ليلى يافاري: الموضة هي الحلقة الأضعف في الساحة الإبداعية بإيران حاليا

الإيرانية التي استغنت عن الدكتوراه في الاقتصاد السياسي لتصبح عارضة أزياء ثم سفيرة تسوق

في أسبوع لندن، بجاكيت من «بالمان» Balmain، توب من «سيلين» Celine، بنطلون من «بوتشي» Pucci، حذاء وحقيبة يد من «فندي» Fendi (تصوير: فيل تايلور) خلال أسبوع ميلانو الأخير وتظهر في كاب من «كلوي» Chloe، توب ونظارات شمسية من «سيلين» Celine، شورت من «نيل باريت» Neil Barrett (تصوير: فيكتوريا أدامز)  -  ليلى في أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2014
في أسبوع لندن، بجاكيت من «بالمان» Balmain، توب من «سيلين» Celine، بنطلون من «بوتشي» Pucci، حذاء وحقيبة يد من «فندي» Fendi (تصوير: فيل تايلور) خلال أسبوع ميلانو الأخير وتظهر في كاب من «كلوي» Chloe، توب ونظارات شمسية من «سيلين» Celine، شورت من «نيل باريت» Neil Barrett (تصوير: فيكتوريا أدامز) - ليلى في أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2014
TT

ليلى يافاري: الموضة هي الحلقة الأضعف في الساحة الإبداعية بإيران حاليا

في أسبوع لندن، بجاكيت من «بالمان» Balmain، توب من «سيلين» Celine، بنطلون من «بوتشي» Pucci، حذاء وحقيبة يد من «فندي» Fendi (تصوير: فيل تايلور) خلال أسبوع ميلانو الأخير وتظهر في كاب من «كلوي» Chloe، توب ونظارات شمسية من «سيلين» Celine، شورت من «نيل باريت» Neil Barrett (تصوير: فيكتوريا أدامز)  -  ليلى في أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2014
في أسبوع لندن، بجاكيت من «بالمان» Balmain، توب من «سيلين» Celine، بنطلون من «بوتشي» Pucci، حذاء وحقيبة يد من «فندي» Fendi (تصوير: فيل تايلور) خلال أسبوع ميلانو الأخير وتظهر في كاب من «كلوي» Chloe، توب ونظارات شمسية من «سيلين» Celine، شورت من «نيل باريت» Neil Barrett (تصوير: فيكتوريا أدامز) - ليلى في أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2014

