واشنطن تحجب أكثر من مليون وثيقة تدين طهران بالإرهاب ثمنًا للاتفاق النووي

مسؤولو استخبارات سابقون وأعضاء في إدارة أوباما تحدثوا عن وثائق أبوت آباد:

الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)
الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)
TT

واشنطن تحجب أكثر من مليون وثيقة تدين طهران بالإرهاب ثمنًا للاتفاق النووي

الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)
الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)

في الثاني من مايو (أيار) عام 2011 اقتحمت قوات أميركية منزل أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان. وبعد إطلاق النار على زعيم تنظيم القاعدة وقتله، حصلت هذه القوات على مجموعة ضخمة من الوثائق، وصفت لاحقا بـ«أكبر مجموعة منفردة من المواد المهمة على الإطلاق». وأفاد مايكل بريغنت، الضابط بوكالة الاستخبارات العسكرية، بأن هناك أكثر من مليون وثيقة تدين طهران بالإرهاب،وتؤكد استمرار العلاقة بين نظام خامنئي وتنظيم «القاعدة». وفي الفترة السابقة على الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 2012، والتي ترشح فيها الرئيس أوباما لفترة ثانية، كشف البيت الأبيض انتقائيا عن عدد محدود من وثائق أبوت آباد لدعم ادعائه بأن «القاعدة» تعرضت للهزيمة. وفي ذلك العام ، نظم فريق عمل من الضباط والمحللين الاستخباراتيين من القيادة المركزية الأميركية، بتكليف خاص، زيارة إلى أرشيف وثائق أبوت آباد في فرجينيا، ولكن مجلس الأمن القومي ألغى تصريح الاطلاع على تلك الوثائق. يقول ضابط الاستخبارات بريغنت،عضو فريق القيادة المركزية السابق «لو كشفت إدارة أوباما عن بعض الوثائق الخاصة بالعلاقة بين بن لادن وإيران، قبل وأثناء وبعد أحدث 11 سبتمبر (أيلول)، لأفسدت تلك المعلومات،وحقيقة معرفة الإدارة بها، الاتفاق النووي مع طهران». وتزامن التكتم على أدلة تعاون «القاعدة» وإيران مع حملة تشنها الإدارة لتركيز انتباه الأميركيين على ادعاءات بقيام الحكومة السعودية بدور عملي في أحداث 11 سبتمبر . من جهته طالب رئيس اللجنة الدائمة للاستخبارات بمجلس النواب بالإفراج الفوري عن جميع وثائق أبوت آباد. ويؤكد مسؤول سابق في الاستخبارات والعمليات الخاصة بالمارينز أنه لا يوجد مبرر عملي لاستمرار حجب غالبية الوثائق.
وصفت الحكومة الأميركية المواد السرية المحجوبة التي حصلت عليها قوات أميركية من منزل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان، بأنها تجاوزت مليون وثيقة، تدين طهران بالإرهاب، وقال مستشار الرئيس باراك أوباما لشؤون الأمن القومي توماس دونيلون، «أن تلكم المواد محفوظة على 10 أقراص صلبة، ونحو 100 قرص بحجم الإبهام وبطاقات بيانات، إضافة إلى كمية هائلة من المواد والأوراق المطبوعة» . ووفقا لما صرح به دونيلون، يمكن لتلك المواد أن تملأ «مكتبة جامعة».

