زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق

السفير الأميركي السابق لدى العراق وأفغانستان أكد أن إيران «رفضت تسليمنا» رجال «القاعدة» أو إعادتهم إلى الدول التي جاءوا منها

زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق
TT

زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق

زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق

المعروف عن زلماي خليل زاد، عقله الاستراتيجي. إطلالته على الحياة كانت في أفغانستان في مزار الشريف، وكان والده جاء من الشرق، وإطلالته على العالم كانت من بيروت. حط رحاله عبر منحة دراسية في الجامعة الأميركية، ففتح المؤرخ حنا بطاطو عينيه على الشرق الأوسط وتعقيداته ومشكلاته وإبعاده، بعد ذلك لم ينظر خليل زاد إلى الوراء إلا عبر مهمات كلفته بها الإدارات الأميركية.
هذا الشهر أصدر كتابه «المبعوث»، وفيه شبه سيرة حياة ذاتية، إضافة إلى تفاصيل غير معروفة عما جرى في أفغانستان والعراق بعد عمليات، 11 سبتمبر 2001، إذ عمل سفيرًا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة وأفغانستان والعراق. وكم تكون جعبة السفير عادة كبيرة، لكن مع خليل زاد الجعبة فيها قرارات شارك في اتخاذها.
في حديثه مع «الشرق الأوسط» يحكي كيف شارك بإجراء اتصالات مع كل القوى الإقليمية في المنطقة قبل غزو العراق «كان لإبلاغهم أنه إذا كان لا بد من الحرب فما أهدافنا تشكيل حكومة بسرعة وبأننا نريد عراق غير عدائي للدول المجاورة»، لكن كما يقول، بدأت الأخطاء، وكان أولها «الانتقال من التحرير إلى الاحتلال».
أكد أن بول بريمر لم يكن مخولاً حل الجيش العراقي «كان هذا من الأخطاء، وكذلك اجتثاث حزب البعث». قال خليل زاد بالنسبة إلى سوريا إنه «لا نزال نستطيع إقامة ملاذات آمنة، وعلينا أن نبحث أين، هل على الحدود مع تركيا أو مع الأردن أو مع الاثنين معًا، وأيضًا إقامة مناطق ممنوع التحليق في أجوائها».
رأى أن التسوية في المنطقة تتطلب مواجهة التصرفات العدائية لإيران، وأن يكون هناك توازن قوى يمنعها من السعي للسيطرة أو تحقيق السيطرة على المنطقة. ونصح بأن تأخذ دول المنطقة العبرة من حرب الـ«30 سنة في أوروبا» و«اتفاقية وستفاليا» التي أنهت الحروب بين الملوك الكاثوليك والملوك البروتستانت.
ولفت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن زعماء شيعة عراقيين عبروا عن رغبتهم بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة والعالم «لا يريدون أن يكونوا معتمدين أو متذللين لإيران». واشتكوا من أن «إيران لم تحترمهم أبدًا وتتدخل في علاقات العراق».
* لماذا نشرت كتابك «المبعوث» الآن؟
- لأنني احتجت إلى كثير من الوقت لأجري الأبحاث والمراجعات، وأردتُ الوقت لأفكر بالدروس التي تعلمتها خلال خدمتي سفيرًا لدى أفغانستان والعراق والأمم المتحدة، ونشرته الآن لأن الانتخابات الرئاسية الأميركية هي وقت مناسب لمثل هذا الكتاب ليلفت الانتباه.
* ماذا تفعل الآن في كابل؟
- ألقيت كلمة التخرج في «الجامعة الأميركية في أفغانستان»، ومنحت شهادة فخرية.
* كنتُ حاضرًا في المؤتمر الصحافي الذي عقده المرشح الجمهوري دونالد ترامب عندما أعطى سردًا عن سياسته الخارجية. هل كنت وراء النص الذي ألقاه؟ وهل أنت على استعداد للعمل في إدارته؟
- لم أكن وراء النص، ولأنني في مجلس إدارة مؤسسة «ذا ناشيونال إنترست» التي ألقى فيها كلمته، فقد طلب مني مجلس الإدارة أن أقدمه. بالنسبة إلى العمل في إدارته، إذا طلب مني وشعرت أن بإمكاني تقديم مساهمة إيجابية، نعم قد أقبل.
