بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

دعاة «البقاء» يحذّرون من المجازفة بالاقتصاد.. ومناصرو «الخروج» يلوّحون بـ«غول» الهجرة

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب
TT

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

حدّقت لورين هوتن، وهي طالبة جامعية بريطانية تدرس اللغات وعلم الاجتماع في جامعة ويستمنستر بلندن، بمحتويات صحيفة ما حال إلى تأجيل إكمالها وجبة طعام قدمتها لها نادلة بولندية. وبعد فترة وجيزة عادت لورين لإكمال طعامها مع صديقتها وزميلتها في الجامعة السويدية آنا. إنه مشهد يحمل جملة من المفارقات التي تبرز إيجابيات الاتحاد الأوروبي وسلبياته. منها على صعيد الإيجابيات أن النادلة البولندية التي تعمل في مطعم يملكه بريطاني قد تفقد منافع نظام الإعانات الاجتماعية لأولادها إذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وسيتهدّد صاحب المطعم بزيادة النفقات جراء استقدام عمالة أعلى أجورًا، وستواجه آنا صديقة لورين صعوبات جمّة في دخول سوق العمل.

خيار «البقاء» أو «الخروج» ما عاد بإمكان أي شخص في بريطانيا البالغ عدد سكانها 64 مليون نسمة أن يتلافى الحديث عنه. ولا صوت يعلو الآن على صوت الاستفتاء الذي ستشهده البلاد، انطلاقا من العاصمة لندن، ووصولاً إلى أبعد أطراف البلاد، فالجميع مشغول بإقناع الآخرين: «ابقوا».. أو «اخرجوا».
وبطبيعة الحال، احتدمت في أوساط النخبة السياسية الحرب الكلامية بين ناشطي معسكري «البقاء» - وعلى رأسها الحكومة المحافظة الحالية ورئيسها ديفيد كاميرون - و«الخروج» من الاتحاد الأوروبي خلال الأيام والأسابيع الماضية، وضاعفت الحملتان من جهودهما لإقناع الناخبين للتصويت، كل وفق مصالحه.
* ثلاثة محاور
وفي حين تظهر استطلاعات الرأي تقاربا بين مؤيدي المعسكرين، يدرس المحللون التداعيات المحتملة لـ«الخروج» على بريطانيا.. اجتماعيًا، وسياسيا، واقتصاديا؛ وكذلك ما يمكن أن يحمله انتصار خيار «البقاء» إلى الاتحاد الأوروبي. والواضح اليوم أن ثمة 3 محاور أساسية تهيمن على النقاش:
المحور الأول يتعلق بالاعتبارات الاقتصادية، حيث تُصدر الحملتان المتنافستان أرقامًا متضادة شبه يومية عن حجم الخسائر أو المكاسب التجارية والمالية المترتبة على «الخروج» أو «البقاء».
والمحور الثاني يتصل بقضية الهجرة الساخنة في دول الاتحاد الأوروبي، وهذه «فزّاعة» يستغلها معسكر «الخروج» بقوة للترهيب من تدفق ضخم للمهاجرين - وبالأخص، من دول شرق أوروبا - إذا ما ظلت الحدود مع القارة الأوروبية «مفتوحة».
أما المحور الثالث، فيمسّ وحدة كيان بريطانيا نفسها إذا انتصر دعاة «الخروج»، وذلك في ظل تلويح اسكوتلندا بتنظيم استفتاء جديد على بقائها ضمن كيان «المملكة المتحدة لبريطانيا وآيرلندا الشمالية» (وهذا هو الاسم الرسمي للبلاد).
* انكماش الاقتصاد البريطاني
لقد حذّرت وزارة الخزانة البريطانية مرارًا من الانكماش الاقتصادي الذي قد يضرب البلاد إذا ما خرجت من أسرة الاتحاد الأوروبي، في تصريحات وتقارير عزّزت موقف رئيس الحكومة وأثارت غضب دعاة «الخروج» والمدافعين عنه. وبعد تحذيرها في شهر مارس (آذار) من «صدمة اقتصادية عنيفة» سيتسبب بها على الأمد الطويل الخروج من الاتحاد الأوروبي، نشرت وزارة الخزانة معطيات مثيرة للقلق حول تأثير هذه الخطوة على الأمد القصير، فقالت إن «الاقتصاد البريطاني سيشهد انكماشًا على مدى سنة»، مشيرة إلى أن بريطانيا ستظهر فجأة وكأنها «أقل انفتاحًا على التجارة والاستثمار»، وستعاني من تأثير الشكوك في نشاط الشركات ومن تقلّبات قويّة في أسواق المال. كذلك، توقّع خبراء الوزارة أن إجمالي الناتج الداخلي للبلاد سينخفض خلال سنتين بنسبة 3.6 في المائة مما كان سيسجّله إذا صوّت البريطانيون لصالح «البقاء» في أوروبا، وبنسبة 6 في المائة مائة في توقعات أخرى أكثر تشاؤما. كذلك، وفق وزارة الخزانة، قد يكبّد «الخروج» من أوروبا الاقتصاد البريطاني خسارة ما بين 520 و820 ألف وظيفة، ويسبب انخفاضا في قيمة الجنيه الإسترليني تتراوح بين 12 و15 في المائة بحسب الوزارة.