تكليف فريق من (سي آي إيه) بتحليل المواد
تم تكليف فريق من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) بتحليل المواد، مع إعطاء الأولوية للاستخبارات التي يمكن اتخاذ إجراءات فورية بشأنها، وبهدف نهائي بفحص المحتوى بالكامل للوصول إلى أقرب قدر ممكن من المعرفة الشاملة بتنظيم القاعدة. كما وعدت الإدارة بجعل معظم المواد متاحة للجمهور عندما يكون ذلك آمنا ومقبولا من الناحية العملية.
ولكن بعد مرور أكثر من خمسة أعوام على مصادرة الوثائق، تم الكشف عن قدر ضئيل للغاية من المواد للجمهور. ويؤكد مسؤولون سابقون في الاستخبارات، كانوا على دراية بالخلافات داخل الأجهزة حول ذلك الأرشيف، أن إدارة أوباما استخدمت قدرا محدودا من المواد التي رفعت عنها السرية لدعم خطابها السياسي بشأن «القاعدة» ولم تثبت صحة أغلبية الوثائق. ومن أبرز التناقضات: الدليل القوي على وجود تعاون بين «القاعدة» والحكومة الإيرانية.
وتنشر {الشرق الأوسط} بالتزامن مع الزميلة «المجلة» لقاءات مع مسؤولين استخباراتيين سابقين وأعضاء عاملين في أرشيف الأمن القومي في واشنطن، وخبراء في سياسات رفع السرية في حكومات أميركية متعاقبة، بالإضافة إلى فحص أكثر من 250 وثيقة من مجمع أبوت آباد.
- وصف بن لادن إيران بأنها «الممر الرئيسي لنا بالنسبة للأموال والأفراد والمراسلات»، وأوصى تابعيه بعدم «فتح جبهة مع إيران والانصراف كليا.. للقتال ضد الصليبيين والمرتدين».
- كان هناك تناقض واضح بين البيانات العامة التي يصدرها تنظيم القاعدة معلنا أن جميع الشيعة (كفار) من جهة، والمداولات الداخلية التي يجريها التنظيم داعا إلى تبادل المنفعة البرغماتي مع ملالي طهران من جهة أخرى.
- شعر بن لادن بالقلق إثر خروج تقارير عن وجود تعاون بين «القاعدة» وإيران في وسائل الإعلام العربية، وحث تابعيه على نفيها بشدة.
- استهدف أبو مصعب الزرقاوي الأماكن المقدسة الشيعية والمدنيين الشيعة في العراق مخالفا لأوامر بن لادن، مما أثار أزمة في العلاقات بين «القاعدة» وإيران.
واتخذت إيران إجراءات صارمة ضد «القاعدة» من بينها احتجاز أفراد من أسرة بن لادن، من أجل التفاوض على إعادة التعاون من مركز قوة.
- استخدمت إيران نفوذها وصلتها بـ«القاعدة» كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة في عهد كل من بوش وأوباما.
- في الفترة السابقة على الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 2012، والتي ترشح فيها الرئيس أوباما لفترة ثانية، كشف البيت الأبيض انتقائيا عن عدد محدود من وثائق أبوت آباد لدعم ادعائه بأن «القاعدة» تعرضت للهزيمة.
- وفي ذلك العام ذاته، نظم فريق عمل من المحللين الاستخباراتيين من القيادة المركزية الأميركية بتكليف خاص زيارة إلى أرشيف وثائق أبوت آباد في فرجينيا، ولكن ألغى مجلس الأمن القومي تصريح الاطلاع على وثائق.
- تقدم 50 محللا استخباراتيا من القيادة المركزية الأميركية بشكوى رسمية من أن عملهم يخضع لتغيير على يد رؤسائهم ليعطوا صورة وردية عن الحملة الأميركية العسكرية ضد «داعش»، مما أدى إلى تحقيق البنتاغون في تلاعب مزعوم في المعلومات الاستخباراتية.
- يتزامن التكتم المزعوم على أدلة تعاون «القاعدة» وإيران مع حملة سافرة تشنها الإدارة لتركيز انتباه الشعب على ادعاءات بقيام الحكومة السعودية بدور عملي في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) .
- يطالب رئيس اللجنة الدائمة للاستخبارات بمجلس النواب بالإفراج عن جميع وثائق أبوت آباد. ويؤكد مسؤول سابق في الاستخبارات والعمليات الخاصة بالمارينز أنه لا يوجد مبرر عملي لاستمرار حجب غالبية الوثائق.
- وصف خبراء في سياسات السرية في الحكومة الأميركية البيت الأبيض في عهد أوباما بأنه «أكثر الإدارات تكتما في التاريخ الرئاسي الأميركي».
التسلسل الزمني للسرية
في مارس (آذار) عام 2012، مع اقتراب الذكرى الأولى لحملة أبوت آباد، كانت حملة إعادة ترشح الرئيس أوباما في أوجها. وعملت الإدارة عبر كاتب المقالات في «واشنطن بوست» ديفيد إغناتيوس على نشر بعض المقتطفات من الأرشيف والتي تم اختصارها بطريقة ملائمة في عنوان مقال: «أسامة بن لادن: أسد في الشتاء»؛ كتب إغناتيوس: «رأيت عينة صغيرة من آلاف الأشياء التي تم الحصول عليها في ليلة الثاني من مايو عام 2011. ولكن حتى تلك الوثائق القليلة التي أخرجها لي مسؤول بارز في إدارة أوباما، أعطتني فكرة عن كيفية.. فقدان (تنظيم القاعدة) لقوته الدافعة». وأضاف أن بن لادن وجماعته كانوا «مطاردين بلا هوادة من القوات الأميركية لدرجة أنهم وجدوا صعوبة في تبادل أبسط الاتصالات». دعّم المقال، وبعض المقالات الأخرى المعدودة التي اعتمدت على تقديم معلومات بطريقة مشابهة، ادعاء الإدارة الذي كثيرا ما يُذكر بأن تنظيم القاعدة «مطارد». وكانت المواد المقدمة إلى إغناتيوس ضمن أقل من 20 وثيقة من وثائق أبوت آباد التي تم الكشف عنها للعامة أخيرا في الذكرى الأولى للمداهمة التاريخية.
ولكن كشف مدير معهد الصحافة السياسية في جامعة جورج تاون السابق المقرب من ديك تشيني، ستيفن هايز ، عن حالة من الفوضى في رفع السرية والتي نالت أهمية إضافية. قبل الكشف عن الوثائق بفترة وجيزة، تم حجب وثيقة عن الجمهور،وهي تشير إلى وجود تنسيق عملي وثيق بين «القاعدة» وكبار قادة حركة طالبان الأفغانية، ولم يكن ذلك في مرحلة ماضية بعيدة، بل حتى المراحل الأخيرة في حياة بن لادن.
بالإضافة إلى الصورة المتناقضة عن «أسد في الشتاء»، كان من الطبيعي أن تُعَرِّض المعلومات بشأن مخططات طالبان الأفغانية ضد القوات الأميركية والناتو المفاوضات التي كانت دائرة في ذلك الوقت بين إدارة أوباما وطالبان للخطر. لم يتم الإفراج عن الوثيقة، وفي الوقت ذاته، صرح مسؤولون رفيعو المستوى في الإدارة من بينهم وزير الدفاع ليون بانيتا ورئيس «سي آي إيه» جون برينان للشعب بأن هزيمة «القاعدة» باتت وشيكة.
في ذلك الحين اكتشف محللون استخباراتيون في القيادة المركزية الأميركية، والذين كانوا يجرون تحقيقاتهم بشأن «القاعدة»، أنه على عكس ذلك كان تنظيم القاعدة نشطا وبحال جيدة، إذ كان بن لادن مشاركا بنشاط في عملياته حتى آخر لحظة، ولم تتوقف العلاقات التي استمرت طيلة عقود بين قيادات «القاعدة» وإيران.
يقول مايكل بريغنت، الضابط السابق بوكالة الاستخبارات العسكرية والذي كان يركز على إيران طوال فترة خدمته: «بالنظر في أرقام الهاتف والإشارات التي اعترضتها الاستخبارات، وغيرها، بدأنا نرى عملية تسهيل المرور عبر إيران. كانت هناك رسالة ضمن وثائق بن لادن (غير السرية) تشير إلى دور إيران المهم في التنظيم، حيث حذر عناصر (القاعدة) من التلاعب مع إيران. كنا نحاول الحصول على معرفة تاريخية بالتنظيم وكيف كان يعمل، وبدأنا نرى أشياء لم يكن هناك من يتحدث عنها، مثل قيام إيران بتسهيل سفر عناصر (القاعدة) إلى داخل باكستان».
وصرح ديريك هارفي، وهو عضو آخر في فريق القيادة المركزية، بأنه في ذلك الوقت، كانت وثائق بن لادن مُهمَلة: بعد عدة أسابيع أولى أجرى فيها فريق استخباراتي جمع بين وكالات مختلفة بقيادة «سي آي إيه» عمليات بحث عن طريق كلمات مفتاحية للحصول على معلومات فورية يمكن اتخاذ إجراءات بشأنها، ولم يجر أي شخص مراجعة أخرى للمواد لمدة عام أو أكثر. وبعد أن احتفظت بسيطرتها على الوثائق، رفضت وكالة «سي آي إيه» السماح للوكالات الأخرى بمراجعتها.
ما حدث بعد ذلك كان خلافا داخل الحكومة الأميركية حول السماح لفريق القيادة المركزية بالاطلاع على وثائق أبوت آباد أم لا. ودافع مسؤولون رفيعو المستوى في القيادة المركزية بقوة عن السماح بذلك، وفي النهاية وافق جيمس كلابر، مدير وكالة «سي آي إيه» في ذلك الوقت على التراجع.
يذكر بريغنت أن فريقه حصل على تصريح من وكالة «سي آي إيه» للذهاب إلى المركز الوطني لاستغلال الوسائط في ماكلين بفرجينيا للاطلاع على الوثائق. ولكن كما أوضح بريغنت، تم إلغاء الرحلة فجأة. وأضاف: «بناء على ما قيل لي جاء القرار من مجلس الأمن القومي التابع للرئيس. وتم حل الفريق بعد ذلك بأسابيع». ووفقا لمصادر استخباراتية، تم استدعاء بعض المحللين إلى واشنطن وإبلاغهم بالتوقف عن محاولة تحليل الوثائق القليلة التي لديهم.
وأشار بريجنت بانه يعني بذلك ان أكثر من مليون وثيقة، تم الإفراج عن قدر ضئيل للغاية من الوثائق الخاصة ببن لادن، ولدينا كل المؤشرات التي تدل على أنه إفراج انتقائي. وشدد ضابط الأستخبارات العسكرية السابق «لو كانت الإدارة ستكشف عن بعض الأشياء التي تتعلق بالصلة بين بن لادن وإيران، التي تدل على تقديمها دعما ماديا لـ«لقاعدة» قبل وأثناء 11 سبتمبر، لأفسدت تلك المعلومات، وحقيقة معرفة الإدارة بها، الاتفاق النووي مع إيران».
وفي سياق متصل، قال مسؤول سابق بالبيت الأبيض، طلب عدم الكشف عن اسمه: «إن حجب مئات الآلاف من الوثائق التي تؤكد ضلوع طهران في عمليات إرهاب، وتشير إلى دعمها المادي واللوجستي لتنظيم القاعدة، كان هدفه إسكات انتقادات الاتفاقية النووية المعيبة، وإقناع الرأي العام الأميركي والمجتمع الدولي بجدية دولة الملالي في وقف مشروعها النووي، وتغيير سلوكها العدائي تجاه الولايات المتحدة خاصة، والغرب بشكل عام».
وكان ثمن ذلك أيضا نشر الإدارة الأميركية معلومات خاطئة، أو غير مكتملة بشأن السلوك الإيراني.
وجنّد بعض المستفيدين من الصفقة المخزية، إعلاميين وباحثين ومنظمات غير الحكومية للترويج لأجندة إدارة أوباما، وخداع المواطنين نيابة عن الدولة. كل ذلك كان ثمنا لصفقة الرئيس الأميركي مع نظيره الإيراني روحاني، الرئيس الحالي والمفاوض القديم.
وخلال الشهر، نشرت «الأسوشييتد برس» خبرا حول تقديم «صندوق بلوشيرز» - وهي جمعية خيرية معروفة برعايتها للمجلس القومي الإيراني الأميركي،الذي يرأسه في واشنطن الإيراني تريتا بارسي، صديق وزير الخارجية جواد ظريف- هذا الصندوق قدم دعما ماليا لوسائل الإعلام بما في ذلك «الإذاعة الوطنية العامة» الأميركية في إطار جهوده لدعم صفقة البيت الأبيض مع إيران. ووفقا لتقرير بلوشيرز السنوي الصادر في 2015، منح الصندوق «الإذاعة الوطنية العامة» 100 ألف دولار لمساعدتها على تقديم تقارير حول الصفقة النووية والقضايا المتعلقة بها في 2015.
وتشير التقارير في جميع الأماكن الأخرى إلى أن المؤسسة منحت «الإذاعة الوطنية العامة» 700 ألف دولار خلال العقد الماضي.
وتؤكد كل من «الإذاعة الوطنية العامة» ومؤسسة «بلوشيرز» أن تلك المنحة لم تؤثر على تغطية الاتفاق؛ حيث زعمت الإذاعة التي تحظى جزئيا بدعم عام: «لدينا سياسة تحريرية متشددة لكي نضمن أن نقدم تغطية مستقلة وألا نتأثر بالممولين أو بالمصالح الخاصة». وبدورها، قالت جنيفر أبراهاموس، المتحدثة باسم «بلوشيرز»، في حوار مع «الأسوشييتد برس» إن التمويل «لا يؤثر على المحتوى التحريري للتغطية التي تقدمها الإذاعة على أي نحو كما أننا لا نرغب في ذلك».
وتعليقا على تصريحات أبراهاموس لـ «الأسوشييتد برس» يقول الباحث الأميركي لي سميث فإذا لم تكن «بلوشيرز» ترغب في التأثير على المحتوى التحريري بما يتوافق مع مهمتها - «بناء عالم آمن من خلال تقديم مبادرات والاستثمار في تلك المبادرات لتقليل المخزون النووي بالعالم والحد منه» - يجب عليها إذن أن تقنع مموليها بأسباب إهدارها أموالهم.
وعلى أي حال، يتضح من وثائق «بلوشيرز» الداخلية أن الصندوق يتابع عن كثب ما إذا كانت تلك الأموال تستحق أن يتم إنفاقها على وسائل الإعلام أم لا. ويتضح أيضا أن الشعب الأميركي يدفع وحده ثمن صفقة واشنطن طهران النووية.

