علي النعيمي..حارس النفط الأمين

لقد رأيت كل شيء.. ومرّ عليّ كل شيء

علي النعيمي..حارس النفط الأمين
TT

علي النعيمي..حارس النفط الأمين

علي النعيمي..حارس النفط الأمين

يكرّم وزير النفط السعودي السابق علي النعيمي يوم 24 مايو (أيار) الحالي في قطر، وكان النعيمي قد غادر المنصب بموجب تعديل وزاري في وقت سابق من الشهر الحالي. وكان الوزير السابق من علامات صناعة النفط في المملكة العربية السعودية، إذ بدأ العمل في صناعة النفط قبل نحو 70 سنة. وبلغ القمة مع تعيينه وزيرًا، واحتفظ بهذا المنصب لمدة 20 سنة.
في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وأثناء إحدى الجولات الصباحية في شتاء فيينا البارد، خرج وزير البترول والثروة المعدنية السابق علي النعيمي من البوابة الرئيسية لفندق غراند حياة في السادسة فجرًا كالمعتاد وخرج خلفه الصحافيون الذين اعتادوا الخروج معه لسنوات طويلة.
بالنسبة لبعض الصحافيين الذين يعرفون قراءة معالم وجه الوزير، فإنه لم يكن النعيمي الذي اعتادوا عليه، إذ لم يكن بشوشًا ومرحبًا بالصحافيين كما كانت عادته طيلة السنوات الماضية. ودار بخلد القليل منهم في ذلك الحين، أن هذه قد تكون هي المرة الأخيرة التي سيرافقون فيها الوزير في المشي داخل أزقة العاصمة النمساوية وشوارعها مرورًا بجادتي شوتنرينغ وكيرتنر رينغ. ووسط البرد القارس سأله الصحافيون عن سبب إحجامه عن إعطاء حوارات لأي جهة إعلامية من فترة طويلة، فكان رده ساخنًا في ذلك البرد القارس، حين قال: «لقد مرت علي 20 سنة وأنا وزير. لقد رأيت كل شيء ومر علي كل شيء، وأعطيت حوارات للكثير من الصحف والنشرات والقنوات، وفي نهاية المطاف لم يتغير شيء.. الكل ينقل عني كلامًا لم أقله أو يحوّر كلامي بطريقة تناسب أهداف الجهة التي يعمل فيها».
نعم لقد رأى الوزير المحبوب من قبل الصحافيين، والمعروف بين كل العاملين في القطاع باسم «أبو رامي»، كل شيء منذ أن بدأ العمل في أرامكو (شركة الزيت العربية الأميركية) في عقد الأربعينات من القرن الماضي وحتى مغادرته منصبه الوزاري خلال وقت سابق من شهر مايو الحالي.
لقد بدأ علي النعيمي العمل في أرامكو في منتصف الأربعينات عندما كانت الشركة لا تزال «أميركية».. وشهد تحولها إلى شركة سعودية، وكان هو أول من ترأسها. أيضًا شهد تقلبات شديدة لأسعار النفط، كما يقول هو، إذ رآها وهي أقل من 10 دولارات في أواخر التسعينات وكان شاهدًا عليها عندما وصلت إلى 147 دولارا في منتصف عام 2008. وشهد إنتاج المملكة عندما كان يعمل في أرامكو وهو يصل إلى 3 ملايين برميل يوميًا، ورآه مرات كثيرة وهو فوق حاجز الـ10 ملايين برميل.
وقبل خروجه من منصبه، قاد النعيمي واحدة من أشرس معارك «أوبك» عندما أقنع الجميع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بالتخلي عن الدفاع عن الأسعار التي تدهورت بسبب فائض المعروض في السوق العالمية، وتبني استراتيجية للدفاع عن الحصة السوقية للمنظمة أمام المنتجين أصحاب التكلفة العالية، الذين كانوا قد زادوا إنتاجهم كثيرًا في السنوات الأخيرة بفضل بقاء أسعار النفط عند 100 دولار. ولا تزال هذه الاستراتيجية هي القائمة حاليًا.
وهنا يقول أنس الصالح، وزير المالية وزير النفط المكلف في الكويت، عن علي النعيمي: «لقد كان لي الشرف أن ألتحق بالوزير في آخر أيامه (بالوزارة) وأعمل معه وأراه وهو يدافع عن مصالح دول الخليج والمملكة في أوبك وعن استراتيجية الحصة السوقية. إنه أستاذنا ولقد تعلمت الكثير منه رغم قصر المدة بيننا»..
