«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

100 سنة على المعاهدة التي قسَّمت الشرق الأدنى

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام
TT

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

لماذا اعترضت القيادات اليهودية الصهيونية على معاهدة «سايكس - بيكو» البريطانية الفرنسية واعترضت كذلك على «إعلان بلفور»، الشهير بـ«وعد بلفور»؟ وكيف استطاعت تحقيق رغبتها وسط رضوخ بريطانيا لإرادتها؟
ثم كيف ترى هذه القيادات خرائط «سايكس - بيكو» المستقبلية، التي تتبلور بفعل الأوضاع الداخلية المضطربة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا، التي نجت منها - حتى الآن - مصر؟ وهل ستؤدي «سايكس – بيكو» المستقبلية إلى ظفر إسرائيل بالاعتراف الدولي بها كـ«دولة يهودية» بصورة طبيعية كردة فعل على قيام دول - أو دويلات - سنية وشيعية وكردية وعلوية؟!

ما أشبه اليوم بالبارحة! قبل مائة سنة، ولدت ما باتت تُعرف بـ«معاهدة سايكس - بيكو» بين بريطانيا وفرنسا، بمعرفة ومشاركة إيطاليا وروسيا، هادفة إلى تقاسم السيطرة والنفوذ على الشرق العربي في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى. وها نحن اليوم نرى دول «الهلال الخصيب» تتفكك وتتفتت ممهدة الطريق أمام نشوء عدة كيانات جديدة.
في كلتا الحالتين، عملت القيادات اليهودية ثم الإسرائيلية (منذ 1948) وتعمل على طلب حصتها من الغنائم. وكما في الأمس، تدور اليوم أيضا نقاشات وحوارات كثيرة في أوساط القيادات الإسرائيلية، سواء على مستوى الساسة أو الخبراء الاستراتيجيين والمثقفين، حول ماهية الصراع القائم في العالم العربي، ودور دول الغرب الكبرى في هذا الصراع وأهدافها منه.
وفي الآونة الأخيرة، في سياق حضور بعض هذه النقاشات التي من خلالها جرى الكشف عن مزيد من الأسرار، أو تأكيد أسرار كانت قد كُشفت وطمست سريعا.
كمثال، يتبين أن أبرز رموز القيادة اليهودية، ممثلة بحاييم وايزمن، الذي أصبح لاحقا أول رئيس للدولة العبرية، أدارت حوارات مثابرة مع دول الغرب إبان الحرب العالمية الأولى، كي يصار إلى تحديد حصتها. ويروي المؤرخ موشيه طلانسكي أن قيادة الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين «لم تحسم رأيها بسهولة إزاء أطراف الصراع في تلك الحرب. فكما كان هناك مَن أراد اتخاذ موقف لصالح بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، طالب البعض باتخاذ موقف لصالح ألمانيا وحلفائها في النمسا وتركيا. ولقد طلبت الجالية اليهودية في دول المحور الألماني، وفي فلسطين (التي كانت خاضعة لحكم العثمانيين الأتراك)، تأييد ألمانيا بحجة أن الوقوف ضد هذا المحور سيكلف اليهود الألمان ثمنا باهظا من الملاحقة. وفي المقابل، سعى بقية القادة اليهود، وفي مقدمتهم وايزمن، لتأييد بريطانيا وحلفائها؛ لأن اتجاه الحرب واضح لصالحها، ويمكن أن تكون نتيجة موقف كهذا إتاحة الفرصة بإنشاء دولة يهودية.
ويوضح طلانسكي أن القرار الذي اتخذ في البداية كان وقوف اليهود على الحياد، باعتباره الأفضل لمستقبل العلاقات مع الطرف المنتصر. غير أن موقف الحياد هذا لم يصمد طويلا؛ إذ إن وايزمن أدار حوارات سرية مع البريطانيين، وتمكن من التوصل إلى عدة اتفاقيات معهم، في صلبها دعم بريطانيا وفرنسا مقابل موافقتيهما على تسليم فلسطين للحركة الصهيونية وإنشاء دولة يهودية.
