أزمة الرئاسة في البرازيل تهز «يسار» أميركا الجنوبية

إبعاد ديلما روسيف جعل التيار اليساري يخسر أنبوبًا للأكسجين كان يمتد إلى مختلف أنحاء القارة

الرئيس الأرجنتيني ماكري أمام مناصريه
الرئيس الأرجنتيني ماكري أمام مناصريه
TT

أزمة الرئاسة في البرازيل تهز «يسار» أميركا الجنوبية

الرئيس الأرجنتيني ماكري أمام مناصريه
الرئيس الأرجنتيني ماكري أمام مناصريه

أوقف تصويت في مجلس الشيوخ البرازيلي الرئيسة اليسارية ديلما روسيف عن ممارسة مهامها، وأسند بالتالي منصب الرئاسة بالوكالة إلى نائبها السياسي الوسطي ميشال تامر، الذي تتهمه روسيف (68 سنة) بـ«الضلوع في مؤامرة» ضدها. وكان المجلس قد اتخذ القرار بحق روسيف عن ممارسة مهامها تمهيدًا لمحاكمتها بشأن مزاعم بارتكاب مخالفات في الميزانية. لكن الرئيسة، المُبعَدة عن منصبها، التي تعهدت بمحاربة ما وصفته بـ«الظلم» بكل السبل القانونية، تنفي هذه التهم.
إزاحة روسيف، ابنة المهاجر البلغاري، عن رئاسة أكبر دولة لاتينية في العالم، جاءت مؤشرًا على تراجع نسبي ملحوظ للموجة اليسارية التي اشتدت على مستوى معظم دول أميركا اللاتينية عبر صناديق الاقتراع في أعقاب انتهاء «الحرب الباردة»، وهو ما أسقط فعليًا ذرائع الانقلابات العسكرية. ومنذ ذلك الحين ثبّت اليسار أقدامه ورسّخ حضوره على حساب اليمين على امتداد القارة باستثناء دولتين فقط، هما كولومبيا وباراغواي. في حين نجح حتى الماركسيون، وليس فقط الاشتراكيون المعتدلون، في بلوغ قصور الحكم في بعض الدول، ومنها فنزويلا وبوليفيا وغيانا وأوروغواي.
يبدو أن أزمة الرئاسة في البرازيل تلقّن اليسار في دول أميركا الجنوبية درسًا مؤلمًا بعد سنوات من ازدهار اليسار اللاتيني على حساب قوى اليمين والوسط، وها هي القوى الوسطية واليمينية – ولو بوجهها الديمقراطي غير العسكري – يعود من جديد إلى المشهد السياسي في القارة، تعود من جديد لتغير المشهد السياسي في المنطقة ومعه خريطتها الجيو - سياسية.
بعد «إقالة» الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف من منصبها الرئاسي مؤقتًا، لا شك أن اليسار في أميركا الجنوبية خسر أنبوبًا للأكسجين كان يمتد إلى مختلف أنحاء القارة من شمالها إلى جنوبها. وكانت البرازيل – وهي الدولة الأكبر، كما أنها الوحيدة الناطقة باللغة البرتغالية، في القارة – قد جسّدت إنجاز اليسار في أعقاب عقود من حكم اليمين والديكتاتوريات العسكرية، إثر وصول الرئيس السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الشهير بـ«لولا» إلى سدة الحكم ونجاح برنامجه الرئاسي في اجتثاث الفقر من البلاد، وقدرته على انتشال أكثر من ثلاثين مليون مواطن من تحت خط الفقر وتصعيدهم إلى الطبقة المتوسطة. منجزات لولا الشخصية النقابية اليسارية ومؤسس حزب العمال صاحب «الكاريزما» الشعبية الكبيرة، كانت دليلاً قاطعًا على قدرة اليسار أولاً على الوصول إلى السلطة بوسائل ديمقراطية، وثانيًا تمكنه من بناء تحالفات عريضة تتيح له الوقت الكافي لتنفيذ سياساته ومحاسبته عليها.
ومن ثم بعد إكمال لولا (70 سنة) ولايته الرئاسية الثانية، رشح حليفته الوزيرة الاشتراكية لخلافته، ونجحت عبر التحالف مع قوى يسارية ووسطية من الفوز بمنصب الرئاسة عام 2011. والمؤكد أن دعم لولا وتزكيته لها كانا عنصرًا حاسمًا في فوزها.
اليوم يشكل تصويت مجلس الشيوخ البرازيلي بوقف الرئيسة عن ممارسة مهامها، واتهامها نائبها ميشال تامر (الرئيس الحالي بالوكالة) بـ«التآمر» عليها تغيرين مهمين في المشهد السياسي البرازيلي: الأول، هزيمة رئيسة تعد وريثة لتركة اليسار، والثاني انهيار التوافق التحالفي العريض بين اليسار والوسط الذي سهّل انتخابها، مما يقلب الأمور بشكل دراماتيكي.