* وماذا عن إدارة على رأسها هيلاري كلينتون؟
- الموقف نفسه.
* كنت «صقرًا»، هل هدأت مع الأيام؟
- ما زلت من المتشددين في السياسة الخارجية، أومن بدفاع أميركي قوي، أومن بالتحالفات القوية ونشر القيم الديمقراطية الأميركية. في هذا المجال لم أتغير، لكنني تغيرت فيما يتعلق بما يمكن عمله، ما هي نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا. تغيرت في مفهوم التكتيك وحتى الاستراتيجية لكن ليس فيما يتعلق بالأهداف.
* أشرت في كتابك إلى أنه بعد انسحاب جيش صدام حسين، فقدت واشنطن أهمية تشكيل حكومة انتقالية. هل كانت تلك أول غلطة ارتكبت في العراق؟
- أعتقد أن أول غلطة كانت الانتقال من التحرير إلى الاحتلال، والثانية كانت حل الجيش العراقي، والثالثة التعمق في اجتثاث البعث، وتكليف لجنة سياسية لتطبيق ذلك، والرابعة على اعتبار الثلاثة الأوائل، عدم وجود قوات عسكرية كافية للمحافظة على الأمن. إن المزيج من وجود أميركي صغير، إضافة إلى الأخطاء الثلاثة التي ذكرتها، أوجد وضعًا غير مستقر وغير آمن في العراق.
* هل يمكننا القول إن الولايات المتحدة فشلت في أفغانستان والعراق؟
- لا يمكن القول إننا فشلنا، بل أنجزنا أقل بكثير مما أردنا.
* هل يمكن أن أربطك بما حققت الولايات المتحدة، لأنك كنت سفيرًا لدى أفغانستان ولدى العراق؟
- في حال أفغانستان، حاولت منذ البدء إقامة حكومة أفغانية وطنية مباشرة بعد بدء العمليات العسكرية ضد «طالبان»، دافعت وساعدت الأفغان على بناء مؤسساتهم في الجيش، والشرطة، والدستور وعددًا آخر من المؤسسات وتقليص دور الميليشيات، وتخفيض أهمية أمراء الحرب. أعتقد أن فترتي من عام 2003 حتى 2006 كانت فترة ناجحة نسبيًا فيما بعد الغزو الأميركي لأفغانستان.
أما بالنسبة إلى العراق فقد ذهبت إلى هناك بعدما كانت الأخطاء التي ذكرت قد وقعت، وحاولت التغلب على بعضها بالعمل مع كل الأطراف، وجلب السنّة إلى العملية السياسية، حيث كان السنّة العرب قاطعوا الانتخابات الأولى التي جرت في العراق. حاولت إشراكهم بكثافة، وتنقلت بينهم وبين شيعة وأكراد العراق للتوصل إلى دستور صادق عليه الشعب العراقي ولجعل السنّة يشاركون في الانتخابات عام 2005، وإقامة حكومة وحدة وطنية شارك فيها السنّة والشيعة والأكراد، لكن، يجب أن أعترف بأنني لم أحقق نوع النجاح الذي كنت أتوق له فيما يتعلق بتقليص العنف، وإعادة الاستقرار إلى العراق، لكن أجرينا تعديلات بحيث مع الوقت خففت العنف، وأعتقد أن الرئيس جورج دبليو بوش ارتكب بعض الأخطاء في البداية، لكنه صححها بعد ذلك، واعترف له بذلك. لكن الرئيس باراك أوباما ارتكب خطأ بكيفية انسحابه من العراق. هذا ملخص عن نظرتي لفترتي في العراق.
* قلت إنك والسفير ريان كروكر عملتما معًا أولاً في أفغانستان ولاحقًا خلال المحادثات مع إيران التي سبقت الغزو العراقي. ما أكثر ما تتذكره من تلك المحادثات؟ ما كانت الشروط والطلبات الإيرانية؟
- أعتقد أنه من الواجب القول إنه كجزء من بحث السياسة الأميركية في العراق، واحتمال أن تغزو الولايات المتحدة العراق في حال لم يتم التوصل إلى حل مُرضٍ يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، أجرينا اتصالات مع كل القوى الإقليمية حول العراق، ولأننا تكلمنا مع مسؤولين في تركيا ودول الخليج، تحدثنا أيضًا مع مسؤولين في إيران.