وبالفعل، تمكن وايزمن من التوصل إلى اتفاق كهذا، مقابل إرسال وحدات قتالية يهودية إلى الجبهة خلال الحرب، وتشكيل شبكة جواسيس كبيرة من اليهود في فلسطين تجمع المعلومات للبريطانيين. ولقد استغرقت المفاوضات بينهما ثلاث سنوات، انتهت بـ«إعلان بلفور» الشهير باسم صاحبه، آرثر جيمس بلفور، الذي صاغه في رسالة موجهة بتاريخ 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 إلى الزعيم اليهودي اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد، ويعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين تقوده الحركة الصهيونية «على أن لا تُمس فيها حقوق أبناء الطوائف الأخرى».
ويضيف طلانسكي أن قادة الحركة الصهيونية ما كانوا راضين عن هذه الصياغة، ذلك أنهم طالبوا بإنشاء دولة يهودية، وأرادوا أن يتضمن الوعد ترسيمًا للحدود تشمل كامل فلسطين. ويومذاك زعموا أن الشعب الذي يعيش في فلسطين ليس فلسطينيا، ولا عربيا كذلك، كما هو الانطباع العام، إنما هم مجموعات من المهاجرين الذين قدموا إلى البلاد من دول حوض البحر المتوسط والجزيرة العربية لأغراض مؤقتة.
لكن معارضة اليهود تفاقمت أكثر عند الكشف عن «معاهدة سايكس - بيكو»؛ إذ إن هذه المعاهدة، التي وقعت يوم 16 مايو (أيار) 1916 كانت كما أشرنا آنفا سرية، وكشف عن مضمونها فلاديمير لينين، قائد الثورة الشيوعية في روسيا، في مطلع العام 1918، أي بعد «إعلان بلفور». وتبين منها أن بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وإيطاليا، لم تتطرق إلى الدولة اليهودية، بل منحت العرب دولة شرقي نهر الأردن (الذي اعتبرته الصهيونية جزءا من أرض إسرائيل)، وقسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق: الشمال (الجليل حتى حيفا) تحت سلطة فرنسا، والجنوب والوسط تحت حكم بريطانيا، ومدينة القدس ومحيطها تحت إدارة دولية.
هذا ما اعتبره الصهاينة اليهود خدعة بريطانية وطعنة في الظهر، ومن ثم أعلنت بعض التنظيمات اليهودية الحرب على بريطانيا حينما تولت الانتداب على فلسطين عام 1922، وعندما وقف العرب أيضا ضد المعاهدة، حاول بعض القادة اليهود إقامة اتصال مع بعض القادة العرب للتنسيق ضد بريطانيا.
* بعد 100 سنة
اليوم، مع بلوغ «سايكس – بيكو» الـ100 سنة، يتفق القادة الإسرائيليون بإجماع تام على أننا نشهد «حفل الختام» لتلك المعاهدة. ويقولون: «إن المعاهدة أصلا لم تطبَّق بحذافيرها، بل جرى تعديل حدودها عدة مرات عبر التاريخ الحديث، حتى رأينا شكلها الأخير خلال سبعينات القرن الماضي في العراق وسوريا والأردن ودول الخليج». ولكن الأحداث المأساوية في العالم العربي تدل على أن خريطة العالم العربي ما بعد «سايكس – بيكو» لن تعود كما كانت أبدا.
