النجيفي لـ «الشرق الأوسط»: العراق في مفترق طرق.. ولا توجد دولة.. والمالكي سبب الفشل

نائب الرئيس العراقي قال إن مبادرة خادم الحرمين الشريفين بمساعدة المهجرين تعبر عن صدق نية تجاه جميع العراقيين

أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})
أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})
TT

النجيفي لـ «الشرق الأوسط»: العراق في مفترق طرق.. ولا توجد دولة.. والمالكي سبب الفشل

أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})
أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})

لا تزال واقعة اجتياح المتظاهرين مبنى مجلس النواب الشهر الماضي تتفاعل وتزيد من تعقيد الأزمة السياسية في العراق، حيث البرلمان منقسم على نفسه، والكتلة الكردية منسحبة، والحكومة تضم وزراء لم يؤدوا اليمين الدستورية في ظل تصاعد انحسار في الوضع الأمني وسوء في الأوضاع الاقتصادية.
السياسي العراقي أسامة النجيفي، الرئيس السابق لمجلس النواب نائب رئيس الجمهورية (مع وقف التنفيذ)، رئيس كتلة تحالف القوى التي ينتمي إليها رئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري، خرج عن صمته الإعلامي وتحدث عن كل تلك المظاهر في حوار مع «الشرق الأوسط». النجيفي حمّل رئاسة البرلمان والحكومة مسؤولية اقتحام البرلمان والاعتداء على بعض النواب، مؤكدا أن «موضوع مناقشة تغيير رئيس الحكومة ورئيس البرلمان ليست من المحرمات، رغم أن واشنطن وطهران تضغطان للإبقاء على الأمور مثلما هي حفاظا على مصالحها». وحول الانفلاتات الأمنية، قال النجيفي إن العراق يمر بأخطر مرحلة في تاريخه، بين يكون أو لا يكون، مشيرا إلى أنه لا توجد مظاهر للدولة حاليا بل سلطة متفككة. كما أشار إلى وجود 45 فصيلا مسلحا لا تخضع لسيطرة السلطة، وأن قسما كبيرا منها «منفلت»، مؤكدا وجود نحو 2500 مواطن بريء مختطفون من قبل «حزب الله» العراقي، ورئيس الوزراء لا يستطيع مناقشة الأمر. وشكر النجيفي خادم الحرمين الشريفين لمبادرته بتقديم المساعدة إلى المهجرين العراقيين، وقال: «هذه مبادرة إنسانية طيبة يشكر عليها وتعبر عن صدق نياته الحسنة تجاه كل العراقيين». وإلى تفاصيل الحوار ..
* نبدأ من حادثة اقتحام مبنى البرلمان من قبل المتظاهرين الشهر الماضي.. مَن المسؤول عن هذه الأحداث؟
- هذه الحادثة غريبة.. وأعتقد حصول نوع من التواطؤ.. الغاية هي تعطيل هذه المؤسسة، ولتعم الفوضى.. فقد تم فتح الأبواب وإزالة الحواجز الكونكريتية، والسماح لبعض الناس باقتحام البرلمان والاعتداء على النواب من دون أي ردة فعل أو محاولة لمنعهم. والمنع لا يعني مواجهتهم من قبل القوات المسلحة، فهناك وسائل كثيرة لمواجهة المتظاهرين، منها رش المياه عليهم، أو استخدام قوات مكافحة الشغب، هناك وسائل معروفة في العالم دون إيذاء المتظاهرين لمنع هذه الكارثة التي حصلت، بينما القوات الأمنية بقيت تتفرج أو تساعد المتظاهرين بشكل أو بآخر، وترحب بهم، وتركوا النواب يضربون ويعتدى عليهم أمام أعينهم. لهذا أنا أعتقد أن القضية مدبرة لتعطيل المؤسسة التشريعية والرقابية، لترك الأمور تسير من دون محاسبة أو رقابة.
* قلتم إن المسألة فيها تواطؤ.. تواطؤ مِن مَن ومع مَن؟
- أنا أقول إن السلطة التنفيذية كان لها دور بالسماح بحادثة اقتحام البرلمان.