رفع السرية عن 250 وثيقة فقط
وبالعودة إلى وثائق بن لادن ، أستمر الضغط الشعبي في التصاعد من أجل رفع السرية عن الوثائق، وكان أغلبه من الكونغرس في جهود قادها العضو عن كاليفورنيا ديفين نيونز رئيس اللجنة الدائمة للاستخبارات بمجلس النواب. وفي عام 2014، طلب «قانون تفويض الاستخبارات» من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية إجراء مراجعة للوثائق من أجل الإفراج عنها. وتم تشكيل فريق عمل بين الوكالات من أجل تلك المراجعة، تحت رعاية البيت الأبيض.
وبعد عامين، رُفعت السرية عن أقل من 250 وثيقة فقط من المليون وثيقة. وبعد الإفراج عن أحدث مجموعة منها (113 وثيقة)، في الأول من مارس الماضي، أصدر عضو الكونغرس نيونز البيان التالي: «على الرغم من أنه من الجيد رؤية الإفراج الجديد عن وثائق بن لادن، لا تزال إدارة أوباما في حاجة إلى إخراج المزيد منها. وكان يجب بالفعل أن تقدم وكالة (سي آي إيه) جميع وثائق بن لادن إلى لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، وكان يجب أن يتم مكتب مدير الاستخبارات الوطنية عملية مراجعة سرية جميع الوثائق لتحديد ما يمكن الكشف عنه للشعب. أتطلع إلى تسلم الوثائق المتبقية على الفور».
وذكر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية أنه «سيتم الإفراج عن جميع الوثائق التي لا يضر إصدارها بالعمليات المستمرة ضد (القاعدة) أو تابعيها».
يثير هذا الالتزام المصرح به تساؤلات تيموثي وارد نيكولز، وهو بروفسور في جامعة ديوك ومتخصص في مكافحة الإرهاب وسياسات الاستخبارات، وشارك سابقا في عمليات خاصة في كل من العراق وأفغانستان. صرح نيكولز بأنه بعد مرور أكثر من خمسة أعوام على الحصول على الوثائق من أبوت آباد: «من الصعب تصور أنها جميعا فيما عدا قدر ضئيل منها لها إمكانية التأثير على العمليات الحالية. إذا كانت هناك معلومات عن مواقع أو أنشطة مخططة، والهدف هو إدخالها في نظام الاستخبارات واتخاذ إجراء واستهداف أشخاص والمنع.. لقد مرت سنوات كثيرة على ذلك، وإذا لم يتم اتخاذ إجراء بالفعل، فمن المحتمل أنه لن يحدث. وعلى الرغم من أن بعض المعلومات قد تستحق البقاء قيد السرية، أشك في أن الغالبية العظمى من المواد لها قيمة استخباراتية مستمرة».
وتثار التساؤلات حول إخفاء أرشيف أبوت آباد في سياق اتهامات واسعة موجهة ضد إدارة أوباما بالتلاعب في التحليلات الاستخباراتية.
في نهاية العام الماضي، أصدر أكثر من 50 محللا استخباراتيا من القيادة المركزية في الجيش الأميركي عددا من الشكاوى زاعمين أن تقاريرهم وتحليلاتهم عن أنشطة «داعش» و«القاعدة» في سوريا تخضع لتغيير كبير على يد رؤسائهم، من أجل إضفاء صورة أكثر وردية عن الحملة الأميركية العسكرية ضد «داعش». تسببت الشكاوى في شروع المحقق العام في البنتاغون في تحقيقات حول التلاعب المزعوم في المعلومات. ووصفت الشكاوى المقدمة رسميا المناخ الخاضع للرقابة والمحيط بعمل المحللين الاستخباراتيين بأنه على الطريقة «الستالينية». وفي تطور كبير في الشهر الماضي، تم الكشف عن فصل اثنين من كبار محللي الاستخبارات في القيادة المركزية من عملهما بسبب التقييمات المتشككة التي قدماها إلى رؤسائهما.
ولدى سؤاله عن تقييم المزاعم الموجهة ضد الصفوف العليا في القيادة المركزية، أشار نيكولز إلى معرفته القديمة بأحد الشاكين الأساسيين وهو مسؤول الاستخبارات غريغ هوكر: «يمكن أن يكون غريغ، الذي أعرفه منذ عشرين عاما، أفضل محلل أميركي لشؤون العراق. وعندما يشعر بالقلق من أن التحليلات الاستخباراتية التي يقدمها يتم التلاعب بها لتبدو أفضل مما هي عليه، أقف إلى جانب غريغ».

تسييس الاستخبارات
وفي تعليق على تسييس الاستخبارات، أشار نيكولز إلى أن المشكلة تبدو كامنة إلى حد كبير في مجلس الأمن القومي: «عندما تدخل الاستخبارات إلى مجلس الأمن القومي، أعتقد أن تسييسا كبيرا يحدث، وهذا يضر بالرئيس أوباما. فهو يضع رجاله في المكان وهم يخبرونه بما يريد أن يسمعه». ولكن ألقى ليفتنانت جنرال مايكل فلين، الذي عمل مديرا للاستخبارات العسكرية قبل تقاعده في عام 2014، باللوم على مستويات عليا في الحكومة، إذ صرح لقناة «فوكس نيوز» بأن «محور هذا التحقيق كان يجب أن يبدأ من الأعلى.. تبدأ الاستخبارات وتنتهي عند البيت الأبيض. يحدد الرئيس الأولويات، وهو الزبون الأول».