* هل أعددتموهم للحرب؟
- كان لإبلاغهم أنه إذا كان لا بد من الحرب، ما أهدافنا، ما سنفعله في العراق من أننا لا نريد أن نحكم، بل تشكيل حكومة بسرعة، وبأننا نريد عراق غير عدائي لتركيا أو لدول الخليج أو لإيران. وإذا كان لا بد من الحرب وأسقط صدام حسين طائراتنا، وقفز الطيارون إلى إيران بالذات، لأن علاقاتنا جيدة مع الدول الأخرى، وليس مع إيران، أردنا منها التعاون في إنقاذ الطيارين، وأن عليها ألا تتدخل بعملياتنا خصوصًا إذا عبرت طائراتنا أجواءها.
أيضًا خلال محادثاتنا المسبقة مع إيران، طرحنا مسألة وجود «مجلس إدارة تنظيم القاعدة» الذي لجأ إلى إيران بعدما غادر أفغانستان. بحثنا هذه المسألة مع إيران. من ناحيتهم أشركنا الإيرانيون بتقييمهم للوضع في العراق و«ما يفضلون»، - إذا أحببت - وماذا يجب أن يحصل في العراق بعد الغزو الأميركي. لم نتوصل إلى اتفاق كامل معهم حول مسألة «القاعدة»، أردنا منهم تسليم أعضاء «القاعدة» إلى الولايات المتحدة، أو إعادتهم إلى أفغانستان، أو إرسالهم كافة إلى الدولة التي أتوا منها. ما فعله الإيرانيون أنهم وضعوهم في الإقامة الجبرية ولم يأخذوا بطلبنا.
* الذي رفض هذه الاقتراحات كان محمد جواد ظريف؟
- كان هو الطرف الإيراني الذي فاوضته، لكن لا أعتقد أنه كانت لديه سلطة مناقشة هذه المسائل بالتفصيل. نعم، أخذ الإيرانيون ملاحظات بما قلناه، لكنهم لم يردوا إن كانوا سيتعاونون بهذه الطريقة أو بغيرها.
* كانوا ينتظرون الإطاحة بصدام حسين؟
- من الواضح أنهم كانوا يتطلعون إلى الإطاحة بصدام حسين إذا وقعت الحرب، اعتقدوا أننا سنكلف جنرالاً آخر بالحكم، ربما جنرال سنّي، لذلك فوجئوا وربما لم يصدقوا أننا سنقيم حكومة تكون منتخبة من الشعب، واعتقدوا أننا سنتعرض للهجوم بأسلحة الدمار الشامل عندما نقترب من بغداد.. هذا ما أتذكره حول النقاط التي طرحوها.
* ربما كانوا أذكى منكم، أنتم انسحبتم وهم ملأوا الفراغ؟
- هذا ما قلته عن قرار الرئيس أوباما بالانسحاب. فالفراغ الذي تسبب به الانسحاب، حاول من جهة الإيرانيون ملأه، ومن جهة أخرى ارتبط الأتراك بعلاقات مع بعض المجموعات الكردية في العراق، ومع بعض المجموعات السنّية العربية، «الإخوان المسلمين»، وكذلك تدخلت بعض الدول العربية، ونتيجة لذلك تمزق العراق، وفي الوقت نفسه تلقينا تأكيدات من رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي بالمحافظة على تركيبة الجيش العراقي الجديد. خلال وجودنا شجعناه وساعدناه لتسليم المسؤولية لضباط محترفين، وعندما انسحبنا أعتقد أنه تخوف من انقلاب عسكري ضده، لأنه كان يحكي لي باستمرار عن خطر الانقلاب، بالذات من قبل الضباط البعثيين. لذلك عندما انسحبنا جاء بضباط سياسيين ليحلوا محل الضباط الحقيقيين، جاء بالمخلصين له ولحزبه، وأعتقد أن هذا الأمر زعزع التقدم الذي كان حققه الجيش العراقي.
* ما تخوف منه أي الجنرالات البعثيين، صاروا الآن مع «داعش»، عادوا ليلاحقوه؟
- أعتقد أن ذلك كان سوء حساب منه، لكن هناك خطأ آخر ارتكبه بعد انسحابنا، وهو العودة إلى سياسة تقسيم مذهبي، مع إساءة معاملة العرب السنّة. هذه الأمور إلى جانب الأزمة في سوريا أوجدتا الظروف لنمو «داعش» في البلدين.