* تعني الحكومة.
- بالطبع.. الحكومة كانت قادرة على منع المتظاهرين ومقر رئاسة الحكومة على بعد أمتار قليلة من مبنى مجلس النواب، وقوات الجيش والأمن كانت موجودة بأعداد كبيرة وقادرة على منع الناس من الوصول إلى مبنى البرلمان. المظاهرات مشروعة ومسموح بها، لكن لا يمكن السماح بالاعتداء على مؤسسة تشريعية. أعتقد أن هذا الموضوع كان مرتبا، ولم يأت نتيجة أخطاء أمنية أو إدارية.
* لو كان المتظاهرون قد اتجهوا لاقتحام مبنى رئاسة الوزراء.. هل تعتقدون أن النتيجة كانت مشابهة لما حدث مع مبنى البرلمان؟
- لا.. لا طبعا، الحكومة وضعت حماية كبيرة لحماية مكتب رئيس الوزراء، في حين أن بناية البرلمان مجاورة لرئاسة الحكومة ولا توجد حماية.
* اعتبر كل من رئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس النواب سليم الجبوري حادثة اقتحام البرلمان بمثابة الاعتداء على هيبة الدولة.. أين هي الدولة؟
- الدولة في العراق مفقودة بمعاييرها الصحيحة أو حسب تعريفها عالميا، نحن لدينا سلطة ولم تستكمل بناء مؤسسات الدولة بعد 2003. عندما يكون هناك سلاح في الشارع خارج سيطرة السلطة أو الحكومة، وعندما تكون هناك محافظات ساقطة بيد تنظيم داعش الإرهابي، وعندما يكون هناك تعطيل للقوانين، وهناك أعداد كبيرة من الأبرياء في السجون ويُخطف الناس من الطرقات، فهذا يعني أنه ليست هناك دولة في العراق، وإنما هناك محاولات لبناء دولة. في العراق سلطة تنتهك كثيرا من القوانين النافذة والدستور.. الدستور في الحقيقة معطل بشكل وبآخر.
* تتحدث عن محاولات لبناء دولة، في حين أن البرلمان شبه معطل، هناك نواب يعدون رئاسته غير شرعية، والحكومة فيها وزراء لم يؤدوا اليمين الدستورية، ووزراء اعتبروا إقالتهم غير دستورية، وأنتم تقولون إن الدستور معطل، فعن أي محاولات بناء دولة تتحدثون؟
- قلت إن عندنا سلطة تحاول بناء دولة، رغم كل تلك المصاعب، لكن حقيقة فإنه وبوجود انحرافات كثيرة وخطيرة، يصعب معها إتمام هذه المهمة.. وهناك عوائق كثيرة. لا نستطيع بناء دولة تحظى باحترام الشعب العراقي أولا ومن ثم العالم، من دون إزالة تلك الانحرافات.
* 13 سنة ألم تكن كافية أمامكم لبناء دولة؟
- الوقت كاف جدا لو كان الأسلوب صحيحا، أنا لم آت منذ البداية، بل التحقت بالعمل السياسي في 2005، ولم نكن ضمن المعارضة العراقية السابقة في الخارج، وليست لدينا ترتيبات أو مشاركة مسبقة فيما حصل عند بداية التغيير، جئنا على وضع طائفي ومحاصصة، وحاولنا معالجة الأمور، وأن يكون لنا دور في تصحيح المسار، وأن نمثل أهلنا بطريقة مشرفة، لكن القوى التي تحكم والتي تتمثل في شخص رئيس الوزراء كانت دائما تعمل على تركيز السلطة بيد مجموعة معينة وبيد حزب واحد، وتحاول أن ترسخ وجودها بطريقة تمكنها من الاستحواذ على كل شيء، مما أدى إلى فشل المسيرة والفشل الأمني والسياسي والاقتصادي وعدم قناعة وثقة الشعب بهذه المسيرة. المسؤولية جماعية لكن القسم الأعظم يقع على من كان يتصدى لمسؤولية الحكومة والقوات المسلحة، وهو رئيس الوزراء الذي يتمتع بصلاحيات واسعة جدا وبصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة.
* مَن تعني تحديدا؟
- كل من تصدى لإدارة العراق، سواء نوري المالكي سابقا أو العبادي الآن ومن قبلهم. والمالكي أكثر من يتحمل المسؤولية، والفشل في إدارة الأمور ما زال موجودا بوضعنا الحالي.
* كيف تنظرون إلى إدارة العبادي للحكومة اليوم؟
- لا أعتقده موفقا في قيادة البلد، هناك كثير من الإخفاقات والتنصل عن الاتفاقات ومخالفة الدستور وعدم القدرة على معالجة الأخطاء السابقة. لا ننكر بأنه تسلم تركة ثقيلة من الإخفاقات، لكن أيضا لم يتحرك ضمن ما خول له من صلاحيات، وما وقعه من اتفاقات وانقلابه على الشركاء، وصار يعمل وحده بعد أن أخذ الشرعية من القوى السياسية. وهذا هو الانحراف الذي حصل. كان عليه أن يلتزم ببنود الاتفاق السياسي الذي منحه الشرعية في رئاسة الوزراء، وأن يحافظ على مبدأ الشراكة الوطنية. لو التزم بذلك كان من الممكن أن يحقق النجاح، لكن للأسف تفرده بالسلطة قاده إلى هذه الهوة.
* ترأستم الدورة السابقة لمجلس النواب بنجاح حسب المراقبين السياسيين.. كيف تجدون اليوم رئاسة البرلمان العراقي انطلاقا من تجربتكم؟
- علينا أن نضع في الحسبان أن الظروف تغيرت، نحن عملنا من أجل الشعب العراقي وحل المشكلات التي يمر بها البلد، وتقاطعنا مع رئيس الوزراء السابق (المالكي) الذي حاول أن يهيمن على مجلس النواب ويجعله تابعا للسلطة التنفيذية، وتحرك بشكل واسع لتطويق صلاحيات البرلمان التشريعية والرقابية، وضغط كثيرا بصورة مباشرة في هذا الاتجاه. وقد دافعنا عن المجلس بكل قوة ولم نجامل الرجل، ولم نحاول أن نعقد أي صفقة على حساب ديمقراطية العراق، نعتقد أننا قمنا بواجبنا، وإن لم نستطع النجاح بمعالجة كل الأمور، لكننا قمنا بما نستطيعه. أما الوضع الحالي فهو مختلف. السلطة التشريعية لم تستطع أن تتصرف باستقلالية بموجب ما منحها لها الدستور، باعتبارها السلطة الأساسية، وأنها منبع السلطات وتراقب وتحاسب، بل في اعتقادي أصبحت السلطة التشريعية اليوم تابعة للسلطة التنفيذية، وهذا نتيجة سوء إدارة البرلمان وعدم التعامل مع المستجدات والاعتراض في الوقت المناسب. الأزمة الأخيرة هي نتيجة فشل رئاسة البرلمان في إدارة الأمور.
* هذا يعني أنكم تحملون رئاسة البرلمان مسؤولية الانقسامات واعتصامات عدد كبير من النواب والهرج والمرج الذي حصل في الجلسة الأخيرة داخل مجلس النواب؟
- أنا قلت إن قسما من هذه المشكلات سببه يعود إلى رئيس البرلمان، وقسما إلى طبيعة التحالفات داخل مجلس النواب، وعلاقة النواب مع الرئاسة ومع بعضهم.
* ألم تكن هذه التحالفات هي ذاتها في الدورة السابقة؟
- لا.. اختلفت، في الدورة الماضية رشحتني الكتلة العراقية، وكانت أقلية بالنسبة لكتل كبيرة أخرى، لكننا استطعنا تشكيل نوع من التحالفات السياسية مع الكتلة الكردستانية والتيار الصدري والمجلس الأعلى، وبقي حزب الدعوة الذي يدعم رئيس الوزراء السابق بوصفه المعارضة في البرلمان، بينما هو يقود السلطة التنفيذية. هذا كان نتيجة جهود من رئاسة البرلمان ومن قيادات الكتل السياسية والبرلمانية وعدم رضا الزعماء السياسيين عن رئيس السلطة التنفيذية وقتذاك حتى إننا طالبنا بإقالة رئيس الوزراء وكان لدينا رقم مهم. اليوم الوضع مختلف تماما، هناك صراعات داخل الكتلة الشيعية وكذلك السنية والكتلة الكردية، وهذا أدى إلى انقسامات وتشوه المشهد السياسي وعدم قدرة رئاسة البرلمان على ضبط الإيقاع والتنسيق بين المواقف والكتل، مما أدى إلى تشويه الصورة بالكامل، وتجاوز بعض النواب على رئاسة المجلس وعدم الاحترام والالتزام الذي ساد في العلاقة، مما أدى إلى ما حصل في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب من فوضى. أنا لا أحمل كل المسؤولية لرئاسة المجلس، لكن عليها كثير من هذه المسؤولية، وكذلك تتحمل القوى السياسية بقية المسؤولية.
* رغم ذلك فإن كتلتكم السنية، «تحالف القوى»، ملتزمة ببقاء سليم الجبوري رئيسا لمجلس النواب ولم تؤيدوا إقالته من قبل النواب المعارضين له، هل هذا كونه قياديا في تحالفكم ومرشحا من قبل كتلتكم؟
- لا.. نحن نتحرك بوصفنا رجال دولة وندافع عن الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب والأصول القانونية، وما حصل كان محاولة الإطاحة به من قبل معارضيه النواب المعتصمين بطريقة غير قانونية وفوضوية، وتصدينا لها. لم يكن هناك طلب رسمي حسب النظام الداخلي، وتم بغياب الرئيس مع أنه كان موجودا في اجتماع داخل بناية المجلس، ولم يحصل نصاب قانوني، كل ما جرى هو أن تعقد مجموعة من النواب جلسة وتنتخب من بينها رئيسا مؤقتا، وتقرر إقالة الرئيس الأصلي من دون البحث في الأطر القانونية. لو كنا نسمح بهكذا طريقة لن يكون لأي رئيس مجلس قادم أي دور، وقد يسافر الرئيس ويعود ليجد عضوا آخر في مكانه، لهذا وقفنا ضد هذا الإجراء نحن وبعض القيادات السياسية، لكن هذا لا يعني أننا راضون عن إدارة مجلس النواب، وهذا الأمر لا بد أن يبحث بالتفصيل.
* هل تفكرون بترشيح عضو آخر لرئاسة البرلمان سواء من ضمن كتلتكم أو من كتلة أخرى؟
- هذا الأمر يبحث داخل «تحالف القوى»، وهو ليس من المحرمات، بل هو قيد الدراسة الآن، وهناك بعض القضايا يجب أن تبحث قبل أن يصدر موقف من هذا النوع، لا بد من حسم شرعية الجلسات والقضايا التي رفعت للمحكمة الاتحادية من قبل النواب المعتصمين ومن قبل رئاسة المجلس، وأيضا العلاقة بين رئيس المجلس والقوى السياسية، هذه الأمور ستكون مهمة في قرارنا الذي نبحثه، لكن حتى الآن الأمور باقية مثلما هي لحين اتخاذ قرار من قبل تحالفنا.
* نسأل افتراضيا.. لو كنتم رئيسا لمجلس النواب كيف كنتم ستتصرفون مع حادثة الهجوم على البرلمان؟
- أنا بالتأكيد لم أكن أسمح باختراق بناية المجلس أو بالاعتداء على أي نائب، لا أقول إنني كنت سأستخدم القوة المسلحة، فهذا الأمر ليس من شيمي، لكن بالتأكيد أرتب مع رئيس الوزراء بطريقة تلزمه بحماية المجلس وعدم السماح باختراق المؤسسة، وأنقل الاجتماع إلى مكان آخر دون تردد، ولا أقبل أن يصوت المجلس في ظل وجود تهديد قائم، سواء من قبل جهة سياسية أو متظاهرين أو أي تهديد آخر. وحدث أن المجلس، عندما كنت رئيسا له، تعرض للتهديد ثلاث مرات، ولم يحصل أي شيء، لكن رئيس الوزراء السابق (المالكي) كان قد اختلف مع المجلس فأمر برفع الحواجز الكونكريتية بوصفها دعوة للمتظاهرين بالهجوم على المجلس، فقررت تعطيل المجلس، وأبلغت رئيس الوزراء بأننا لن نعود إلى الاجتماع إلا بعودة الحواجز وبالفعل تحقق ما أردناه.
* لو نعود إلى سبب الأزمة التي بدأت عندما قام رئيس الوزراء العبادي بتسليم رئاسة البرلمان مظروفا مغلقا يحتوي على أسماء الكابينة الجديدة، وخرج بعد أن ألقى الكرة في ملعب مجلس النواب وتخلص هو منها، هل تعتقدون أن هذا الإجراء كان دستوريا؟
- لا.. لكن رئيس الوزراء أدار الموضوع بذكاء وبحرفية وبإطار خارج الدستور، وأعطى رئيس البرلمان مظروفا مغلقا، ليس فيه طلب رسمي منه بوصفه رئيسا للوزراء بتغيير الحكومة، وكان على رئيس البرلمان أن يفتح المظروف بحضور رئيس الوزراء وأمام النواب، ويطلب من العبادي أن يقرأ أسماء المرشحين للوزارة، ليناقشها مباشرة مع النواب، لكن أن يتسلم المظروف ويخرج رئيس الوزراء، وبعد أن يتم فتح المظروف يجد فيه سيرا ذاتية لمرشحين للوزارات دون طلب رسمي، ويتم توزيع الأسماء على اللجان المختصة في البرلمان لمناقشتها؛ هذا الإجراء غير قانوني، والعبادي نقل المشكلة من الحكومة إلى البرلمان، مما أدى إلى هذه الفوضى والتصدع داخل المجلس، مع أن القضية تهم السلطة التنفيذية.
* هل تعتقدون أنه كان هناك تفاهم بين الجبوري والعبادي حول هذا الإجراء؟
- لا أعتقد أنه كان هناك تفاهم في هذه المسألة، لكن يجوز أنه حصل تفاهم لاحقا عندما تم تقديم أسماء جديدة ليست من الأسماء المقترحة سابقا، وحصل خلل من داخل الكتل التي قدمت أسماء غير متفق عليها.
* إذا حصل تغيير أو تعديل وزاري فهل ستشاركون بوصفكم كتلة برلمانية في الترشيح للحكومة أم سيكون هذا من حق رئيس الوزراء باختيار كابينته؟
- الموضوع أكبر من التعديل أو التغيير الوزاري، نعتقد أنه يجب أن تتم مراجعة وضع الحكومة ككل من قبل القوى السياسية في الفترة المقبلة، والنظر في مدى أهليتها وقابليتها على إدارة البلد، وهذه ليست من المحرمات. وبموجب الدستور فإن القوى السياسية هي من تشكل الحكومة بالأغلبية المريحة، كونها جاءت عن طريق الانتخابات، ويجب عدم عزلها عن اختيار الوزراء.
* اجتمعتم مؤخرا مع وفد من الإدارة الأميركية.. ماذا بحثتم؟
- هم يقولون إن البلد لا يتحمل الآن استبدال رئيس البرلمان أو الحكومة أو الجمهورية، باعتبار أن هناك معركة، وقلنا لهم ربما في هذه الأيام لا نفتح هذا الملف، لكن موضوع التغيير ليس من المحرمات. موضوع الحكومة ومجلس النواب يجب بحثه خلال الأسابيع المقبلة، لأن مصلحة ومستقبل العراق هي الأهم.
* هل تعتقدون أن القيادة الكردية أسهمت في تعقيد المشهد السياسي من خلال تلويحها بالانفصال وسحب وزرائهم ونوابهم من بغداد؟
- العلاقة بين بغداد وأربيل اتسمت بالتشنج وعدم الثقة، ليس فقط بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، بل بين مختلف القوى السياسية، وعدم الالتزام بالاتفاقات التي وقعت والتي تقع مسؤولية قسم منها على بغداد وقسم على أربيل بشكل أو بآخر، والقسم الأكبر من هذه المسؤولية يقع على عاتق الحكومة الاتحادية، مما أدى إلى عدم التعويل كثيرا على مستقبل مشترك، وهذا أمر خطير، والمسؤولية تقع على بغداد في دفع الكرد إلى اتخاذ قرارات بعيدة عن الوسط العراقي، وهذا يعتمد على تقديم تنازلات والوفاء بالتزامات مالية، وقسم منها عسكرية، وتحقيق نوع من الشراكة الحقيقية، لكننا نشعر بالإحباط، لأن الحكومة في بغداد لا تعمل من أجل مصلحة الجميع، بل ما زالت تعمل بروح الحزب الواحد والطائفة الواحدة، وهذا أدى إلى كثير من التصدع في علاقتها بأربيل، وكان آخرها قطع رواتب موظفي إقليم كردستان من قبل الحكومة السابقة حتى اليوم. وهذا نتيجة تراكمات أدت إلى أن يختار الأكراد حق الاستقلال كدولة، وهذا معلن من قبلهم، بينما الدستور يحدد طبيعة العلاقات، ويضع حلولا للقضايا الخلافية حول الأراضي والحقوق المالية والعسكرية، لكن عدم الالتزام بالدستور وغياب الثقة أديا إلى ما نحن عليه اليوم.
* تحدثتم عن الخلافات والانقسامات الشيعية والكردية، ماذا عنكم، أليست هناك خلافات في الكتلة السنية التي تمثلونها «تحالف القوى»؟
- لا أنكر أن هناك وجهات نظر مختلفة، لكن في الأزمة الأخيرة ظهرنا في موقف متماسك، ويمكن نحن أفضل من الآخرين، هناك محاولات لترتيب الصفوف وحل المشكلات، ولكن مثلما قلت هناك خلافات حول رئاسة مجلس النواب وطبيعة العلاقات مع القوى السياسية الأخرى، لكن بصورة عامة وضعنا أفضل من الأشهر أو السنوات الماضية.
* بعيدا عن الأمنيات، كيف ترون وضع البلد اليوم؟
- بالتأكيد الوضع صعب للغاية وقابل للتدهور، لكن ما زالت هناك فسحة من الأمل. ما زال هناك تواصل بين الكتل السياسية، والعالم حريص على دعم العراق ضد الإرهاب، وأهمية استقرار العراق تكتسب أهمية كبرى، لأنها تعني استقرار دول الجوار، وهذا الأمر يعطينا أملا بوجود حلول. لم نصل إلى مرحلة اليأس بعد، وأعتقد على أصحاب القرار في العراق أن يتحركوا بشجاعة لإنقاذ البلد. نعم هناك خرق للدستور وانتشار للسلاح خارج سيطرة الحكومة، ومشكلة مجلس النواب والعلاقات مع دول الجوار. تحقيق الحلول ليست مستحيلة، لكن يجب أن يكون هناك قرار شجاع، والضغط الشعبي مهم ومفيد، ليدفع أصحاب القرار إلى أن يراجعوا أنفسهم ويغيروا من أسلوبهم، ولكن ما زلنا في مرحلة الخطر والعراق في مفترق الطريق الآن.
* تطرقتم إلى أكثر من مرة للسلاح خارج سيطرة الدولة، ماذا تعني بذلك؟
- هناك قوى مسلحة كانت «مودوردة» منذ المعارضة العراقية، هناك أذرع عسكرية لأحزاب سياسية، وقسم من هذه الأذرع تم دمجه في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والدستور لا يسمح بوجود السلاح خارج سيطرة الدولة، قسم من الأحزاب جمع أذرعه المسلحة وقسم آخر أبقى عليها، وبعد دخول «داعش» إلى الأراضي العراقية عادت هذه المجاميع المسلحة، واستحدثت أخرى، وتضخمت بشكل كبير، قسم من هذه القوى مسيطر عليها ضمن مؤسسة رسمية هي «الحشد الشعبي»، ومسيطر عليها ضمن قوانين، وهذه تقاتل دفاعا عن العراق، وقسم آخر هي مجاميع مسلحة منفلتة مرتبطة ببعض الدول، إذ يوجد أكثر من 45 فصيلا مسلحا في العراق، وقسم من هذه المجاميع تقتل وتختطف الناس. أمس تقدمنا نحن في «اتحاد القوى» بطلب إلى رئيس الوزراء لإطلاق سراح 2500 شخص تم اختطافهم في منطقة الرزازة، وهؤلاء الأبرياء بينهم نساء وأطفال، وكلهم من المكون السني تم اختطافهم من الطريق العام، وغالبيتهم ينحدرون من محافظتي الأنبار ونينوى، وكل من يمر من هذا الطريق يتم اختطافه من قبل «حزب الله» العراقي، وهي جهة معروفة اختطفت جنودا، وسيطرت على أسلحة بما فيها دبابات تابعة للجيش العراقي، والحكومة لا تستطيع أن تتدخل أو تطلق سراح هؤلاء الأبرياء، وهناك مناطق تم تحريرها من سيطرة «داعش» بمشاركة «الحشد الشعبي»، ومنع أهلها من العودة إليها، مثل جرف الصخر وسليمان بك ويثرب ومناطق في ديالى، هذا نوع من التمرد على السلطة القائمة والدولة وانتهاك لحقوق العراقيين. ونحن منذ فترات طويلة نطالب رئيس الوزراء بالتدخل لإطلاق سراح المختطفين، وفي بعض المرات يعلن صراحة بأنه لا يستطيع التدخل، وأنه مشغول بالمعركة ضد الإرهاب، وأن الأمر إذا فتح الآن فسيؤدي إلى خلخلة الوضع الحربي وما شابه ذلك، لكن هذا لا يبرئ رئيس الوزراء كونه مسؤولا عن حياة العراقيين المعتقلين والمختطفين والنازحين. من أخطر ما يواجه العراق هو وجود هذه المجاميع المسلحة المنفلتة، لأنه سوف يتسبب مستقبلا في مواجهات مسلحة بين هذه الفصائل والجيش، وهي حرب داخلية مؤجلة بسبب أجندات غربية.
* هل هذا يعني أن السنة العرب في العراق مستهدفون؟
- نعم هناك جهود من قبل بعض القوى السياسية لإضعاف السنة وتهميشهم وعزل جمهورهم عن قياداتهم، وإظهار هذه القيادات بمظهر الضعيف من خلال اضطهاد هذا الجمهور، وعدم إشراكهم في القرار الاستراتيجي وإبعادهم عن المناصب السيادية، واستهدافهم أمنيا وسياسيا.
* هل هناك دول تدعم السنة في العراق؟
- لا.. ليس هناك دعم بهذا المعنى سوى الدعم المعنوي أو السياسي، وأي دعم يتم عن طريق السلطة أو الحكومة.
* كيف استقبلتم مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتقديم المساعدة إلى المهجرين داخل العراق؟
- هذا أمر يشكر عليه خادم الحرمين، وهي مبادرة إنسانية طيبة من دولة جارة وشعب شقيق، ولها إبعاد إنسانية مهمة تجاه الناس المظلومين في العراق، وهم بأشد الحاجة إلى هذه المساعدة، ونشكره عليها، وهذا موقف يعبر عن حسن نية المملكة العربية السعودية تجاه كل العراقيين والعراق.
* تكررون دائما أن معركة تحرير الموصل وشيكة.. هل هي وشيكة بالفعل؟
- بل هذه المعركة بدأت، والتحالف الدولي يقصف مواقع لـ«داعش»، و«الحشد الوطني» يشارك الجيش العراقي وأبناء العشائر في معارك برية، ونأمل أن تحسم قبل نهاية هذا العام.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.