ملامح علاقة معقدة ولكنها مستمرة بين «القاعدة» وإيران
جاءت الإشارات إلى دور إيران في أنشطة «القاعدة» على مستوى تنظيمي عرضي في رسائل متبادلة بين بن لادن وتابعيه في الميدان. على سبيل المثال، في تقرير يرجع إلى أبريل (نيسان) عام 2011 أرسله إلى بن لادن أحد العناصر الموجودة في مكان آخر في باكستان، وردت إشارات إلى زملاء استقروا في إيران: «كان قد خرج الأخ (أبو السمح) المصري وهو الآن باقٍ في إيران. ويبدو أنه استأنف ممارسة نشاط إعلامي واتصالات بعنوان (جماعة الجهاد) كما ترون في ملفٍ مرفق. كذلك خرج الأخ عبد الله رجب الليبي (أبو الورد قديما) وهو هناك في إيران كذلك».
وفي رسالة كتبها بن لادن بتاريخ 27 أغسطس (آب) عام 2010، توجد إشارة إلى «إخوة قادمين من إيران» بالإضافة إلى الحديث عن «إخوة (آخرين) سيذهبون إلى إيران للمحافظة عليهم».
وفي رسالة مختلفة لا تحمل تاريخا، توجد إشارة إلى عناصر «القاعدة في اليمن»، الذين تم اعتقالهم في باكستان عندما كانوا في الطريق إلى إيران. وهكذا يبدو أن إيران كانت وجهتهم وليست مجرد نقطة مرور.
وفي رسالة غير مؤرخة تتعلق بـ«العمليات الخارجية»، كتب أحد العناصر لبن لادن أنه كان يفكر في فتح مكتب بإيران: «لو جئنا لنقيم ما قمنا به في هذا الباب، فأول ما واجهنا هو أننا في صدد عمل تنظيم كامل وهو ما لا نقدر عليه لا ماديا ولا من ناحية الكوادر المطلوبة ونحن عملنا في الأساس كما نظن تنفيذي إلا بعض الأمور الخاصة بنا.. فلا بد أن تكون تابعة لنا، حتى أننا فكرنا في عمل مكتب لنا في إيران لاستقبال من يأتينا أو تسفيره». وتابع عنصر «القاعدة» حديثه عن مخاوف بسبب ارتفاع تكلفة ذلك في الوقت الحالي.
قد تكون واحدة من أهم الوثائق هي رسالة من بن لادن يرجع تاريخها إلى 18 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2007، والتي أعرب فيها عن رفضه لأحد تابعيه – على الأرجح أنه في العراق - والذي تبنى خطابا عدائيا ضد إيران. «إنكم لم تشاورونا في هذا الأمر الخطير، الذي يمس مصالح الجميع. وقد كنا نتوقع منكم المشورة في هذه المسائل الكبيرة. فأنت تعلم أن إيران هي الممر الرئيسي لنا بالنسبة للأموال والأفراد والمراسلات، وكذلك مسألة الأسرى». وقال بعد ذلك، «لا داعي لفتح جبهة مع إيران إلا إذا كنتم مضطرين.. فالرأي عندي تأجيل فتح الجبهة معها والانصراف كليا.. للقتال ضد الصليبيين والمرتدين. وكذلك رأيي بالنسبة للجبهات الأخرى كلبنان وغيرها».
من المعروف أن نصيحة بن لادن لم تلق اهتماما من أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق أثناء الأعوام الأولى من الاحتلال الأميركي للبلاد بعد الإطاحة بصدام حسين. وكما ذكرت تقارير واسعة، كان قرار الزرقاوي باستهداف الأماكن الشيعية المقدسة والمواطنين الشيعة أحادي الجانب، وذلك على عكس نصيحة بن لادن. ولكن عندما تسببت الأحداث الدموية في حدوث صدع في العلاقات بين «القاعدة» وإيران، تقابل وسيط إيراني مع عنصر بارز في «القاعدة» في محاولة لحل الخلافات واستكمال التعاون. يأتي وصف لذلك الجهد في رسالة غير مؤرخة، وفيما يبدو أنها وردت من العراق ومكتوبة بخط اليد، نقل فيها عنصر «القاعدة» ما حدث في نقاش مع وسيط إيراني حيث قال: «الإيرانيون مهتمون لعمل ارتباط مع أحد من طرف العمدة (بن لادن).. إذ إنهم يعتقدون أن الإخوة هناك وبالذات الأزرق (في إشارة إلى الزرقاوي) ومجموعته لهم دخل في الاعتداءات على الأماكن والعتبات المقدسة لدى الشيعة، لذا يرغبون إما بمقابلة مندوب من طرف العمدة لمناقشة هذا الأمر والاستيضاح حوله، وإمكانية التعاون إذ إنهم (الإيرانيون) يرغبون بتقديم نوع من الدعم والمساعدة.. وهم يرغبون بالحصول على رسالة بتوقيع العمدة يؤكد فيها أن الأماكن المقدسة لدى الشيعة ليست مستهدفة من قبل الإخوة. وأنها ليست من الأهداف المراد ضربها، وأن ما يحصل إنما هو نتيجة التخطيط، الحاصل هناك، وأن العمدة وأصحابه غير راضين وغير موافقين على استهداف مثل هذه الأماكن».

مبرر آيديولوجي لتعاون «القاعدة» مع إيران
تلقي مجموعة أخرى متاحة من وثائق أبوت آباد نظرة على الرؤية الآيديولوجية التي تبناها أسامة بن لادن والتي يبدو أنها تبرر التعاون مع إيران الشيعية، حتى بالنسبة لحركة تكفيرية على خلفية سنية متشددة متطرفة ترى أن المذهب الشيعي يقترب من درجة (الشرك). وُجد أن بن لادن أكد بطرق متعددة على أن المصلحة العامة التي تقتضي مواجهة الولايات المتحدة تجعل من الحكمة تنحية تلك الخلافات جانبا والتعاون مع إيران، ما دامت إيران ملتزمة أيضًا بإلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة. ووفقا لمذكرة كتبها بن لادن ولا تحمل تاريخا: «المصلحة في هذه المرحلة تقتضي ألا يدخل المجاهدون حربا عسكرية مع إيران، لما في ذلك من تشتيت للجهد الوحيد الموجه إلى رأس الكفر أميركا. وأحسب أننا بفضل الله تعالى في فترة الإجهاز على أميركا، إلا أنه كما لا يخفى عليك أن الدول الكبرى لا تنهار في عشية وضحاها، وأن الانشغال عن عدو مُنهَك وإعطائه الفرصة لالتقاط أنفاسه والدخول في حرب طويلة المدى مع عدو آخر أمر مناف للحكمة».
ورد أحد الأمثلة الأخرى العلنية على التعاون مع إيران ضد عدو مشترك في رسالة بدون تاريخ إلى «الإخوة المسلمين في العراق والأمة الإسلامية»، حيث كتب بن لادن: «العراقي الذي يجاهد ضد الكفار الأميركيين أو حكومة علاوي (المرتدة) فهو أخونا وولينا، وإن كان فارسيًا أو كرديًا أو تركمانيًا. والعراقي الذي ينضم إلى هذه الحكومة (المرتدة)، ويقاتل معها المجاهدين المقاومين للاحتلال فقد ارتد وكفر، وإن كان عربيا».

ثورات الربيع العربي
في عام 2011، عندما بدا أن الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي تبشر بموجة من الثورات في العالم العربي، ظهر أسامة بن لادن حريصا على وضع بصمته على التغيير الهائل، وربما على توجيه الثوار من خلال كتاباته ونصائحه. وبحثا عن مقارنة يقدم من خلالها نصائحه، أشار بن لادن أكثر من مرة في كتاباته بإيجاب إلى الثورة الإيرانية ضد الشاه. على سبيل المثال في رسالته «إلى الأمة الإسلامية عامة» والتي كتبها بعد اندلاع الثورة في تونس، أشاد بن لادن بـ«نجاح الثورة الإيرانية في إسقاط نظام الشاه».
وفي رسالة أخرى إلى «أمتي المسلمة»، والتي يبدو أيضًا أنها صدرت في أعقاب الثورة التونسية، ذكر بن لادن أيضًا الثورة الإيرانية كنموذج على فكرته بوجوب التخلص التام من فلول النظام القائم؛ حيث استشهد بـ«الثورة الإيرانية التي أصر قائدها على أن يحرر البلاد من النظام تحريرًا تامًا، فحتى بعد أن خرج الشاه وترك شهبور يدير الأمور ويخادع الناس ليعود الشاه، لم تقف الثورة وإنما استمرت رغم سفك النظام للدماء إلى أن أزيل تمامًا».