ما بدأ بالنسبة للعارضة الإيرانية سابقا، ليلى يافاري كهواية مؤقتة إلى أن تتخرج في الجامعة وتحصل على شهادة الدكتوراه، تحول إلى مهنة، أولا كعارضة أزياء وحاليا كسفيرة ومديرة في موقع «ستايل بوب» الألماني (StyleBop.com).
كانت ليلى تدرس في جامعة بيركلي في قسم الاقتصاد السياسي التنموي والنظريات الثقافية، عندما اكتشفت في عام 2004 ومنحت فرصة المشاركة في عروض أزياء. كأي شابة في مقتبل العمر، كانت تعشق الموضة وتتابعها، لكن من بعيد ولم تكن تتوقع أن تغويها إلى حد احترافها. ورغم أن اسمها ليس له رنة العارضات السوبر، فإنها لو بدأت في الثمانينات أو بداية التسعينات لكانت واحدة منهن، لكن اكتشافها جاء بعد ذلك بكثير، وبعد أن تراجع مفهوم العارضات السوبر لحساب عارضات أوروبا الشرقية. الدليل أنه ما إن تقع عليها العين حتى تقتحم مخيلتك صور سيندي كروفورد، كريستي تورلينغتون، ناعومي كامبل، ليندا إيفانجليستا نظرا لمواصفاتها الجمالية ورشاقتها البعيدة كل البعد عن النحافة الأنوركسية. أما هي فتعد نفسها محظوظة لأن الأمور جرت بطريقة طبيعية جدا، وبشكل لم تكن تتوقعه أو تسعى إليه: «لقد كان هدفي التخرج بشهادة الدكتوراه، لهذا عندما عرضت عليه فرصة المشاركة في عروض أزياء، كانت الفكرة في البداية أن أشارك فيها بشكل مؤقت، وفي أوقات لا تتضارب مع دراستي، بيد أنني لا أنكر أنني بدأت أستمتع بها بالتدريج، خصوصا بعد أن أخذتني في أسفار ممتعة إلى باريس وميلانو وعواصم أوروبية أخرى، بل وحتى جنوب أفريقيا. وبعد أن كنت أقبل السفر للعمل في فترة الإجازات الصيفية فقط، بدأت أجد صعوبة في رفض فرص مهمة كانت تعرض عليَّ خلال العام الدراسي. في كل مرة، كنت أقنع نفسي بأنني، وبمجرد انتهاء عملي وعودتي، سأعوض الوقت الذي قضيته بعيدا عن الجامعة. في المقابل، وجدت نفسي أتغيب أكثر وأكثر، وفي كل مرة كنت أقنع نفسي بأن الفرصة لا تعوض ولا يجب رفضها».
هكذا كانت نقلة ليلى يافاري من المكتبات والأبحاث الجامعية إلى جلسات تصوير لا تنتهي وعروض أزياء تحملها إلى كل بقاع العالم. فقد تحول ما بدأ كهواية مؤقتة إلى مهنة أخذت مع الوقت وجوها مختلفة. ففي عام 2011 تحولت إلى تحرير الأزياء في موقع «ستايل بوب» ولم يمر سوى عام آخر حتى ترقت إلى وظيفة مشترية رئيسة فيه.
وتشرح أنها بعد أن تقاعدت كعارضة وهي في سن الشباب، لم تستطع الانفصال عن هذا العالم تماما، وبقيت فيه كخبيرة أزياء تارة، وكمحررة تركز على ثقافة الموضة وعلاقتها بالمجتمعات تارة أخرى، قبل أن تصبح المشترية الرئيسة والمديرة في موقع «ستايل بوب دوت كوم». الموقع كما تؤكد متخصص في المنتجات المترفة، ويعد أهم موقع تسوق في أوروبا، مضيفة أنها شعرت بحسها بأنها فرصة لا يمكن أن تعوض بمجرد أن عرضت عليها أول مرة في عام 2010. ما زاد من حماسها شخصية الأخوين المؤسسين للموقع، اللذين أعجبت بنظرتهما المستقبلية وطريقة عملهما. تقول: «بهرتني عصاميتهما وقصة بدايتهما من لا شيء. فقد بدآ منذ عشر سنوات تقريبا في شقة صغيرة فوق محلهما الخاص ببيع ملابس التجزئة. كانا يقومان بكل شيء بأنفسهما، من تعليب وتلقي الطلبيات وإرسالها وغير ذلك. الآن يعد الموقع واحدا من أكبر وأهم مواقع التسوق في العالم، يوظف ما لا يقل عن 220 موظفا سيرتفع عددهم إلى 300 موظف أو أكثر مع نهاية هذا العام».
التقت ليلى المؤسسين أول مرة في حفل اجتماعي ببرلين، وكانت الفكرة أولا أن توظف خبرتها التحريرية في مجال الموضة للإشراف على مجلة الموقع لاستقطاب قراء موضة قد يتحولون إلى زبائن. لم يمر سوى عام واحد حتى ترقت إلى سفيرة الموقع بعد أن تولت منصب المشترية الرئيسة فيه. فقد برهنت على إلمام تام بخبايا الموضة، فضلا عن حس فني وشبكة علاقات طويلة مع المصممين. فهي المسؤولة عن اختيار من ينضم منهم إلى الموقع، تلتقطهم بحس وعينين عارفتين. فالمهم بالنسبة لها، أن «يتمتعوا بأسلوب فريد وخاص يخاطب كل الجنسيات والأجناس، وخصوصا أن الموقع مفتوح على كل العالم بما في ذلك كوريا الشمالية وإيران».
تذكر إيران بابتسامة واسعة ونظرة لها مغزى، وكلما تعمق الحديث عن الموضة وعلاقتها بالثقافة، تزيد تلقائيتها وتسهب في الحديث بفخر عن أصولها الإيرانية، مؤكدة أنها وعلى الرغم من تربيتها في كاليفورنيا، تبقى إيرانية 100 في المائة: «فنحن في البيت نتخاطب مع بعض بالفارسية ونسمع موسيقى إيرانية وكل ما يمت لهذه الثقافة من صلة». كانت ليلى شابة عندما زارت مسقط رأسها، طهران، أول مرة، وكان ذلك منذ أكثر من عشر سنوات تقريبا، عندما كانت تحضر شهادة الماجستير عن المسرح الإيراني وعلاقته بمسرح بريخت، ما شجعها على زيارتها في الإجازات الصيفية. تتذكر أن المشهد كان جديدا عليها «فقد أصبت بصدمة ثقافية لأنني لم أكن محضرة نفسيا لما وجدته. فقد كبرت وأنا أسمع قصصا أشبه بالأساطير عن إيران قبل الثورة، إلى حد أنني كونت صورة مختلفة تماما في ذهني عما صادفته». وتضيف ليلى، وهي الأصغر بين ستة أخوة، أن علاقتها بمسقط رأسها مختلفة عن باقي أفراد الأسرة. فعلى العكس منهم، لم تكن فيها أي ذكريات خاصة، ولم تعش فيها أي تجارب أو تربط فيها صداقات طفولة تعزز انتماءها إليها، لهذا أحست بنوع من الغربة عندما زارتها لأول مرة في عام 2001.
هل هذا يعني أنها نادمة لأنها لم تعش طفولتها وحياتها في طهران؟ ترد بالنفي، لكنها تعترف بأن حياتها كانت ستأخذ مسارا مختلفا تماما، على الأقل من ناحية أنها كانت ستدرس مجالا إبداعيا عوض التخصص في مجال علمي، الأمر الذي كان سيلخص المسافات ويختزل الوقت بالنسبة لها: «فالإبداع يجري في دمي الإيراني، بينما فرضت الغربة تخصصي. فقد كان عليَّ وإخوتي دراسة مجال عملي يمكن الاستفادة منه والنجاح فيه». ومع ذلك لا تشعر بذرة ندم، فكل تجربة خاضتها، علمتها شيئا جديدا، ثم إنها في الأخير اتجهت إلى مجال إبداعي هو الموضة، كما تقول: «قطاع مهم، يدر المليارات على الاقتصاد مثله مثل قطاع السيارات، رغم أن الكثير من الناس لا يقدرون أهميته حتى الآن».
ثم تعود لتقول إن حالة عدم الانتماء التي شعرت بها في طهران جعلتها تنظر إلى الأمور بعيون موضوعية أكثر منها عاطفية، وهو ما يعد أمرا إيجابيا: «فأنا محظوظة أكثر من غيري لأنه بإمكاني زيارة مسقط رأسي والتعرف على البلد الذي شب فيه والداي وشكَّل شخصيتهما، وكبرت على قصصه وثقافته ولو من بعيد. فعندما غادرنا إيران لم نكن نتوقع أن يسمح لنا بالعودة أبدا، لكن لحسن الحظ أن السلطات خففت من القيود بعد أن شعرت بأن فتح الأبواب لعودة رجال الأعمال وبعض الأطر مثل الأطباء أمر إيجابي، وهكذا اتصلوا بوالدي لطمأنته بأنه من الأشخاص المرحب بعودتهم».
زيارتها لإيران أول مرة كانت لتحضير شهادة الماجستير، ولأن إيران معروفة بالشعر والفنون، فإن الموضة لم تثر اهتمامها، وخصوصا أن غياب الألوان فيها لم يحفزها على الغوص فيها. وتشير إلى أنها الآن وبحكم عملها في مجال الموضة تسأل كثيرا عما إذا كانت تحاول أن تستعمل نفوذها لاكتشاف مصمم إيراني موهوب، وهو ما تقول إنه صعب في الوقت الحالي بحكم أن «إيران، مثل كوريا الشمالية منغلقة على نفسها ومنعزلة عن العالم منذ سنوات، لهذا من الصعب القول إنها تتوفر على صناعة موضة بالمعنى الصحيح. أتمنى أن تتطور للأحسن عندما تتحسن الأوضاع الاقتصادية مثل ما حصل في تركيا». وتستطرد مصححة ومدافعة عن نفسها في الوقت ذاته: «هناك إبداع، لا تفهميني خطأ، فالإيرانيون يتقنون صناعة السينما ومتألقون في الشعر والأدب وغيرها من الفنون، لكن الموضة ليست واحدة من تلك الفنون في الوقت الحالي، ولا يمكن القول إنها جزء من القوة الإبداعية في البلد. بل هي الحلقة الاضعف ففي أحسن الحالات، لا تزال تعتمد على تقليد التصاميم الغربية القديمة، من مجلات عمرها أكثر من عشر سنوات، وبالتالي لم تتطور ولا تواكب العصر. ما لاحظته أنها تتوفر على الكثير من الخياطات الماهرات، وبأن الذوق العام متأثر إلى حد كبير بالأسلوب الآسيوي من ناحية التطريز وما شابه ذلك».

