«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

100 سنة على المعاهدة التي قسَّمت الشرق الأدنى

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام
TT

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

لماذا اعترضت القيادات اليهودية الصهيونية على معاهدة «سايكس - بيكو» البريطانية الفرنسية واعترضت كذلك على «إعلان بلفور»، الشهير بـ«وعد بلفور»؟ وكيف استطاعت تحقيق رغبتها وسط رضوخ بريطانيا لإرادتها؟
ثم كيف ترى هذه القيادات خرائط «سايكس - بيكو» المستقبلية، التي تتبلور بفعل الأوضاع الداخلية المضطربة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا، التي نجت منها - حتى الآن - مصر؟ وهل ستؤدي «سايكس – بيكو» المستقبلية إلى ظفر إسرائيل بالاعتراف الدولي بها كـ«دولة يهودية» بصورة طبيعية كردة فعل على قيام دول - أو دويلات - سنية وشيعية وكردية وعلوية؟!

ما أشبه اليوم بالبارحة! قبل مائة سنة، ولدت ما باتت تُعرف بـ«معاهدة سايكس - بيكو» بين بريطانيا وفرنسا، بمعرفة ومشاركة إيطاليا وروسيا، هادفة إلى تقاسم السيطرة والنفوذ على الشرق العربي في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى. وها نحن اليوم نرى دول «الهلال الخصيب» تتفكك وتتفتت ممهدة الطريق أمام نشوء عدة كيانات جديدة.
في كلتا الحالتين، عملت القيادات اليهودية ثم الإسرائيلية (منذ 1948) وتعمل على طلب حصتها من الغنائم. وكما في الأمس، تدور اليوم أيضا نقاشات وحوارات كثيرة في أوساط القيادات الإسرائيلية، سواء على مستوى الساسة أو الخبراء الاستراتيجيين والمثقفين، حول ماهية الصراع القائم في العالم العربي، ودور دول الغرب الكبرى في هذا الصراع وأهدافها منه.
وفي الآونة الأخيرة، في سياق حضور بعض هذه النقاشات التي من خلالها جرى الكشف عن مزيد من الأسرار، أو تأكيد أسرار كانت قد كُشفت وطمست سريعا.
كمثال، يتبين أن أبرز رموز القيادة اليهودية، ممثلة بحاييم وايزمن، الذي أصبح لاحقا أول رئيس للدولة العبرية، أدارت حوارات مثابرة مع دول الغرب إبان الحرب العالمية الأولى، كي يصار إلى تحديد حصتها. ويروي المؤرخ موشيه طلانسكي أن قيادة الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين «لم تحسم رأيها بسهولة إزاء أطراف الصراع في تلك الحرب. فكما كان هناك مَن أراد اتخاذ موقف لصالح بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، طالب البعض باتخاذ موقف لصالح ألمانيا وحلفائها في النمسا وتركيا. ولقد طلبت الجالية اليهودية في دول المحور الألماني، وفي فلسطين (التي كانت خاضعة لحكم العثمانيين الأتراك)، تأييد ألمانيا بحجة أن الوقوف ضد هذا المحور سيكلف اليهود الألمان ثمنا باهظا من الملاحقة. وفي المقابل، سعى بقية القادة اليهود، وفي مقدمتهم وايزمن، لتأييد بريطانيا وحلفائها؛ لأن اتجاه الحرب واضح لصالحها، ويمكن أن تكون نتيجة موقف كهذا إتاحة الفرصة بإنشاء دولة يهودية.
ويوضح طلانسكي أن القرار الذي اتخذ في البداية كان وقوف اليهود على الحياد، باعتباره الأفضل لمستقبل العلاقات مع الطرف المنتصر. غير أن موقف الحياد هذا لم يصمد طويلا؛ إذ إن وايزمن أدار حوارات سرية مع البريطانيين، وتمكن من التوصل إلى عدة اتفاقيات معهم، في صلبها دعم بريطانيا وفرنسا مقابل موافقتيهما على تسليم فلسطين للحركة الصهيونية وإنشاء دولة يهودية.
