علي النعيمي..حارس النفط الأمين

لقد رأيت كل شيء.. ومرّ عليّ كل شيء

علي النعيمي..حارس النفط الأمين
TT

علي النعيمي..حارس النفط الأمين

علي النعيمي..حارس النفط الأمين

يكرّم وزير النفط السعودي السابق علي النعيمي يوم 24 مايو (أيار) الحالي في قطر، وكان النعيمي قد غادر المنصب بموجب تعديل وزاري في وقت سابق من الشهر الحالي. وكان الوزير السابق من علامات صناعة النفط في المملكة العربية السعودية، إذ بدأ العمل في صناعة النفط قبل نحو 70 سنة. وبلغ القمة مع تعيينه وزيرًا، واحتفظ بهذا المنصب لمدة 20 سنة.
في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وأثناء إحدى الجولات الصباحية في شتاء فيينا البارد، خرج وزير البترول والثروة المعدنية السابق علي النعيمي من البوابة الرئيسية لفندق غراند حياة في السادسة فجرًا كالمعتاد وخرج خلفه الصحافيون الذين اعتادوا الخروج معه لسنوات طويلة.
بالنسبة لبعض الصحافيين الذين يعرفون قراءة معالم وجه الوزير، فإنه لم يكن النعيمي الذي اعتادوا عليه، إذ لم يكن بشوشًا ومرحبًا بالصحافيين كما كانت عادته طيلة السنوات الماضية. ودار بخلد القليل منهم في ذلك الحين، أن هذه قد تكون هي المرة الأخيرة التي سيرافقون فيها الوزير في المشي داخل أزقة العاصمة النمساوية وشوارعها مرورًا بجادتي شوتنرينغ وكيرتنر رينغ. ووسط البرد القارس سأله الصحافيون عن سبب إحجامه عن إعطاء حوارات لأي جهة إعلامية من فترة طويلة، فكان رده ساخنًا في ذلك البرد القارس، حين قال: «لقد مرت علي 20 سنة وأنا وزير. لقد رأيت كل شيء ومر علي كل شيء، وأعطيت حوارات للكثير من الصحف والنشرات والقنوات، وفي نهاية المطاف لم يتغير شيء.. الكل ينقل عني كلامًا لم أقله أو يحوّر كلامي بطريقة تناسب أهداف الجهة التي يعمل فيها».
نعم لقد رأى الوزير المحبوب من قبل الصحافيين، والمعروف بين كل العاملين في القطاع باسم «أبو رامي»، كل شيء منذ أن بدأ العمل في أرامكو (شركة الزيت العربية الأميركية) في عقد الأربعينات من القرن الماضي وحتى مغادرته منصبه الوزاري خلال وقت سابق من شهر مايو الحالي.
لقد بدأ علي النعيمي العمل في أرامكو في منتصف الأربعينات عندما كانت الشركة لا تزال «أميركية».. وشهد تحولها إلى شركة سعودية، وكان هو أول من ترأسها. أيضًا شهد تقلبات شديدة لأسعار النفط، كما يقول هو، إذ رآها وهي أقل من 10 دولارات في أواخر التسعينات وكان شاهدًا عليها عندما وصلت إلى 147 دولارا في منتصف عام 2008. وشهد إنتاج المملكة عندما كان يعمل في أرامكو وهو يصل إلى 3 ملايين برميل يوميًا، ورآه مرات كثيرة وهو فوق حاجز الـ10 ملايين برميل.
وقبل خروجه من منصبه، قاد النعيمي واحدة من أشرس معارك «أوبك» عندما أقنع الجميع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بالتخلي عن الدفاع عن الأسعار التي تدهورت بسبب فائض المعروض في السوق العالمية، وتبني استراتيجية للدفاع عن الحصة السوقية للمنظمة أمام المنتجين أصحاب التكلفة العالية، الذين كانوا قد زادوا إنتاجهم كثيرًا في السنوات الأخيرة بفضل بقاء أسعار النفط عند 100 دولار. ولا تزال هذه الاستراتيجية هي القائمة حاليًا.
وهنا يقول أنس الصالح، وزير المالية وزير النفط المكلف في الكويت، عن علي النعيمي: «لقد كان لي الشرف أن ألتحق بالوزير في آخر أيامه (بالوزارة) وأعمل معه وأراه وهو يدافع عن مصالح دول الخليج والمملكة في أوبك وعن استراتيجية الحصة السوقية. إنه أستاذنا ولقد تعلمت الكثير منه رغم قصر المدة بيننا»..
والواقع أن النعيمي، الذي أمضى 70 سنة في قطاع النفط، كان ولا يزال أحد أهم رموز المنظمة بعد وزير البترول السعودي السابق الشيخ أحمد زكي يماني الذي استمر في منصبه الوزاري 24 سنة وهو الرقم الذي لم يكسره أي شخص بعده حتى الآن. أما المنظمة فلقد تغيرت كثيرًا منذ عام 1995. وانتقلت من ضعف وفوضى إلى قوة ونظام في فترة النعيمي، ثم عادت إلى الضعف مجددًا كما هو الحال حاليًا. وهذا ما يفسر ضجر النعيمي من وضع المنظمة التي لم تعد تؤثر كثيرًا في السوق لأن الدول الأعضاء لم تعد متضامنة مترابطة، بل غدا كل منها يمشي في طريق منفصل. كذلك ولم يعد إنتاج «أوبك» مؤثرًا كما كان في السابق لأن العالم اليوم يغرق في بحر من النفط.
لكن ماذا عن أول اجتماع لـ«أوبك» حضره النعيمي؟
لقد كان في نوفمبر 1995 وحينها كانت «أوبك» تحتفظ بسقف إنتاج قدره 24.5 مليون برميل يوميًا، وكانت أسعار نفط برنت حينها حول 16 دولارا.
في ذلك الوقت كانت المنظمة في حالة لا بأس بها وكان هناك مستوى مرضٍ من التعاون بين الدول، كما كان وزراء دول المنظمة من الشخصيات المؤثرة في القطاع، مثل الليبي عبد الله البدري الذي يعمل اليوم أمينًا عامًا للمنظمة، وعبد الله بن حمد العطية الوزير القطري، وكان الأمين العام يومذاك النيجيري الراحل ريلوانو لقمان. ومع أن النعيمي كان جديدًا على وزراء المنظمة ذلك اليوم، فإنه كان معروفًا لدى الجميع لأنه كان رئيس أرامكو السعودية وأمضى نحو 40 سنة في الشركة، وأصبح وزيرا وهو في سن الـ62 تقريبًا.
بداية صعبة
معروف عن علي النعيمي أنه رجل عصامي شق طريقه نحو القمة بمثابرة وإصرار وهمة عالية. وفي إحدى الجولات الصباحية في فيينا قال: «المراهقون اليوم في السعودية أكثر ترفًا من السابق. عندما كنت مراهقًا كان لدي هدف واحد وهو كيف أدبّر قوت يومي. كان تدبير قوت اليوم أمرا صعبًا في ذلك الوقت، وعندما عملت في أرامكو في البداية كان مرتبي 3 ريالات، ولم يرتفع مرتبي إلا بعدما أصبحت مهندسًا ورجعت إلى المملكة».
وعن مشوار العمر، فإن النعيمي تحدث عنه في حوار أجرته معه مجلة «عالم أرامكو» في مطلع الثمانينات. وفيه قال إن بداية قصته في الحياة كانت في عام 1936 عندما جاءت أمه الحامل به إلى الخُبَر من البحرين، حيث جرت العادة أن تذهب المرأة إلى أهلها عند الوضع ثم تعود إلى بيت زوجها بعد فترة من الوقت. لكنه أردف قائلا إن أمه التي تعود أصولها إلى قبيلة العجمان لم تعد لزوجها في البحرين لأنها تطلقت منه قبل أن يولد.
وتابع النعيمي الحديث عن طفولته الصعبة قائلاً: «لقد أمضيت أول ثماني سنوات من عمري مع قبيلة والدتي، العجمان، وكنا نجول من الأحساء إلى الكويت. ومن المهام التي كانت موكلة لي في تلك السن هي رعاية الأغنام الصغيرة. ومن التعليمات التي لا يمكن لي مخالفتها أبدا هي ألا أبتعد عن مرمى نظر من في الخيمة». وأردف: «لقد قابلت والدي للمرة الأولى عندما كان عمري ثماني سنوات. كانت أسرته تعمل في صناعة اللؤلؤ في البحرين، وكانوا يمتلكون مراكب الداو الخاصة بهم لصيد اللؤلؤ. ولكن عندما جاء اليابانيون باللؤلؤ الصناعي انهارت صناعة اللؤلؤ في البحرين ورجع والدي في عام 1941 ليستقر في المنطقة الشرقية بالسعودية».
من مراسل إلى رئيس أرامكو
أما بداية عمله في أرامكو وارتباطه بها، فقد كانت لها قصة مختلفة رواها أيضًا لمجلة «عالم أرامكو» كالتالي: «في وقت ما في عام 1944 أو 1945، قال لي أحد إخواني الكبار الذين كانوا يعملون في أرامكو: لم لا تأتي معي وتنضم لمدرسة أرامكو؟ لا يوجد هناك أي شروط ولا يجب أن تعمل في الشركة.. لقد كان شيئا مذهلاً».
واقتنع النعيمي كما يقول بكلام أخيه وذهب إلى مدرسة أرامكو وهناك «شاهدت ذلك المعلم. كانت لديه لحية حمراء كثيفة، وعلى ما يبدو كان من الجنسية الأيرلندية. دخلت إلى الصف وسجلت ولم يسألني أحد عن شيء واستمر هذا الوضع لمدة سنتين. لكن أخي توفي بعد ذلك وكان عمري وقتها 11 سنة، فأخذت مكانه كمراسل في الشركة. وفي عام 1947 أصدرت الحكومة السعودية قانونًا يمنع أي أحد من العمل وهو أقل من 18 سنة فتم فصلي».
ولكن النعيمي ذلك الفتى الضئيل الحجم، كما تظهر كل صور أرشيف أرامكو، لم يستسلم. وبعد ذلك بقليل حاول العودة للعمل في الشركة، وقال للمسؤولين: «قد أبدو صغيرًا لكني أبلغ من العمر 20 سنة، فقالوا لي، اذهب إلى الطبيب وإذا أكد لنا أنك تبلغ 17 سنة فسوف نوظفك». وذهب النعيمي إلى الطبيب ولكن الطبيب تأكد أنه يبلغ من العمر 12 سنة فقط، وحينها «قلت (للطبيب) قصة حزينة وأني أعول أسرتي وأني قصير القامة لأني بدوي، فتأثر الطبيب وكتب لي أني أبلغ من العمر 17 سنة».
النعيمي يروي هذه الحادثة، ويوضح «لقد كنت محتاجًا لدخل بشدة. هذا الأمر لا يشعر به أولادي ولا أبناء هذا الجيل». وفعلاً، التحق النعيمي بالعمل، ولكن هذه المرة في وظيفة مكتبية في قسم شؤون الموظفين، وكان عليه تعلم الطباعة على الآلة الكاتبة. وتعلمها النعيمي بحماسة شديدة ووصلت سرعته إلى 100 كلمة في الدقيقة، كما يقول، حتى إنه كان يحلم في منامه أنه يطبع أحيانًا.
ولا يخجل النعيمي أبدا من تلك البدايات المتواضعة له في الشركة بل يفخر بها؛ إذ قال للصحافيين ممازحًا في إحدى المرات في فيينا: «ما زلت أنقل البريد أحيانًا معي من مكتب إلى مكتب» في إشارة لأول عمل له عندما كان مراسلاً.
نقطة التحول في مسيرة علي النعيمي جاءت في عام 1953. عندما أرسل إلى برنامج صيفي في الجامعة الأميركية في بيروت. كانوا 20 شخصًا وسيحصل العشرة الأوائل على منحة دراسية في كلية حلب الدولية في سوريا. واجتاز النعيمي الامتحانات في الجامعة ما عدا امتحان واحد.. هو امتحان الطول. ولكنه تعلم الجبر والفيزياء وتعلق كثيرًا بهذه العلوم. وعندما عاد إلى الظهران طلب نقله من قسم شؤون الموظفين، وخصوصًا أنه كان يطبع خطابات الخصم للموظفين وبذلك كان يحمل لهم الأخبار السيئة.
وذهب النعيمي بعدها إلى قسم الحفر والتنقيب. وهناك سأله المدير المساعد: «لماذا تريد الالتحاق بقسم الجيولوجيا؟ هذه الوظيفة متطلبة كما أنها ليست نظيفة». فأجابه ممازحًا وضاحكًا: «لأنني أريد أن أصبح رئيس الشركة». فنظر المدير المساعد إلى النعيمي وقال له إن هذا سبب معقول: «ولهذا وظفني في القسم وألحقني بإحدى منصات الحفر في شمال الربع الخالي كمساعد جيولوجي».
وفي شهادة من عثمان الخويطر، نائب رئيس أرامكو السابق لهندسة البترول، قال: «لقد كان النعيمي ذكيًا منذ صغره. لقد عرف من أين يشق طريقه نحو الأعلى في الشركة، لقد اختار الجيولوجيا والإنتاج إذ إن غالبية التنفيذيين الكبار في أرامكو حينها هم جيولوجيون ويعملون في الإنتاج».
التعليم الجامعي
ومن هناك بدأت رحلة النعيمي نحو القمة حيث أكمل تعليمه الثانوي في لبنان، ثم الجامعي في الولايات المتحدة حيث حصل على البكالوريوس في الجيولوجيا من جامعة ليهاي بولاية بنسلفانيا الأميركية، ثم حصل على الماجستير في التخصص ذاته من جامعة ستانفورد الشهيرة في ولاية كاليفورنيا، وكان حينها قد تزوج. وبعد عودته تنقل بين الأقسام الكثيرة من العلاقات العامة حتى أنظمة الكهرباء، حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الشركة للإنتاج وحقن المياه في عام 1975، ثم تدرج حتى أصبح أول رئيس سعودي للشركة في الأول من يناير (كانون الثاني) عام 1984.
ويتذكر النعيمي بداياته، ويسرد في حوار قديم آخر: «أتصور أن ذلك الشخص الذي حدثته عن رغبتي في أن أكون رئيس الشركة على قيد الحياة. أتمنى لو أن أتحصل على عنوانه وأقول له. لقد تم إنجاز الهدف».
علي النعيمي، قصة النجاح المتميز، سيكرّم في العاصمة القطرية الدوحة يوم 24 مايو بمنحه جائزة «شخصية العام في قطاع الطاقة» من قبل وزير الطاقة والصناعة القطري السابق عبد الله العطية، الذي تربطه بالنعيمي صداقة قديمة وعلاقة حميمة.
بعد السيرة الطويلة للنعيمي والحياة الاستثنائية، لا عجب عندما يقول العطية عنه: «لن يكون هناك أبدا نعيمي آخر».



«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.