* بحكم وظيفتها كمديرة قسم المشتريات في موقع «ستايل بوب» (stylebop.com) فإن ليلى يافاري مطالبة بمتابعة كل أسابيع الموضة لتتابع تطوراتها وتوجهاتها.. وفي الوقت ذاته لاكتشاف أسماء جديدة يمكن أن تضيفها إلى لائحة المصممين الموجودين حاليا في الموقع.. شهر كامل من العروض بدأ في نيويورك وانتقل إلى لندن ثم ميلانو وأخيرا وليس آخرا باريس لخصته في الملاحظات التالية:
* أسبوع لندن يدهشني دائما وهو المفضل لديَّ من بين كل أسابيع الموضة لأنه يضج بالابتكار والمواهب عدا أن العاصمة نفسها تتميز بحيوية معدية.
* التصاميم المستوحاة من التفصيل الرجالي إلى جانب الرومانسية الغامضة والبوب آرت كلها توجهات مهمة لخريف 2014 وشتاء 2015.
* الأزياء الخاصة بالنزهات ذات الطابع الرياضي المريح كانت هي الأخرى مهمة وتتنافس إلى حد ما مع التصاميم المطبوعة بالورود أو المطرزة.
* إذا كانت هناك قطعة أساسية لا بد من اختيارها بدقة للفت الأنظار في الموسمين المقبل فهي معطف بنوعية جيدة وتصميم عصري.
* المصمم الذي أثار انتباهي أكثر من غيره هو الكرواتي الأصل دامير دوما.. أعتقد أنه من الأسماء التي يجب الانتباه إليها لأنه سيكون له مستقبل باهر لما يتمتع به من أسلوب نظيف وقصات واضحة وعصرية رغم أن أساسها كلاسيكي.
* أعتقد أن البنطلونات المشبوكة مع قميص لتشكل قطعة واحدة تناسب المرأة في الشرق الأوسط فهي عصرية ومواكبة للموضة وفي الوقت ذاته محتشمة وهذا يعني أنها من التصاميم التي تتجاوز الصرعات والاتجاهات الموسمية وحتى البيئة وتخاطب كل الأنيقات.



كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
TT

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

تساءل بعض الظرفاء مؤخراً عما إذا كان صناع الترف والموضة قد وجدوا أنفسهم في مأزق بسبب تقارب تواريخ عيد الحب وشهر رمضان الفضيل بفارق أيام قليلة. تزامن بدا للبعض أشبه بمن وُلد في يوم عيد، فصار عليه أن يقاسم احتفاله وهداياه واهتمامه بين مناسبتين مختلفتين.

فإلى حد كبير تعتبر المناسبتان في جوهرهما أن واحداً يتلخص في الاهتمام بالآخر والتعبير عن ذلك بالعطاء. لكن الفرق بينهما أيضاً واضح. بينما يركز عيد الحب على علاقة ثنائية ومشاعر فردية، يوسّع رمضان دائرة الحب والعطاء لتشمل العائلة والمجتمع. وهنا يكمن الإرباك التجاري بالنسبة لبيوت الأزياء وضرورة اعتمادهم خطابين تسويقيين مختلفين.

محلات «هارودز» استبقت الشهر وطرحت منذ فترة كل ما لذ وطاب من أكل ومجوهرات وأزياء (هارودز)

القلب طريق الجيب

هذا التساؤل، رغم ما ينطوي عليه من شقاوة، يكشف الكثير إذا أخذنا بعين الاعتبار أن صناع الموضة اعتادوا استغلال المناسبتين معاً للترويج لمنتجاتهم وتحقيق أرباح مغرية. فهم يُدركون أنهم هنا يخاطبون وجدان شريحة من الزبائن لا تبخل على نفسها ولا على أحبتها بالغالي والنفيس. وهكذا يغرقون السوق بسيل من الاقتراحات المغرية، عبارة عن باقات ورد حمراء وعلب شوكولاتة ودببة ومجوهرات وعطور إلى جانب الأزياء والإكسسوارات الفخمة.

من وجهة نظر تجارية محضة، ورغم أن هذا التزامن لم يكن مريحاً لصناع الموضة والعلامات التجارية الكبيرة، فإنهم تعاملوا معه بقدر من الحنكة. كان لزاماً عليهم التضحية بواحد على حساب الثاني، وكانت الأولوية لشهر رمضان. ليس لأنه يمتد زمنياً فحسب، بل لأن معنى الحب الذي يحمله أوسع وأعمق، ولأن عائداته الاقتصادية أكبر، تسمح بتعويض فترات ركود تمتد لأشهر أخرى، كما أكدت تجارب وأرقام السنوات الماضية. في دراسة أجريت العام الماضي مثلاً، تبين أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لهذا الشهر في بريطانيا وحدها، يُقدّر بما يتراوح بين 800 مليون و1.3 مليار جنيه إسترليني، ويشمل ذلك الإنفاق على التجزئة والتبرعات الخيرية ومشتريات المتاجر الكبرى، والتسوق لعيد الفطر وما شابه.

محلات كثيرة تعرف أن لا بيت عربي يخلو من العطور والبخور فطرحت شموعاً وزيوتاً معطرة في قوالب مبتكرة (هارودز)

كل هذا يشير إلى أن الشهر الكريم، بالمقارنة بعيد الحب، لا يقتصر على الورود والقلوب الحمراء والإكسسوارات وعلب الشوكولاته والدببة ولا على يوم واحد فحسب، بل هو كل هذا فضلاً عن كرم الوقت ومراعاة الآخر والاهتمام به ولو من خلال وجبة إفطار في مكان خاص، سواء كان حميماً في بيت عائلي أو في مطعم فخم. وطبعاً كل هذا يحتاج إلى أزياء وإكسسوارات أنيقة وروائح عطرة، إضافة إلى أن ما يتم تقديمه من هدايا أكبر وأغلى ينعش كل القطاعات التي تتعلق بالحياة.

