الرقّة.. آخر معارك أوباما

امتداد للجبهة العراقية.. وتقديرات بأن تكون خطة لتحقيق إنجازات قبل انتهاء ولايته الرئاسية

الرقّة.. آخر معارك أوباما
TT

الرقّة.. آخر معارك أوباما

الرقّة.. آخر معارك أوباما

عشرات الضربات الجوية، مهّدت لعملية عسكرية واسعة ضد تنظيم داعش من محيط مدينة الرّقّة، بشمال وسط سوريا، لطالما عُلقت عليها الآمال لطرد التنظيم من عاصمته، وبالتالي، إفقاده حيثيته السياسية والعسكرية والتعبوية. لكن العملية، بظروفها، بدت مفاجئة لكثيرين، وطرحت علامات استفهام حول القدرة على بلوغ الهدف في الوقت المقرّر، وأثارت الحساسيات القومية والعرقية، بالنظر إلى أن غالبية القوة المقاتلة تتألف من مقاتلين أكراد. كما طرحت أسئلة حول التوقيت الذي اختاره الأميركيون لدعم العملية العسكرية، وتقريرها، فيما يبدو أن العملية بكاملها، أميركية.
تتشعب التقديرات حول طبيعة العملية.. وأبلغها، ما قالت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» إن العملية «جزء من معركة ضخمة تقودها أميركا ضد الإرهاب، تبدأ من الموصل العراقية، وتنتهي في الرّقّة». إثر هذه المعلومات، ينبثق ترجيحان حول توقيت المعركة، يتكاملان في المضمون، الأول مرتبط بقرب انتهاء ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال أشهر: «مما يجعله بحاجة لتحقيق إنجاز قبل مغادرته البيت الأبيض»، فيما يرتبط الثاني بسباق أميركي – روسي على محاربة الإرهاب، بعد تسريبات روسية حول عملية عسكرية وشيكة في سوريا ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمها «جبهة النصرة»، كانت مقررة في الـ25 من الشهر الحالي، وتأجلت 72 ساعة قابلة للتمديد، ريثما «تبعد الفصائل العسكرية عن النصرة» المصنفة إرهابية، وموضوعة على قائمة الاستهداف. وهو ما يزيد الاحتمالات بأن بنك الأهداف الروسي «لن يكون مناطق بحالها، بقدر ما هو استهداف لبقع تجمّع للإرهابيين».
يوم الثلاثاء الماضي، بدأت ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» المؤلفة من تحالف فصائل كردية وعربية على رأسها «وحدات حماية الشعب» الكردية، عملية لطرد تنظيم داعش من شمال محافظة الرّقّة، معقله الأبرز في سوريا، بعد يوم واحد على إعلان القوات العراقية بدء هجوم واسع النطاق لاستعادة مدينة الفلّوجة في محافظة الأنبار، وهي أحد أبرز معقلين متبقيين للتنظيم في العراق.
ويُعدّ الهجومان في سوريا والعراق الأهم منذ الإعلان عن وجود التنظيم المتطرّف صيف العام 2014. وبدء التحالف الدولي بقيادة أميركية شنّ ضربات جوية تستهدف مواقع وتحركات التنظيم على أراضي البلدين.