* المصارف مع «البقاء»
وبهذا الصدد، أوضح أنتوني براون، رئيس جمعية المصارف البريطانية أن «السوق الموحّدة تتميز بأهمية جوهرية بالنسبة للقطاع المصرفي البريطاني الذي يشمل أكثر من نصف مليون موظف، وتسهم بأكثر من 31 مليار جنيه إسترليني من الضرائب سنويًا، كما أنها تعد أكبر قطاع تصديري في بريطانيا. وفي جردة لمواقف نحو 147 مصرفا بريطانيا، وجدت جمعية المصارف البريطانية - التي هي أكبر مظلة تمثيلية للمصرفيين البريطانيين - أن نحو 60 في المائة من المصارف تعتبر أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلبًا عليها، بينما رأت 26 في المائة أن العواقب الاقتصادية ستكون وخيمة.
إعلان وزارة الخزانة كان الأحدث الأخير في سلسلة تحذيرات من العواقب الاقتصادية المحتملة لـ«الخروج» من الاتحاد أطلقتها في الأسابيع الأخيرة مؤسسات مرموقة عدة، مثل بنك إنجلترا، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، بل وحتى وزراء مال «مجموعة السبع». كذلك أكّد قادة الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا أنه في حال أدى استفتاء 23 يونيو (حزيران) الحالي إلى «خروج» بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيشكل «خطرًا جسيمًا على النمو العالمي». وأوضحوا في بيان نشر عقب القمة التي عقدوها في اليابان أخيرًا أن تلك الخطوة «ستعكس اتجاه نمو التجارة العالمية والاستثمار، وكذلك فرص العمل التي تحدثها، وستشكل خطرًا جسيمًا جديدًا على النمو».
* ذرائع دعاة «الخروج»
في المقابل، بينما تشكل هذه المواقف دعمًا لموقف رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، المتحمس لـ«البقاء»، فإنها تزيد من غضب مناصري «الخروج» الذين يرون فيها «مؤامرة» تهدف «لإخضاع» البريطانيين إلى سلطة المفوضية الأوروبية والطبقة الحاكمة في العالم. وفي هذا السياق، أدان إيان دنكان سميث، الزعيم اليميني السابق لحزب المحافظين، الذي استقال من منصبه كوزير للعمل في مارس (آذار)، دراسة وزارة الخزانة، معتبرًا أنها «غير نزيهة، وموجهة بشكل واضح، ويجب ألا تؤخذ على محمل الجدّ». وأردف «في الواقع، نحن ندفع 350 مليون جنيه (450 مليون يورو) أسبوعيًا إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا ما صوّتنا لصالح مغادرته سنتمكن من وضع أيدينا على هذه الأموال واستخدامها هنا في بريطانيا». ويضيف: «سنستعيد أيضا التحكم باقتصادنا عبر إحداث مئات الوظائف وإبرام اتفاقات للتبادل الحر». غير أن محللين يشيرون إلى أن دنكان سميث «يذكر رقمًا لا يأخذ في الاعتبار الاستثناء الممنوح للندن من قبل المفوضية»، موضحين إلى أن المبلغ الصحيح الذي يدفع أسبوعيًا إلى ميزانية الاتحاد يقدّر بـ280 مليون جنيه.
أما رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون، الذي يعدّ الشخصية الأبرز بين دعاة «الخروج»، وبالتالي خلفًا محتملاً لرئيس الوزراء كاميرون في زعامة المحافظين - إذا كسب معسكره الاستفتاء - فقد سخر في مقالة نشرتها صحيفة «ديلي تلغراف» المحافظة مما أسماه «معسكر الخوف»، راسما صورة مثالية لمملكة متحدة حرة ومزدهرة بعد خروجها من الاتحاد.