ظاهرة قارية

أهمية ظاهرة «لولا»، في واقع الأمر تنبع من كونها أكثر من مجرد «ظاهرة برازيلية»، بل ظاهرة قارية تتجسد بتعميم نموذج اليسار الآتي إلى قصور الحكم عن طريق صناديق الاقتراع على امتداد أميركا الجنوبية. فبعدما انتخب «لولا» ونجح في تطبيق برنامجه، أدرك الرئيس اليساري أهمية التأسيس لمرحلة من سيأتي بعده، وبالتالي، مواصلة المسيرة داخل البرازيل، وتحصينها عبر تعميمها في الدول المجاورة في أميركا الجنوبية، ثم عموم أميركا اللاتينية بما فيها أميركا الوسطى وجزر الكاريبي.
وحقًا، انطلق ونشط التعميم، وخطت قيادات في القارة على خطى التأسيس لتركة اليسار. فقام الرئيس الفنزويلي السابق الراحل هوغو شافيز باعتماد سياسات اشتراكية صريحة تقوم على بناء شبكة أمان للطبقات الفقيرة عندما كانت أسعار النفط في قمتها، مما ساعد على إنجاح برامجه في وجه معارضة الطبقات الغنية المنخرطة في أحزاب اليمين التقليدية. وبعدما اطمأن إلى التركة اختار «تلميذه» ومساعده نيكولاس مادورو ليخلفه في منصب الرئاسة.
وبنسبة أقل راديكالية، تكرر النموذج كذلك في الأرجنتين، حيث خلفت السياسية اليسارية المعتدلة كريستينا فيرنانديز دي كيرشنر زوجها الرئيس اليساري المعتدل نيستور كيرشنر، واستمر حكم الزوجين 12 سنة بين 2003 و2015. وفي هذه الأثناء انتزع سياسيان يساريان شابان هما رافاييل كورييا الأكاديمي المتخرج في جامعات الولايات المتحدة الرئاسة في الإكوادر، وإيفو موراليس النقابي العمالي المتحدر من شعب الآيمارا (من الأميركيين الأصليين) الرئاسة في بوليفيا. كذلك انتزع أولانتا هومالا، وهو ضابط سابق - متحدر أيضًا من شعب الكيتشوا من الأميركيين الأصليين - الرئاسة في بيرو. وعزّزت كل من أوروغواي وتشيلي توجهها يسارًا مع انتخاب الرئيسين تاباري فاسكيز وميشال باشليت، ومع أن رجل الأعمال الثري سباستيان بينييرا استفاد من انقسام اليسار التشيلي ليفوز بانتخابات 2010 قبل استعادة الرئيسة (والطبيبة) الاشتراكية باشليت الرئاسة لليسار، فإن اليسار احتفظ بالحكم في أوروغواي عبر فاسكيز والرئيس اليساري السابق خوسيه موخيكا بلا انقطاع منذ 2005.

