المتجول في طرقات المدن والقرى السودانية، هذه الأيام، لن يفوته استنشاق رائحة نكهة معبقة تعطر الأجواء بقوة، أما السوداني، حتى إن كان طفلا صغيرا، فإنه يعرف تلك الروائح، ويستمتع بالنكهة المميزة التي تشير لحلول شهر رمضان.
سنويا، وقبل دخول الشهر الكريم، تبدأ الأسر السودانية استعداداتها بتحضير أهم مشروب يروي الصائم، يطلق عليه اسم «الحلو مر».
و«الحلو مر» أساسه خليط ذرة من «الفترتيتة» الحمراء التي يتم تزريعها بفرشها أعلى خيش، ورشها بالماء ليومين أو ثلاثة حتى تنبت، ثم تترك لتجف، فتسحن وتبهر بكمية من بهارات معينة، كالكزبرة والغرنجال والكمون والحلبة، إلى جانب كمية من العرديب والكركدي.
وتضاف تلك المكونات وتخلط وفق مقادير مضبوطة تتناسب وكمية الذرة التي عجنت بالماء، وغالبا يترك الخليط لبعض الوقت ليكتسب قواما وطعما، ومن ثم «يعاس وينضج»، طرقة تلو طرقة، بطريقة فنية تحتاج لمهارة لا تتوفر عند الجميع.
إن تحضير وعواسة «الحلو مر» فن ومهارة دون شك، وهي عملية شاقة تحتاج لتدريب وصبر وكثير من الوقت، ولهذا أمست بعض الأسر، وبالذات الأسر الحديثة صغيرة العدد، تستسهل شراءه جاهزا.
ومع انتشار التقنية ووسائط التواصل الاجتماعي، انتشرت إلكترونيا الدعايات والإعلانات لمحال وسيدات أعمال يبعن «الحلو مر» جاهزا ومعبأ، وما على الشاري سوى الاختيار والدفع والاستلام.
وتقليديا، عقب «عواسة» أول «طرقات» من الحلو مر منزليا، تسارع الصبايا صغيرات السن في حماس منقطع النظير بنقعه في الماء، ثم تصفيته وتسكيره وتثليجه، لتجربتة وتذوقه وتقديمه كضيافة للجارات والصديقات ممن دعتهن ربة البيت لمساعدتها ومشاركتها الفرحة في صنع «الحلو مر».
وتترك طرقات «الحلو مر» لتجف، إذ تعاس سميكة بعض الشيء، ومن ثم تخزن وتحفظ لحين استخدامها يوميا كمشروب أساسي يطفئ الظمأ، ويروي الصائم طيلة الشهر العظيم، سيما في تلك الأجواء الساخنة ودرجات الحرارة المرتفعة.
ومن طقوس «الحلو مر» أن توزع الأسر كميات منه للفقراء، وأن تتبادل «حلو مرها» مع بعضها بعضا ومع الجيران، كبادرة خير ومحبة، واستقبالا لشهر الصوم والعبادة.
وحتى المسافرين والبعيدين تصلهم طرودهم ومؤونتهم من «الحلو مر»، حتى لو كانوا في أقصى المرافئ، سواء فيينا أو سيدني أو عرعر أو ديربان أو نيوجرسي، وحتى شنغهاي ولندن وغيرها.
وبالإضافة للحلو مر، هناك مشروب آخر يحتاج تحضيرا قبل أن يهل الشهر الكريم، وإن لم يكن بشهرة «الحلو مر» وأهميته، يسمونه «الآبري الأبيض». وهناك من يسمي الحلو مر «الآبري الأحمر».
ويعاس «الآبري الأبيض» من خليط الذرة البيضاء المقشورة مضافا لدقيق عادي وقليل من النشا، وحبهان للنكهة وزنجبيل، وهناك من يضيفون قليلا من الحلبة، وتمتاز طبقاته برقتها البالغة والاهتمام بأن تكون رفيعة، بل رهيفة.
وعند تحضير مشروب الآبري الأبيض، يضاف قليل منه لماء مسكر، ويشرب مباشرة (أي لا يصفى)، ويمتاز بطعم خاص يكسبه السكر حلاوة.
و«الآبري الأبيض» مشروب أكثر خصوصية، وأقل انتشارا من «الحلو مر»، لكونه مكلفا، فيما لا يخلو بيت من الحلو مر الذي يعتبر مشروبا شعبيا تقليديا للجميع، وقل أن تخلو منه مائدة رمضانية سودانية إلا ما ندر.
وبجانب «الحلو مر» و«الآبري الأبيض»، تستعد بعض الأسر لرمضان بعواسة كميات من «الرقاق»، وذلك بخلط عجين من دقيق وسكر وبيض وحليب وبدرة كاسترد وروح فانيليا. ويجهز الرقاق أساسا كطبق رئيسي للسحور، وهو أشبه ما يكون بـ«الكورن فليكس».
وما أن تنتهي السودانيات من هذه التحضيرات التي يفترض أن تبدأ مبكرا، وقبل فترة كافية، حتى يتفرغن لمهمة تسوق خاص لشراء ما يتعارفن عليه باسم «عدة رمضان».