حساسيات حول التعاون العلني مع إيران
لم تمر المؤشرات على وجود توافق بين «القاعدة» وإيران مرور الكرام في العالم العربي الواسع. في بعض المراسلات، علم قادة «القاعدة» بشأن إدراك بعض الدول العربية لشراكة «القاعدة» مع إيران. وبدا أن قيادات «القاعدة» تتفهم أن ذلك الإدراك يثير المشكلات ويجب مواجهته بطريقة ما.
في رسالة بتاريخ 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2007، قدم بن لادن نصيحة في الإعلام والاتصالات العامة إلى أبو عبد الله الحاج عثمان. قال إنه في حين ينبغي تجاهل بعض الاتهامات التي توجهها الحكومات العربية لـ«القاعدة»، يجب الرد على تقارير وسائل إعلام «الضرار» العربية حول وجود علاقة بين إيران و«القاعدة».
يبدو في الوقت ذاته، أن بعضا من أتباع أسامة بن لادن، الذين انغمسوا في تيار الكراهية التكفيرية تجاه الشيعة، يحتاجون إلى الاطمئنان إلى أن زعيم التنظيم لا يتعامل بـ«مرونة» مع الطائفة الشيعية. في رسالة دون تاريخ إلى بن لادن، سأله أحد عناصر «القاعدة» بشأن تردده المربك في انتقاد الجمهورية الإسلامية حيث كتب: «وأترك بقية القضايا لمراسلات قادمة، ومنها سكوتكم عن المخطط الإيراني الصفوي، في المنطقة العربية وطبيعة العلاقة معه خاصة بعد تكرار حث الدكتور أيمن المسلمين للوقوف مع (حزب الله) مع أنه جزء من هذه الأجندة الإيرانية الرافضية».
وهكذا يظهر التشعب بين المداولات السرية البرغماتية بشأن قيمة نظام طهران بالنسبة لـ«القاعدة» من جهة، والبيانات العدائية المخصصة للاستهلاك العام بشأن نبذ «القاعدة» للشيعة في الجهة المقابلة. على سبيل المثال، في رسالة ترجع إلى الأول من مارس عام 2004 (9 - 1 - 1425 هجرية)، أعلنت أن الشيعة تقترب من الشرك.
وحتى في النقاش العام، وفي أشد الكتابات المعادية للشيعة التي صدرت عن «القاعدة»، بذل التنظيم جهدا لتهدئة حدة الخطاب، فيما يبدو أنه احترام للتعامل بين التنظيم والقيادة الإيرانية. في مسودة لكلمة عن الشيعة، على الرغم من شدة الاتهامات الموجهة للطائفة، أكد الكاتب قائلا: «لست متعصبا لقوم دون قوم، لمجرد الجنس والانتساب العرقي القومي والحمد لله على نعمة الإيمان، فسلمان الفارسي وبلال الحبشي من أوليائنا وسادتنا رضي الله عنهما وإن كانا من العجم. وابن سلول الخزرجي وأبو لهب الهاشمي من أعدائنا وإن كانا من العرب وأقرب إلينا نسبا، فالعبرة بالإسلام والتقوى وليست بالوطن والقربى. وذكر الكاتب في المسودة أن السنة والشيعة جميعا معرضون للوقوع في الضلال حيث كتب: «وهنا أوجه نصيحة لطائفة أهل السنة وأخرى لطائفة الشيعة وأقول: علم الله أنني أحب أن أوصل الحق إلى كل الناس ليعرفوه فيتمسكوا به عسى أن ندخل الجنة جميعا بإذن الله، ورحمته وفضله».

ريبة متبادلة وضباب الحرب
لا تعني الإشارات الكثيرة على وجود تعاون بين «القاعدة» وإيران في صور مختلفة أن قادة الكيانين يتعاملان بثقة متبادلة، بل على النقيض، ذكر بن لادن في وثائق أبوت آباد أنه لا يجب الوثوق في الإيرانيين. وبين عدد من الوثائق، ركز القدر الأكبر على محاولة تنظيم القاعدة التعامل مع اعتقال بعض العناصر – من بينهم زوجة بن لادن شخصيا وابنه وأحفاده – على يد الحكومة الإيرانية. ومن وجهة نظر سياسية، يبدو أن الوثائق تنفي ظاهريا الدليل على التعاون بين «القاعدة» وإيران. ولكن تحت السطح تظهر صورة أكثر تعقيدا.
في بعض المراسلات، أعرب كاتبو الرسائل من وإلى أبوت آباد عن شعور بالصدمة لاعتقال الحكومة الإيرانية بعض عناصر التنظيم. في رسالة بتاريخ 27 - 12 - 1431ه، يطلب الكاتب- يبدو أنه بن لادن - من «الأخ الشيخ محمود» إفادته بأسباب اعتقال عناصر معينة من «القاعدة» في إيران. ويذكر، بناء على معلومة من عنصر آخر في التنظيم على علم بالتفكير الاستراتيجي الإيراني، أن «الإيرانيين يخشون الضغوط». ويحث بن لادن محاوريه في إيران على معالجة الأمر بحرص – فيمارسون ضغوطهم من الأجل الإفراج عن العناصر ولكن «بشكل تدريجي».
علاوة على ذلك، في الرسالة ذاتها، يتحدث بن لادن عن عناصر أخرى في إيران تتحرك بحرية واضحة في البلاد – لدرجة أنه يدخل في نقاش لوجيستي عن تبادل المراسلات بين مجمع أبوت آباد وداخل «الجمهورية الإسلامية»: «سنخبر الوسيط من طرفنا بأن يتصل عليكم على رأس كل شهر شمسي في مثل هذا التاريخ لترسلوا لنا رسالة إن كان هناك شيء مهم لا يحتمل التأخير، ونظرا لاحتمال مجيء أحد من أهلي في إيران، فأرجو الترتيب بأنه متى اتصل صاحبنا على صاحبكم وهو عندكم أن يأتوا معه مباشرة».
تقدم رسالة مختلفة فكرة أخرى عن طبيعة «الضغوط» التي قد تواجهها إيران لوضع بعض عناصر «القاعدة» قيد الإقامة الجبرية حيث جاء فيها: «اضطرتهم إلى ذلك حملة أميركا الظالمة على أفغانستان فقد كانت تستهدف أسر المجاهدين العرب نساء وأطفالا عن عمد مرات ومرات، فبعض الذين نجوا منهم ذهبوا إلى إيران دون تنسيق مع طهران ثم بعد ذلك قامت باعتقالهم..».
ويبدو أن كاتب الرسالة يعتقد أن بن لادن يملك نفوذا كافيا في إيران للتفاوض حول الإفراج عنهم: «وقد طالبنا بهم مرارا حتى يخرجوا إلى باكستان فلم تستجب طهران لذلك، فعسى أن يتيسر لك السعي في إخراجهم..».
تشير وثائق أخرى إلى وجود صلة بين اعتقال عناصر «القاعدة» في إيران واستياء حكومة طهران من العنف ضد الشيعة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي. ولعل أكثر الوثائق المؤثرة عن «الاعتقال» - التي تتحدث عن احتجاز أهل بن لادن في إيران في الأعوام الأخيرة من حياته - تلك التي تزامنت مع فترة التقارب المكشوف إلى حد ما بين إدارة أوباما ونظام طهران. لم يكن من الصعب على بن لادن أن يلاحظ في الأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته غصن الزيتون الذي مده أوباما إلى الملالي في أول «رسالة بمناسبة عيد النوروز» – أو حقيقة أن أوباما لم يعرب عن دعمه لـ«الحركة الخضراء» في إيران في عام 2009.
وهكذا تسللت إلى مراسلات بن لادن الخاصة باعتقال أسرته في إيران في أثناء الفترة ذاتها مشاعر ارتياب متزايدة بشأن نيات النظام تجاه أحبائه. وفي رسالة يرجع تاريخها إلى فبراير (شباط) عام 2011، بعنوان «رسالة إلى أهلي الكرام»، يرد بن لادن على رسالة من أحد أقاربه الذين تم الإفراج عنهم بعد الاعتقال في إيران ووصلوا إلى وزيرستان. يتضح من الرسالة أن زوجته تلقت علاجا للدوخة الشديدة على يد طبيبة إيرانية.
وطلب منها بن لادن الذهاب إلى طبيبة في وزيرستان لتحديد «هل كانت (الأعراض) تستدعي العلاج الذي وصفته طبيبة إيران أم لا؟».
كذلك كان يشعر بالقلق تجاه حشو أسنان وضعته لها طبيبة أسنان إيرانية – فيما يبدو أنه كان يتساءل حول وجود جهاز تنصت أو تعقب مخبأ في الحشوة. (في رسالة منفصلة، أعرب عن قلقه من «زرع شريحة») وتناولت رسالة سبقت الرسالة المذكورة آنفا بعدة أشهر، ويرجع تاريخها إلى 26 سبتمبر عام 2010، عن الشك في الإيرانيين ومسألة زرع شرائح: «قبل تحرك أم حمزة إلينا ينبغي أن تترك أي شيء كان معها من إيران بما في ذلك الكتب والملابس.. كل شيء يدخل فيه مقدار رأس المخيط إذ إنه قد تم تطوير شرائح للتنصت صغيرة جدا تدخل داخل حقن العلاج، وبما أن الإيرانيين غير مؤتمنين فمن الممكن زرع شرائح في بعض المقتنيات التي أحضرتموها معكم».