ماذا حدث الآن؟

نكسة اليسار التي أخذت تتبلور في أميركا الجنوبية، وتشهد نكسات متلاحقة، تعود في الحقيقة إلى بضعة عوامل، لعل أبرزها:
- الفساد، الذي لحق بأداء بعض الزعامات اليسارية التي غفلت عن قدرة الناخبين على محاسبتها، كما حاسبوا القادة اليمينيين من قبل. وفي مقدمة من دفع ثمن الفساد اليسار الأرجنتيني وأسرة كيرشنر، وكانت النتيجة الفوز الذي حققه عمدة بوينس آيرس المليونير موريسيو ماكري - الرئيس السابق لنادي بوكا جونيورز الشهير في عالم كرة القدم - في انتخابات الرئاسة الأخيرة في الأرجنتين.
- انخفاض أسعار النفط، الذي أثر على مداخيل بعض دول القارة المنتجة للنفط مثل فنزويلا والإكوادور. ومن ثم، أثر سلبًا على برامج التنمية والرعاية الاجتماعية.
- الممارسات السياسية الخاطئة على الصعيد الداخلي.
- سوء اختيار القيادات البديلة، التي حلت محل القيادات البارزة المؤسسة.
- الانفتاح الأميركي على أميركا اللاتينية، الذي خفف من حدة العداء لواشنطن، في بعض الدول، ولا سيما بالنسبة للطبقة الوسطى.

حالة فنزويلا

إن دولة مثل فنزويلا، التي كانت في يوم الأيام ثاني أكبر مصدّر للنفط في العالم، تعاني حاليًا من أزمة معيشية وسياسية من ملامحها نقص حاد في المواد الغذائية ومصاعب اقتصادية طاحنة، وصفها الرئيس مادورو بأنها «مؤامرة تحاك ضد بلاده». وانعكست هذه الأزمة في الهزيمة الانتخابية المؤلمة لليسار في الانتخابات البرلمانية، ولا يبدو في الأفق أن الوضع سيتحسن مع فقدان مادورو حليفًا مهمًا في مواجهته ضد اليمين الفنزويلي – المدعوم من واشنطن - في أعقاب إزاحة روسيف في البرازيل، إذ ما عاد بإمكانه التفاؤل بالحصول على دعم البرازيل لسد حاجة فنزويلا من السلع الأساسية وسط الشح الناجم عن انخفاض أسعار النفط ناتج البلاد الأساسي. وبالتالي، فإن الوضع الراهن سيفرض مزيدًا من الضغوط على الداخل الفنزويلي، مما سيدفع الحكومة اليسارية لمحاولة السيطرة على الوضع وضبط الأسواق بإجراءات تقشفية موجعة.
محللون اقتصاديون رصدوا أخيرًا ارتفاع أسعار السلع الغذائية في فنزويلا بنسبة 180 في المائة، ويتوقعون ارتفاعها بنسبة 700 في المائة بنهاية العام الحالي، مع بقاء أسعار النفط المنخفضة على حالها، وغياب أي تصور لرفع الأسعار قد يدفع إلى تغير المشهد السياسي هناك. وهنا نشير إلى أن مصادر في الاستخبارات الأميركية أعربت عن قلق واشنطن المتزايد من احتمال حدوث انهيار اقتصادي وسياسي في فنزويلا، ويدفع لذلك مخاوف من التخلف عن سداد الديون وتزايد الاحتجاجات في الشوارع والتدهور في قطاع النفط الحيوي في البلاد.
وفي الاتجاه ذاته، في تقييم متشائم للأزمة المتفاقمة في فنزويلا تبدي أوساط أميركية مطلعة شكها في أن يسمح الرئيس مادورو بإجراء استفتاء هذا العام على الرغم من الاحتجاجات التي قادتها المعارضة للمطالبة باستفتاء لتحديد ما إذا كان سيبقى في السلطة. لكن واشنطن، مع ذلك، ترى أنه من غير المحتمل تمكن مادورو من إكمال مدة رئاسته التي من المقرّر أن تنتهي بعد الانتخابات في أواخر 2018.
وفي حين يقول مسؤولون أميركيون إن أحد «السيناريوهات» الواردة سيكون إجبار حزب مادورو أو شخصيات سياسية على الاستقالة، من دون استبعاد احتمال وقوع انقلاب عسكري، فإن الأوساط الأميركية تحرص على القول إنه لا توجد دلائل على نسج أي مؤامرة فعلية أو إن الرئيس اليساري فقد دعم كبار ضباط الجيش له.
وكان أسوأ مثال على الاضطراب الذي تتسبب به الأزمة المعيشية الراهنة ما حدث في وقت سابق من الشهر الحالي عندما أقدمت حشود في فنزويلا على سرقة دقيق ودجاج، بل وملابس، في موجة من أعمال النهب. وللعلم، سبق لمادورو أن تعهد بأنه لن يقدم استقالته قبل انتهاء فترة رئاسته عام 2019، وكرّر اتهام المعارضة بالسعي إلى تدبير انقلاب ضده لتدمير «الميراث الاشتراكي» لسلفه الراحل شافيز.

