هل هناك خطاب ثقافي عربي «انحرف» في لحظات تاريخية معينة من عمر هذه الأمة، أو صار عتيقًا، والمطلوب الآن تجديده، كما ذهب «ملتقى القاهرة الدولي الأول لتجديد الخطاب العربي»؟ وإذا تركنا صفة الدولي جانبًا، لأنها مجرد كلمة فارغة لا معنى لها يراد منها، في هذا المؤتمر وغيره، إضفاء أهمية وهمية، دعونا نتساءل: ماذا يعني مصطلح «خطاب ثقافي عربي»؟ هل الخطاب الثقافي في المغرب، مثلاً، هو نفسه في مصر، أم إن هناك خطابات ثقافية عربية متعددة تنبع، إذا افترضنا وجودها، من الخصائص التاريخية والاجتماعية والثقافية لكل بلد على حدة؟
الخطاب الثقافي، كما حدده بحق باسل برنستاين وغيره من الباحثين الذين استخدموا هذا المصطلح الجديد نسبيًا، هو الذي يكشف أنماط التواصل والقواعد التي تحكم العلاقة الاجتماعية الثقافية بين قوى المجتمع، سلطة وحاكمين، المتوارثة من الماضي، ولكن الممتدة إلى الحاضر، وتفكيك دلالاتها وإشاراتها ورموزها المجردة من أجل فهم آلية عملها، والعوامل التي لا تزال تؤثر فيها وتنتجها، من أجل التأثير فيها، وبالتالي تغييرها؟
فهل نملك خطابًا، قوميًا أو قطريًا، بهذا المعنى؟
منذ الهزيمة، التي تمر عليها اليوم بالتمام والكمال تسع وأربعون سنة، لا يمكن للمرء أن يتحدث عن خطاب ثقافي عربي أو قومي بالمعنى العلمي للكلمة، بل إن هناك خطابًا لغويًا ارتفع ضجيجه مع الانقلابات العسكرية العربية، وأولها «انقلاب 1952» في مصر، وعرف ذروته بعد الهزيمة الكبرى ليحجب عبثًا واقعًا تعرى أمام أنظار الجميع، وليحل محل الفعل الذي وقفت السلطات الانقلابية عاجزة عن الإتيان به بسبب طبيعتها الديكتاتورية والقمعية التي خنقت كل خطاب ثقافي حقيقي يمكن أن ينتج منه نقد ذاتي للمنظومة السياسية والاجتماعية التي تحكمت بنا، والتي قادت وتقود إلى الكوارث، كارثة بعد أخرى.
ما جرى هو تعميم مثل هذا الخطاب اللغوي، وإضفاء الجلال الوهمي عليه بإلباسه لبوسا قوميا وعروبيا. وبكلمة أخرى، خدعت السلطات الجماهير بمفاهيم مجردة أكثر منها واقعية مثل «القومية والعروبة»، والعدو الذي يتربص بهما ليل نهار، مستغلة جلال مثل هذه المفاهيم في وجدان الناس، وهي مفاهيم جليلة وجميلة فعلا، كأغلب المفاهيم المجردة، ولكن بلا أي واقع يسندها. ومن المعروف، أن أول ما انتهك هذه المفاهيم هم دعاتها، من عبد الناصر إلى البعث بشقيه العراقي والسوري. وهكذا غاب الخاص الوطني المحسوس، الذي يجب تفكيكه ومحاكمته، والبناء على أنقاضه، إلى عام قومي غائم لا يمكن رؤية حتى ظل منه. وبقيت السلطات تنفخ نفسها وتنفخنا بـ«خطابها» حتى انفجرت وانفجرنا معها.
لم يتغير الأمر جوهريًا منذ ذلك الوقت. فالفراغ الذي خلفه تراجع الخطاب اللغوي «القومجي»، بفعل الهزيمة السياسية والفكرية للقوى التي رفعته بحكم السلطة والتضليل، ملأه خطاب لغوي أكثر «بلاغة». كان الخطاب الأول «تجييشيًا»، شعبويًا، مستندًا إلى قوة السلطة وأجهزتها المرعبة المزروعة في كل مكان، وتلاه الخطاب، الذي يكاد يهيمن على حياتنا الآن، وهو ليس أكثر من تأويل مغرض للتراث والنصوص، لم نحسن التصدي له كما ينبغي لتبيان مواطن الضلال وسوء النية فيه.
ما نحتاجه في اعتقادنا، هو أن نعيد المفاهيم إلى أسسها حتى نفهمها بشكل سليم. فلا يمكن أن يتشكل خطاب ثقافي حقيقي على أساس شعبوي. إنها جعجعة بلاغية لا تعني شيئًا، ولا تختلف بشيء عن سابقاتها.
الخطاب الثقافي، بغض النظر عن تعبيراته وأشكاله المختلفة، هو نتاج نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي، ينتج خطابه الثقافي المهمين. وإذا لم يتغير هذا النظام فإننا لن نستطيع أن ننتج خطابًا حرًا يسائل العلاقة بين السلطة والفرد، ويتفحص الماضي والحاضر، ويفكك القيم العتيقة المهينة، التي لا تزال تحول دون امتلاكنا قيمًا جديدة تتناسب مع عصرنا الذي نعيشه، وتليق بإنسانه الذي لا يزال يموت يوميًا أمام أعيننا قتلاً وسجنًا، ومنفى وذلاً. وكل ما عدا ذلك هو جعجعات لغوية لم تعد تضلل أحدًا، ومضيعة للوقت والمال، وتغطية على المشكلة الكبرى، إن لم تكن جزءًا منها.
9:11 دقيقه
خطاب ثقافي عربي.. أم «خطاب لغوي»؟
https://aawsat.com/home/article/657376/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A3%D9%85-%C2%AB%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D9%84%D8%BA%D9%88%D9%8A%C2%BB%D8%9F
خطاب ثقافي عربي.. أم «خطاب لغوي»؟
خطاب ثقافي عربي.. أم «خطاب لغوي»؟
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