خلال حوار بين البروفسور شاؤول مشعال، وهو من مواليد العراق ويعمل باحثا في أكاديمية متعددة المجالات في مدينة هرتسليا ومستشارا استراتيجيا لعدة مؤسسات، والبروفسور يوآف غلبار، وهو ابن عائلة عسكرية ويعمل باحثا في جامعة حيفا، قال الأخير: «إن ما يجري في العالم العربي اليوم هو نتاج الصراع التاريخي بين حضارات الشرق والغرب، ولا علاقة له بالقضية الفلسطينية أو بالصراع بين إسرائيل والعرب. وأردف أن هذا الصراع ممتد في عمق التاريخ.. منذ آلاف السنين والعالم يعيش صدامات بين الحضارتين الغربية والشرقية، تشتد وترتخي حسب الظروف، لكنها لم تتوقف أبدًا.. بين اليونان والفرس، ثم بين الإسكندر المقدوني والفرس، ثم بين البيزنطيين والعرب، ثم بين الأتراك والسلاجقة، ثم بين العثمانيين والأوروبيين. واليوم وبعد 250 سنة من سيطرة الحداثة في عالمنا، يشعر البشر خصوصا في الشرق بخيبة أمل شديدة، وهم يعودون إلى الدين بشكل واسع، ثم يثورون عليه لكي يعيدوا عهد الخلافة الإسلامية في المنطقة». ويقتبس غلبار تصريحات للشيخ يوسف القرضاوي، الذي دعا إلى «دولة إسلامية تحت قيادة السلطان رجب طيب إردوغان (الرئيس التركي) تشمل العالم العربي كله». كما يقتبس «أبو بكر البغدادي» زعيم تنظيم داعش المتطرف الذي يسعى، كما يزعم، إلى إقامة «حكم الدولة الإسلامية وشرائعها».
ويرد مشعال بأن العالم العربي «يسير وراء خطط الغرب ومصالحه، ولكن من مصائبه الكبرى أنه لم يتعلم من تجربة الغرب». ويضيف: «إنهم مثلنا نحن اليهود، لا توجد لديهم مؤسسة واحدة تعد مرجعية دينية كحال الفاتيكان في روما؛ ولذلك تجد انفلاتا في الرؤية الدينية. والعرب والمسلمون، كل منهما على حدة وكليهما معا، يتغنون بأمجاد الأندلس. ويتمنون أن يكون هناك كيان واحد يمثلهم ويعبر عن قوتهم العددية والاقتصادية في العالم، وبعدما فشلت حركات القومية العربية في تحقيق ذلك، تحاول اليوم الحركات الإسلامية صنع ذلك».
ويتابع مشعال: «إنهم (أي العرب) لا يفهمون أن هذا غير ممكن لأسباب موضوعية ودولية، لكن المتطرفين الإسلاميين يصرون على ذلك وهم يحاولون فعله بطرق بدائية عنيفة مثلما فعلت وتفعل (القاعدة) ومثلما تفعل (داعش)، وما زلت أذكر شريط الفيديو الذي يظهر فيه شاب من مقاتلي (داعش) يحمل علم التنظيم ويعبر خط الحدود ما بين العراق وسوريا وهو يصيح: (باي.. باي.. سايكس – بيكو). إنهم يعتبرون معركتهم اليوم ضد (سايكس – بيكو)، ولكنهم بأيديهم، يستعيضون اليوم عن (سايكس – بيكو) القديمة التي تحدثت عن ثلاث دول عربية في الشرق العربي، التي أصبحت تؤلف بمرور الزمن نحو عشر دول، بعشرات الدول؛ فسوريا ستصبح ثلاث أو أربع دول، وكذلك العراق واليمن. هذا التفتت هو النقيض من (سايكس – بيكو)».
* مكانة إسرائيل
إذا كان مشعال وغلبار يتحدثان عن هذا الوضع كتصوير خرائط جيو سياسية، فإن هناك من يرى في إسرائيل أنه يحتاج إلى خطوات عملية تحفظ لإسرائيل مكانة وحصة. بعض هذه القوى تريد أن يكون الدور الإسرائيلي إيجابيا، بمعنى اكتشاف فرصة تقلب المعادلات في الشرق الأوسط وتجعل من إسرائيل حليفة للقوى التي تحارب ضد الإرهاب وتسعى إلى تثبيت الدول العربية وتعيد لها الاستقرار. وأصحاب هذه الفكرة هم من الوسط السياسي، وخصوصا من اليساريين المعارضين للحكومة، وأيضا من قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بغالبيتها.