و.. الأرجنتينية

أما في الأرجنتين، فإن ابتعاد الرئيسة كريستينا فيرنانديز دي كريشنر عن سدة الحكم، ووصول غريمها اليميني ماوريسيو ماكري غيّرا بشكل كبير المعادلة السياسية، مع العلم بأن ماكري اضطر للانتظار حتى الجولة الانتخابية الثانية الحاسمة في انتخابات الرئاسة بعدما تخلف في الجولة عن منافسه اليساري المحسوب على الرئيسة دانيال سيولي. وهذا يعني أن هذه الانعطافة نحو اليمين قد تكون أو لا تكون نهائية. جدير بالذكر أن دي كريشنر رفضت المثول أمام القضاء في قضايا فساد بعد اتهامها بالإضرار بالمال العام بسبب عملية مضاربة بأسعار صرف العملات أجراها المصرف المركزي في الأشهر الأخيرة من ولايتها. وحسب الحكومة اليمينية الحالية – التي كانت حينذاك في المعارضة – فإن هذه العملية كلفت ثالث أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية خسائر بمئات ملايين الدولارات.

صفحة جديدة في كوبا

على مستوى مختلف تمامًا، هناك كوبا..
كوبا التي كانت تمثل رأس حربة اليسار – بل واليسار الثوري – في الأميركتين، منشغلة الآن بمسار السلام مع الولايات المتحدة، العدو اللدود السابق، وباتت الآن منفتحة على الغرب بعد سنوات من القطيعة، مما يفتح صفحة جديدة لهذه الدولة - الجزيرة بالنسبة للاستثمارات الغربية والأميركية.. المتعطشة للحضور فيها.
وبعد الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى كوبا ولقائه بالرئيس راوول كاسترو، تعقد الحكومة الكوبية جولات من المباحثات مع الولايات المتحدة بهدف تحسين العلاقات بين البلدين وتقييم التقدم الذي حققه خصما «الحرب الباردة» السابقان نحو تجاوز صراعهما الذي استمر عقودا وتحديد مجالات جديدة للتعاون. وبعد قطيعة دبلوماسية وتجارية طالت لأكثر من 50 سنة وقع الجانبان اتفاقات بشأن مسائل ذات اهتمام مشترك، مثل البيئة والخدمات البريدية والرحلات الجوية المباشرة.
ويبقى الآن من معاقل اليسار الإكوادور وبوليفيا. والحقيقة أن لكلا البلدين مشكلات قد تؤدي إلى إضعاف قبضة اليسار على السلطة فيه. ففي بوليفيا أخفق الرئيس إيفو موراليس عبر استفتاء أن يجدد فترة حكمة من جديد، وهو ما يعني اختفاءه عن السياسة بعد انقضاء فترته الرئاسية الحالية. أما الإكوادور - وهي دولة عضو في «أوبك»، مثل فنزويلا - فلديها ما يكفيها من أزمات اقتصادية في طليعة أسبابها انخفاض أسعار النفط. ومن ناحية أخرى، بات من الواضح إلى أن «الحلف البوليفاري» اليساري الذي قام في أميركا الجنوبية وكانت البرازيل والأرجنتين وفنزويلا أبرز أركانه فقد الآن فاعليته وتأثيره الإقليمي. أيضًا يشكو من الشلل الآن تجمع آخر هو «اتحاد أميركا الجنوبية» (أوناسور)، وبدا عجزه السياسي واضحًا في الآونة الأخيرة؛ عجزه عن دعم موقف روسيف في وجه معارضيها وعلى رأسهم نائبها، الرئيس الحالي المؤقت، تامر.
مما لا شك فيه، أن ما حدث في البرازيل هزّ الخريطة الجيو - سياسية في أميركا الجنوبية، وهو ما يتوقع أن يؤسس لحقبة جديدة من التحالفات والتكتلات يتجسد فيها انحسار نفوذ اليسار لأول مرة في القارة منذ نهاية «الحرب الباردة»، ومعها مسلسل الانقلابات العسكرية.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».