رهائن «بوكو حرام».. بين معاناة الأَسر ونبذ المجتمع

رهائن «بوكو حرام».. بين معاناة الأَسر ونبذ المجتمع

خوف من تعاطف الأسرى مع المتطرفين
الاثنين - 15 شعبان 1437 هـ - 23 مايو 2016 مـ رقم العدد [ 13691]
رهينات سابقات لجماعة «بوكو حرام» في مخيم قريب من مايدغوري في نيجيريا («نيويورك تايمز»)
دالوري (نيجيريا): ديون سيرسي

اعتقدت زارا وشقيقها الأصغر أنهما في أمان. فبعد احتجازهما من قبل جماعة «بوكو حرام» لعدة شهور، تمكنا من الوصول إلى المخيم الحكومي المفتوح لاستقبال آلاف المدنيين الذين تمكنوا من الفرار من قسوة ووحشية المسلحين الإرهابيين. ولكن بدلاً من الترحيب بهما، تجمّع المقيمون في المخيّم حولهما وألحوا عليهما بالأسئلة إلى جانب نظرات الازدراء الواضحة.

وتعرض شقيق زارا الأصغر، البالغ من العمر 10 سنوات، للضرب المبرح إثر قناعة سكان المخيم بأن أي شخص أمضى بعض الوقت بين المسلحين، حتى إن كان من ضحايا الاختطاف والاحتجاز القسري، يمكن أن يكون من المتعاطفين معهم، وقد يتحول إلى مهاجم انتحاري.

وكانت زارا، في واقع الأمر، تخفي سرًا خطيرًا تحمله على ظهرها، ألا وهو طفلها. وكان والد الطفل الصغير أحد المتطرفين من «بوكو حرام» تعمّد اغتصابها، ولكن زارا تدرك أن المقيمين في المخيم الحكومي لن يصدقوا قصتها وسوف يشككون في ولائها. ولذلك، سرعان ما اخترعت قصة بأن المسلحين قتلوا زوجها، مما جعلها أمًا أرملة وشابة لطفل صغير.

تقول زارا، التي لم ينشر اسمها بالكامل لحمايتها: «إن علموا أن والد طفلي هو أحد المتطرفين، لن يسمحوا لنا بالبقاء في المخيم. لن ينسوا أبدًا من هو والد طفلي، كما لا ينسى النمر أبدًا منطقة نفوذه ومعيشته». وفي شمال شرقي نيجيريا، تغيرت حياة مئات الآلاف من الناس خلال سنوات القهر والمعاناة تحت حكم «بوكو حرام»، حيث كانوا يسرقون أي شيء أو كل شيء من العائلة التي يهجّرونها.

والآن، هناك حالة من الشك العميق حيال أي شخص يعيش إلى جانب الجماعة المتطرفة، بمن فيهم الفتيات اللاتي احتجزن كرهائن لدى الجماعة، وتعرّضن للاغتصاب المتكرر ثم تركن ليضعن أولادهن من آباء متطرفين. ويرجع الغضب الذي ينتاب سكان المخيمات إلى حالة الخوف العارمة هناك. فلقد استخدمت جماعة «بوكو حرام» العشرات من النساء والفتيات - وكثيرات منهن لم يبلغن سن المراهقة بعد - في تنفيذ الهجمات الانتحارية خلال الشهور الأخيرة، التي أسفرت عن مصرع المئات من الناس في هجمات نفذت على أماكن مثل الأسواق والمدارس. ولقد أرسلت الفتيات من قبل الجماعة الإرهابية لتفجير أنفسهن في مخيمات أخرى، كهذا المخيم الحكومي.

وحقق الجيش النيجيري تقدمًا كبيرًا ضد المتطرفين. وتمكّنت القوات من استعادة المناطق التي كانت تحت سيطرة الجماعة الإرهابية، وتسببت الانتصارات العسكرية في رفع الروح المعنوية للمواطنين في البلاد الذين بدأوا يتحدثون عن الحياة لما بعد «بوكو حرام».