الخيانة الإيرانية
في الحقيقة يبدو في بعض المراسلات أن بن لادن كان يشعر بالخطر من أن تستغل الحكومة الإيرانية، في النهاية، تواصلها مع تنظيمه وقدرتها في التأثير عليه كمصدر للنفوذ في بعض مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. بتاريخ أغسطس عام 2009، كتب بن لادن رسالة مطولة إلى الكاتب والمفكر المتشدد المصري مصطفى حامد وكنيته أبو الوليد المصري، والتي يفند فيها بعض كتابات حامد بشأن طبيعة النظام الإيراني.
يبدو أن بن لادن شعر بالقلق إلى درجة ذكر مواقف الخيانة الإيرانية لعدد من حلفائه المجاهدين السنة - وأبرزهم طالبان - مقابل الحصول على مميزات من الولايات المتحدة.
على سبيل المثال كتب بن لادن عن قصف معاقل طالبان في أفغانستان في فترة ما بعد الغزو الأميركي للبلاد في 11 - 9: «إن الحكومة الإيرانية بعد شهر من القصف المتواصل على معاقل طالبان دون جدوى قدمت للأميركيين خريطة عسكرية للمواقع التي يتعين عليهم التركيز عليها لكسر الخط، وبالفعل لما أخذ الأميركيون بالنصيحة الإيرانية انكسر الخط، كما صرحت بذلك ممثلة الولايات المتحدة في اللجنة المشتركة».
* بالإتفاق مع مجلة {المجلة}



المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.


أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار، نحو اتفاق إطار سريع مع طهران، قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يرسّخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.

وأعرب هؤلاء عن قلقهم من أن تسعى واشنطن، في إطار سعيها لتحقيق إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترمب، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، من دون معالجة جميع القضايا الرئيسية، ما قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة تستمر لأشهر حتى لسنوات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد 8 دبلوماسيين تحدثوا إلى «رويترز» ممن عملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: «القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل».

وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات. وقالت المتحدثة آنا كيلي إن «الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تهميش أوروبي

وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا — وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003 — إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية. وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه «أحادي الجانب بشكل رهيب».

وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.

ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي السابقة فيديريكا موغريني خلال مؤتمر في مدينة مكسيكو بالمكسيك 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: «استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً. هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟».

اتفاق سياسي بلا تفاصيل

وأشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية. إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.

وقال دبلوماسي أوروبي: «يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى».

وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.

ويُطرح خيار «تخفيف التركيز» داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج. وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.

لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.

وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: «ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة».

وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم. فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

ويُطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.

وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.

وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: «المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة. هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة».

مسار العقوبات

في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.

وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.

ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.

وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: «هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة»، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.

وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.

ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.

ترمب يَعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية _ أ.ب)

ضغوط إقليمية

في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.

على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.

ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.

خبرة تفاوضية محدودة

وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب. لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.

وقال مسؤول أوروبي: «ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي. لقد عملنا على هذا الملف لعقدين»، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.

في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.


ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
TT

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مبعوثيه سيتوجهان إلى إسلام آباد، مساء الاثنين، لاستئناف المحادثات بشأن اتفاق ينهي الحرب، في وقت صعّد فيه لهجته باتهام طهران بخرق وقف إطلاق النار في مضيق هرمز، مجدداً تهديده باستهداف البنية التحتية الإيرانية إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.

وفي المقابل، قدّم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف رواية مفصلة لمسار التفاوض، قال فيها إن المحادثات أحرزت تقدماً، لكنها لا تزال بعيدة عن اتفاق نهائي، مع بقاء خلافات أساسية حول الملف النووي، ومضيق هرمز، وترتيبات وقف النار في الساحات المرتبطة بالحرب.

وقال ترمب إن ممثلين عنه سيتوجهون إلى إسلام آباد لإجراء «مزيد من المفاوضات» بشأن اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، مضيفاً أن الولايات المتحدة تعرض على طهران «اتفاقاً معقولاً».

ترمب يترجل من مروحية «مارين ون» في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض الجمعة (أ.ب)

وكتب على مواقع للتواصل الاجتماعي: «نطرح اتفاقاً عادلاً ومعقولاً للغاية، وآمل أن يقبلوه لأنهم إذا لم يفعلوا فستدمر الولايات المتحدة كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران». وهدد قائلاً: «لن أتعامل بلطف بعد الآن».

كما قال إن ستيف ويتكوف، مبعوثه الخاص، وجاريد كوشنر، صهره والمشارك في ملفات الشرق الأوسط خلال ولايته الأولى، سيتوجهان إلى باكستان هذا الأسبوع، فيما أشار إلى أن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي شارك في الجولة السابقة من المحادثات، لن يكون ضمن الوفد في هذه المرحلة.

وإلى جانب إعلان استئناف التفاوض، صعّد ترمب اتهاماته لإيران، قائلاً إنها ارتكبت «انتهاكاً كاملاً» و«انتهاكاً خطيراً» لاتفاق وقف إطلاق النار، في إشارة إلى إطلاق النار على سفن في مضيق هرمز.

وقال إن إيران قررت «إطلاق النار في مضيق هرمز»، مضيفاً أن كثيراً من الطلقات وُجهت، حسب قوله، نحو سفينة فرنسية وناقلة شحن بريطانية. وفي تصريحات نقلتها شبكة «إيه بي سي نيوز»، قال ترمب إن اتفاق السلام «سيتم التوصل إليه، بطريقة أو بأخرى، بالطريقة اللطيفة أو بالطريقة القاسية».

وربط ترمب بين التفاوض والتهديد العسكري المباشر، فقال إن إيران إذا لم تقبل الاتفاق فإن الولايات المتحدة «ستقضي على كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران». وأضاف أن «زمن الرجل اللطيف انتهى»، وأن الإيرانيين «سينصاعون سريعاً وبسهولة» إذا لم يقبلوا العرض المطروح.

كما اعتبر أن ما وصفه بسيطرة إيران على مضيق هرمز لا يغيّر شيئاً، قائلاً إن «الحصار الأميركي أغلقه بالفعل». وذهب إلى أن طهران «تساعد واشنطن من دون أن تدري» عبر الإغلاق، لكنها، وفق قوله، هي التي تخسر من شل الممر، مقدراً خسائرها بنحو 500 مليون دولار يومياً، بينما «لا تخسر الولايات المتحدة شيئاً». وأضاف أن سفناً كثيرة تتجه إلى الولايات المتحدة، وخصوصاً إلى تكساس ولويزيانا وألاسكا، لتحميل الشحنات.