لقد كتب جونسون في المقالة أن «الأسواق بدت هادئة والجنيه لم يهبط (...) وأقيمت علاقة جديدة (مع المفوضية الأوروبية) بسرعة تستند إلى التبادل الحر والزعامة البريطانية التقليدية». ومن ثم، دعا مواطنيه إلى التفكير بـ«الخطر الهائل» الذي سيشكله «البقاء» في الاتحاد على استقرار البلاد، حسب قوله.
وفي مواجهة هذا التحدي الصريح لسياسة رئيس الوزراء، دأب الأخير على التشكيك في صحّة ادعاءات دعاة «الخروج»، وانتقد مرارًا عبر شاشات التلفزيون ما يصفه بأساليبهم «المخادعة». وأكّد كاميرون الذي يراهن بمستقبله السياسي وموقعه في التاريخ مع هذا الاستفتاء، أنه سيكون لمغادرة الاتحاد وقع «القنبلة» على الاقتصاد البريطاني، وستحكم عليه «بعقد من البلبلة» لحاجة البلاد إلى التفاوض على عقود تجارية جديدة في حال خروجها من كتلة الـ28.
* هزّة مالية مزدوجة
إلى جانب فقدان بريطانيا لأسواق الاتحاد الأوروبي وانكماش الاقتصاد، يحذّر مؤيدو «البقاء» من مخاطر زعزعة الأسواق المالية وانعكاسات ذلك على الجنيه الإسترليني. وحقًا، تراجع سعر صرف الجنيه الأسبوع الماضي بعدما كشف معدل لنتائج ستة استطلاعات رأي نشره موقع «وات – يوكاي - ثينكس» (بماذا تفكّر بريطانيا) تقدّم معسكر «الخروج» على معسكر «البقاء» بنسبة 51 في المائة مقابل 49 في المائة وذلك للمرة الأولى منذ شهر. إذ هبطت قيمة الجنيه آنذاك إلى 1.4353 دولار، وهو أدنى مستوياته خلال ثلاثة أسابيع، كذلك هبط الجنيه مقابل «اليورو» (العملة الأوروبية) إلى 78.61 بنس (البنس يوازي 0.1 جنيه)، ووصل مع بدء التبادلات الآسيوية 79.05 بنس لليورو، أي أدنى مستوياته منذ ثلاثة أسابيع ونصف أسبوع.
وعلى الأثر علقت المحللة آنا ثيكر، من «فيليب كابيتال يو كاي» بالقول إن «الاستطلاعات تواصل لعب دور المحرّك للعملة التي تواجه هذا الشهر مستوى عاليًا من الغموض». وتوقعت تقلّبات «أكبر» مع اقتراب موعد الاستفتاء. ومن جانبها بدأت المصارف تعد لسيناريو «الخروج» فبدأت تعمم على موظفيها إرشادات حول النصائح للزبائن في حال صوت البريطانيون لصالح «الخروج»، وفقا لصحيفة «فاينانشال تايمز»، كما ركزت على وجه الخصوص على الحؤول دون «إصابتهم بالذعر».
* «غول» الهجرة
كما سبقت الإشارة، إذا كان المعسكر المؤيد لـ«لبقاء» بريطانيا ضمن الأسرة الأوروبية يلعب على وتر الخوف من العواقب الاقتصادية، فإن دعاة «الخروج» يركبون موجة التخويف من الهجرة واليد العاملة الأجنبية. ولقد استغلت حملة «الخروج» الجدل القائم حول اتفاق الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، ومطالب أنقرة بتحرير التأشيرة لمواطنيها، للتحذير من عواقب «البقاء»، زاعمة أن ذلك سيؤدي إلى تدفّق ملايين الأتراك إلى بريطانيا. وهذا ما أجاب عنه كاميرون قائلا إنه «في ضوء وتيرة تقدّم الأمور، علينا أن ننتظر عام 3000 لكي نرى (تركيا) تنضم إلى الاتحاد الأوروبي». إلا أن هذا لم يحل دون مواصلة دعاة «الخروج» تخويف الناخبين وتحذيرهم من «غول» الهجرة، فنشرت حملة «فوت ليف» (صوتوا للخروج) على موقعها الأسبوع الماضي ملفا حول خمسين أوروبيًا متّهمين بارتكاب جرائم في بريطانيا، ولكن لا يمكن للقضاء طردهم بسبب القانون الأوروبي. وعلّق وزير الدولة للعدل، دومينيك راب، المؤيد لـ«الخروج» بالقول إن «هذا يشكل خطرا على الأسر البريطانية»، فرد عليه وزير الدولة للهجرة جيمس بروكنشير، المدافع عن «البقاء»، بأنه «تمّ بالفعل طرد 6500 مجرم من بريطانيا منذ 2010، تحديدًا بفضل آلية التوقيف الأوروبية».