ولقد انتعشت الآمال كثيرًا خلال الأسبوع الماضي عندما تم العثور على فتاة، من أصل 200 فتاة مختطفة من إحدى المدارس الداخلية في بلدة شيبوك قبل عامين، على قيد الحياة وتتجول في إحدى الغابات هربًا من المتطرفين.

ولكن العثور على تلك الفتاة عزّز من حالة الصدمة القوية التي تواجه الرهائن السابقين، حيث كانت تحمل طفلاً رضيعًا، وبرفقة رجل يزعم أنه زوجها ومن الأسرى الهاربين من الجماعة. وقال الجيش إن ذلك الرجل كان من مقاتلي «بوكو حرام» المشتبه فيهم.

ومع انتقال الآلاف من الأسرى المحررين إلى المخيمات الحكومية، نشأ خلاف بين طبقتين من الضحايا: الأشخاص الذين تمكنوا من الإفلات من براثن الجماعة الإرهابية، وأولئك الذين سقطوا في براثنها. ويقول أدامو عيسى، وهو بائع في أحد الأسواق، مشيرًا إلى أي شخص كان محتجزًا لدى «بوكو حرام»: «لن أثق فيهم أبدًا. وينبغي على الحكومة احتجازهم لبقية حياتهم».

حتى بالنسبة لفتيات المدارس المفقودات، الذي ساعد اختطفاهن في تعزيز الموقف الوطني في البلاد ضد جماعة «بوكو حرام» الإرهابية وتركيز الاهتمام الدولي على معاناة الضحايا في نيجيريا، لا يمكن اعتبارهن في مأمن من تلك الشكوك.

وخلال اجتماع عقد أخيرًا مع ساكني المخيم، قال عمال الإغاثة إن رجلاً طالب أولياء أمور الفتيات المفقودات برفض استقبالهن إذا ما خرجن من الأسر. ويفيد محمد نجوبدو حسن، المدير التنفيذي لمبادرة هيروا لتنمية المجتمع في مايدوغوري: «واجهتنا بعض من الآراء المتطرفة حول تلك القضية». واستؤصل الملايين من الناس في جميع أنحاء غرب أفريقيا من منازلهم بسبب حركة «بوكو حرام» الإرهابية، وفي بعض الأحيان بسبب الحملة العسكرية القاسية التي يشنها الجيش ضد الجماعة خلال السنوات الماضية. ولكن أغلب النازحين تمكنوا من الفرار من منازلهم قبل اجتياح المسلحين لها، وخضوعهم لأحكام «بوكو حرام» القاسية والمتطرفة.

وبالعادة، عندما يجتاح مقاتلو «بوكو حرام» إحدى القرى، فإنهم يقتلون كثيرًا من الشبان والصبيان فيها ممن يرفضون الانضمام لصفوف الجماعة. بينما يجبرون النساء في الغالب على الطهي للمقاتلين، أو يتم تدريبهن لتنفيذ الهجمات الانتحارية.

وبعض النساء والفتيات، مثل زارا، يتم إجبارهن على ما تسميه الجماعة الإرهابية بـ«الزواج». كما هو الحال في كثير من الصراعات التي يتحول فيها الاغتصاب إلى أحد أسلحة الحرب، وفي بعض الأحيان تحمل الضحايا من النساء والفتيات بأطفال المتطرفين.

وتواجه هؤلاء الضحايا الآن وصمة العار الشديد، وفي بعض الأحيان يتعرضن للضرب الشديد، عندما يرجعن إلى مجتمعاتهن، وفقًا لمنظمات الإغاثة الإنسانية. ويقول أبا آجي كالي، المنسق الحكومي لفرق العمل المدنية المشتركة، وهي مجموعة من المتطوعين الذين يحاربون «بوكو حرام»: «بعض الناس لن يقبلوا بوجود طفل غير شرعي، وأبوه أحد المتطرفين من الأعداء».

*خدمة «نيويورك تايمز»


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة