حلم الخلافة، والحديث باسم الدين، والجهاد من أجل نيل الشهادة والفوز بالجنة، لم تعد أوراقا رابحة للجماعات المتطرفة تسعى من خلالها للتأثير على العقول وضم عناصر جديدة، لتبدأ هذه الجماعات بعد أن خسرت الكثير على أرض الواقع إلى تغيير استراتيجيتها.
وأكد خبراء في شأن الجماعات الإرهابية أن «جماعات الإرهاب تلجأ لأفكار جديدة للخروج من حالة الحصار عليها وهروب الكثير من أنصارها، بتضخيم أي أعمال تقوم بها لإظهار قوتها وسيطرتها أمام الدول الممولة لها كي لا تتخلى عنها»، موضحين أن «جماعات العنف تستغل الإرهاب باسم الإسلام أكثر من ذي قبل، وتعتمد على تأثيرات الصدمة بعد الهجمة الإرهابية.. فالإرهاب يتغلغل اليوم في وعي الشعوب ونفسيتهم، حيث يمكن للجميع متابعة ذلك والتفاعل معه عبر شبكات التواصل الاجتماعي».
الخبراء قالوا أيضا إن «تغيير الآيديولوجيات الجديدة للتنظيمات الإرهابية أمر لا يعدو كونه خطأ في حسابات تلك الجماعات، فحلم الخلافة الموهوم جعلهم يستحضرون زمن انتهاء الخلافة الإسلامية، وظنوا ضعف الحكومات وجهل وسذاجة الشعوب، كما اعتقدوا أن الظلم الذي تتعرض له الشعوب كفيل باستجابة الشعوب لهم وانسياقهم خلفهم؛ لكن فوجئوا بحكومات قوية وشعوب واعية».
وقال الخبراء إن «جماعات العنف باتت تغير في رؤاها نتيجة وعي الشعوب الآن بخطورة هذه الجماعات، وإنه ليس وراءها إلا الخراب والدمار».
المراقبون اتفقوا على أن «جماعات العنف والإرهاب خرجت جميعها من رحم جماعة الإخوان المسلمين.. وتنظيمات داعش و(القاعدة) وجبهة النصرة وأنصار الشريعة والتوحيد والجهاد وأنصار بيت المقدس والجماعة الإسلامية وحركة التكفير والهجرة، ما هي إلا مُسميات لجماعة واحدة هي الإخوان».
المراقبون أكدوا أن «التنظيمات الإرهابية تربت على كُتب سيد قطب مُرشد الجماعة الأسبق ومنهجه.. وأن عودة الخلافة الإسلامية هي ورقة قديمة في الفكر الإخواني»، موضحين أن إخراج التنظيمات الإرهابية المُتطرفة من رحم تلك الجماعة يشتمل على الاعتماد على الفكر، حيث يتم إقناع المخدوعين فيهم بأنهم على الصواب، والثاني الإنفاق ببذخ على أصحاب الضائقات المالية لينفذوا أي عمليات انتحارية تُطلب منهم.
ما قاله المراقبون اتفق مع دراسة دولية صدرت مؤخرا، أشارت إلى أن 50 في المائة من المتطرفين لديهم روابط بجماعة الإخوان أو بتنظيمات مرتبطة بالإخوان.
وقالت الدكتورة إلهام شاهين، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، إن تغيير الآيديولوجيات للجماعات الإرهابية أمر لا يعدو كونه خطأ في حسابات تلك الجماعات، فحلم الخلافة الموهوم جعلهم يستحضرون زمن انتهاء الخلافة الإسلامية في تركيا، ويتعاملون مع الأمر كما تعامل سابقوهم مع الرجل المريض «الخلافة والخليفة العثماني»، وظنوا أن ضعف الحكومات وجهل وسذاجة الشعوب يمكنهم من ذلك، كما اعتقدوا أن الظلم الذي تتعرض له الشعوب كفيل باستجابة الشعوب لهم وانسياقهم خلفهم؛ لكن تأتي الريح بما لا تشتهي السفن، فوجئوا بحكومات قوية وشعوب واعية.. وهنا اختلفت ردود الأفعال والنتائج حول ما وصلوا إليه الآن.