* استقلال اسكوتلندا
على الصعيد الاسكوتلندي، رفضت نيكولا ستيرجن، رئيس وزراء إقليم اسكوتلندا، أول من أمس استبعاد استفتاء جديد حول استقلال بلدها، معتبرة أنه يصعب معالجة قضايا مثل حقوق العمال وتغير المناخ بمعزل عن العالم. وكان الاسكوتلنديون قد رفضوا الاستقلال في استفتاء عام 2014 بنسبة 55 إلى 44 في المائة، ولكن منذ ذلك الحين اكتسب الحزب القومي الاسكوتلندي المزيد من الدعم، بل وحصل على 56 مقعدًا من أصل 59 مقعدًا مخصصًا لاسكوتلندا في مجلس العموم البريطاني بلندن خلال الانتخابات العامة التي أجريت بشهر مايو (أيار) الماضي. كذلك التقى رئيسا وزراء بريطانيا السابقان توني بلير (عمالي) وجون ميجور (محافظ) الخميس الماضي للتحذير معًا، من منبر جامعة ألستر شمال إقليم آيرلندا الشمالية، من أن التصويت لصالح «الخروج» سيهدد وحدة البلاد عن طريق تقويض السلام في آيرلندا الشمالية وتشجيع حركة الاستقلال في اسكوتلندا. وحذر الزعيمان السابقان، اللذان لعبا أدوارًا مهمة في عملية السلام بالإقليم خلال التسعينات من أن «الوحدة في بطاقة الاقتراع». وقال ميجور (حكم بين 1990 و1997) في كلمة أمام طلاب الجامعة: «تخلوا عن عضوية أوروبا ولا تندهشوا إذا تبين لنا في النهاية أننا تخلينا بطريق الخطأ عن وحدتنا. إن أنجح اتحاد في تاريخ العالم، قد يتفكك إلى الأبد». ثم حذّر من أنه إذا صوتت اسكوتلندا لـ«البقاء» واختارت باقي البلاد «الخروج» فإن الضغوط بشأن تنظيم استفتاء جديد على استقلال اسكوتلندا «قد تخرج عن السيطرة، ولن يتسنى مقاومتها سياسيا».
أما بلير فرأى الاستفتاء قد يقوّض أيضا اتفاقية السلام الخاصة بآيرلندا الشمالية الموقعة في عام 1998، التي أنهت ثلاثة عقود من صراع دامٍ بين الآيرلنديين الكاثوليك القوميين (المناصرون لاتحاد الإقليم مع آيرلندا) وخصومهم من البروتستانت (الراغبين بإبقاء الإقليم داخل كيان المملكة المتحدة) حصد أكثر من 3600 شخص. وأوضح بلير الذي أشرف على اتفاق السلام عندما كان رئيسا للوزراء بين 1997 و2007 «إذا تركنا الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو، فإن ذلك سيضع مستقبل آيرلندا الشمالية في خطر، وسيجعل اتحادنا في خطر وسيلحق ضررًا عميقًا. إنه مسار ينطوي على مجازفة». وفي الاتجاه نفسه، تدخّل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون - الذي لعب بدوره دورًا محوريًا في سلام آيرلندا الشمالية - في النقاش، فكتب في مقالة بمجلة «نيو ستيتسمان» بأن عملية السلام استفادت من عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، مضيفا: «إنني أشعر قلق من أن يتعرض مستقبل الرخاء والسلام في آيرلندا الشمالية للخطر إذا انسحبت بريطانيا (من أوروبا)».
غير أن تصريحات بلير وميجور لم تحظ بدعم الجميع، إذ وصفت تيريزا فيلرز، وزيرة الدولة لشؤون آيرلندا الشمالية - وهي معارضة لعضوية الاتحاد الأوروبي - تعليقاتهما بأنها غير مسؤولة، وأردفت «مهما كانت نتيجة الاستفتاء، فإن آيرلندا الشمالية لن تعود إلى متاعب الماضي.. وقول ما سوى ذلك ينطوي على عدم الشعور بالمسؤولية».
* تسييس لمصالح حزبية
خلال الأسبوعين المتبقيين قبل تاريخ الاستفتاء الموعود، سيواصل المعسكران حشد أصوات الناخبين، ولا سيما من الشباب الذي يجدون أنفسهم في قلب حملة متعددة المستويات تشجعهم على التسجيل والتصويت. إلا أن الخطابات المتضادّة والاتهامات المتبادلة بتزوير الحقائق والتحايل على الأرقام تزيد من تردد الناخبين الشباب. وبهذا الصدد، قالت لورين إن تصريحات المسؤولين المتضاربة وتسييس النقاش حول الاستفتاء لمصالح حزبية خالصة زادت حيرتها ما قد يدفعها إلى الإحجام عن التصويت. وأضافت: «لا أريد أن أصوت لصالح البقاء، فتنهال علينا كميات مهاجرين تزعزع استقرارنا الاجتماعي، أو لصالح الخروج ونصبح في معزل عن العالم.. أفضل الاحتفاظ بصوتي».
أما ريتشارد ويتمان، الزميل في «المعهد الملكي للشؤون الاستراتيجية» (تشاتهام هاوس) والخبير في الشؤون الأوروبية، فرأى أن إحدى أبرز خواص النقاش السياسي حول الاستفتاء الأوروبي بين حملتي «الخروج» و«البقاء» تتمثل في «التلاعب بالمعطيات، فكل معسكر يركّز على الرسائل التي يتجاوب معها الناخبون» واستطرد «المعركة السياسية هنا تختلف عن ما نشهده في الانتخابات حيث يتنافس الأحزاب على مقاعد برلمانية.. هنا نشاهد تحالفات حزبية غير معتادة». وفعلاً ويبدو هذا جليًا في صفوف حزب المحافظين بالذات، حيث هدد ثلاثة نواب رئيس الوزراء بحجب الثقة عنه، بينما انتقد كاميرون وزراء ضمن حكومته التي شهدت استقالة وزير العمل أخيرًا.
* ماذا سيعني «البقاء».. إذا اختاره البريطانيون؟
- إذا ما اختار الناخبون البريطانيون التصويت لصالح «البقاء» ضمن الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيشكل نصرًا تاريخيًا لديفيد كاميرون الذي يواجه مطالب بالاستقالة من رئاسة الوزراء من طرف بعض نواب حزبه. وبمجرّد إغلاق صناديق الاقتراع في 23 يونيو الحالي، ستتبيّن بوادر النتيجة ليتنفس كاميرون وأنصار «البقاء» الصعداء. وعند الإعلان عن النتائج النهائية بعد يوم من ذلك مبشّرة مؤيدي «البقاء» بنجاح حملتهم، من المتوقع أن تتوالى تصريحات مسؤولي الاتحاد الأوروبي لتهنئة البريطانيين، وأن يلقي كاميرون خطاب نصر خارج مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، قبل أن يذكّر بأن الوقت حان لالتزام الاتحاد الأوروبي بالإصلاحات التي تطالب بها لندن. وبعد ساعات من ذلك، سيرسل كاميرون طلبًا رسميًا لرئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك لمصادقة وتطبيق الاتفاق الذي توصّلا إليه حول صلاحيات لندن الجديدة داخل التكتل الأوروبي في شهر فبراير (شباط) الماضي.
وقد يستغل قادة الاتحاد الأوروبي القمّة التي ستنظم في بروكسل في 28 - 29 يونيو الحالي للموافقة على الاتفاق. وللعلم، يطالب كاميرون بتمديد السوق الموّحدة وتعزيز التنافسية في الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال تسهيل حركة رؤوس الأموال من جهة، وتخفيف القوانين الأوروبية المنظمة للشركات الصغيرة والمتوسطة. كما يشترط كاميرون إعفاء بريطانيا من المبادئ التأسيسية لاتحاد أكثر ترابطا، إلى جانب تعزيز الرقابة الوطنية وحق النقض في البرلمانات الوطنية.
أما المطلب الأخير والأكثر تعقيدا وإثارة للجدل، فيتعلق بـ«حرمان» الوافدين الأوروبيين إلى بريطانيا من استحقاقات الرعاية الاجتماعية بشكل خاص، وبحرية تنقّل مواطني الاتحاد الأوروبي بشكل عام.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.