فيم تفيد الفلسفة اليوم؟ أطروحات غير مكتملة

هل تصير منقذًا من الضلال؟ وهل تساير الآيديولوجيّة السائدة؟

فيم تفيد الفلسفة اليوم؟ أطروحات غير مكتملة
TT

فيم تفيد الفلسفة اليوم؟ أطروحات غير مكتملة

فيم تفيد الفلسفة اليوم؟ أطروحات غير مكتملة

«فيم تفيد الفلسفة اليوم؟».
سؤال يحكمه الإنصات بالفِعل لِهَمِّ الفلسفة بِما هو هَمّ هذا الكون.
يتعلق الأمر بسؤال طرح في تاريخ الفلسفة بصيغ عدة، واتخذت مقارباته وجهات مختلفة، في الفلسفة الغربية وفي الفلسفة العربية على حد سواء.
ينطوي السؤال على نزعَةٍ نفعيّة – برغماتيّة من جهة، لا تقل عن نفعيّة أُجرة الفلسفة، وعلى همٍّ فكري – معرفي من جهة أخرى، لضمان استمراريّة الفلسفة، واستقرار الأوضاع على حالها. ولهذا نتساءل: هل تُتقِن الفلسفة وظيفة إعادة الإنتاج؟ ألا ينبغي لها أن تنخرط في مهام أخرى؟ هل ستصِيرُ الفلسفة مُنقِذًا من الضلال؟ هل تكمن وظِيفتُها البرغماتيّة في مسايرة الآيديولوجيّة السائدة في الوقت الذي تستكِينُ في وظيفتها المعرفيّة إلى نقد الآيديولوجيا؟
الفلسفة والإرهاب: ابتزاز ما بعده ابتزاز
من البديهي جدًا أن يتحلى الفلاسفة بنزعة إنسانيّة كوسموبوليتيّة، حيث ينشدون الحق والعدل، ويطمحون إلى تحقيق السلم الدائم بين الشعوب، ولا أجد أحدًا منهم دافع عن الإرهاب، وعن قتل الناس والفتك بهم. وفي المقابل، بحث الفلاسفة عن مصوغات نظرية وعملية للخروج من التيه الذي يعيشه العالم في عصر العبث والعدمية. ولقد فكر جاك دريدا J. Derrida ويورغن هابرماس J. Habermas معًا في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقدما مناظرة فلسفيّة في غاية الأهمية. غير أن كثيرا من فلاسفة العصر اتخذوا الحذر كل الحذر من السقوط في لعبة التوازنات الدوليّة، حيث موازين القوى غير متكافئة، بين قوى تحكم العالم بقبضة من حديد، وتجعل ما عداها مجرد دول في خدمة سيادة عظمى، وبين شعوب لا قدرة لها على الخروج من تخلفها بسبب ازدواجيّة التسلُّط.
لا شك في أنكم جميعًا تحسون وتدركون أن اختلالات العالم تعود إلى التحكم الكلياني للشركات المتعددة الجنسيات في 90 في المائة من خيرات الكوكب الأزرق، وإلى قبول الساسة عالميًا بهذا التحكم وتسويغه والدفاع عنه، وكأن مصالحهم مشدودة إلى ضغط هذه الشركات كقدر لا محيد عنه.
الفلسفة والسياسة: لا تطابق ولا انفصال
لا أحد ينكر الصلات البينة بين كلا المجالين، وسيكون من قبيل المجازفة إقامة حد فاصل بين الفلسفة والسياسة. غير أن تلك الصلات تطرح استفهامات عدة، من جهة أن الفلسفة السياسية ليست هي فلسفة السياسة، وليست هي علم السياسة، ومن جهة أن السياسة ليست هي السياسات ولا السياسي.
لا يوجد أي تطابق كلي بين الفلسفة والسياسة، ولا أي انفصال بينهما. ففي الوقت الذي تتجه فيه السياسة – بتعبير سلافوي جيجيك S. Zizik – نحو الاهتمام بقضايا الشأن العام، نحو إيجاد أجوبة عمليّة ملموسة لمشكلات البشر، تتجه الفلسفة نحو إثارة المشكلات التي تعترض البشر في وجوده الملموس. وبهذا المعنى، لا يمكن للفلسفة أن تلعب أدوارًا سيّاسيّة كتلك التي تلعبها الأحزاب والجماعات الضاغطة وتنظيمات المجتمع المدني، كما لا يمكن للسياسة أن تقوم مقام الفلسفة.