التمهيد للمعركة
العملية انطلقت، بعد يومين على إعلان مصدر عسكري أميركي أن قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال جوي فوتيل، قام بزيارة قصيرة لسوريا السبت حيث التقى قوات أميركية خاصة منتشرة في سوريا ومقاتلين محليين. وقال بريت ماكغرك، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي لدى التحالف ضد «داعش»، في تغريدة على «تويتر» بأن فوتيل زار سوريا السبت «للتحضير للهجوم على الرّقّة». والتقى الجنرال فوتيل «قوات خاصة أميركية تعمل مع مقاتلين عرب سوريين ومسؤولين في قوات سوريا الديمقراطية».
وتزامنت الزيارة مع معلومات نشرها «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن تحرّكات للقوات الأميركية وطائراتها في مطار رميلان ووصول عناصر متدرّبة إلى سوريا من قواتها. وأوضح أن مطار رميلان العسكري شهد تحرّكات مستمرة من القوات الأميركية، حيث شوهدت طائرات هليكوبتر تهبط في المطار الواقع بالقرب من بلدة رميلان. ونقل عن مصادر متقاطعة وصول عناصر متدرّبين من القوات الأميركية إلى سوريا.
بدا أن الخطة الجديدة، جاءت بديلاً عن خطة كانت موضوعة سابقًا لمحاصرة التنظيم في معقله، وتجفيف مصادر إمداداته، عبر إطلاق عملية كانت مصادر كردية أعلنت أنها تستهدف ما سمته «خط إمداد داعش الحيوي من الحدود التركية في جرابلس (في ريف محافظة حلب الشمالي الشرقي الحدودي مع تركيا) إلى الرّقّة»، بهدف إقفال سبعين كيلومترًا يستخدمها التنظيم منفذًا له على العالم، وذلك قبل التوجّه إلى الرّقّة.
وكشفت مصادر سورية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» أن الخطة الجديدة وضعها التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، واطلعت عليها قيادة ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشارك بفعالية في المعركة. وأشارت المصادر إلى أن «تلك الخطة تبدّلت قبل عدة أسابيع»، لافتة إلى أن زيارة المسؤول الأميركي إلى شمال شرقي سوريا السبت «جاءت بهدف هذه الغاية».
هذه المعلومات تلتقي مع معطيات بأن واشنطن بدّلت بالخطة «كي لا تثير حفيظة الأتراك»، نظرًا لأن أنقرة تعتبر المنطقة الحدودية مع سوريا، منطقة حيوية بالنسبة لها، وتطمح أنقرة لأن تنتشر فيها قوات حليفة لها، وليس قوات مناوئة مثل الميليشيات الكردية التي تُعدّ أبرز حلفاء واشنطن عسكريًا في سوريا، والذراع الأساسية في الحرب ضد «داعش». والمعلوم أن تركيا فقدت السيطرة على 75 في المائة من حدودها مع سوريا، بعدما كانت قوات حليفة لها تسيطر على نحو 90 في المائة من الشريط الحدودي في سوريا، وذلك إثر تمدّد الأكراد بعد حرب ضد «داعش»، واستعادة قوات النظام السوري سيطرتها على مواقع عسكرية في ريف اللاذقية، والاحتفاظ ببعض مواقعها في مدينة القامشلي ومحيطها بمحافظة الحسكة في شمال شرقي سوريا.
معركة أميركية

سياق المعركة لا ينفي أن الدافع الرئيسي لها دافع أميركي. فالجنرال جوي فوتيل، يُعدّ أبرز مسؤول أميركي يزور شمال سوريا منذ أربع سنوات، ما يعطي العملية دفعًا عسكريًا، ويظهر الدور الأميركي الذي تجلّى بعشرات الضربات الجوية التي استهدفت تمركزات التنظيم، قبل بدء العملية. وقال مصدر عسكري كردي مطّلع على سياق المعركة، بأن العملية «ستبدأ فعليًا بعد ضربات جوية مكثفة تنفذها طائرات التحالف تمهد للقوات المتقدمة على الأرض».
في هذه الأثناء يقول عبد الرحمن الحاج، القيادي السوري المعارض والباحث في شؤون الجماعات المتطرّفة، بأن الهجوم على الرّقّة يمثل أهمية بالغة، بالنظر إلى أن المدينة «تمثّل عاصمة الخلافة المزعومة ومركز تمددها»، وبالتالي «يصبح وجود التنظيم مهدّدًا بالفعل، في حال تحرير المدينة».
لكن الحاج، يرى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن العملية بقيادة أميركية «هي جزء من عمل سياسي للبيت الأبيض الذي لا يخفي المشاكل التي تعتري تعاطيه مع الملف السوري، وأدت إلى سلسلة من الكوارث». وأوضح أن الهجوم الأخير الذي يسبق انتهاء ولاية الرئيس باراك أوباما «يمثل حاجة بالنسبة للأميركيين للقول: إنهم استطاعوا تحقيق إنجازات ضد داعش». ثم أردف «الانتقادات التي توجهت إلى أوباما في وقت سابق، كانت تدور حول تباطؤ إدارته في التعاطي مع الملف السوري، ما ضاعف تعقيدات المسائل السياسية، وسهّل تحول الأراضي السورية لتكون بيئة مناسبة لتمدّد المتطرفين»، ولفت الحاج إلى أن الإدارة الأميركية «كانت على معرفة مباشرة بانتقال داعش إلى سوريا انطلاقًا من العراق، وكانت تراقب التفاصيل بدقة. كذلك كانت قادرة على تدريب المعارضة السورية المعتدلة وتسليحها لمواجهة التنظيم، غير أنها تأخرت عن الاستجابة، وحجبت التسليح والتدريب عنهم، ما جعل اليوم إقصاء التنظيم ضرورة وهدفًا ملحًا، ويحتاج إلى عمليات فعالة، خصوصًا، وأن حجم الإنجازات ضده، قياسًا بما حصل في العراق، يعتبر ضئيلاً».
قضية سعي أوباما لتحقيق الإنجازات قبل انتهاء ولايته الرئاسية، يتفق عليها الخبراء والمطلعون، وهو ما تحدث عنه الباحث السياسي والعسكري الدكتور هشام جابر لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن أوباما «يسعى لتحقيق إنجاز في حربه على الإرهاب، تعويضًا عن عجزه عن إغلاق ملفات دولية كانت قائمة في عهد جورج بوش، فانطلق في العام 2014 في خطة احتواء داعش، قبل الاتجاه إلى تغيير الاستراتيجية وضرب التنظيم وتدميره. وهو ما بدا في العملية التي انطلقت بشمال الرّقّة، تزامنًا مع انطلاق معركة الفلّوجة في العراق». وأضاف أن المعركتين «من الصعب حسمهما بسرعة، تمامًا كما كان صعبًا حسم المعركة في مدينة الرمادي العراقية في وقت سابق بسرعة أيضا، ولكن يمكن أن تنتهي المعركة خلال الأشهر القليلة قبل انتهاء ولايته الرئاسية».
المعلوم، أن نفوذ واشنطن في سوريا، يتركّز منذ البداية في منطقة شمال سوريا، حيث ينتشر الأكراد، حلفاء واشنطن الأساسيون، الذين تقاطعت مصالحهم منذ البداية مع مصلحة واشنطن التي ترى أن الحرب على «داعش» يجب أن تتزامن على ضفتي الحدود السورية والعراقية، ويجب أن تكون موحّدة ضمن حرب واحدة. وبالتالي، ركّزت نفوذها في محافظة الحسكة الملاصقة للحدود العراقية، وهدفت إلى إبعاد التنظيم من منطقة تمتد من الموصل شمالي العراق، ومن ثم سنجار وحتى الحسكة في سوريا.