وبالفعل، تمكن وايزمن من التوصل إلى اتفاق كهذا، مقابل إرسال وحدات قتالية يهودية إلى الجبهة خلال الحرب، وتشكيل شبكة جواسيس كبيرة من اليهود في فلسطين تجمع المعلومات للبريطانيين. ولقد استغرقت المفاوضات بينهما ثلاث سنوات، انتهت بـ«إعلان بلفور» الشهير باسم صاحبه، آرثر جيمس بلفور، الذي صاغه في رسالة موجهة بتاريخ 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 إلى الزعيم اليهودي اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد، ويعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين تقوده الحركة الصهيونية «على أن لا تُمس فيها حقوق أبناء الطوائف الأخرى».
ويضيف طلانسكي أن قادة الحركة الصهيونية ما كانوا راضين عن هذه الصياغة، ذلك أنهم طالبوا بإنشاء دولة يهودية، وأرادوا أن يتضمن الوعد ترسيمًا للحدود تشمل كامل فلسطين. ويومذاك زعموا أن الشعب الذي يعيش في فلسطين ليس فلسطينيا، ولا عربيا كذلك، كما هو الانطباع العام، إنما هم مجموعات من المهاجرين الذين قدموا إلى البلاد من دول حوض البحر المتوسط والجزيرة العربية لأغراض مؤقتة.
لكن معارضة اليهود تفاقمت أكثر عند الكشف عن «معاهدة سايكس - بيكو»؛ إذ إن هذه المعاهدة، التي وقعت يوم 16 مايو (أيار) 1916 كانت كما أشرنا آنفا سرية، وكشف عن مضمونها فلاديمير لينين، قائد الثورة الشيوعية في روسيا، في مطلع العام 1918، أي بعد «إعلان بلفور». وتبين منها أن بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وإيطاليا، لم تتطرق إلى الدولة اليهودية، بل منحت العرب دولة شرقي نهر الأردن (الذي اعتبرته الصهيونية جزءا من أرض إسرائيل)، وقسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق: الشمال (الجليل حتى حيفا) تحت سلطة فرنسا، والجنوب والوسط تحت حكم بريطانيا، ومدينة القدس ومحيطها تحت إدارة دولية.
هذا ما اعتبره الصهاينة اليهود خدعة بريطانية وطعنة في الظهر، ومن ثم أعلنت بعض التنظيمات اليهودية الحرب على بريطانيا حينما تولت الانتداب على فلسطين عام 1922، وعندما وقف العرب أيضا ضد المعاهدة، حاول بعض القادة اليهود إقامة اتصال مع بعض القادة العرب للتنسيق ضد بريطانيا.
* بعد 100 سنة
اليوم، مع بلوغ «سايكس – بيكو» الـ100 سنة، يتفق القادة الإسرائيليون بإجماع تام على أننا نشهد «حفل الختام» لتلك المعاهدة. ويقولون: «إن المعاهدة أصلا لم تطبَّق بحذافيرها، بل جرى تعديل حدودها عدة مرات عبر التاريخ الحديث، حتى رأينا شكلها الأخير خلال سبعينات القرن الماضي في العراق وسوريا والأردن ودول الخليج». ولكن الأحداث المأساوية في العالم العربي تدل على أن خريطة العالم العربي ما بعد «سايكس – بيكو» لن تعود كما كانت أبدا.