* هل كذبت إدارة جورج دبليو بوش أثناء الاستعداد لغزو العراق؟ وهل الرئيس أوباما لم يكن أبدًا جديًا في نياته منع إيران من الحصول على السلاح النووي، كما قال أخيرًا ليون بانيتا وزير الدفاع السابق؟
- لا أعتقد أن الرئيس بوش كذب فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، أعتقد أن استخباراته واستخبارات دول أخرى كثيرة صدقت أن صدام حسين لديه الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وأنه كان بصدد الحصول على الأسلحة النووية، لكن تبين أن الاستخبارات كانت على خطأ، لكن المعلومات الاستخباراتية التي كانت أمام الرئيس بوش عندما اتخذ قرار غزو العراق كانت تقول إن صدام لديه أسلحة الدمار الشامل. لاحقًا اكتشفنا أن صدام كان يريد ردع إيران من الهجوم على العراق، ورأى أنه بالادعاء بأنه يملك أسلحة الدمار الشامل يستطيع أن يردعها.
حسابات صدام تجاه إيران ربما ساعدت في التوصل إلى المعلومات الاستخباراتية التي أدت إلى غزو العراق، لكنها كانت معلومات خاطئة.
* هذا يعني أننا نستطيع أن ندعي أي شيء، والاستخبارات الغربية تصدق من دون التحقق أكثر؟
- من دون شك. وكلنا نعترف بأن الاستخبارات كانت فاشلة وكانت خاطئة، لكن من دون هذه المعلومات لا أعتقد أن الرئيس بوش كان غزا العراق، لأن مزيج تلك الاستخبارات وعمليات 11/ 9، حسب تقديري، وفرت الجو للرئيس بوش لاتخاذ قرار الغزو. لو أن الاستخبارات استنتجت أنه لا أسلحة دمار شامل، ولو أن عمليات 9 / 11 لم تقع، لا أظن أن الرئيس بوش كان غزا العراق.
* ماذا عن الرئيس أوباما بأنه لم يكن جديًا بمنع إيران من الحصول على الأسلحة النووية؟
- أنا لم أقرأ تصريحات السيد بانيتا بأن الرئيس ما كان سيفعل ما قال إنه سيقدم عليه لو أن الدبلوماسية لم تنجح. لقد كان أمام الرئيس كل الخيارات لمنع إيران من الحصول على النووي، بما فيها الخيار العسكري. لا أستطيع أن أحكم، لم أكن جزءًا من الإدارة، لا أملك حرية تفسير ما إذا كان الرئيس قصد ما قال أو لم يقصد ذلك.
* لدى الولايات المتحدة تجربة في إيجاد ملاذات آمنة، ومناطق ممنوع التحليق فوقها، كما فعلت في العراق. لو فعلت ذلك في سوريا هل تعتقد أن أوروبا ما كانت لتعاني من أزمة اللاجئين، وأن الحرب في سوريا كانت انتهت؟
- لا أعرف بالنسبة إلى الحرب واحتمال انتهائها. لكن أعتقد أنه كان خطأ عدم إقامة منطقة آمنة ومنطقة ممنوع التحليق فوقها، لأنه حتى ولو لم تكن الحرب انتهت الآن، لكان لوضع أفضل مما هو عليه اليوم. لدينا تجربة في هذه المسائل، أقمناها شمال العراق في كردستان بعد الغزو العراقي للكويت عندما تحرك صدام ضد الأكراد، ودفعهم للهرب إلى تركيا، كنت واحدًا من إدارة جورج بوش الأب، وخططنا في البنتاغون لإنشاء منطقة ممنوع الطيران فوقها، فمنعت كثيرًا من الأكراد من التوجه إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا، أيضًا المنطقة أوجدت أمنًا للسكان، وأعتقد بالتالي أنه كان علينا فعل الشيء نفسه في سوريا، منطقة ملاذ آمن، ومنطقة ممنوع التحليق فيها، مما كان سيؤدي إلى احتمال التوصل لتسوية أفضل، وكان يمكن تشكيل حكومة أكثر تمثيلاً للسوريين.