وكان ترمب قد قال، السبت، إن المحادثات مع إيران «جيدة جداً»، لكنه اتهم طهران في الوقت نفسه بالتصرف «بقدر من المكر»، وبمحاولة «ابتزاز» الولايات المتحدة عبر التراجع المتكرر في ملف المضيق. كما أشار إلى أن الحرب قد تعود إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل الأربعاء، موعد انتهاء هدنة الأسبوعين، بما يعكس استمرار الجمع بين الضغط الدبلوماسي والوعيد العسكري في الخطاب الأميركي.

عمال النظافة يقومون بتنظيف أحد الطرق بينما يقف أحد أفراد الأمن حراسةً بالقرب من فندق سيرينا في إسلام آباد الأحد (أ.ف.ب)

وانتهت محادثات في إسلام آباد، مطلع الأسبوع الماضي، دون التوصل لاتفاق لكن هناك استعدادات فيما يبدو لاستئناف تلك المفاوضات حسب «رويترز». وأوقفت السلطات في المدينة وسائل النقل العام وشاحنات نقل البضائع الثقيلة ووضعت أسلاكاً شائكة قرب فندق سيرينا الذي شهد انعقاد المفاوضات السابقة. وأفاد ممثل للفندق بإبلاغ النزلاء اليوم الأحد بضرورة المغادرة. وفي وسط العاصمة إسلام آباد، كثفت قوات الشرطة والجيش وجودها، لكن الاستعدادات لم تبد ‌على مستوى الإجراءات الأمنية التي اتخذت قبل الجولة السابقة. وقال سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني في وقت سابق إن الاتفاق يجب أن ⁠يتم أولاً على إطار تفاهم.

«لعبة إلقاء اللوم»

لكن صورة الجولة المقبلة لم تتضح بالكامل بعد، رغم الإعلانات الأميركية المتلاحقة. إذ أفادت شبكة «سي إن إن» نقلاً عن مصادر إيرانية مطلعة إن وفداً إيرانياً يُتوقع أن يصل إلى باكستان، الثلاثاء، لإجراء محادثات مع الجانب الأميركي، مرجحة أن يضم التشكيل نفسه الذي شارك في الجولة السابقة، وبينهم وزير الخارجية عباس عراقجي وقاليباف.
وأضافت المصادر، وفق «سي إن إن» أن هناك توقعات بإعلان رمزي مشترك، الأربعاء، لتمديد وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أنه إذا سارت الأمور بسلاسة وقرر ترمب التوجه إلى إسلام آباد، فقد يقابله الرئيس الإيراني، مع احتمال عقد اجتماع مشترك بين الرئيسين وتوقيع ما وصفته المصادر بـ«إعلان إسلام آباد».
في المقابل، لم يصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي من طهران بشأن سفر الوفد الإيراني، رغم إعلان ترمب إرسال وفد أميركي، في حين أظهرت مواقف إعلامية إيرانية رسمية تشككاً واضحاً في عقد جولة جديدة من الأساس.
وفي هذا السياق، نفت وكالة «إرنا» الرسمية وصفته بالتقارير المتداولة بشأن عقد جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، مؤكدة أن «الأخبار المنشورة حول الجولة الثانية من المفاوضات غير صحيحة».
وأضافت الوكالة أن «المبالغة في المطالب الأميركية، وطرح مطالب غير معقولة وغير واقعية، إلى جانب التغيير المتكرر في المواقف، والتناقض المستمر في التصريحات، واستمرار ما يسمى بالحصار البحري الذي يُعد خرقاً لتفاهم وقف إطلاق النار، فضلاً عن الخطاب التهديدي، كل ذلك حال حتى الآن دون إحراز تقدم في المفاوضات».
وتابعت «إرنا» أن «هذه الظروف لا توحي بوجود أفق واضح لمفاوضات مثمرة»، معتبرة أن «الأخبار التي تنشرها الولايات المتحدة تندرج ضمن لعبة إعلامية، وفي إطار ما يُعرف بـ(لعبة إلقاء اللوم)، بهدف ممارسة ضغط على إيران».

ناقلات النفط وسفن شحن البضائع السائبة راسية في مضيق هرمز السبت (أ.ب)

وفي مؤشر إضافي على استمرار التباين في المواقف، ذكرت وكالة «تسنيم» المرتبطة بجهاز استخبارات «الحرس الثوري» أن إيران «لا تملك حالياً خطة لإرسال وفد تفاوضي»، مؤكدة أن استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية يجعل عقد جولة جديدة أمراً غير مطروح في الوقت الراهن.

هرمز بين الشلل والتهديد

وفي ظل هذا الغموض بشأن الجولة المقبلة من المحادثات، ظل مضيق هرمز العامل الأكثر إلحاحاً في المشهد، مع استمرار توقف الملاحة تقريباً، وتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران بشأن المسؤولية عن تقويض الهدنة.

وأظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلتين تحملان غاز البترول المسال، هما «ميدا» و«جي سمر»، عادتا أدراجهما بعد التوجه نحو مخرج المضيق، قبل أن تستديرا جنوب جزيرة لاراك الإيرانية.

وكانت هاتان السفينتان الوحيدتين تقريباً اللتين ظهرتا بأجهزة إرسال نشطة أثناء محاولة المرور، من دون أن تظهر سفن أخرى تعبر في أي من الاتجاهين.

كما أفادت بيانات أخرى بأن الحركة عبر المضيق توقفت عملياً، بعدما كانت ناقلات قليلة قد عبرت صباح السبت خلال فترة الفتح القصيرة. وبحلول الأحد، بدا مدخل الخليج العربي في حالة جمود، مع خلو المضيق من السفن تقريباً.

وأعلنت إيران، يوم الجمعة، أنها فتحت المضيق، الذي أبقته في حكم المغلق أمام كل السفن ما عدا سفنها منذ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل استهدافها في 28 فبراير (شباط). لكن طهران غيرت موقفها أمس السبت وعاودت فرض سيطرتها على المضيق وأغلقته، واتهمت واشنطن بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار من خلال مواصلة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية. وأبلغت سفينتان على الأقل عن تعرضهما لإطلاق نار لدى الاقتراب من المضيق، أمس السبت. وأظهرت بيانات شحن بعد ذلك أن حركة العبور توقفت تماماً من المضيق.

وقالت جهات أمنية بحرية إن الملاحة التجارية تعرضت لهجمات للمرة الأولى منذ بدء الهدنة الحالية، وهو ما عزز حالة الترقب ودفع السفن إلى تغيير مساراتها أو التراجع.

وأعلنت وزارة الخارجية الهندية استدعاء السفير الإيراني بعد حادث إطلاق نار استهدف سفينتين تحملان العلم الهندي، فيما قالت هيئة أمن بحري بريطانية إن «الحرس الثوري» أطلق النار على ناقلة، وتحدثت شركة أمنية عن تهديدات بتدمير سفينة سياحية كانت تغادر الخليج. كما ورد بلاغ عن سفينة أصابها مقذوف مجهول وألحق أضراراً بحاويات الشحن من دون اندلاع حريق.

وقال قاليباف إن «من المستحيل أن يمر الآخرون عبر مضيق هرمز بينما لا تستطيع إيران ذلك»، وربط إعادة فتحه برفع الحصار البحري الأميركي. وأضاف أن بلاده لن تقبل استمرار مرور الآخرين إذا استمر تقييد حركتها، وأن تقييد العبور سيُفرض «بالتأكيد» إذا لم ترفع واشنطن الحصار.

رواية للمفاوضات

وأفاد قاليباف إن المفاوضات مع الولايات المتحدة شهدت تقدماً، لكنها «لا تزال بعيدة عن النقاش النهائي». وأوضح في كلمة متلفزة خاطب بها الإيرانيين، أن الاتصالات بدأت عبر باكستان، التي نقلت مقترحات أميركية أولية من 15 بنداً، جرى بحثها داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، مع رفعها بشكل متواصل إلى القيادة لاتخاذ القرار. وأضاف أن طهران رفضت هذه الصيغة، وقدمت بدلاً منها إطاراً من 10 بنود اعتبرته أساساً للتفاوض، قبل أن تطرح واشنطن لاحقاً مقترحاً من 9 بنود.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الولايات المتحدة اقترحت، عندما التقى المفاوضون الأميركيون والإيرانيون الأسبوع الماضي في إسلام آباد، تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية 20 عاماً، في حين اقترحت إيران تعليقاً بين ثلاثة وخمسة أعوام وهو ما يرفضه ترمب.

وقال قاليباف إن المفاوضات الفعلية لم تبدأ إلا في آخر 48 ساعة قبل وقف إطلاق النار، بعدما طلبت واشنطن التهدئة. وأوضح أن طهران اشترطت أن يعلن ترمب بنفسه في تغريدة أن طلب وقف إطلاق النار جاء من الجانب الأميركي، حتى يكون واضحاً أن التهدئة لم تُفرض على إيران. وأضاف أن بلاده قبلت وقف إطلاق النار على هذا الأساس، لكن مع بقاء مسائل أساسية غير محسومة.

وفيما يتعلق بمضمون التفاوض، قال قاليباف إن الخلافات لا تزال قائمة حول الملف النووي ودور إيران في مضيق هرمز، وإن بعض المواضيع وصلت إلى «استخلاص نهائي»، بينما بقيت قضايا أخرى من دون حسم.

وأضاف أن الوفدين وصلا إلى «فهم أكثر واقعية» لمواقف بعضهما، لكن ذلك لم يبدد انعدام الثقة الإيراني تجاه واشنطن. وشدد على أن أي اتفاق ينبغي أن يقوم على مبدأ «خطوة مقابل خطوة» و«تعهد مقابل تعهد»، لا على تنفيذ إيراني أحادي في مقابل التزامات غير مضمونة من الطرف الآخر.

وروى قاليباف أيضاً تفاصيل حديثه مع نائب الرئيس الأميركي، قائلاً إنه أبلغه أن طهران جاءت إلى المفاوضات «بحسن نية، لكن في ذروة انعدام الثقة». وأضاف أنه قال له صراحة: «لا نثق بكم إطلاقاً، وأول ما عليكم فعله هو بناء الثقة». كما أشار إلى أنه ذكّر الوفد الأميركي بما قاله ترمب عن بقاء المفاوضين الإيرانيين أحياء من أجل التفاوض، معتبراً أن ذلك يعكس طبيعة السلوك الأميركي خلال الحرب.

وعلى المستوى الميداني، ربط قاليباف قبول وقف إطلاق النار بكون إيران «حققت تفوقاً» منع الطرف الآخر من فرض شروطه. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن ميزان القوة العسكرية يميل لصالح الولايات المتحدة، معتبراً أن ما حققته طهران يعود إلى أسلوب القتال غير المتكافئ والتخطيط العملياتي، لا إلى امتلاك قوة عسكرية أكبر من واشنطن.

سجال داخلي

وجاءت رواية قاليباف بعد بيان للأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني شرح مسار مفاوضات إسلام آباد، وقال إن الرسائل الأميركية لوقف إطلاق النار بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، وإن طهران قبلت التفاوض في اليوم الأربعين ضمن إطار من 10 بنود، بعد محادثات امتدت 21 ساعة، من دون التوصل إلى نتيجة نهائية. وأضاف البيان أن مقترحات أميركية جديدة وصلت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد الدراسة.

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

كما أوضح البيان أن فتح مضيق هرمز كان مؤقتاً ومشروطاً لعبور السفن التجارية فقط، وأن استمرار ما وصفه بالحصار الأميركي سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح محدود أو مشروط للمضيق. وشدد على أن إيران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بشكل كامل وتحقيق «سلام مستدام».

واكتسبت تصريحات قاليباف أهمية إضافية لأنها جاءت بعد جدل داخلي أثارته تغريدة وزير الخارجية عباس عراقجي بشأن فتح مضيق هرمز، وما تبعها من انتقادات من وسائل إعلام مقربة من «الحرس الثوري»، رأت أن الرسالة كانت ناقصة وأحدثت التباساً واسعاً حول شروط العبور وآلياته. وفي هذا السياق، بدا ظهور قاليباف محاولة لتقديم رواية أكثر تفصيلاً عن التفاوض والهدنة والمضيق، وربطها بقرار صادر عن مؤسسات عليا لا بموقف فردي من وزارة الخارجية وحدها.

الحصار البحري

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن ما وصفه بـ«الحصار» الأميركي على الموانئ أو السواحل الإيرانية لا يشكل فقط انتهاكاً لوقف إطلاق النار الذي جرى بوساطة باكستانية، بل يعد أيضاً إجراءً «غير قانوني وإجرامياً».

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا الإجراء ينتهك المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، ويشكل «عملاً عدوانياً» بموجب قرار الجمعية العامة رقم 3314 لعام 1974. وتابع أن فرض «عقاب جماعي» على السكان الإيرانيين يرقى، حسب تعبيره، إلى «جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية».

وفي موازاة ذلك، قال مجيد موسوي، قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، إن إيران تسرّع خلال فترة الهدنة تحديث وإعادة تزويد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة تفوق ما كانت عليه قبل الحرب.

وكان أحد أهداف الحرب الأميركية الإسرائيلية على ⁠إيران، والتي اندلعت في ‌28 ‌فبراير، ​هو ‌القضاء على قدرات ‌إيران الصاروخية.

بحّارة ومشاة البحرية على متن سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور» ينفذون عمليات حصار في بحر العرب أمس (سنتكوم)

وأضاف، في تعليق مرفق بمقطع مصور من منشأة صاروخية تحت الأرض، أن «العدو، خلافاً لإيران، لم يتمكن خلال وقف إطلاق النار من إعادة بناء مخزونه من الذخائر»، معتبراً أن هذه المرحلة من الحرب «خسرها أيضاً»، وأنه «خسر المضيق ولبنان والمنطقة».

في وقت سابق من هذا الشهر، قال الجنرال دان كين من سلاح الجو إن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) «دمرت ما يقرب من 80 في المائة من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، حيث ضربت أكثر من 1500 هدف للدفاع الجوي، وأكثر من 450 منشأة لتخزين الصواريخ الباليستية، و800 منشأة لتخزين الطائرات دون طيار الهجومية ذات الاتجاه الواحد».

أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يمكنه حرمان إيران من حقها في برنامج نووي، متسائلاً: «ما نوع السلطة التي يمتلكها ليحرم أمة من حقوقها القانونية؟». كما انتقد إسرائيل والولايات المتحدة، قائلاً إن تل أبيب تعلن عن نيتها اغتيال أشخاص، ثم تتهم واشنطن إيران بالإرهاب.

وأضاف أن إيران «ليست طالبة حرب، بل تدافع عن نفسها»، داعياً منابر المساجد وخطباء الجمعة إلى تجنب الخطابات المثيرة للانقسام، والعمل على مواجهة الشائعات وتعزيز الاستقرار النفسي للمجتمع.

بدوره، قال مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي إن «زمن فرض الأمن من خارج المنطقة انتهى»، معتبراً أن أمن مضيقي هرمز وملقا بات مضموناً عبر قدرات إيران وشركائها، فيما أصبح أمن باب المندب، حسب تعبيره، «في يد الإخوة في أنصار الله». وحذر من أن «أي شيطنة ستقابل برد متسلسل»، منتقداً مواقف بريطانية وفرنسية بشأن أمن الملاحة.

وفي الاتجاه نفسه، قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، أبو الفضل زهره‌وند، إن التفاوض والحصول على تعويضات «لا يكتسبان معنى إلا بعد إنهاء الوجود الأميركي في المنطقة».