تفجيرات تضرب معقل الأسد في جبلة وطرطوس.. وترتد على المهجرين

المعارضة تشكِّك في تبنِّي «داعش».. وتتهم النظام بـ«التوظيف السياسي»

ألسنة النار تلتهم المكان إثر تفجير في محطة حافلات في حي سكني بمدينة طرطوس الساحلية السورية أمس (إ.ب.أ)
ألسنة النار تلتهم المكان إثر تفجير في محطة حافلات في حي سكني بمدينة طرطوس الساحلية السورية أمس (إ.ب.أ)
TT

تفجيرات تضرب معقل الأسد في جبلة وطرطوس.. وترتد على المهجرين

ألسنة النار تلتهم المكان إثر تفجير في محطة حافلات في حي سكني بمدينة طرطوس الساحلية السورية أمس (إ.ب.أ)
ألسنة النار تلتهم المكان إثر تفجير في محطة حافلات في حي سكني بمدينة طرطوس الساحلية السورية أمس (إ.ب.أ)

حالة من الغضب العارم والفوضى عمت مناطق الساحل السوري الموالية للنظام على خلفية سلسلة تفجيرات استهدفت نقاط تجمع للمدنيين في مدينتي طرطوس وجبلة الساحليتين أحد أهم معاقل النظام والخزان البشري لقوات نظام الأسد، وقتل بالتفجيرات أكثر من مائة شخص وجرح العشرات، وقام شباب غاضبون بمهاجمة مراكز إيواء للمهجرين من المناطق الساخنة في إدلب وحلب، وإحراقها وإطلاق النار على سكانها أسفرت عن مقتل أكثر من عشرة مهجرين، بالتزامن مع حملة مداهمات واعتقالات واسعة لعشرات من المهجرين، وسط دعوات لطرد المهجرين من أبناء حلب وإدلب من مناطق الساحل، ومحاسبة المسؤولين عن الحواجز المتمركزين على مداخل المدن واتهامهم بالفساد وتقاضي الرشاوى والتهاون بمهماتهم.
كما دعت بعض الأصوات في الساحل إلى كف يد قوات النظام عن الحواجز وتسليمها للأهالي ليتولوا هم عمليات التفتيش والتدقيق للداخلين المدن الساحلية التي نزح إليها أكثر من مليون نسمة من المناطق الساخنة في محافظتي إدلب وحلب.
وعاشت، أمس، مدينتا طرطوس وجبلة السوريتين يوما داميا، إثر سلسلة الانفجارات التي ضربتهما، وأدت إلى مقتل أكثر من 140 شخصا معظمهم من المدنيين، وإذ سارع تنظيم داعش إلى تبنِّي التفجيرات، شكَّك الجيش السوري الحر و«تجمع ثوار اللاذقية»، بوقوف التنظيم وراء هذه العمليات المدروسة في التوقيت والأهداف، واتهما النظام بـ«الوقوف خلفها لتوظيفها سياسيا وأمنيا، بهدف إدراج حركة (أحرار الشام) على لائحة الإرهاب، وتهجير السنة من جبلة واللاذقية لتصبح المنطقة من اللون العلوي الصافي». بينما عبرت موسكو عن قلقها من التفجيرات، ورأت أن «تصاعد التوتر في سوريا يبرز الحاجة إلى مواصلة محادثات السلام».
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن «التفجيرات أسفرت عن مقتل 148 شخصا، بالإضافة إلى أكثر من 240 جريحا حالات بعضهم خطرة». وأوضح أن «73 شخصا لقوا حتفهم في مدينة جبلة جراء تفجير عربة مفخخة بالقرب من كراج مدينة جبلة، تبعه تفجير رجل لنفسه بحزام ناسف داخل الكراج بالتزامن مع تفجير رجلين لنفسيهما عند مديرية الكهرباء بالمدينة وعند مدخل الإسعاف التابع للمشفى الوطني في المدينة».
وقال: «إن العشرات قضوا في التفجيرات التي استهدفت مدينة طرطوس والناجمة عن تفجير عربة مفخخة في كراج المدينة، وتفجير رجلين لنفسيهما بأحزمة ناسفة بعد تجمع أشخاص في مكان الانفجار»، مؤكدا أن «اثنين على الأقل من الانفجارات كانا انتحاريين وأن إجمالي الانفجارات كان سبعة، أربعة منها في جبلة بمحافظة اللاذقية وثلاثة في مدينة طرطوس عاصمة محافظة طرطوس التي تقع إلى الجنوب من جبلة».
وأوضح مصدر في شرطة جبلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «تفجيرا انتحاريا استهدف قسم الإسعاف في المستشفى الوطني، ووقعت التفجيرات الثلاثة الأخرى بواسطة سيارات مفخخة في محطة حافلات المدينة وأمام مؤسسة الكهرباء وأما مستشفى الأسعد عند مدخل المدينة».
روايات النظام و«داعش» التي تلت التفجيرات، لم تقنع المعارضة السورية؛ إذ اعتبر القيادي في الجيش الحر العميد أحمد رحال، أن «هذه التفجيرات تأتي في سياق التوظيف السياسي والأمني للنظام». ورأى أن «تبني تنظيم داعش للعمليات تشوبه الكثير من الالتباسات، فالتنظيم لا يستخدم في بياناته تسمية (العلويين)، بل (النصيريين)، كما أن مسارعة النظام لاتهام (أحرار الشام) كافٍ لمعرفة مدى التوظيف السياسي، في محاولة منه لإدراج الحركة على لائحة الإرهاب».
