الزعبي: مخطط إنشاء كيان علوي في «سوريا المفيدة» وآخر كردي.. قيد الإعداد

الهيئة العليا للمفاوضات تتهم موسكو وطهران بإحداث فوضى عارمة بوسط البلاد خلال الساعات المقبلة

سوري يصور الدمار الذي لحق ببعض البيوت جراء القنابل المتفجرة التي ألقت بها طائرات تابعة للنظام في قرية بمدينة حلب ({غيتي})
سوري يصور الدمار الذي لحق ببعض البيوت جراء القنابل المتفجرة التي ألقت بها طائرات تابعة للنظام في قرية بمدينة حلب ({غيتي})
TT

الزعبي: مخطط إنشاء كيان علوي في «سوريا المفيدة» وآخر كردي.. قيد الإعداد

سوري يصور الدمار الذي لحق ببعض البيوت جراء القنابل المتفجرة التي ألقت بها طائرات تابعة للنظام في قرية بمدينة حلب ({غيتي})
سوري يصور الدمار الذي لحق ببعض البيوت جراء القنابل المتفجرة التي ألقت بها طائرات تابعة للنظام في قرية بمدينة حلب ({غيتي})

كشف أسعد عوض الزعبي، رئيس وفد المعارضة السورية إلى جنيف، في تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «أوامر إسرائيلية تنفّذ حاليًا في شكل تنسيق روسي - إيراني، تفضي إلى قرار بإثارة فوضى عارمة في سوريا، وحتمية تقسيمها والقضاء على بذور الثورة، وخلق مزيد من الضغوط على تركيا والسعودية وفرنسا وإجهاض القرار الأوروبي». وتوقع الزعبي عواقب وخيمة لإغلاق نفق الحصول على معالجة للأزمة السورية وإعمال الحل السياسي، مشيرا إلى نية روسيا تكثيف هجماتها على وسط سوريا بتواطؤ أميركي، لكسر شوكة الثوّار وإنشاء كيان كردي في الشمال السوري، مع إنشاء كيان علوي فيما يسمى «سوريا المفيدة».
رئيس الوفد المفاوض ذكر في تصريحه أن «(سوريا المفيدة) تتمتع بمنطقة شمالية باستثناء المنطقة الشمالية الغربية من حلب، التي من المفترض أن تمنح للأكراد»، وقال إن التخطيط الروسي يهدف إلى إقامة دولة لهم من منطقة عفرين وصولاً إلى منطقة الخامسي، وبالتالي يصل إلى فصل ومحاصرة تركيا من الجنوب، ومنع وصول المساعدات إلى الجيش الحر والشعب السوري في الداخل. ومن ثم تترك مناطق للاشتباك ما بين «داعش» و«الشعب السوري» في درعا، وصولاً إلى أرياف محافظات حمص ودير الزور والرقة.
وتابع الزعبي: «إن الروس والإيرانيين حسموا أمرهم بعملية السيطرة على ما بقي من مناطق والسيطرة على حلب في ظل غياب تام للمجتمع الدولي، وميوعة الإرادة الأميركية، لتحقيق مصالح إسرائيلية صهيونية في المنطقة، حيث إن هناك هجومًا مكثفًا على حلب، وحشودًا ضخمة على الغوطة الشرقية والغوطة الغربية» في محافظة ريف دمشق. ولفت إلى هجمات كثيفة تنفذ على ريف حمص وريف حماه لارتكاب مجازر، مشيرا إلى أن المنشورات التي أسقطت على الرقة ودير الزور لها تداعيات أخرى.
ومن ناحية أخرى، سخر الزعبي من إعلان واشنطن رفضها الطلب الروسي التشارك معها بضرب «جبهة النصرة»، قائلا إنها تهدف من ذلك إلى توفير المبرر الشرعي والذريعة لقتل الثورة، مؤكدا أنها مارست هجومها على «جبهة النصرة» منذ يومها الأول، وفي المقابل لم توجه موسكو أي ضربة تجاه «داعش». وقال إنه جرى نقل الأدلة الدامغة على ذلك إلى عدة جهات بما في ذلك أميركا والدول الراعية.
وأضاف الزعبي أن «روسيا عندما دخلت سوريا لم تستهدف (داعش) بأي غارة جوية، ولم تقتل أي عنصر من عناصرها، بل على العكس تمامًا فإنها دعمت أكثر من ثلاث هجمات لـ(داعش) في المنطقة الشمالية الشرقية لريف حلب. ثم إنها تواطأت مع النظام حين غطت عملية انسحاب (داعش) تجاه منطقة الرقة، مما يدل على أن روسيا لا تستهدف (داعش)، وإنما دخلت لأجل القضاء على الثورة السورية، ولذلك تستهدف كل فصائل الجيش الحر المعتدل». وأردف: «نعلم من خلال الوقائع التي تمر بها الثورة، منذ التدخل الروسي في 30 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أن نيات روسيا هي القضاء الكلي على الثورة، ودعم وإعادة تأهيل بشار الأسد، ونعلم أن هذا يتم بالتنسيق مع إسرائيل، إذ كانت هناك أوامر من نتنياهو شخصيا للقيادة الروسية بذلك، بالتواطؤ مع الأميركيين، بغض البصر عما يجري على أرض الواقع. أما أن تنفذ روسيا ذلك بنفسها فأعتقد أنها لا تجرؤ على فعل هذه الجرائم وحدها. إنها تقول إنها تقاتل وتحاول ضرب (النصرة)، كما قالت سابقا إنها تقصف (داعش)، واليوم تطالب بوضع (جيش الإسلام) و(أحرار الشام) وفصائل أخرى ثورية في قائمة الإرهاب».