* إذا فشلت الدبلوماسية في سوريا. ماذا سيحصل؟
- المزيد من الصراعات، المزيد من اللاجئين، وأعتقد أن الوقت ليس متأخرًا لاتخاذ خطوات لإقناع بشار الأسد بالموافقة، ليس فقط على وقف إطلاق النار، إنما على تسوية أيضًا تكون مقبولة بشكل واسع من السوريين، وأعتقد أنه لا نزال نستطيع أن نبحث عن إقامة ملاذات آمنة، وأين؟ في أي منطقة من سوريا، هل على الحدود مع تركيا، أو الحدود مع الأردن أو على طول حدود الاثنين معًا؟ ويجب أن ندرس أيضًا إقامة مناطق ممنوع التحليق فوقها، ومضاعفة مساعدة المجموعات الأكثر اعتدالاً من المتطرفين، ويمكنهم أن يزيدوا من الضغط على الحكومة السورية.
* وهل تعتقد أن لبشار الأسد دورًا في كل ما ذكرته، أم أن عليه أن يغادر؟
- أعتقد أنه في النهاية من أجل التوصل إلى تسوية في سوريا يحتاج بشار الأسد إلى الذهاب، وأن تحل محله حكومة موسعة في سوريا. في سوريا الوضع الآن كالتالي:
حرب ضروس تسببت بمعاناة المدنيين، ولا أعتقد أن المعارضة السورية، ما دامت قادرة على القتال، أو القوى الإقليمية التي تدعم المعارضة مثل تركيا والمملكة السعودية ودول أخرى، ستوافق على التعاون مع بشار ضد الشعب السوري. لذلك فإن التسوية تتطلب تغييرًا في الحكومة، إلى حكومة انتقالية، ومن ثم حكومة دائمة تمثل الشعب السوري أكثر. لا يمكن القبول بأنه في العراق يصر الإيرانيون على أن يكون للأغلبية دور في إدارة البلاد، ويصرون في سوريا على أن تدير أقلية شؤون الحكم.
أعتقد أن هناك حاجة إلى تسوية إقليمية بين إيران وتركيا والسعودية حول قواعد المنافسة في المنطقة، التي تتطلب تطبيق بعض المبادئ، على أن تلتزم كل الدول بهذه المبادئ، لكن ما دام لا حل في سوريا، لن يكون هناك حل في العراق فالأتراك وبعض الدول العربية لن يقبلوا ما يحدث في العراق، إذا لم تتم تسوية سورية على المبادئ نفسها.
* لدي بضعة أسئلة هنا: أشرت إلى تسوية ضرورية بين إيران وتركيا والمملكة السعودية، كيف يمكن حدوث ذلك إذا كان أحد الأنظمة (إيران) توسعيًا ويريد تصدير الثورة، وكما قلت يريد أن يحكم الأغلبية في العراق والأقلية في سوريا. كيف يمكن بحث تسوية مع نظام كهذا؟
- أعتقد أنه يمكن التوصل إلى تسوية إذا حدث تغير في التوجه الإيراني. والتغير يمكن أن يحدث، إذا صار ما يقومون به في العراق وسوريا أكثر تكلفة لهم، وكان هناك توازن قوى في المنطقة يمنع إيران من السعي للسيطرة أو تحقيق السيطرة على المنطقة.
إذا توصلت إيران مع تركيا والمملكة السعودية إلى قناعة بأن مواصلة الصراع في مناطق مثل سوريا أو اليمن حيث كل طرف يدعم أطرافًا تقاتل الأخرى، بأنه مكلف جدًا للمنطقة ولهم. أخذت هذه العبرة من تجربة أوروبا وحرب 30 سنة بين الملك الكاثوليكي والملك البروتستانتي، حيث قررا في النهاية أن استمرار الحرب مكلف جدًا للجميع، وتوصلا إلى «اتفاقية وستفاليا» التي أنهت الحروب الكاثوليكية – البروتستانتية، وأنتجت اتفاقًا بين الملوك الكاثوليك والملوك البروتستانت حول قواعد تنظيم العلاقات فيما بينهم والمنافسة.