صحيح أن الفلاسفة لعبوا أدوارا سيّاسيّة في الدفاع والتنظير والتشريع لأنماط سيّاسيّة معينة ضد أخرى. غير أنهم لم يفعلوا ذلك باسم الفلسفة، بقدر ما فعلوه كمواطنين في مجالهم وشأنهم العام. وكثيرة هي الخطابات التي روجها الفلاسفة حول إصلاح الفلسفة، وحول مستقبل الفلسفة، كما فعل لودفيغ فيورباخ L. Feuerbach، وحول نهاية الفلسفة، وضرورة تحولها إلى حارس آيديولوجيا البروليتاريا، كما فعل كارل ماركس K. Marx، أو مماهاتها مع النظام العقلي – الواقِعي لحال ألمانيا مع فريديريك هيجل F. Hegel، وحول صياغتها للدّستور، كما فعل أرسطو Aristote وإيمانويل كانط E. Kant وهابرماس. وفي المقابل، كثيرةٌ هي الخطابَات التي روَّجها الفلاسفة حول هدم القيَّم، كما فعل فريديريك نيتشه F. Nietzsche، وحول نقد الدِّين، كما فعل فيورباخ وآخرون، ورفض رؤى للعالم بعينها، وحول حاجتها إلى الانخراط في عبثيَّة الوجود.
إن ازدواجيَّة الخِطاب الفلسفي، وانتقاله من القضيّة إلى نقيضها، لهي سمة طبعت تاريخًا مديدًا، وجعلت من الفكر الفلسفي فكرًا مشروطًا بعصره، فكرًا زمنيًا ومكانيًا وسيَّاقيًّا. هكذا نظرت حنة آرنت H. Arendt لمناهضة التوتاليتاريا وتصحر العالم، وواجه لينين النزعة التجريبيّة، ووقف جيجيك ضد آلة الرأسماليّة الجهنميّة، وفضح ثيودور أدورنو T. Adorno وماكس هوركهايمر M. Horkheimer وهربرت ماركيوز M. Marcus نزعة الاستهلاك المتناميّة في المجتمعات الصناعيّة، ونظر فرانز فانون F. Fanon للمعدمِين، وأسَّس برتراند راسل P. Russel ومن معه لمحاكمة الصهيونيّة.
لقد صرخ ماكس هوركهايمر يومًا: «في مملكة الشَّر التوتاليتاريّة، يدين الإنسان بقدرته على المحافظة ليس فقط على وجوده، بل على هويته أيضًا، إلى الصُدفة وحدها.. لذلك، فإن كل فلسفة تفكر في إيجاد السِّلم في ذاته، في حقيقة ما، لا علاقة لها بالنظريّة النقديّة».
«من أجل الفلسفة» 1995
ثمّة جدلُ صاعِد ونازِل بين ما يجري في حصة مادة الفلسفة، وبين ما راج في «إعلان باريس من أجل الفلسفة» (بيان الفلاسفة)، الذي دعمته وأعدته اليونيسكو في 15 / 16 فبراير (شباط) عام 1995. ففي درس الفلسفة داخل الفصل الدراسي، يستشهد المدرس بأقوال فلسفيّة، ويستحضر فلاسفة بعينهم لمقاربة إشكالية فلسفيّة، ويتخطى مختلف مراحل تاريخ الفلسفة خِفية، بوعي أو عن غير وعي. فمن طاليس إلى هابرماس، ثمة مسافات زمنيّة غير هينة، وهي تغطي مختلف المجالات المعرفيّة: العلوم، الأخلاق، السيّاسة، الفن، الأدب، الاقتصاد، الأنثربولوجية، التاريخ، القانون. وهو يعلم الطلبة فن التوليد، والمناقشة الحرة، وطرح السؤال، واحترام الرأي، ويؤدّبهم عبر سلسلة معقدة من العمليّات: مراقبة الدفاتر، الغياب، التشجيع والتنويه، الامتحانات، إلى آخره.
وفي بيان «مجلس الفلاسفة» تناقش كبار الفلاسفة حول قضايا الديمقراطيّة، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، والمواطنة، والتعدديّة الثقافيّة، والحق في الاختلاف الجنسي، ناهيك عن سعيهم الدؤوب نحو تعميم تدريس الفلسفة في كل بقاع العالم. كما تناقشوا حول وضع الدرس الفلسفي، وهواجس تكوين المدرسين، ومآلات مناهج التدريس، مع السعي نحو تنزيل التطبيقات الفلسفيّة الجديدة.
لا يخفى أن هذه الحركة المزدوجة من الفصل إلى المجلس، ومن المجلس إلى الفصل، ليست بالأمر الهين، رغم ما يمكن أن يقال عنها حول الآيديولوجيا التي تسعى إليها اليونيسكو، وحول وجود هيئة أركان فلسفية دوليّة تتدخل في شؤون الدول الوطنيّة.