هؤلاء يطالبون الحكومة الإسرائيلية بالخروج بمبادرة سياسية تبدي فيها الاستعداد لتسوية القضية الفلسطينية، مؤكدين أنه من دون هذه التسوية لن توافق أي دولة عربية على بناء علاقات طبيعية مع إسرائيل.
ولكن في المقابل، ثمة من ينظر إلى الأمر على أنه فرصة للعربدة الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية، مثل أحزاب اليمين المتطرف الممثلة في الحكومة وفي مقدمتها حزب «البيت اليهودي». هذا الحزب المتطرف يمثله اليوم في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) ثمانية نواب، لكن استطلاعات الرأي العام تعطيه 15 نائبا في الانتخابات المقبلة، ما يمنحه تأثيرا كبيرا في سياسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. أضف إلى ذلك أن نتنياهو نفسه يفتقر إلى رؤية واضحة في الموضوع، وهو منشغل في تثبيت حكمه وانتظار التطورات.
* حلف إقليمي؟
في هذه الأثناء، أجرى معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، عدة بحوث في الموضوع، بمشاركة كادر كبير من الباحثين الاستراتيجيين والجنرالات السابقين. وخرج كل مرة بما يشبه الاستغاثة «تعالوا ننتهز الفرصة للمساهمة في إحداث التغيير الإقليمي». صاغ هذا الموقف رئيس المعهد، الجنرال عاموس يدلين، الذي رشحه حزب العمل في الانتخابات الأخيرة (عام 2015) ليكون وزير الدفاع في الحكومة؛ إذ دعا يدلين إلى أن تكون البداية من الحرب السورية قائلا: «إسرائيل محتارة منذ خمس سنوات، لا موقف محددا مما يحدث في سوريا. وهناك من يبرر هذه السياسة، لكن حان وقت إعادة التفكير. بات واجبا تحديد موقف، وهو الوقوف ضد بشار الأسد ونظامه، أولا بسبب الجانب الأخلاقي، فهو ما زال يستخدم السلاح الكيماوي، وهذا يذكرنا بواجب الاستيعاب بأن الأسد قاتل تسبب بكارثة إنسانية بشعة.. نحو 400 ألف قتيل (غالبيتهم بأيدي الجيش) ونحو مليوني جريح و11 مليون لاجئ. وثانيًا، كبشر، وخاصة كيهود، بفعل الوزن الاستراتيجي، فإن طرد الأسد مصلحة إسرائيلية. والمسار الراديكالي، الذي تقوده طهران ويمر عبر الأسد إلى حزب الله، يشكل التهديد الملموس الأكبر على أمننا». ويستطرد يدلين: «هناك من سيقول: إن التهديد الناجم عن (داعش) ليس أقل خطورة، ولذلك يجب الاستعداد له أولا. طبعا لا يجوز الاستخفاف بهذه المسألة، ولكن معالجة مسار (طهران - بغداد - دمشق - بيروت) يجب أن يحظى بالأولوية الاستراتيجية، وذلك لسبب بسيط هو أن المجتمع الدولي تجند لمواجهة ظاهرة (داعش)، بل إنه ينجح حاليا في وقف تقدمها. أضف إلى ذلك أن نهاية نظام الأسد ستضعف، على الأرجح، جاذبية (داعش)؛ لأنه سيكون للغالبية السنية في سوريا؛ إذ ذاك بديل سني معتدل. في المقابل، ستبقى إسرائيل وحيدة تقريبا أمام تهديد المسار الإيراني، وليس لديها من تعتمد عليه باستثناء نفسها؛ لذا عليها العمل بأولوية مطلقة إزاء تعزز مسار (طهران - الأسد – نصر الله). إن إيران وحليفاتها أخطر على إسرائيل عشرات الأضعاف من (داعش). وعلى إسرائيل بلورة استراتيجية تتركب من عدة أمور. وشرط أساسي هو إقامة تحالف إقليمي، حتى لو لم يكن معلنا، مع جهات في العالم السني، وذلك بالشراكة مع الولايات المتحدة، وربما كذلك التوصل إلى تفاهمات هادئة مع روسيا، التي خلافا لإيران، لا ترى في الأسد عاملا ضروريا في الاتفاق المستقبلي في سوريا».