في المحصلة، وليس فورًا، هذا ما يجب أن يحدث في المنطقة، وعلينا أن نخطط لدفع المنطقة إلى هذه النقطة. وكما قلت فإن هذا يتطلب دفع إيران إلى التخلي عن سياستها العدائية في المنطقة، ويتطلب توازن قوى، وحوارًا ومناقشات. آمل أن نتوصل إلى هذا عاجلاً وليس آجلاً، لأنني أتخوف من أنه إذا استمر هذا النوع من الصراع، فإن الأسوأ قد يحدث في المنطقة، وأملي أن نتجنب ذلك، وألا نكرر أخطاء أوروبا قبل أن تجري حوارات حول بعض القواعد بين اللاعبين الثلاث الكبار في المنطقة.
* هذا يعني أنه من المهم للمنطقة أن تقوي الولايات المتحدة القدرات العسكرية لدول الخليج لتؤكد لهم أن هناك توازن قوى في المنطقة؟
- بكل تأكيد، لأنه من دون ذلك لا أعتقد بإمكانية التوصل إلى تسوية، ومن دون الضغط على سياسات إيران العدائية في المنطقة لا يمكن التوصل إلى تسوية. إيران تقول الآن إنها مستعدة للتواصل مع الجيران، لكن الجيران يتخوفون كون إيران وبعدائية كبرى لاحقت مصالحها، وحققت تقدمًا أكبر بكثير من أي خطوات عملية لمواجهتها. لذلك أعتقد بأنه عندما نقرر أن الهدف هو التفاوض حول اتفاق بين القوى الثلاث، عندها نحتاج إلى معرفة الخطوات المقبولة للانتقال من هنا إلى هناك، وهذه الخطوات بنظري تتضمن توازن القوى، وتعني تقوية حلفائنا التقليديين من العرب، وتعني أيضًا الضغط للتوصل إلى تسوية شرعية في سوريا، واتخاذ الخطوات الضرورية للتوصل إلى ذلك، وتعني أيضًا ليس فقط الضغط لمواجهة سياسات إيران العدائية بل أيضًا التعامل مع إيران وإشراكها لدفعها باتجاه هذه المسائل، وبالتالي فإن سياسة مقاومة تصرفات إيران العدائية بالإضافة إلى إشراكها هي السياسة الصائبة.
* لكنك قلت أيضًا، إنه من دون تثبيت الوجود الأميركي في الخليج والعلاقات الأميركية مع الأردن ودول الخليج، فإن إيران يمكن أن تغلق ممرات النفط، ويبدو أن الإدارة الحالية لم تُصْغِ، فهل ستصغي الإدارة المقبلة، ثم أحب أن أضيف أن المشرع الإيراني المتشدد حميد رضائي اقترح قانونًا يقضي بمصادرة الممتلكات الأميركية التي تعبر مضيق هرمز ردًا على التصرفات العدائية لأميركا. كيف يمكنك إقناع إيران بأن عليها تغيير تصرفاتها؟
- أعتقد أن هناك صراعًا يدور داخل إيران، وهناك وجهات نظر مختلفة، وأعتقد أيضًا بأن السياسة التي وصفتها: الضغط، المقاومة، زيادة التكلفة والإشراك هي التوجه الأفضل لمعالجة ذلك، لأن تعاطيًا أميركيًا أكثر يمكنه أن يعقد أكثر السياسة الإيرانية الداخلية، لأن هناك قوى قادرة داخل إيران، خصوصًا بين الشعب، تريد علاقات أفضل لإيران مع العالم بما فيه الولايات المتحدة، ثم إن المتشددين يتعرضون لانتقادات داخل إيران، مع العلم أنهم ازدادوا قمعًا وعدائية في تصريحاتهم. على كل حال، إذا أقدمت إيران على القيام بما أشرت إليه، إغلاق مضيق هرمز أو مصادرة ممتلكات أميركية، فإن هذا سيكون له تبعات خطيرة على إيران، لأنه سيؤدي إلى مواجهة مباشرة ما بين القوات الإيرانية والقوات الأميركية، وهذا ما تريد إيران تجنبه.
أعتقد أنه في النهاية، اعتماد سياسة مواجهة العدائية الإيرانية في الخارج، أو القمع في الداخل إضافة إلى إشراكها عبر المؤسسات، كما حصل أثناء التفاوض حول الاتفاق النووي، هو التوجه الصحيح.