وأكد رحال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ما حصل هو «عملية خرق أمني كبير جدا، وهي عملية منظمة في التوقيت والأهداف، لأنها وقعت في أوقات ذروة الاكتظاظ في الكاراجات وخلال توجه الموظفين إلى أعمالهم». وتوقف عند «سرعة وكالة (سانا) في إعلان الخبر وتوجيه الاتهام إلى (أحرار الشام)، علما بأن الخبر الرسمي يمر عبر جهات عسكرية وأمنية».
القيادي في الجيش الحر، رسم علامات استفهام حول طبيعة العمليات، فرأى أن التفجيرات «أتت غداة رفع النظام للحواجز من جبلة وطرطوس، وهي تبعد نحو 150 كيلومترا عن مواقع الجيش الحر و(داعش)، فكيف وصلت السيارات المفخخة والانتحاريون، واستطاعوا اجتياز كل الإجراءات الأمنية والعسكرية؟». وقال: «إن أبرز أوجه التوظيف الأمني للعمليات بدأت بإحراق مخيمات النازحين في جبلة، والبدء بحملة اعتقالات واسعة في صفوف النازحين، وربما الهدف منها إخلاء هذه المنطقة من الوجود السني». أضاف رحال: «هناك رواية ناقصة وغير مكتملة الفصول، ونؤكد أن المستفيد من هذه التفجيرات هو النظام، الذي يحاول استنهاض الحالة العلوية بعد التململ في صفوفها».
وتطابقت قراءة الجيش الحر للعمليات، مع رؤية الناشطين المعارضين؛ حيث أبدى عمر الجبلاوي، المتحدث باسم «تجمع أحرار سوريا» في اللاذقية، استغرابه «حصول مثل هذا الاختراق في منطقتين هما الأكثر تحصينا في سوريا». ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «كاراج جبلة الذي استهدفه التفجير يبعد نحو ستة كيلومترات عن القاعد الجوية الروسية في مطار حميميم، كما أن انفجار المشفى الوطني يبعد نحو 2 كيلومتر عن الكلية البحرية التابعة للنظام».
وقال الجبلاوي: «أنا ابن مدينة جبلة، التي ينتشر فيها ما بين 25 إلى 30 حاجزا في شوارعها وأحيائها، عدا عن وجود عشرات الحواجز العائدة لأمن الدولة والأمن العسكري والأمن السياسي، وأخرى تابعة لـ(حزب الله)، وبالتالي كيف عبرت السيارات المفخخة كل هذه الحواجز؟» ورأى أن «اختراق كل هذه التحصينات والإجراءات أمر مستحيل»، مؤكدا أن «من يستطيع الوصول من الرقة إلى جبلة وتنفيذ هذه العمليات، يستطيع الوصول إلى مطار حميميم وإلى الكلية الحربية وتفجيرهما».
وإذ استبعد وقوف داعش» وراء هذه العمليات، ذكر بأنها «المرة الأولى التي يستخدم فيها التنظيم اسم العلويين؛ لأنه يطلق على أبناء الطائفة العلوية اسم (النصيريين)». وقال الناطق باسم «تجمع أحرار سوريا»: «إن النظام يحاول الإيحاء بأن طائفته العلوية مستهدفة من الإرهاب، ويحاول إقناعها بالالتفاف حوله والالتحاق بالجيش بعد تمنع الشباب العلوي عن الخدمة، وهجرة الكثير منهم إلى تركيا وأوروبا». ولفت الجبلاوي إلى أن التفجيرات «سبقتها حملة اعتقالات أول من أمس لعشرات الشباب وسوقهم إلى التجنيد».
وتعد هذه التفجيرات الأولى من نوعها التي تستهدف المدينتين، ليس منذ بدء الأزمة السورية في مارس (آذار) من العام 2011 فحسب، إنما منذ العام 1986. وقد سادت حالة من القلق والخوف بين النازحين إلى المدينتين من محافظات أخرى، خوفا من قيام قوات النظام بتنفيذ اعتقالات عشوائية.
مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن، خالف قراءة المعارضة لما حصل، واعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التفجيرات هي أقوى ضربة يتلقاها النظام السوري؛ لأنها كسرت كل الحواجز والإجراءات الأمنية المشددة التي يفرضها»، معتبرا أنها «الضربة الأقوى للنظام في هذه المنطقة منذ العام 1986. عندما قامت طليعة من الإخوان المسلمين بتفجير حافلات ركاب قتل فيها 144 شخصا، جلهم من عناصر الجيش السوري، بينما أغلب ضحايا تفجيرات اليوم (أمس) هم مدنيون».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.