القتل والإحساس بالسعادة عند ارتكابه أصبح عاديا في سوريا

أحد المقاتلين لـ {الشرق الأوسط} : تتبلد مشاعرك بعد إطلاق النار لأول مرة

أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)
أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)
TT

القتل والإحساس بالسعادة عند ارتكابه أصبح عاديا في سوريا

أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)
أحد الثوار السوريين في يايلاداغي على الحدود التركية مع كسب (تصوير: هانا لوسيندا سميث)

لم يتمثل الأمر المثير للقلق في الكلام الذي قاله نبيل، أحد الثوار السوريين، ولكن في مظهره، حيث نجد شخصا يبلغ من العمر 21 سنة ذا وجه طفولي ترتسم عليه الابتسامة، ولا يكاد يبدو عليه أنه لديه القدرة لارتكاب القتل بسهولة ومن دون أي تأنيب للضمير. بيد أنه ارتكب ذلك قبل أيام معدودة.
وقال نبيل «بعد أن انتقلنا إلى المبنى السكني، قمنا بالبحث في المكان، ووصلنا إلى الشقة الأخيرة بالمبنى إلا أننا لم نجد شيئا، ولكننا لاحظنا بعد ذلك أن باب المرحاض مغلق من الداخل. ولذلك فتحنا الباب من الخارج ودخلنا، حيث وجدنا بالداخل أحد جنود النظام وهو يحتضر». وواصل نبيل قوله إنه أخذ هاتف الجندي الذي كان في سكرات الموت. وبعد ذلك بساعتين، رنّ جرس الهاتف. وتابع حديثه قائلا: «كانت المتصلة هي صديقته وسألت: (أين علي؟ لأنني أود أن أتحدث معه). وقلت لها: (أتودين الحديث معه؟ لقد مات علي)».
ويروي لنا نبيل هذه القصة بهدوء من دون أي شعور بالألم كما لو كانت تلك القصة واحدة من الحكايات التي تروى يوميا. وربما يكون عدم اكتراثه علامة من العلامات التي توضح لنا كيف أن القتل - والإحساس بالسعادة عند ارتكاب القتل – أصبح أمرا يحدث يوميا في سوريا. وأشار قائلا: «حينما تكون في الداخل فلن تشعر بأي شيء، حيث تكون جميع الأمور عادية. فبعد إطلاق النار لأول مرة، ستتبلد مشاعرك في ما بعد».
وبعد مرور يومين على هذا الحادث، كان نبيل واحدا من بين الأشخاص الذين تأثروا بذلك العنف، حيث كان مع مجموعة من المتمردين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل قوات النظام. وتعرض نبيل للإصابة في ذراعه ورقبته جراء إطلاق شظايا قنبلة. وبينما يخضع نبيل للعلاج في أحد المنازل في مدينة يايلاداغي الواقعة على الحدود التركية، يمكنه أن يسمع أصوات القتال المستمر في سوريا مما يثير حماسه للرجوع مرة أخرى إلى هناك. ويقول نبيل «سأعود إلى القتال بعد غد»، حتى على الرغم من أن ذراعه اليسرى ما زالت في الجبيرة. وأضاف أن «حلمي الوحيد يتمثل في العودة إلى منزلي في مدينة اللاذقية. وحينما أصل إلى هناك سأقبّل تراب ذلك المكان. ولم أتخيل على الإطلاق أن العودة مجددا للنوم في منزلي ستكون حلما بالنسبة لي».
وبدأ الهجوم الذي كان نبيل يقاتل خلاله في الساعات الأولى من يوم الجمعة الموافق 21 مارس (آذار) في مدينة كسب بمحافظة اللاذقية. وسرعان ما تمكن ائتلاف الوحدات العسكرية للثوار من طرد قوات النظام خارج المدينة والاستيلاء على المعبر الواقع على حدود تركيا، قبل أن يتقدم الثوار نحو الجبال مع التمكن من السيطرة على البرج 45 - القاعدة التابعة للنظام والتي تعد ذات أهمية خاصة بسبب موقعها المطل على الوادي والسهل والذي يمتد نحو الساحل ومدينة اللاذقية. وقال جميع الثوار - الذين تحدثنا معهم في يايلاداغي - إن هذا الهجوم هو الأهم حتى هذه اللحظة على مدار الحرب الأهلية السورية الدائرة رحاها منذ فترة طويلة. وتعد اللاذقية معقل الرئيس بشار الأسد وموطن طائفة العلويين المنتمي إليها ومنطقة عائلات العديد من كبار المسؤولين الذين يعملون معه والمكان الذي يخطط فيه – حسبما يعتقد الكثيرون – لتأسيس منطقة ذات استقلال ذاتي للعلويين، حيث خرجت بقية المناطق عن نطاق سيطرته.