* هناك استياء كبير داخل العراق بسبب عدم احترام إيران لسيادة العراق، ولاحظت أنت كما كتبت أن عددًا من الزعماء الشيعة العراقيين زادت خيبة أملهم من إيران، ماذا ستكون ردة فعل الإيرانيين على هذا، هل سيزداد قمعهم للشعب العراقي، وإذا كان هذا يحدث في العراق فهل سيحصل في سوريا؟
- كنت في العراق قبل كتابة تلك القطعة، وتكلمت مع عدد من الزعماء العراقيين الشيعة الذين عرفت بعضهم منذ زمن طويل، ولاحظت رسالة واضحة من قبلهم بأنهم يرغبون بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة ومع العالم وكذلك مع إيران. لا يريدون أن يكونوا معتمدين فقط على إيران أو متذللين لإيران، يريدون أن يكونوا مستقلين، ولأن إيران لم تحترمهم قط، وتتدخل في علاقات العراق. بعضهم قلق من دور الميليشيات التي تدعمها إيران في العراق، ورغم أنهم لم ينتقدوا علنًا هذه الميليشيات لأنهم يخافون من «داعش»، واعتقدوا أنهم قد يحتاجون هذه الميليشيات في قتالهم المستمر ضد «داعش»، لكنهم يتخوفون من أن هذه الميليشيات المدعومة من إيران ستكون مصدر عدم استقرار للشيعة، وبسبب السياسة الإيرانية فقد يحدث صراع داخل المنزل الشيعي في العراق، إذ إن بعض الميليشيات قد تقاتل البعض الآخر بسبب النفط مثلاً، وكان زعماء الشيعة العراقيون قلقين من هذا ويتطلعون إلى توازن في العلاقات لا سيما مع الولايات المتحدة.
* مرت الأسبوع الماضي الذكرى المائة على اتفاقية سايكس – بيكو. هل ترى أي تغيير في حدود دول المنطقة؟
- هناك خطر بذلك، لأن كل شيء صار مسيسًا الآن، وربما بسبب التطورات في المنطقة، إن الداخلية أو الدولية، فإننا نرى هويات سياسية أكثر قائمة على الطائفة، هناك الحركة الشيعية السياسية والحركة السياسية السنية، ونرى أيضًا تزايدًا في الهوية الإثنية خصوصًا فيما يخص الأكراد. إذا لم توجد معادلة يقترحها أبناء العراق من شيعة وسنّة وأكراد، أو أبناء سوريا من علويين، وسنّة، ومسيحيين وأكراد، عندها يكون الخطر أن الاتفاق المطلوب للإبقاء على الدولة مجتمعة في هذه النقطة سيكون سلطة مركزية في الوسط ولا مركزية في الأطراف. مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية. إذا لم يكن هناك اتفاق لتقاسم السلطة ومعادلة اللامركزية فإن البديل قد يكون الانفصال. وقد سمعنا من رئيس كردستان مسعود بارزاني أن زمن سايكس - بيكو انتهى، وأن كردستان يجب أن تصبح مستقلة، لكنه أضاف أنه يريد تحقيق ذلك بطريقة سلمية بعد اتفاق مع بغداد، وهذا يعني أن هناك مجالاً للتفاوض مع بغداد. لكن هل سيتم التوصل إلى اتفاق يبقي كردستان جزءًا من العراق، أو لا يتم التوصل إلى اتفاق وعندها سنرى بروز دولة منفصلة: كردستان.
إن إمكانية تغيير الحدود موضوع الآن على الأجندة خصوصًا في العراق وسوريا. وأظن أن احتمالاته تعتمد على ما إذا كان هناك اتفاق لاحتواء، على الأقل في الوقت الحاضر، التسييس المعزز للكيانات الصغيرة التي برزت في هاتين الدولتين بالذات.