وعدة رمضان هذه عبارة عن أوانٍ يتكرر شراؤها سنويا قبل كل رمضان، مما يصيب «الأزواج» بالحيرة، مستفسرين عما أصاب عدة رمضان الماضي، والأسبق، وما قبله!
وفيما يبدو، فإن الأمر مجرد عرف، إذ تستمتع ربة البيت بشراء عدد من الكاسات والفناجين، بالإضافة لأصحن وأباريق عصير، وبالطبع صينية أو صوانٍ من الحجم المستدير الكبير، إذ لا تزال عادة الجلوس حول صينية ترص عليها الأصحن لتناول الطعام عادة متأصلة تجمع الأسر في البيوت السودانية، أكثر من الجلوس حول موائد سفرة.
ليس ذلك فحسب، بل للصواني في رمضان ميزة بالغة الأهمية، إذ ينقلون بها طعام الإفطار ليتناوله رب الأسرة مع رجال فريقه أمام المنزل في الطريق العام، والفكرة استضافة كل من يصادف مروره لحظة الإفطار.
وتناول الفطور جماعيا تقليد متوارث يشجع على التكافل والمشاركة، وقد دأب بعض أهل القرى على التسابق لإفطار المسافرين على الطرق السريعة التي تشق قراهم وحلالهم، فيعملون على قطع الطريق وإيقاف السيارات والباصات السفرية، ودعوة الركاب إلى أبسطتهم وبروشهم الممدودة، حيث يرص الطعام و«لقمة هنية تكفي مية».
والتحية هنا ليست لصاحب البيت الذي يبادر بالخروج وأبناؤه الذكور وحسب، بل ولربة البيت كذلك، فهي لا تكل ولا تمل من طبخ الطعام وتجهيزه وإخراجه، ثم بعد ذلك تلتفت لتناول إفطارها راضية مرضية.
وبجانب عدة وأواني رمضان، تبادر بعض السيدات بشراء كميات من أجود أنواع لحم البقر وتقطيعها على شكل أشرطة رفيعة وشرائح طويلة يتم تجفيفها بتغطيتها بغطاءات خفيفة وعرضها للشمس. وما أن تجف حتى تسحن سحنا ناعما، ويحتفظ بها تماما كما يحتفظ بكميات مقدرة من البصل الذي يشرح ويجفف بدوره، وذلك لاستخدامهما كأهم مقومات «ملحات وادام» تؤكل مع طبق العصيدة، وهو الطبق الرئيسي في إفطار رمضان.
والعصيدة، أو «اللقمة» كما يسميها البعض، طبق أساسي يتوسط ويزين جميع موائد ودعوات رمضان، سواء فخمة أو بسيطة. وهكذا ينطبق مبدأ المساواة في رمضان، على الأقل من حيث الصوم، ومن حيث أساسيات مائدة الإفطار، أي الحلومر والعصيدة والملاح «المرق».
ولمن شاء أن ينوع ويتفنن ويزيد بالطبع، فإن المجال مفتوح، وما عليه سوى زيادة ميزانية مشتريات رمضان.
وفي سياق آخر، لا تنتهي الاستعدادات لرمضان إلا بإرسال الأم التي خطبت ابنتها بهدايا لأم الخطيب. وهذه الهدية المميزة يسمونها «موية رمضان»، والموية عند السودانيين هي الماء.
و«موية رمضان» عبارة عن إرسال كميات، قد تكون كميات مهولة، من لوازم رمضان، يتقدمها بالطبع الحلو مر والآبري الأبيض والكركدي، وأحيانا العرديب، بالإضافة لكيلوات من الكبكبيك والفول والبلح وقمر الدين والتين والزبيب، وتمت حديثا إضافة المشمش والآراسيا والمكسرات. ودون شك لا بد أن تشمل «موية رمضان» الذاهبة لأم العريس «عدة رمضان»، التي تتكون من طقم عشاء فاخر، مصحوبا بطقم شاي وطقم قهوة، والمجال مفتوح للمزيد. ورغم أن تبادل الهدايا تقليد محبب، إلا أن مبالغات طالت بعض هذه التقاليد الموروثة، وقد تقضي على بساطتها، وتحولها إلى مباهاة وحال أشبه بالمنافسة.
وبالفعل، أضحت العاصمة (الخرطوم)، والمدن الكبيرة على وجه الخصوص، في السنوات الأخيرة، تشهد استعدادات لمويات رمضان تتطلب جهدا وإمكانات ضخمة، بل ورحلات سفر لشراء أفخم الأواني وأجود أنواع المكسرات وأندرها من أسواق خارج السودان، مما يستدعي أن تقدم أم العريس هدية عيد أكثر فخامة.. وهكذا.
شراب «الحلو مر» يعطر الأجواء الرمضانية في السودان
يروي عطش الصائمين خلال الشهر الكريم
الحلو مر شراب للصائمين.
شراب «الحلو مر» يعطر الأجواء الرمضانية في السودان
الحلو مر شراب للصائمين.
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

مشهد من مسلسل «ضرب نار» (أرشيفية)
بوستردعائي لمسلسل «تحت الوصاية» (أرشيفية)
مشهد من مسلسل «ستهم» (أرشيفية)