والواقع أن النعيمي، الذي أمضى 70 سنة في قطاع النفط، كان ولا يزال أحد أهم رموز المنظمة بعد وزير البترول السعودي السابق الشيخ أحمد زكي يماني الذي استمر في منصبه الوزاري 24 سنة وهو الرقم الذي لم يكسره أي شخص بعده حتى الآن. أما المنظمة فلقد تغيرت كثيرًا منذ عام 1995. وانتقلت من ضعف وفوضى إلى قوة ونظام في فترة النعيمي، ثم عادت إلى الضعف مجددًا كما هو الحال حاليًا. وهذا ما يفسر ضجر النعيمي من وضع المنظمة التي لم تعد تؤثر كثيرًا في السوق لأن الدول الأعضاء لم تعد متضامنة مترابطة، بل غدا كل منها يمشي في طريق منفصل. كذلك ولم يعد إنتاج «أوبك» مؤثرًا كما كان في السابق لأن العالم اليوم يغرق في بحر من النفط.
لكن ماذا عن أول اجتماع لـ«أوبك» حضره النعيمي؟
لقد كان في نوفمبر 1995 وحينها كانت «أوبك» تحتفظ بسقف إنتاج قدره 24.5 مليون برميل يوميًا، وكانت أسعار نفط برنت حينها حول 16 دولارا.
في ذلك الوقت كانت المنظمة في حالة لا بأس بها وكان هناك مستوى مرضٍ من التعاون بين الدول، كما كان وزراء دول المنظمة من الشخصيات المؤثرة في القطاع، مثل الليبي عبد الله البدري الذي يعمل اليوم أمينًا عامًا للمنظمة، وعبد الله بن حمد العطية الوزير القطري، وكان الأمين العام يومذاك النيجيري الراحل ريلوانو لقمان. ومع أن النعيمي كان جديدًا على وزراء المنظمة ذلك اليوم، فإنه كان معروفًا لدى الجميع لأنه كان رئيس أرامكو السعودية وأمضى نحو 40 سنة في الشركة، وأصبح وزيرا وهو في سن الـ62 تقريبًا.
بداية صعبة
معروف عن علي النعيمي أنه رجل عصامي شق طريقه نحو القمة بمثابرة وإصرار وهمة عالية. وفي إحدى الجولات الصباحية في فيينا قال: «المراهقون اليوم في السعودية أكثر ترفًا من السابق. عندما كنت مراهقًا كان لدي هدف واحد وهو كيف أدبّر قوت يومي. كان تدبير قوت اليوم أمرا صعبًا في ذلك الوقت، وعندما عملت في أرامكو في البداية كان مرتبي 3 ريالات، ولم يرتفع مرتبي إلا بعدما أصبحت مهندسًا ورجعت إلى المملكة».
وعن مشوار العمر، فإن النعيمي تحدث عنه في حوار أجرته معه مجلة «عالم أرامكو» في مطلع الثمانينات. وفيه قال إن بداية قصته في الحياة كانت في عام 1936 عندما جاءت أمه الحامل به إلى الخُبَر من البحرين، حيث جرت العادة أن تذهب المرأة إلى أهلها عند الوضع ثم تعود إلى بيت زوجها بعد فترة من الوقت. لكنه أردف قائلا إن أمه التي تعود أصولها إلى قبيلة العجمان لم تعد لزوجها في البحرين لأنها تطلقت منه قبل أن يولد.
وتابع النعيمي الحديث عن طفولته الصعبة قائلاً: «لقد أمضيت أول ثماني سنوات من عمري مع قبيلة والدتي، العجمان، وكنا نجول من الأحساء إلى الكويت. ومن المهام التي كانت موكلة لي في تلك السن هي رعاية الأغنام الصغيرة. ومن التعليمات التي لا يمكن لي مخالفتها أبدا هي ألا أبتعد عن مرمى نظر من في الخيمة». وأردف: «لقد قابلت والدي للمرة الأولى عندما كان عمري ثماني سنوات. كانت أسرته تعمل في صناعة اللؤلؤ في البحرين، وكانوا يمتلكون مراكب الداو الخاصة بهم لصيد اللؤلؤ. ولكن عندما جاء اليابانيون باللؤلؤ الصناعي انهارت صناعة اللؤلؤ في البحرين ورجع والدي في عام 1941 ليستقر في المنطقة الشرقية بالسعودية».
من مراسل إلى رئيس أرامكو
أما بداية عمله في أرامكو وارتباطه بها، فقد كانت لها قصة مختلفة رواها أيضًا لمجلة «عالم أرامكو» كالتالي: «في وقت ما في عام 1944 أو 1945، قال لي أحد إخواني الكبار الذين كانوا يعملون في أرامكو: لم لا تأتي معي وتنضم لمدرسة أرامكو؟ لا يوجد هناك أي شروط ولا يجب أن تعمل في الشركة.. لقد كان شيئا مذهلاً».
واقتنع النعيمي كما يقول بكلام أخيه وذهب إلى مدرسة أرامكو وهناك «شاهدت ذلك المعلم. كانت لديه لحية حمراء كثيفة، وعلى ما يبدو كان من الجنسية الأيرلندية. دخلت إلى الصف وسجلت ولم يسألني أحد عن شيء واستمر هذا الوضع لمدة سنتين. لكن أخي توفي بعد ذلك وكان عمري وقتها 11 سنة، فأخذت مكانه كمراسل في الشركة. وفي عام 1947 أصدرت الحكومة السعودية قانونًا يمنع أي أحد من العمل وهو أقل من 18 سنة فتم فصلي».