* في كتابك طرحت أن على الولايات المتحدة أن تمنع بروز ندّ منافس لها في العالم، الآن تلعب روسيا في سوريا دورًا أساسيًا. هل تعتقد أن روسيا عائدة أو أنها ترزح تحت صعوبة اقتصادية؟
- على المدى القصير، تبدو روسيا تتموضع بطريقة عدائية، حتى إنها تخاطر وتعيد بناء قوتها العسكرية. على المدى الطويل، فإن الاقتصاد الروسي في تراجع وكذلك روسيا. أعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تتبع 3 سياسات مختلفة: في أوروبا، وفي الشرق الأوسط وفي آسيا. إذ إن كلا من هذه المناطق حاسم في أهميته، والولايات المتحدة من أجل المستقبل يجب أن تعتمد استراتيجية متوازنة في كل من هذه المناطق، أي يجب أن يكون هناك توازن قوى بين دول كل منطقة بحيث لا تستطيع أي دولة فرض نفوذها في المنطقة، وفي الوقت نفسه على الولايات المتحدة أن تعمل على بناء الثقة بين هذه الدول، وتضع آلية للتصالح وبناء الثقة وإيجاد حلول للصراعات، ثم يجب أن يكون هناك وجود أميركي في كل من هذه المناطق ليضمن توازن القوى ليس فقط بمساعدة الأصدقاء إنما أيضًا للولايات المتحدة بأن يكون لها وجود يضمن التوازن ويمنع السيطرة الكلية لأي دولة. هذا ينطبق على الشرق الأوسط وأوروبا وروسيا.
* وينطبق على الصين أيضًا؟
- طبعًا، لأنه في آسيا يجب أن نتبع توازن القوى ونشجع على المصالحة وبناء الثقة وإيجاد الحلول، لكن الوجود الأميركي ضروري هناك أيضًا، لأن زيادة التعاطي الأميركي اقتصاديًا ودبلوماسيًا وعسكريًا ضروري في آسيا.
* رئيس الاستخبارات الوطنية الأميركية جايمس كلابر قال أخيرًا إن أميركا لا تستطيع إصلاح الشرق الأوسط، وإنها لن تستعيد الموصل هذا العام وإنها تواجه صراعًا سيمتد لعقود.. صورة مشرقة؟
- نعم، مشرقة جدًا (ضحك)، لكن الصحيح أن أميركا لا تستطيع أن تصلح كل مشكلات الشرق الأوسط، وليس هناك من يقول إنها تستطيع أو يجب عليها حل كل المشكلات. لكن السؤال هو: هل على الولايات المتحدة أن تقوم بعمل محدد، وكما شرحت سابقًا ما كان عليها أن تفعل في سوريا، وفي المنطقة من تأمين توازن القوى... إلخ، خصوصًا العمل على إيجاد قواعد بين إيران وتركيا والسعودية على المدى الطويل. لأن مشكلة الشرق الأوسط أنه يفتقد مؤسسات. في أوروبا هناك مؤسسات تتعاطى ببناء الثقة، وحل النزاعات، هذا موجود بنسبة أقل في آسيا، لكنه غير موجود في الشرق الأوسط، لهذا علينا ببنائها، إنما قبل ذلك من الضروري أن نواجه عدائية إيران في المنطقة، وإيجاد تسوية في سوريا والبدء بحوار. بالنسبة إلى «داعش»، لا بد من محاربته، لكن لحل مشكلة التطرف والإرهاب في المنطقة نحتاج إلى تسوية عادلة في سوريا والعراق، والاتفاق على القواعد، لأن بعض هذه الدول توظف المتطرفين.
* هل ما زلت تشعر بمرارة بسبب إقدام الرئيس جورج دبليو بوش على طردك لصالح بول بريمر؟
- كلا، أولاً لم يطردني بل طلب مني الذهاب إلى أفغانستان بدل العراق، لكنني أُصبت بخيبة أمل لأن الفكرة التي كنا اتفقنا عليها هي أن نذهب أنا وبول بريمر إلى العراق بوصفنا مبعوثين رئاسيين، وأن أقوم أنا بتشكيل الحكومة، فيما يقوم بريمر بأعمال أخرى. ما يحزنني أن أخطاء ارتكبت في العراق كان لها تأثيرات سلبية علينا وعلى العراقيين وعلى المنطقة.
* في كتابك قلت إن بريمر لم يكن مخولاً بحل الجيش العراقي؟
- هو يعتقد أنه كان مكلفًا بذلك، أجريت معه حديثًا حول ذلك، لكن لا إثبات من الرئيس أو من مستشار الأمن القومي آنذاك (ستيفن هادلي)، بأن محادثات جدية جرت في الأمن القومي حول مزايا وعيوب، إيجابيات وسلبيات، حل الجيش العراقي. وأبلغني أغلب المسؤولين أن المرة الأولى التي سمعوا بها عن قرار حل الجيش العراقي، كانت عبر الإعلام!



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.