عمليا، يقول يدلين، ما يقوله قادة الجيش، إن إسرائيل لن تحقق شيئا من «سياسة الانتظار»، التي يتبعها نتنياهو. وهؤلاء يحذرون من انفجار الأوضاع أيضًا ضد إسرائيل؛ بسبب الجمود في عملية السلام. ويسخرون منه كيف توجه إلى الولايات المتحدة ودول الغرب طالبا «الحصة الإسرائيلية» من التسوية السياسية في سوريا؛ إذ أعلن الشهر الماضي أن «الجولان ستبقى جزءا لا يتجزأ من إسرائيل». لكن المقربين من نتنياهو يزعمون أنه «في الواقع يفتش عما هو أكبر من الجولان، ألا وهو الاعتراف العربي بإسرائيل كدولة يهودية»، ففي إسرائيل يتوقعون أن تنتهي الحرب في سوريا والعراق وليبيا واليمن، بعد وقت طويل، بتمزق شديد وتشكيل دول جديدة على أسس طائفية أو فئوية: علوية وشيعية وسنية وكردية ودرزية. وفي هذا الوضع سيكون المطلب الإسرائيلي من العرب بالاعتراف بها «دولة يهودية» مطلبا شرعيا.
الخبير العسكري، أليكس فيشمان، يقول: «إن السبيل الذي اختاره نتنياهو لصد الضغوط التي يمارسها الجيش وبقية أجهزة الأمن الإسرائيلية عليه، هو ضربهم بأفيغدور ليبرمان. فهذه القيادات بالإجماع تطلب منه تغيير سياسة الجمود، وانتظار المجهول، وإطلاق مبادرة سياسية مع الفلسطينيين، وإيجاد صيغة للتفاهم مع الدول العربية للتعاون في مكافحة الإرهاب. وحسب فيشمان «يعاني نتنياهو معاناة شديدة من جراء هذا الموقف، وقراره ضم ليبرمان إلى حكومته وتسليمه وزارة الدفاع مكان موشيه يعلون، جاء في إطار الرد على هذه المعاناة».
وبغض النظر عن كيفية انتهاء النقاش الداخلي في إسرائيل، خصوصا مع بدء مرحلة حكومة اليمين المتطرف المدعومة من ليبرمان، فإن «حفل الختام» لـ«معاهدة سايكس – بيكو» بعد مرور 100 سنة عليها، يؤهل إسرائيل لبدء عملية حوار جديدة حول شكل آخر من أشكال «سايكس - بيكو» آتية.
وهنا يتخيل أحد آيديولوجيي اليمين المتطرف، الدكتور شيمعون غيلر، المرحلة على أنها «فرصة لليمين لإقناع الغرب بأن إسرائيل هي القوة الوحيدة المضمونة في المنطقة لخدمة مصالحهم. وأن الصراع الإسرائيلي - العربي لن ينتهي - كما يتوهمون - بإعادة أراضي 1967 وحل قضية اللاجئين؛ لأن العرب لم يقبلوا إسرائيل في الماضي، ولن يقبلوها في أي ظرف قادم». ويتابع غيلر أن «جذور هذا الصراع بدأت إبان الحرب العالمية الأولى، حين لم يكن هناك احتلال إسرائيلي، ولا لاجئون فلسطينيون. إنهم (العرب) يريدون إعادة الدولة الإسلامية الكبرى، وما على إسرائيل إلا أن تبني لنفسها القوة والتحالفات الغربية المناسبة لضمان وجودها وتطورها؛ حتى تهزم هذه الفكرة».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.