ولكن النعيمي ذلك الفتى الضئيل الحجم، كما تظهر كل صور أرشيف أرامكو، لم يستسلم. وبعد ذلك بقليل حاول العودة للعمل في الشركة، وقال للمسؤولين: «قد أبدو صغيرًا لكني أبلغ من العمر 20 سنة، فقالوا لي، اذهب إلى الطبيب وإذا أكد لنا أنك تبلغ 17 سنة فسوف نوظفك». وذهب النعيمي إلى الطبيب ولكن الطبيب تأكد أنه يبلغ من العمر 12 سنة فقط، وحينها «قلت (للطبيب) قصة حزينة وأني أعول أسرتي وأني قصير القامة لأني بدوي، فتأثر الطبيب وكتب لي أني أبلغ من العمر 17 سنة».
النعيمي يروي هذه الحادثة، ويوضح «لقد كنت محتاجًا لدخل بشدة. هذا الأمر لا يشعر به أولادي ولا أبناء هذا الجيل». وفعلاً، التحق النعيمي بالعمل، ولكن هذه المرة في وظيفة مكتبية في قسم شؤون الموظفين، وكان عليه تعلم الطباعة على الآلة الكاتبة. وتعلمها النعيمي بحماسة شديدة ووصلت سرعته إلى 100 كلمة في الدقيقة، كما يقول، حتى إنه كان يحلم في منامه أنه يطبع أحيانًا.
ولا يخجل النعيمي أبدا من تلك البدايات المتواضعة له في الشركة بل يفخر بها؛ إذ قال للصحافيين ممازحًا في إحدى المرات في فيينا: «ما زلت أنقل البريد أحيانًا معي من مكتب إلى مكتب» في إشارة لأول عمل له عندما كان مراسلاً.
نقطة التحول في مسيرة علي النعيمي جاءت في عام 1953. عندما أرسل إلى برنامج صيفي في الجامعة الأميركية في بيروت. كانوا 20 شخصًا وسيحصل العشرة الأوائل على منحة دراسية في كلية حلب الدولية في سوريا. واجتاز النعيمي الامتحانات في الجامعة ما عدا امتحان واحد.. هو امتحان الطول. ولكنه تعلم الجبر والفيزياء وتعلق كثيرًا بهذه العلوم. وعندما عاد إلى الظهران طلب نقله من قسم شؤون الموظفين، وخصوصًا أنه كان يطبع خطابات الخصم للموظفين وبذلك كان يحمل لهم الأخبار السيئة.
وذهب النعيمي بعدها إلى قسم الحفر والتنقيب. وهناك سأله المدير المساعد: «لماذا تريد الالتحاق بقسم الجيولوجيا؟ هذه الوظيفة متطلبة كما أنها ليست نظيفة». فأجابه ممازحًا وضاحكًا: «لأنني أريد أن أصبح رئيس الشركة». فنظر المدير المساعد إلى النعيمي وقال له إن هذا سبب معقول: «ولهذا وظفني في القسم وألحقني بإحدى منصات الحفر في شمال الربع الخالي كمساعد جيولوجي».
وفي شهادة من عثمان الخويطر، نائب رئيس أرامكو السابق لهندسة البترول، قال: «لقد كان النعيمي ذكيًا منذ صغره. لقد عرف من أين يشق طريقه نحو الأعلى في الشركة، لقد اختار الجيولوجيا والإنتاج إذ إن غالبية التنفيذيين الكبار في أرامكو حينها هم جيولوجيون ويعملون في الإنتاج».
التعليم الجامعي
ومن هناك بدأت رحلة النعيمي نحو القمة حيث أكمل تعليمه الثانوي في لبنان، ثم الجامعي في الولايات المتحدة حيث حصل على البكالوريوس في الجيولوجيا من جامعة ليهاي بولاية بنسلفانيا الأميركية، ثم حصل على الماجستير في التخصص ذاته من جامعة ستانفورد الشهيرة في ولاية كاليفورنيا، وكان حينها قد تزوج. وبعد عودته تنقل بين الأقسام الكثيرة من العلاقات العامة حتى أنظمة الكهرباء، حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الشركة للإنتاج وحقن المياه في عام 1975، ثم تدرج حتى أصبح أول رئيس سعودي للشركة في الأول من يناير (كانون الثاني) عام 1984.
ويتذكر النعيمي بداياته، ويسرد في حوار قديم آخر: «أتصور أن ذلك الشخص الذي حدثته عن رغبتي في أن أكون رئيس الشركة على قيد الحياة. أتمنى لو أن أتحصل على عنوانه وأقول له. لقد تم إنجاز الهدف».
علي النعيمي، قصة النجاح المتميز، سيكرّم في العاصمة القطرية الدوحة يوم 24 مايو بمنحه جائزة «شخصية العام في قطاع الطاقة» من قبل وزير الطاقة والصناعة القطري السابق عبد الله العطية، الذي تربطه بالنعيمي صداقة قديمة وعلاقة حميمة.
بعد السيرة الطويلة للنعيمي والحياة الاستثنائية، لا عجب عندما يقول العطية عنه: «لن يكون هناك أبدا نعيمي آخر».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.