وأضافت شاهين: «حيثما وجدت الحكومات القوية الضاربة بحكمها وخبرتها السياسية والعسكرية في عمق التاريخ، حيثما وجدت هذه الحركات والتنظيمات المقاومة وباءت محاولاتها بالفشل، وحيثما وجدت الشعوب الواعية بأهداف تلك الجماعات حيثما وجد الإعراض عنهم وضعف الاستجابة والاستسلام لهم»، لافتة إلى أن «الشعوب تريد من يحقق لها الرخاء الآن، لا من يطلب منها بذل النفس والموت للفوز بالنعيم الأخروي، عن طريق أفكار خاطئة».
وقالت إلهام شاهين إذا كان سعي هذه الجماعات للآخرة والفوز بنعيمها، فلماذا يؤثرون غيرهم على أنفسهم؟، ولماذا يطلبون من الناس أن تفعل ذلك ويظلون هم في هذه الأرض ليحكموا فيها؟، إنما سعيهم للاستيلاء على مقدرات الشعوب ونزع الملك من يد غيرهم، ليفوزوا هم به وتظل الشعوب كما هي في البؤس والمعاناة؛ لكن هذه المرة باسم الدين.
ويقول الخبراء إن «المعركة الحقيقية التي يجب أن يخوضها العالم بأسره ضد التنظيمات المتطرفة هي معركة الوعي، ولا شك أن الأفكار التي تدفع للتطرف لن تنتهي على الأرض بقوة السلاح فقط دون إعلان وفاة هذه الأفكار إكلينيكيا في عقول الشباب، وهذا هو ما تنبهت إليه الدول والمؤسسات الدينية، وذلك من خلال تعرية تلك الجماعات وأفعالها أمام الشباب، حتى لا يقعوا فريسة للتطرف والإرهاب، وفريسة لخدمة أغراض عالمية وحزبية ومحلية لهذه الجماعات».
في غضون ذلك، قال اللواء طلعت مسلم الخبير العسكري والاستراتيجي في مصر، إن «جماعات الإرهاب تحاول الآن البحث عن أفكار جديدة للخروج من حالة الحصار عليها، وهروب الكثير من أنصارها، بعد اكتشافهم زيف أفكار هذه الجماعات.. لذلك فالجماعات الإرهابية تحاول تضخيم أي أعمال تقوم بها من أجل إظهار قوة هذه التنظيمات وسيطرتها أمام الدول الممولة لها، كي لا تتخلى عنها».
ويقول المراقبون إن «الفترة من بداية السبعينات إلى نهاية تسعينات القرن الماضي، أصبح من المألوف أن تقع المئات من الهجمات سنويا في أوروبا مثلا، وقد بلغ عدد الضحايا آنذاك أكثر من 150 ضحية سنويا؛ لكن ما شهده عام 2015 كان أفظع بكثير، وحادثة واحدة مثل تفجيرات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قتل فيها 147 شخصا». وأضاف مسلم: أن «جماعات العنف تكثر من لصق الإرهاب بالإسلام الآن أكثر من ذي قبل، وتعتمد على تأثيرات الصدمة بعد كل هجمة إرهابية»، لافتا إلى أن «أعمال الإرهاب في يومنا هذا تسعى إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، قتلى وجرحى، وأصبح الإرهاب يتغلغل اليوم تغلغلا عميقا في وعي الشعوب ونفسيتهم، حيث يمكن للجميع متابعة ذلك والتفاعل معه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وعلاوة على ذلك كان إرهاب السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ينتقي ضحاياه.. واليوم يمكن أن يصبح أي شخص ضحية للإرهاب».