خلال حوار بين البروفسور شاؤول مشعال، وهو من مواليد العراق ويعمل باحثا في أكاديمية متعددة المجالات في مدينة هرتسليا ومستشارا استراتيجيا لعدة مؤسسات، والبروفسور يوآف غلبار، وهو ابن عائلة عسكرية ويعمل باحثا في جامعة حيفا، قال الأخير: «إن ما يجري في العالم العربي اليوم هو نتاج الصراع التاريخي بين حضارات الشرق والغرب، ولا علاقة له بالقضية الفلسطينية أو بالصراع بين إسرائيل والعرب. وأردف أن هذا الصراع ممتد في عمق التاريخ.. منذ آلاف السنين والعالم يعيش صدامات بين الحضارتين الغربية والشرقية، تشتد وترتخي حسب الظروف، لكنها لم تتوقف أبدًا.. بين اليونان والفرس، ثم بين الإسكندر المقدوني والفرس، ثم بين البيزنطيين والعرب، ثم بين الأتراك والسلاجقة، ثم بين العثمانيين والأوروبيين. واليوم وبعد 250 سنة من سيطرة الحداثة في عالمنا، يشعر البشر خصوصا في الشرق بخيبة أمل شديدة، وهم يعودون إلى الدين بشكل واسع، ثم يثورون عليه لكي يعيدوا عهد الخلافة الإسلامية في المنطقة». ويقتبس غلبار تصريحات للشيخ يوسف القرضاوي، الذي دعا إلى «دولة إسلامية تحت قيادة السلطان رجب طيب إردوغان (الرئيس التركي) تشمل العالم العربي كله». كما يقتبس «أبو بكر البغدادي» زعيم تنظيم داعش المتطرف الذي يسعى، كما يزعم، إلى إقامة «حكم الدولة الإسلامية وشرائعها».
ويرد مشعال بأن العالم العربي «يسير وراء خطط الغرب ومصالحه، ولكن من مصائبه الكبرى أنه لم يتعلم من تجربة الغرب». ويضيف: «إنهم مثلنا نحن اليهود، لا توجد لديهم مؤسسة واحدة تعد مرجعية دينية كحال الفاتيكان في روما؛ ولذلك تجد انفلاتا في الرؤية الدينية. والعرب والمسلمون، كل منهما على حدة وكليهما معا، يتغنون بأمجاد الأندلس. ويتمنون أن يكون هناك كيان واحد يمثلهم ويعبر عن قوتهم العددية والاقتصادية في العالم، وبعدما فشلت حركات القومية العربية في تحقيق ذلك، تحاول اليوم الحركات الإسلامية صنع ذلك».
ويتابع مشعال: «إنهم (أي العرب) لا يفهمون أن هذا غير ممكن لأسباب موضوعية ودولية، لكن المتطرفين الإسلاميين يصرون على ذلك وهم يحاولون فعله بطرق بدائية عنيفة مثلما فعلت وتفعل (القاعدة) ومثلما تفعل (داعش)، وما زلت أذكر شريط الفيديو الذي يظهر فيه شاب من مقاتلي (داعش) يحمل علم التنظيم ويعبر خط الحدود ما بين العراق وسوريا وهو يصيح: (باي.. باي.. سايكس – بيكو). إنهم يعتبرون معركتهم اليوم ضد (سايكس – بيكو)، ولكنهم بأيديهم، يستعيضون اليوم عن (سايكس – بيكو) القديمة التي تحدثت عن ثلاث دول عربية في الشرق العربي، التي أصبحت تؤلف بمرور الزمن نحو عشر دول، بعشرات الدول؛ فسوريا ستصبح ثلاث أو أربع دول، وكذلك العراق واليمن. هذا التفتت هو النقيض من (سايكس – بيكو)».
* مكانة إسرائيل
إذا كان مشعال وغلبار يتحدثان عن هذا الوضع كتصوير خرائط جيو سياسية، فإن هناك من يرى في إسرائيل أنه يحتاج إلى خطوات عملية تحفظ لإسرائيل مكانة وحصة. بعض هذه القوى تريد أن يكون الدور الإسرائيلي إيجابيا، بمعنى اكتشاف فرصة تقلب المعادلات في الشرق الأوسط وتجعل من إسرائيل حليفة للقوى التي تحارب ضد الإرهاب وتسعى إلى تثبيت الدول العربية وتعيد لها الاستقرار. وأصحاب هذه الفكرة هم من الوسط السياسي، وخصوصا من اليساريين المعارضين للحكومة، وأيضا من قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بغالبيتها.