سباق رمضان يتوسَّع

فالورود والدببة لا تشكل أرقاماً مجزية مقارنة بما تُحقِّقه الشموع المعطرة والمجوهرات، فضلاً عن مجموعات حصرية كاملة من الأزياء والإكسسوارات، فيما أصبح تقليداً سنوياً يُطلق عليه سباق رمضان يبدأ قبل حلول الشهر الفضيل بأشهر. كل دار أزياء تتفنن في تقديم الجديد، وأحيانا اللعب على تشكيلاتها الأخيرة تنتقي منها ما يناسب ثقافة المنطقة، معتمدة إما على أسلوب الطبقات المتعددة لخلق صورة محتشمة أو على مواقع تصوير بطابع شرقي في حملاتها الرمضانية. في الأولى يتم تنسيق الفساتين أو العبايات مع كنزات كشمير ناعمة، وسراويل واسعة، ومعاطف من الصوف أو سترات دينم ناعمة، وفي الثانية تستعمل رمال الصحراء الذهبية أو مواقع أخرى ذات معمار شرقي. دار «فيراغامو» مثلاً صوّرت حملتها في المغرب على خلفية فسيفسائية، وعلى صوت الشاعرة الإماراتية فاطمة الجرمن، وهي تتلو نصاً صوتياً أصلياً، ساهم في تضخيم الطابع العاطفي.

الممثل معتصم النهار وزوجته لين في أزياء حملة «لاكوست» الرمضانية (لاكوست)

ويبدو واضحاً أن التعاون مع مؤثرين ومبدعين من المنطقة بات تقليداً مُرحّباً به. لا بوصفه خطوة تسويقية فحسب، بل كوسيلة تمنح المنتجات صوتاً محلياً وحمولة ثقافية أعمق. فالرغبة لدى البعض تتجاوز موسمية الشهر وتعكس محاولة لتوطيد علاقة طويلة الأمد مع سوق يُدركون أهميته في كل الأوقات. ومع ذلك لم ينجح الجميع في تحقيق المعادلة الصعبة بين العاطفة والتجارة... دار «لاكوست» مثلاً اكتفت بأزياء للنهار بألوان ساطعة، فيما راهنت على البُعد الإنساني عبر تعاونها مع الممثل معتصم النهار وزوجته لين برنجكجي في سرد بصري قالت إنه يُوثّق لحظات شخصية تنبض بالحميمية والدفء. تراجعت الأزياء للوراء لصالح المشاعر والإيقاع اليومي والارتباط الإنساني بين زوجين. اختيار يثير تساؤلاً حول ما إذا باتت العاطفة بديلاً للموضة في حملة يراد منها بيع الأزياء.

تعاونت «تيفاني آند كو» مع المؤثرة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي لاختيار نصّ شعري باللغة العربية (تيفاني آند كو)

«تيفاني آند كو» للمجوهرات في المقابل قدمت حملة مصورة بعنوان «تحت هلالٍ واحد»، قالت إنها تحتفي فيها بالتأمل الذاتي. هي الأخرى قدمت مجوهرات أيقونية من أرشيفها، مثل «هاردوير من تيفاني» و«نوت من تيفاني» و«تي من تيفاني» إضافة إلى «بيرد أون آ روك من تيفاني» الذي تقول إنه يستحضر إحساساً بالروحانية والتفاؤل، لما يجسّده من شعور بالتجدد. لكنها قوّت موقفها باستنادها إلى رموز رمضانية يظهر فيها الهلال كقوسٍ رقيق من الضوء، يرمز إلى الزمن والتحوّل، فيما توحي النجوم بالهداية والطمأنينة. وتشكل درجات السماء الليلية العميقة المرصعة بالنجوم ملامح المشهد، لتخلق أجواءً تأملية مفعمة بالسكينة. في قلب هذه الحملة، يبرز نصّ شعري باللغة العربية، كتبته الكاتبة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي، يعكس الوهج اللطيف لهلال الشهر الفضيل، وكيف يبعث نوره شعوراً بالقرب والحضور المشترك.

هلَّ هلال رمضان علينا بنقشٍ مُذَهَّب

وجمعَنا تحت سماءٍ لامعة كعقد الثُّرَيّا،

نورٌ يلامس القلوب ويضيء الإحساس

«تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية» مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية من (بالنسياغا)

بين الابتكار والاجترار

بيوت أزياء كثيرة أخرى لم تتأخر عن الركب ودخلت السباق بكل قوتها، متوجهة إلى زبائنها في المنطقة بتصاميم واقتراحات تأمل أن تجذبهم إليها ومن تم تحقق لهم الربح. نذكر منهم دار «بالنسياغا» التي استبقت الشهر وطرحت في يناير (كانون الثاني) الماضي «سلسلة بالنسياغا رمضان 26» الحصرية التي تعيد فيها ابتكار بعض الرموز الأيقونية ضمن لوحات لونية تروق للذائقة العربية، تشمل «تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية»، مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية، إلى جانب بلوزات حريرية وفساتين وأوشحة بألوان الأخضر الداكن والخوخي الفاتح. وتظهر النعال المكشوفة لحذاء «سبيد» الأيقوني باللون الذهبي.