ويتقدم الثوار الآن نحو المدينة – حيث من المستبعد احتمالية سيطرتهم عليها – ويعتقد الكثيرون داخل المعارضة أنه من المرجح هروب الرئيس خارج البلاد في حال تمكنهم من الوصول إلى مدينة اللاذقية. ويقول الشيخ عمر، وهو سوري من محافظة اللاذقية يعمل في مؤسسة الإغاثة الإنسانية وقضى معظم وقته في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة: «تعد دمشق منطقة مهمة لأنها هي العاصمة، بينما تعد حلب هي العاصمة الاقتصادية. بيد أن الساحل يعد منطقة العلويين، كما أننا نعرف أن هذا الأمر سيتسبب في وجود ضغوط على النظام».
وتبعد منطقة كسب مسافة كيلومترين عن يايلاداغي، وتعرضت تلك المنطقة - منذ بدء القتال – لقصف متواصل بالمدفعية وقذائف الهاون، فضلا عن شن الغارات الجوية من قبل قوات الأسد. ويمكن للشخص أن يرى ويسمع بوضوح صدى دوي أصوات قذائف الهاون في كل مكان على الجانب التركي من المنطقة الحدودية، مع تصاعد ألسنة وسحابات الدخان من الغابات التي أحرقها النظام في محاولته لوقف تقدم الثوار. وفي اليوم الثاني من الهجوم، جرى استهداف مستشفى ميداني بالقرب من خط المواجهة في منطقة سلمى عن طريق مهاجمته باستخدام طائرات «ميغ». ويقول الطبيب رامي حبيب إن «هجمات النظام تزداد سوءا، وقد أرسلنا سيارتي إسعاف يوم الخميس إلى إحدى القرى التي قتل فيها عشرة أشخاص على أقل تقدير».
وفي نفس السياق، يدرك الثوار أن القتال لن يكون سهلا، ولكنهم مقتنعون بإمكانية مواصلتهم للتحرك نحو الجنوب باتجاه مدينة اللاذقية ولو حتى في مواجهة قوات الأسد التي تتفوق عليهم بامتلاك الأسلحة الثقيلة. وصرحت مصادر من الثوار بأن هذا الهجوم يأتي نتيجة تخطيط وتعاون منذ شهور بين العديد من فصائل المعارضة، حيث تقاتل جماعات أنصار الشام وأحرار الشام وجبهة النصرة بجانب الكثير من الجماعات الصغيرة التابعة للجيش السوري الحر.
وفي حديثه عبر الهاتف من خط المواجهة في ريف اللاذقية الخميس الماضي، صرح لنا أحد المقاتلين – الذي يدعى سامر – قائلا إن الثوار يسيطرون الآن على جميع مناطق الريف الواقعة حول كسب. بيد أنه أشار أيضا إلى وجود حملة انتقامية ضد الجماعات السنية في مناطق اللاذقية الباقية تحت سيطرة النظام. وأردف سامر أن «الشبيحة بدأوا في الأيام القليلة الأخيرة إطلاق النيران على منازل المدنيين، بالإضافة إلى اعتقال أقارب المقاتلين الثوار في ريف اللاذقية». وعلاوة على ذلك، ثمة أنباء جرى تداولها في مدينة اللاذقية تشير إلى هجوم الشبيحة على مناطق السنيين المجاورة. وفي حديثه عبر «سكاي بي» يوم الجمعة، قال لنا شاب يدعى كريم إن حالات التوتر في المدينة قد زادت بشكل كبير منذ بدء الهجوم في كسب. وأضاف أن «الشبيحة أقاموا نقاط تفتيش جديدة في كل جانب وميدان. ونريد أن يستمر الثوار في قتالهم لأنهم يحاربون منذ سنوات حتى الآن، بيد أننا نخضع للحصار، كما يتعرض الأشخاص للاعتقال والخطف كل يوم».
والجدير بالذكر أن تقديرات مصادر المنظمات غير الحكومية تشير إلى نزوح 1700 مدني منذ بدء الهجوم - بما في ذلك 500 شخص من المسيحيين الأرمن - عن منطقة كسب. ومن المعتقد أن بعض هؤلاء الأشخاص قد فروا إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام في مدينة حلب، بينما لجأ آخرون إلى الاحتماء في إحدى الكنائس الأرمينية في مدينة اللاذقية. وهناك بعض المخاوف من إمكانية تحول الصراع في هذه المنطقة ليأخذ منعطفا طائفيا خطيرا، ولا سيما في حال تقدم الثوار نحو قرى العلويين بالقرب من اللاذقية.
ويقول نبيل، الذي أخذ هاتف الجندي التابع للنظام الذي لقي حتفه في كسب: «لا نعرف ماذا سيحدث حينما نصل إلى اللاذقية. وليس من السهل نسيان جميع الأمور التي حدثت، فلا يمكن أن تعود الأمور مثل ما كانت عليه من قبل».
بيد أن الثوار الآخرين الذين تحدثنا معهم يصرون على أنهم لا يشنون حربا دينية. ويقول مراد – الثائر التركماني الذي تعافى من الإصابة التي لحقت به في كاحل قدمه أثناء القتال: «لا يعد هذا النزاع طائفيا أو إثنيا، بيد أن النظام يخطط لجعله كذلك منذ البداية. وارتكبت قوات النظام مجزرة ضد السنيين وجعلت المسيحيين في عداء معنا، بيد أن الأسد مستعد أن يترك جميع العلويين يموتون من أجل بقائه كرئيس للبلاد».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.