هؤلاء يطالبون الحكومة الإسرائيلية بالخروج بمبادرة سياسية تبدي فيها الاستعداد لتسوية القضية الفلسطينية، مؤكدين أنه من دون هذه التسوية لن توافق أي دولة عربية على بناء علاقات طبيعية مع إسرائيل.
ولكن في المقابل، ثمة من ينظر إلى الأمر على أنه فرصة للعربدة الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية، مثل أحزاب اليمين المتطرف الممثلة في الحكومة وفي مقدمتها حزب «البيت اليهودي». هذا الحزب المتطرف يمثله اليوم في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) ثمانية نواب، لكن استطلاعات الرأي العام تعطيه 15 نائبا في الانتخابات المقبلة، ما يمنحه تأثيرا كبيرا في سياسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. أضف إلى ذلك أن نتنياهو نفسه يفتقر إلى رؤية واضحة في الموضوع، وهو منشغل في تثبيت حكمه وانتظار التطورات.
* حلف إقليمي؟
في هذه الأثناء، أجرى معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، عدة بحوث في الموضوع، بمشاركة كادر كبير من الباحثين الاستراتيجيين والجنرالات السابقين. وخرج كل مرة بما يشبه الاستغاثة «تعالوا ننتهز الفرصة للمساهمة في إحداث التغيير الإقليمي». صاغ هذا الموقف رئيس المعهد، الجنرال عاموس يدلين، الذي رشحه حزب العمل في الانتخابات الأخيرة (عام 2015) ليكون وزير الدفاع في الحكومة؛ إذ دعا يدلين إلى أن تكون البداية من الحرب السورية قائلا: «إسرائيل محتارة منذ خمس سنوات، لا موقف محددا مما يحدث في سوريا. وهناك من يبرر هذه السياسة، لكن حان وقت إعادة التفكير. بات واجبا تحديد موقف، وهو الوقوف ضد بشار الأسد ونظامه، أولا بسبب الجانب الأخلاقي، فهو ما زال يستخدم السلاح الكيماوي، وهذا يذكرنا بواجب الاستيعاب بأن الأسد قاتل تسبب بكارثة إنسانية بشعة.. نحو 400 ألف قتيل (غالبيتهم بأيدي الجيش) ونحو مليوني جريح و11 مليون لاجئ. وثانيًا، كبشر، وخاصة كيهود، بفعل الوزن الاستراتيجي، فإن طرد الأسد مصلحة إسرائيلية. والمسار الراديكالي، الذي تقوده طهران ويمر عبر الأسد إلى حزب الله، يشكل التهديد الملموس الأكبر على أمننا». ويستطرد يدلين: «هناك من سيقول: إن التهديد الناجم عن (داعش) ليس أقل خطورة، ولذلك يجب الاستعداد له أولا. طبعا لا يجوز الاستخفاف بهذه المسألة، ولكن معالجة مسار (طهران - بغداد - دمشق - بيروت) يجب أن يحظى بالأولوية الاستراتيجية، وذلك لسبب بسيط هو أن المجتمع الدولي تجند لمواجهة ظاهرة (داعش)، بل إنه ينجح حاليا في وقف تقدمها. أضف إلى ذلك أن نهاية نظام الأسد ستضعف، على الأرجح، جاذبية (داعش)؛ لأنه سيكون للغالبية السنية في سوريا؛ إذ ذاك بديل سني معتدل. في المقابل، ستبقى إسرائيل وحيدة تقريبا أمام تهديد المسار الإيراني، وليس لديها من تعتمد عليه باستثناء نفسها؛ لذا عليها العمل بأولوية مطلقة إزاء تعزز مسار (طهران - الأسد – نصر الله). إن إيران وحليفاتها أخطر على إسرائيل عشرات الأضعاف من (داعش). وعلى إسرائيل بلورة استراتيجية تتركب من عدة أمور. وشرط أساسي هو إقامة تحالف إقليمي، حتى لو لم يكن معلنا، مع جهات في العالم السني، وذلك بالشراكة مع الولايات المتحدة، وربما كذلك التوصل إلى تفاهمات هادئة مع روسيا، التي خلافا لإيران، لا ترى في الأسد عاملا ضروريا في الاتفاق المستقبلي في سوريا».