بدورها طرحت دار «توري بيرش» الأميركية تشكيلة رمضانية تضم إكسسوارات وأزياء جاهزة ومجوهرات تعكس أسلوب مصممة تعشق روح الشرق وتستلهم تفاصيله في معظم عروضها حتى خارج الموسم الرمضاني.

دار «فالنتينو» طوّعت 6 إطلالات من عرضها من خط الكروز الأخيرة ليناسب الشهر الفضيل (فالنتينو)

أما «فالنتينو» فصوّرت حملة إعلانية صاغ رؤيتها المدير الإبداعي أليساندرو ميكيلي، والتقطتها عدسة المصورة جولي غريف، ضمت ست إطلالات من خط الـ«كروز» الأخير، واحد منها قفطان تم تنسيقه مع بنطلون متطابق بوهج ذهبي متدرج ووردي فاتح. ويبدو أن الدار مثل غيرها تراهن على الإكسسوارات بشكل كبير، بالنظر إلى كم حقائب اليد والأحذية والأوشحة التي طرحتها وأغدقت عليها الكثير من الترصيع.

من اقتراحات «دي كي إن واي» لهذا الشهر: الأزياء عصرية ومعاصرة والخلفية عربية (دي كي إن واي)

علامة «دي كي إن واي» DKNY ذهبت إلى أبعد من طرح مجرد أزياء محتشمة أو إكسسوارات تتوخى أن تجد لها مكاناً بارزاً في هذا السباق. تعاونت مع المؤثرة دينا السعدي من خلال تشكيلة محدودة الإصدار وحصرية «استُلهمت تفاصيلها من أمسيات رمضان الهادئة ولحظات التلاقي الدافئة» وفق قولها، وهو ما ترجمته في قصّات انسيابية، وألوان هادئة تتباين بين الترابي الهادئ والذهبي الدافئ.

المحلات الكبيرة أيضاً دخلت السباق متسلحة بكل العلامات المتوفرة لديها. محلات «هارودز» بلندن تقدم منذ بداية شهر فبراير (شباط) إلى شهر مارس (آذار) اقتراحات شهية عبارة عن سلال مليئة بكل ما طاب من تمور وحلويات وعسل طبيعي وشاي مغربي ومنتجات أخرى خاصة برمضان، يمكن تقديمها كهدايا، إضافة إلى أزياء وإكسسوارات تناسب دعوات الإفطار والسحور: أنيقة ومحتشمة وعملية، من مصممين كبار مثل تالر مامو، وستيلا مكارتني، وجيني باكهام، وميسوني.

صورت «هارودز» حملتها الرمضانية بالتعاون مع 5 مؤثرين ومبدعين عرب (هارودز)

وفي حملة مبتكرة تعاونت «هارودز» مع خمسة من أبرز المبدعين العرب في تصوير وإخراج فيلم قصير. تولّت بطولته نيا عمّون، المقيمة بين دبي والرياض ولندن، والتي تمثل فن «الاحتشام في الحداثة»، وأخرجه سيرج أسعد وصوره مازن أبصرور، ليجمع بين روعة ديكور هارودز وفخامة الأسلوب المحتشم المعاصر. أما تنسيق الأزياء فتولّاه أحمد النجار بينما أجرت المكياج خبيرة المكياج كنزة بيا.