تكمن قيمة هذه الجدليّة، في نظرنا، في هذا الربط العجيب - وغير الميكانيكي - بين الكوني والخصوصي، بين العالمي والمحلي، بين الإنسانيّة والأنا الفرديّة. ففي هذا الجدل الصاعد والنازل، تكمن حيوية التفلسف، وتضمن الحفاظ على ذاتها وتراثها، أي على عملية إعادة إنتاج الفكر الفلسفي وفق قضايا العصر، ووفق انشغالات اليومي. إن عملية التكرار والترداد الممل كل سنة للمواقف نفسها، وللإشكالات نفسها، والمفاهيم والأفكار نفسها، رغم إحساس المدرس بالملل وبالروتين، هي عملية ضرورية لضمان الحفاظ على التراث الفلسفي، ولضمان الظفر بمريدين أو بعشاق محتملين لهذه المادة.
في مختلف جامعات العالم، نجد متخصصين في بعض الفلاسفة، أو في ثيمات معينة، أو في إشكالات محددة، وهناك من يقضي حياته كاملة وفاء لتخصصه، وهو تقليد راق جدًا بالمقارنة مع ما يجري في الجامعات المغربية، مع استثناء بعض الأسماء المعروفة جيدًا ممن كرسوا هذا التقليد وزرعوه: محمد المصباحي، وجمال الدين العلوي، وسبيلا، وأبي يعرب المرزوقي، وحسين مروة، وسامي النشار، والجابري، وغيرهم. إننا بحاجة إلى هذا التقليد، وإلى إعادة إحيائه والدفع به، وتشجيع الباحثين لسلوك سبيله. لذا، فصحيح أننا بحاجة إلى «عمال الفلسفة» بتعبير نيتشه، أولئك الذين يهدفون من وراء أعمالهم إلى إيفاء إشكالية، أو فيلسوف، أو منهج، أو مذهب، حقه في البروز والتشيع.
من المستحيل تصور قطيعة بين هذين البعدين، لأن هناك ثقوبا سوداء تمثل جوهر هذا الجدل النازل والصاعد، التي يمكن تلخيصها في: ثقب اللغات، وثقب التخصص الأعمى، وثقب الانفصام.
الثقب الأول
من المستحيل ضمان استمرارية الجدل النازل والصاعد، من دون لغات متعددة ومتنوعة، تعكس تنوع وتعدد ثقافات العالم، تحضر في المدارس والجامعات بشكل قوي، لأن غيابها وضعف إتقانها سيقودنا إلى فقدان القدرة على نقل ما لدينا إلى غيرنا، ونقل ما لدى الغير إلينا.
الثقب الثاني
إن الاعتقاد بكونك، وبكوني أنا، متخصصًا في الفلسفة، أو في علم النفس، أو في السوسيولوجية، بل وفي أحد فروع هذه المجالات، يحول دون إدراك الروابط القائمة بين مختلف فروع المعرفة. ووحده التفكير النقدي يمكننا من بيان الترابطات تلك، ومن بيان تهافت الدعاوي التي تنكر الصلات بين المعارف. فالبشرية واحدة لم تقتسم بعد ما راكمته مع حيوان آخر. البشرية فهم وسلوك وفعل وأثر – هذا المصطلح الفعّال عند آرنت – يتحقق في الزمان والمكان، ولا ينتظر أن يتحقق في عالم آخر غير العالم الذي نحن فيه، ونحيا فيه، ونفعل فيه، ومن دون فعل لا وجود ولا معنى لهذا العالم.
الثقب الثالث
خارج الانفصام، يوجد السواء – لا أؤمن بالسواء بالمعنى المتداول، أي الانكماش والركون للأوضاع، والاستسلام لسلطة ما غير سلطة الذات على نفسها – يوجد الانسجام بالمعنى الأبيقوري للكلمة، بين العدد والنوتة (الموسيقية)، بل التناغم بين الإحساس والتعبير (حتى لا نقول المعنى لأن هذا الأخير يحمل التأويل)، فأن تكون منفصمًا في فكرك وتعبيرك وآرائك، معناه أنك لم تتجاوز بعد مستوى الدوكسا (نمط التفكير اليومي، وهو سطحي بسيط يتبنى الآراء الشائعة). ثمة خيار واحد بين اثنين: إما أنك أنت هو هو، وإما أنك لست أنت، بل سواك.



«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.