إنساناً كاملاً».


مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
TT

مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)

في تطور لافت ضمن سباق تقنيات الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة «أوكارا للذكاء الاصطناعي» (Okara AI) عن إطلاق خدمة جديدة توصف بأنها الأولى من نوعها، تتمثل في «رئيس تسويق تنفيذي» (CMO) يعمل بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، في محاولة لإعادة تشكيل مفهوم التسويق الرقمي وإدارة النمو للشركات الناشئة، والمؤسسات التقنية.

وتقوم الفكرة على تقديم نظام متكامل من «وكلاء الذكاء الاصطناعي» يعملون بتناغم ضمن بيئة واحدة، بهدف إدارة مختلف قنوات التسويق الرقمي دون تدخل بشري مباشر، بدءاً من تحسين محركات البحث، ووصولاً إلى إدارة الحضور على المنصات الاجتماعية، والمجتمعات التقنية.

تحول في مفهوم التسويق الرقمي

يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه أدوات تطوير البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل منصات كتابة الأكواد وبناء التطبيقات، تسارعاً غير مسبوق، حيث بات بالإمكان تحويل الأفكار إلى منتجات رقمية خلال فترة زمنية قصيرة. إلا أن التحدي الأكبر ظل يتمثل في «التوزيع»، أو الوصول إلى المستخدمين، وهي الفجوة التي تسعى «Okara AI» إلى معالجتها.

وبحسب الشركة، فإن «مدير التسويق الذكي» الجديد يتولى تشغيل مجموعة من الوكلاء المتخصصين يومياً، من بينهم كاتب محتوى آلي، ووكيل تحسين محركات البحث (SEO). أيضاً من مهام «مدير التسويق الذكي» تحسين الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO) وإدارة الظهور على منصات مثل «Reddit» و«X» و«Hacker News».

تهدف هذه المنظومة إلى تنفيذ استراتيجية تسويقية متكاملة تشمل إنتاج المحتوى، وتوزيعه، وتحسين ظهوره عبر محركات البحث التقليدية، والجيل الجديد من محركات البحث المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

نظام قابل للتكامل مع القنوات الرقمية لإدارة التسويق عبر منصة موحدة (أوكارا)

خفض التكاليف وتعزيز الكفاءة

تطرح شركة «أوكارا للذكاء الاصطناعي» (Okara AI) خدمتها الجديدة بوصفها بديلاً منخفض التكلفة مقارنة بالنموذج التقليدي لإدارة التسويق، الذي يتطلب فريقاً متكاملاً يضم مدير تسويق، وخبراء تحسين محركات البحث، وكتاب محتوى، ومديري مجتمعات رقمية.

وتشير تقديرات السوق إلى أن تكلفة هذا الفريق قد تتراوح بين 60 ألفاً و160 ألف دولار سنوياً، في حين توفر الخدمة الجديدة بديلاً رقمياً مقابل اشتراك شهري يبدأ من نحو 99 دولاراً، ما يعكس توجهاً متزايداً نحو أتمتة الوظائف المعرفية، وتقليل الاعتماد على الموارد البشرية.

يعالج انخفاض الزيارات عبر تحسين ترتيب صفحات الموقع (أوكارا)

ظهور مفهوم «تحسين محركات الذكاء الاصطناعي»

من أبرز ما يميز الخدمة الجديدة اعتمادها على مفهوم حديث نسبياً يعرف بـ«تحسين محركات التوليد» (Generative Engine Optimization-GEO)، والذي يركز على تحسين ظهور المحتوى داخل منصات الذكاء الاصطناعي، مثل محركات البحث التوليدية، بدلاً من الاقتصار على محركات البحث التقليدية.

ويعكس هذا التوجه تحولات أعمق في سلوك المستخدمين الذين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، ما يفرض على الشركات إعادة صياغة استراتيجياتها التسويقية لتواكب هذا التحول.

نحو مستقبل تسويقي مؤتمت

يمثل إطلاق «مدير التسويق الذكي» من «Okara AI» خطوة إضافية في مسار أتمتة العمليات الرقمية، ويعكس اتجاهاً متنامياً نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة النمو والتسويق.

وفي حين لا يبدو أن هذه الأنظمة ستلغي دور البشر بشكل كامل في المدى القريب، إلا أنها تؤسس لنموذج هجين يجمع بين قدرات الذكاء الاصطناعي وسرعته، وبين الرؤية الاستراتيجية والإبداع البشري، وهو ما قد يعيد رسم ملامح قطاع التسويق الرقمي خلال السنوات المقبلة.