اختارت «هارفي نيكولز دبي» ألواناً ترابية و50 قطعة بدرجة من الأزرق للدلالة على الصفاء والسكينة (هارفي نيكولز)

محلات «هارڤي نيكلز» أيضاً أطلقت منذ فترة حملة تأمل تدعو فيها للتصالح مع الذات، بعنوان «خيوط من النور». تلعب كل تفاصيلها على أناقة مرسومة بألوان الصحراء وتصاميم منسابة على شكل قفاطين من دار «تولر مارمو». لم تقتصر الاقتراحات على الألوان الترابية والذهبية، فهناك خمسون قطعة كلها بدرجة من الأزرق تتدرج من لون السماء إلى عمق الغسق، من ستيلا ماكارتني و«ماكوين» ومجوهرات من ميسوما وآلان كروسيتي وغيرهم. ويأتي هذا الاهتمام المكثف بالأزرق لتعزيز الإحساس بالسكينة والصفاء، وفق ما أكدته المسؤولات عن هذه الاختيارات.

الرموز الإيطالية في خدمة الثقافة العربية

ومن إيطاليا أرسلت دار «برونيلو كوتشينيللي» بطاقة حب إلى المنطقة العربية بمناسبة الشهر الفضيل، مكتوبة بلغة مباشرة وصادقة. كل ما فيها من تفاصيل يعترف بأنه يتودد لزبونة المنطقة، لكن بأسلوب يحترم ثقافتها وأسلوبها الخاص أيضاً.

كانت اقتراحات «برونيلو كوتشينيللي» الأقرب والأصدق لأنها احترمت الثقافة من دون استسهال (برونيلو كوتشينيللي)

ما يُحسب لها أن الجانب التجاري لم يأتِ على حساب الأناقة والحرفية. بالعكس تماماً، فكل عباية، بقصّاتها الراقية والمنسدلة، تُجسّد القيم الرمضانية، من راحة وخفّة وسهولة تنسيق. حتى الزخارف الهادئة في بعض القطع، تضيف للأقمشة المترفة بعُداً بصرياً وعمقاً إيقاعياً مستوحى من الزهور المتلألئة أو نقشة جلد التمساح، ونقشة الجاكارد المحبوكة. كلها تتناغم مع ألوان طبيعية مثل البني الرملي والبيج والبني الداكن والأبيض، إضافة إلى العنّابي الداكن والرمادي.

هذه الرغبة في إبراز الحرفية، تظهر أيضاً في مجموعة «فندي»، التي اعتمدت فيها الدار على استكشاف أبعاد جديدة لبريق المواد وملمسها ومدى تناغمها مع الدرجات المعدنية والتطريزات الدقيقة. والنتيجة جاءت على شكل فساتين طويلة من الشيفون أو الدانتيل تنسدل براحة فيما تتألق الملابس المنزلية بزخرفة زهرة الأقحوان.

في مجموعتها «نور» قدمت دار «فندي» مجموعة تعتمد على الحرفية والألوان الفاتحة مثل الوردي والذهبي (فندي)

وبينما غلب اللون الوردي على الأزياء، اكتسحت درجات الذهبي المائل للعاجي الإكسسوارات للتقرب من ذائقة اشتهرت بميلها إلى كل ما هو ذهبي أو زمردي ومصنوع باليد.

ضمن هذه المجموعة أعيد ابتكار حقيبتيْ «ميني باغيت» Mini Baguette وميني بيكابو Mini Peekaboo الأيقونيتين بتطريز كل قطعة يدوياً على قاعدة من الساتان، مع استخدام أحجار الكريستال والخرز الزجاجي في تقنية تتطلب ما يقارب الأسبوعين من العمل على يد حرفي متمكن للحقيبة الواحدة.

وهكذا فإن رمضان بروحه الجامعة وطقوسه الاجتماعية، ربما أربك التسويق لعيد الحب في المنطقة العربية وأنقص من وهجه، لكنه أعاد ترتيب الأولويات، الأمر الذي جعل تضارب التوقيت فرصة لاختيار الحب بوصفه قيمة ثقافية واجتماعية. كان أيضاً فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان معاً.


«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.