سباق روسي ـ أميركي
غير أن الهدف من ضرب «داعش» في معقله، عبر عملية حيوية ومعقدة، قبل انتهاء ولاية أوباما الرئاسية، ليس الهدف الوحيد الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية. إذ يقول جابر، وهو رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية»، أن ثمة «سباقًا على النفوذ بين الروس والأميركيين في سوريا»، مشيرًا إلى أن العملية العسكرية لتطهير سوريا من الإرهاب «طويلة».
ويرى جابر أن واشنطن «استعجلت العملية بسبب التسابق بين الأميركيين والروس في الميدان السوري»، موضحًا أن موسكو «كانت حدّدت 25 مايو (أيار) الحالي لإطلاق معركتها ضد جبهة النصرة، لكنها أجّلتها بناءً على طلب أميركي لمدة 72 ساعة قابلة للتمديد». واستطرد «نفوذ الأميركيين يتركّز في الحسكة وشمال سوريا، ومنها أطلق معركته غير المحضّرة بشكل جيد لأن مستوى تسليح الميليشيات الكردية ليس جيدًا، ومن هنا يأتي التسرّع في العملية نظرًا لأنه في العلوم العسكرية، لا يمكن إطلاق معركة قبل تزويد المقاتلين بأسلحة نوعية لا يعرفونها». ولكن رغم التسابق بين اللاعبين الأبرز في سوريا، لا ينفي جابر أن الطيران الروسي «قد يشارك في العملية، ليس تنسيقًا فحسب، بل بتنفيذ ضربات جوية في نطاق عملياته في ريف تدمر والصحراء السورية (وسط سوريا) وريف دير الزور (شرقها)، عبر ضرب التجمّعات ومنع وصول إمدادات داعش إلى منطقة الرّقّة»، مشدّدًا على أن ذلك «لا يمكن أن يتم إلا بالتنسيق مع الأميركيين».
عسكريًا، لم تتبلور صورة التعاون الروسي حتى الآن، في حين أتم الأميركيون استعداداتهم وانطلقوا في عملية لن تتوقف قبل تحقيق الإنجازات. ويكشف الخبير العسكري السوري عبد الناصر العايد أن الأميركيين «عزّزوا قواهم الموجودة في شمال سوريا بمروحيّات (هليكوبترات) تكتيكية تهاجم على خطوط الاشتباك وبدأوا في المعركة»، إلا أنه شكك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن تكون المعركة سهلة، قائلا: إن «أساليب داعش غير تقليدية في القتال، لذا لا يمكن توقّع ما يمكن أن يحدث»، في وقت «تعتري القوات الحليفة لواشنطن مشاكل جمة، تجعلها غير مؤهلة بالكامل لقتال التنظيم وحدها، أبرزها تتمثّل في كون العقيدة العسكرية غير سليمة لأنها تستبعد السكان المحليين الذين يعرفون داعش وطريقة مواجهته عن كثب»، في إشارة إلى الاستعانة بمقاتلي ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» الذين يشكل المقاتلون الأكراد رأس حربة في هذا التجمع.
عقدة الأكراد