رئيس وفد المعارضة السورية المفاوض في جنيف، وصف التصريحات الأميركية برفضها الطلب الروسي بضرب «النصرة» بأنه «للاستهلاك الإعلامي فقط»، وتابع الزعبي: «إنها تمثيلية، إذ إن الرفض نظري فقط للاستهلاك الإعلامي، حيث إن هناك غارات دورية من الطيران الأميركي على (النصرة)، وأولى غاراتها التي وجهتها لـ(داعش) كانت في ريف حلب، وتم تدمير أكثر من أربعة مقرات لـ(جبهة النصرة)، ولها ضربات منتظمة بشكل دوري لكل موقع لها، ولذلك أميركا أهدافها في سوريا ليست (داعش)، وإنما (النصرة)، ولذلك قامت بتوفير الظروف الملائمة لتدمير (النصرة) باعتبارها العدو الحقيقي لأميركا منذ حرب أفغانستان». وأردف: «التمثيلية نفسها التي كانت تجري في أروقة الأمم المتحدة، عندما كانت أميركا تطرح قرارا بشأن إدخال المساعدات الإنسانية، ثم تقوم روسيا باستخدام الفيتو عليه.. إنها الصورة نفسها التي تعكس عملية التبادل بين موسكو وواشنطن في لعب أدوار مكملة بعضها مع بعض». واستطرد: «حاليا تعتزم روسيا تنفيذ غارات بالتواطؤ، بل بالتنسيق مع أميركا في المناطق الوسطى من سوريا. فهل يوجد في هذه المناطق (داعش) و(النصرة)؟ لا يوجد في هذه المناطق سوى الجيش الحر المعتدل الذي كان مدعوما منذ البداية من الدول. ولذلك فما نراه حاليًا ما هو إلا توسعة لمناطق التي يسيطر عليها النظام، وصولاً إلى إنشاء كيان علوي، أو على الأقل بما يسمى (سوريا المفيدة) ليس أكثر من ذلك».
وفق الزعبي، فإن الكيان العلوي المزمع تأسيسه يمتد شمالاً من أطراف محافظة إدلب مرورًا بمحافظتي حماه وحمص ووصولاً إلى دمشق بما في ذلك القلمون الغربي، بالإضافة طبعًا إلى محافظتي اللاذقية وطرطوس، وهي «سوريا المفيدة» التي تتمتع فيها روسيا بصلاحيات واسعة، بالإضافة على النظام في هذه المنطقة. أما بقية المناطق فستترك بين الصراع الداخلي وأطراف «داعشية». وأشار إلى أن «(داعش) عبارة عن جهاز مخابرات دولي من كل دول العالم، ولقد وصلتنا أسماء تثبت أن هناك (مع التنظيم) ضباط مخابرات أميركان وروس وإيرانيين وجزائريين وليبيين وتونسيين ودول أخرى».
ثم قال إن «هناك قواعد روسية في سوريا، حيث إنها عندما دخلت سوريا وطوّرت قاعدة حميميم وقاعدة في جنوب طرطوس، بجانب القاعدة البحرية في طرطوس. كان البعض يظن أن روسيا ستكتفي بهذه المناطق، لكن روسيا كانت لها مطامع أكثر من ذلك في سوريا، ولذلك لديها طيران في مناطق مطار الشعيرات ومطار حماه، وبالتالي من الطبيعي أن تقوم بعملية تطوير مطار تدمر».
ووفق الزعبي: «إن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تقوم روسيا بتطوير مطار تدمر، وهي تعلم أن هذه البقعة من أخطر المناطق التي يمكن أن ينفذ منها (داعش) هجمات - كما يدعون - على مطار تدمر، خصوصا أن (داعش) يبعد عن مطار تدمر فقط نحو اثنين إلى ثلاثة كيلومترات؟! فكيف لروسيا أن تقيم قاعدة في تدمر وتطورها وتقوم بعمليات مسرحيات وموسيقى، بينما تقول إنها تخشى من (داعش) وتعلم بأنه على بعد اثني كيلومتر منها؟!».
وأضاف: «هذا يثبت حقيقة أن هناك تعاونًا وثيقًا ما بين روسيا و(داعش)، وتعاونًا بين (داعش) والنظام.. فكيف يمكن لنا أن نقول إن روسيا التي رفضت الوجود في مطار الشعيرات على اعتبار البعد بين هذا المطار و(داعش) 15 كيلومترا، في حين تقيم في تدمر التي لا تبعد أكثر من ثلاثة كيلومترات عنها؟! هذه مفارقة.. فهل (داعش) في تدمر يختلف عن (داعش) في الشعيرات؟ لا أعتقد ذلك.. هي فقط عملية تنسيق بين الطرفين وثالثهما النظام».
ثم تساءل: «المنشورات التي ألقيت لماذا لم تلق إلا هذه المرة؟ لماذا قتلوا المئات في الرقة معقل «داعش»؟ لكن المنشورات هذه المرة مرتبطة بنية لخروج (داعش) من الرقة. هذا يعني أن أميركا تسعى لحماية الكيان الكردي والوصول بعناصر الكرد إلى الرقة ثم السيطرة عليها وإخراج (داعش) منها حتى تكون هناك ذريعة للقوات الكردية للزعم بأنها حررت هذه المنطقة». وأشار إلى أن «إقامة كيان كردي يرفضه بعض الأكراد والبعض الآخر لا يرفضه، لكن هدفه في نهاية الأمر الضغط على تركيا والضغط على الشعب السوري».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.