وقال اللواء مسلم: في مصر مثلا تنظيم «أنصار بيت المقدس سابقا»، و«داعش مصر حاليا» تحول إلى استهداف المواطنين وتنظيم العروض العسكرية وكل شكل من أشكال الاستعراض أو الترهيب، مع تراجع في عدد العمليات الموجهة ضد الأهداف العسكرية، لافتا إلى أن «هذه الاستراتيجية الجديدة للتنظيم، الذي يعد أكثر الجماعات عنفا بمصر، يعود إلى التضييق على العمليات الإرهابية المنظمة بوجه عام، ومحاولة التنظيم لإرهاب المواطنين لمنعهم من التعاون مع القوات المسلحة المصرية ضده، وأخيرا إظهار القوة أمام العالم الخارجي والدول والأجهزة الممولة لهم».
وتشير إحصاءات العمليات الإرهابية في 2015 إلى أن التنظيمات الإرهابية في مصر أصبحت أكثر شراسة عن ذي قبل، حيث بلغ عدد العمليات الإرهابية في 2015 (617) عملية، وفقا لتقرير مؤشر الأمن في مصر الصادر عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، بعد أن كان 349 عملية عام 2014.
من جهته، قال الدكتور علي محمد الأزهري عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر: تُعد أفكار الجماعات الجهادية كما يُطلقون على أنفسهم أفكارا متقاربة، إن لم تكن متطابقة وخاصة في مجال الغلو والتكفير، منذ «الخوارج» على عهد سيدنا علي بن أبي طالب، مرورا بجماعة «التكفير والهجرة» ثم ظهور تنظيم «الجهاد» وقبل النهاية تنظيم «القاعدة» ونهاية بـ«داعش».
مضيفا: من طالع أفكار هؤلاء وجدهم ينظرون للمجتمع نظرة دونية فلم يسلم من تكفيرهم الكبير ولا الصغير حتى الآن، ومن أمثلة تشابه أقوال الخوارج سلفا وخلفا ما يلي، أن تكفيرهم للناس بالكبائر، فلقد كفرت الخوارج كل من فعل كبيرة، وقالوا بخلوده في النار وعلى المنوال نفسه سار «التكفير والهجرة» وتنظيم «القاعدة» و«داعش»، موضحا أنه في تكفيرهم المجتمعات، يرون أن المجتمعات كلها مجتمعات كفر وردة، هكذا جزم الخوارج على عهد سيدنا علي ومن ثم اعتزلوا الناس جميعا وذهبوا إلى حروراء، وأيضا جماعة «التكفير والهجرة» المتمثلة في زعيمها شكري مصطفى على المنوال نفسه، فلقد جزم مصطفى أن كل ما عدا جماعته فهو ليس من المسلمين، أن الناس جميعا حقراء وأن النساء سواقط، وأن المجتمع الموالي للأنظمة الحاكمة مجتمع لا يقبل الله منه صلاة ولا صياما، واعتزال المجتمع الكافر المحيط بهم وإقامة الدولة الإسلامية، وبهذا أيضا قال تنظيم «القاعدة» فإن زعيمهم عبد الله عزام قد كفر الحُكام والمجتمعات ومن أبرز ما ذكره «عزام» قال ما نصه: والذين يشرعون بغير ما أنزل الله، والذين يتحاكمون إلى هذا التشريع، نستطيع أن نوضح موقف هذا الدين منهم بالتفصيل: أولا الحاكم الأول في الدولة الذي يأمر بالتشريع وسن القوانين «هذا كافر خارج من الملة».. تكفير من يقومون بصياغة المواد القانونية في فكر عزام يقول ما نصه: «المقننون الذين يقننون القوانين في هذا التشريع المخالف لشرع الله، هؤلاء كفرة كالسدنة والكهنة»، ولم يكتف بهذا فحسب؛ بل كفر أعضاء المجالس البرلمانية وأعضاء المجالس القضائية والمجتمعات التي ترضى بحكم هؤلاء.
وتابع بقوله: على المستوى العالمي نأمل أن نجد قريبا إحصاءات عالمية تقدم لنا مدى نسب رفض الشباب سواء المسلمين أو غيرهم للفكر المتطرف، حتى نقف على مدى تقدم أو تأخر تلك الحملات التوعوية على المستوى العالمي.
واستطرد محمد بقوله: لكننا رغم عدم توفر استطلاعات عالمية لنا؛ إلا أنه قد ورد إلينا أحد الاستطلاعات لمسلمي واحدة من أكبر الدول الأوروبية وهي بريطانيا، أوضح استطلاع للرأي مؤخرا أن الغالبية العظمى من المسلمين البريطانيين تحديدا بما يعادل 96 في المائة من إجمالي عددهم لا يتعاطفون مع الانتحاريين، كما كشف الاستطلاع أيضا أنهم يدعمون الشعب البريطاني والمؤسسات والهيئات البريطانية نظرا لشعورهم بالانتماء لبريطانيا.
وأضاف محمد أما «داعش» فلم يختلف عن الخوارج قديما ولا حديثا؛ بل أقر ما قاله هؤلاء، فـ«داعش» يرى كفر المجتمعات والحكام والجيوش ويعتبرها كلها مجتمعات ردة وكفر؛ بل كل من أنكر على داعش أو قاتلها فهو كافر، قال متحدث التنظيم أبو محمد العدناني في بيانه: «يا قومنا أجيبوا داعي الله»: «فاحذر فإنك بقتال (الدولة الإسلامية) تقع في الكفر، من حيث تدري أو لا تدري».
كما يكفر التنظيم المجتمعات التي فيها البرلمانات، وقال متحدث «داعش» في بيانه عذرا أمير القاعدة: «فكل من يسعى في قيام هذا المنهج بالمعونة والمساعدة فهو متول له ولأهله، وحكمه كحكم الداعين إليه والمظاهرين له، والمرشحون للانتخابات هم أدعياء للربوبية والألوهية، والمنتخبون لهم قد اتخذوهم أربابا وشركاء من دون الله، وحكمهم في دين الله.. الكفر والخروج عن الإسلام».
ويرى المراقبون أن «الأخبار التي تفيد بتقدم التنظيمات أو التفجيرات التي تحاول من خلالها التنظيمات إرسال رسالة مفادها أنها تنتشر خلال الفترة الأخيرة، يجب أن تكثف الحكومات جهودها في معركة الوعي من خلال محاور عدة منها فهم الطرق التي يساق الشباب بها لهذه التنظيمات، ومحاولة تتبع أثر الأخبار والبرامج التوعوية على الشباب».
وأكد المراقبون أنه بغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع وجهة نظر الشباب عن أسباب انضمام البعض للتنظيمات الإرهابية؛ إلا أن زيادة وعي الشباب بمدى انتهاكات هذه الجماعات لتعاليم الإسلام نفسها، يوضح أن ما تقوم به المؤسسات الدينية في الدول من حملات توعوية لها بدأت تظهر آثارها على أرض الواقع بين الشباب، فكون عدد من يرفضون الفكر المتطرف بين الشباب في ازدياد ملحوظ من عام لآخر، فقد كانت نسبتهم عام 2014 (60) في المائة فقط، أما العام الماضي أصبحت نسبتهم 80 في المائة، ويجب علينا أن نزيد من الحملات التوعوية حتى تصل تلك النسبة إلى مائة في المائة.
وعن الاستراتيجيات الجديدة للتنظيمات الإرهابية، قال عضو هيئة التدريس بالأزهر: في مقدمتها، إقناع العناصر الجديدة بالانضمام لهذه الجماعات من أجل المعيشة المرفهة والاستمتاع بالحياة عن طريق نشر صور ومقاطع فيديو مصورة لهذه الحياة، وكان في السابق يتم إقناع المنضمين الجدد بأن الجنة هي الهدف الأساسي من الانضمام إلى أي جماعة أو تنظيم، فضلا عن الاعتماد على النساء في أعمال القتال بعد أن كانت المرأة فقط للزواج والإنجاب والأعمال المنزلية، إلى جانب الاعتماد بشكل صارخ على الأطفال في العمليات القتالية، بدلا من تعليمهم تعاليم الدين، والذي دائما تؤكد عليه التنظيمات الإرهابية».