تمثّل مشاركة المقاتلين الأكراد عقبة أساسية في وجه القوات المقاتلة ضد التنظيم، وسط مخاوف لدى المعارضة السورية من أن يستغلّ الأكراد مشاركتهم لضم الرّقّة، ذات الغالبية العشائرية العربية، إلى منطقة «الإدارة الذاتية الكردية» التي يريدونها أن تمتدّ من الحسكة على مثلث الحدود العراقية – التركية – السورية، وتصل إلى «جيب» عفرين في ريف حلب الشمالي، رغم أنها تنقطع في الوقت الراهن بين مدينتي جرابلس وأعزاز.
وعودة إلى عبد الرحمن الحاج، فهو يرى أن المشكلة الأكبر التي تعتري تحرير الرّقّة على يد القوة العسكرية الميدانية التي تواكب ضربات التحالف، هي «ضم الرّقّة إلى الفيدرالية الكردية» في إشارة إلى منطقة «الإدارة الذاتية» المعلن عنها في شمال سوريا خلال مارس (آذار) الماضي، تحت مسمّى «روغافا». ويضيف «الرّقّة مدينة عربية بالكامل، بلا وجود كردي مؤثر فيها، فهي منطقة قبائل»، مشددًا على أن ضمها إلى «الإدارة الذاتية» سيكون سببا لحرب عرقية في شمال سوريا لن تنتهي.
وتابع الحاج «للأسف، الإدارة الأميركية التي تصبّ اهتمامها على محاربة داعش، لم تأخذ بعين الاعتبار تداعيات مشاركة الأكراد وإمكانية ضمهم الرّقّة إلى إدارتهم الذاتية، بوصفها نقطة تؤسّس لاحتراب أهلي في سوريا»، لافتًا إلى أن الثورة السورية التي قامت ضد النظام لإسقاطه «قد تتحول إلى احتراب أهلي وعرقي لا تحتسب له الإدارة الأميركية». وإذ يؤكد الحاج أن الإدارة الأميركية «مدركة أن دخول الأكراد إلى الرّقّة سيساهم في تنامي المشاعر القومية والعرقية»، يستطرد قائلا: إن «ثمة قوات سورية معارضة موجودة في الرّقّة حتى هذا الوقت، بينها ثوار الرّقّة وفصائل من (الجيش السوري الحر)، لكن الإدارة الأميركية لم تنسق معهم، ولم تستجب لطلبات سابقة لهم بدعمهم، بل لجأت إلى حلفائها الأكراد على عجل، ما يشير إلى أن واشنطن تستعجل العملية قبل رحيل أوباما». ويرى الحاج أن «التفاهم مع الأكراد وعدم الاعتماد على قوة عربية سورية لطرد التنظيم من الرّقّة، رغم أن (الجيش السوري الحرّ) أثبت قدرته على محاربة الإرهاب، يجعل الاعتماد على الأكراد مؤشرًا على استكمال التصوّر للمنطقة التي يحميها الأكراد، وهي منطقة تمتد بخط عرضي من الموصل إلى الرّقّة، وهي منطقة يطمح الأكراد بأن تكون منطقة (الإدارة الذاتية) الخاصة بهم».
مجموعة «صوفان» الاستشارية، بدورها، ذكرت في تعليق على موقعها الإلكتروني أن «المخاوف بين مختلف الفصائل المنضوية داخل قوات سوريا الديمقراطية حول الدور الذي ستلعبه مختلف المجموعات في القتال، من شأنها أن تزيد من صعوبة المعركة الصعبة أصلاً».
وتسكن الرّقّة، منذ 150 سنة، عشائر عربية وعائلات كردية، أتت إليها من العراق وسوريا، أبرزها المعروفون باسم «العشاريون»، هم الذين يتحدرون من عشيرة «العشارة» إلى الجنوب من مدينة الميادين في محافظة دير الزور. وتتميز المدينة بتنوّعها الإثني المركّب، خصوصًا بعد وصول أكثر من مائتي عائلة أرمنية إليها في نهاية الحقبة العثمانية، ووجود مسيحيين سكنوا في المدينة. ويذكر موقع «عكس السير» السوري المعارض، إلى أن أصول العائلات الأولى التي أسّست نواة الرّقّة، كما الهجرات التي استوعبتها، تشير إلى أن سكان الرّقّة كانوا مؤلفين من عرب متحدّرين من عدة عشائر عربية مثل البو بدران والعقيدات ومصاليخ شمّر والموالي وطي والدليم وغيرها، وقد قدموا من نواحي الموصل ومن بلدة العشارة، إضافة إلى أكراد يتحدّرون من العشائر المليّة في نواحي مدينة أورفة وشرقي مدينة ديار بكر، داخل تركيا، وأتراك يتحدرون من بيرجيك، بالإضافة إلى شركس وشيشان وأرمن.
إزاء هذه التعقيدات، تدّعي مصادر عسكرية في ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» أن ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية (التي تشكل الجزء الأساسي من «القوات») تشارك إلى جانب «جيش الثوار» و«ثوار الرّقّة» و5 آلاف مقاتل من العشائر العربية الذي سيلعبون دورًا مهمًا في طرد «داعش» من الرّقّة.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.