عمليا، يقول يدلين، ما يقوله قادة الجيش، إن إسرائيل لن تحقق شيئا من «سياسة الانتظار»، التي يتبعها نتنياهو. وهؤلاء يحذرون من انفجار الأوضاع أيضًا ضد إسرائيل؛ بسبب الجمود في عملية السلام. ويسخرون منه كيف توجه إلى الولايات المتحدة ودول الغرب طالبا «الحصة الإسرائيلية» من التسوية السياسية في سوريا؛ إذ أعلن الشهر الماضي أن «الجولان ستبقى جزءا لا يتجزأ من إسرائيل». لكن المقربين من نتنياهو يزعمون أنه «في الواقع يفتش عما هو أكبر من الجولان، ألا وهو الاعتراف العربي بإسرائيل كدولة يهودية»، ففي إسرائيل يتوقعون أن تنتهي الحرب في سوريا والعراق وليبيا واليمن، بعد وقت طويل، بتمزق شديد وتشكيل دول جديدة على أسس طائفية أو فئوية: علوية وشيعية وسنية وكردية ودرزية. وفي هذا الوضع سيكون المطلب الإسرائيلي من العرب بالاعتراف بها «دولة يهودية» مطلبا شرعيا.
الخبير العسكري، أليكس فيشمان، يقول: «إن السبيل الذي اختاره نتنياهو لصد الضغوط التي يمارسها الجيش وبقية أجهزة الأمن الإسرائيلية عليه، هو ضربهم بأفيغدور ليبرمان. فهذه القيادات بالإجماع تطلب منه تغيير سياسة الجمود، وانتظار المجهول، وإطلاق مبادرة سياسية مع الفلسطينيين، وإيجاد صيغة للتفاهم مع الدول العربية للتعاون في مكافحة الإرهاب. وحسب فيشمان «يعاني نتنياهو معاناة شديدة من جراء هذا الموقف، وقراره ضم ليبرمان إلى حكومته وتسليمه وزارة الدفاع مكان موشيه يعلون، جاء في إطار الرد على هذه المعاناة».
وبغض النظر عن كيفية انتهاء النقاش الداخلي في إسرائيل، خصوصا مع بدء مرحلة حكومة اليمين المتطرف المدعومة من ليبرمان، فإن «حفل الختام» لـ«معاهدة سايكس – بيكو» بعد مرور 100 سنة عليها، يؤهل إسرائيل لبدء عملية حوار جديدة حول شكل آخر من أشكال «سايكس - بيكو» آتية.
وهنا يتخيل أحد آيديولوجيي اليمين المتطرف، الدكتور شيمعون غيلر، المرحلة على أنها «فرصة لليمين لإقناع الغرب بأن إسرائيل هي القوة الوحيدة المضمونة في المنطقة لخدمة مصالحهم. وأن الصراع الإسرائيلي - العربي لن ينتهي - كما يتوهمون - بإعادة أراضي 1967 وحل قضية اللاجئين؛ لأن العرب لم يقبلوا إسرائيل في الماضي، ولن يقبلوها في أي ظرف قادم». ويتابع غيلر أن «جذور هذا الصراع بدأت إبان الحرب العالمية الأولى، حين لم يكن هناك احتلال إسرائيلي، ولا لاجئون فلسطينيون. إنهم (العرب) يريدون إعادة الدولة الإسلامية الكبرى، وما على إسرائيل إلا أن تبني لنفسها القوة والتحالفات الغربية المناسبة لضمان وجودها وتطورها؛ حتى تهزم هذه الفكرة».



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.