تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد

من مرحلة الاحتقار إلى مرحلة الاهتمام به والتسليع

تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد
TT

تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد

تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد

عرفت تصورات الإنسان للجسد تغيرات عبر التاريخ. فبين من يراه سجنا للنفس يعوق انطلاقها لصيد الحقيقة، وبين من يراه شيئا ماديا لا يترك الروح تصل إلى أصلها الرباني. ليتحول هذا التصور في القرن السابع عشر، إلى نظرة للجسد آلية، جراء المتغير العلمي الذي أصبح يرى العالم ساعة ميكانيكية ضخمة، وما الجسد إلا تابع لها. الأمر الذي كانت له انعكاسات أدت إلى ظهور الجسد موضوعا للتجربة العلمية. بل موضوع تغيير وتحويل، سواء عن طريق التجميل أم التعديل الوراثي. وهو ما اختلط بالدوافع الربحية، إلى درجة أن الجسد أصبح سلعة، ليس فقط في المجال العلمي من زرع وبيع الأعضاء، بل حتى في مجالات الإشهار والموضة والغناء والرقص وغيرها، نظرا لما يتيحه الجسد من إمكانات الإغواء والإثارة. بكلمة واحدة، انتقلت البشرية من مرحلة إقناعهم بضرورة احتقار الجسد إلى مرحلة الاهتمام به.

* أفلاطون: الجسد المحتقر

* عندما نقرأ محاورة أفلاطون «فيدون»، المشهورة بخلود النفس، نكتشف كم أن الجسد ثقل على الإنسان، وعائق للنفس من أن تنطلق بحرية. فهو يحرمها صيد الحقيقة، ويمنعها بلوغ الكمال. إن هذه المحاورة التي كتبها أفلاطون على لسان أستاذه سقراط جاءت لتحكي لنا أخطر لحظة في تاريخ الفلسفة، المتمثلة في آخر حوارات سقراط مع مريديه.
المحاورة تبدأ عندما تم الحكم على سقراط بالموت، إذ لم تظهر عليه أي علامات تدل على الخوف. بل كان وجهه يشير إلى الرضا والسرور. وهو أمر أثار استغراب تلاميذه، فاندفعوا يسألونه عن السر وراء هذه الجرأة وعدم الخوف من الموت؟ فانطلق الحوار الذي يمكن أن نجمله في السؤال الآتي: ما العلاقة بين الجسد والنفس؟ هنا ينطلق سقراط من مسلمة أولى، وهي أن الموت بالأصل انفصال النفس عن الجسد. ليوافقه «سيمياس» في هذا المنطلق، وهو أحد مريديه الحاضرين لمشاهدة آخر لحظات أستاذه قبل مغادرة الحياة. ليتجه سقراط بعد ذلك، إلى توضيح بعض سمات الفيلسوف الحقيقي قائلا إنه هو ذلك الرجل الذي لا يجري وراء اللذات، كلذة الطعام أو لذة الشراب أو لذات الحب... فهو لا يجعل لها اعتبارا ويحتقرها على الدوام. فهو إذن لا يهتم بشؤون الجسد ويبتعد عنها قدر الإمكان، لينخرط كليا في النفس فهي بؤرة اهتمامه الكاملة. بعبارة أخرى، يؤكد سقراط في حواره مع أصدقائه - التلاميذ، أن ما يميز الفيلسوف الحق عن بقية البشر يتجلى في تخلصه إلى أقصى درجة من علائق الجسد. وما دام الفيلسوف يصبو نحو الحقيقة فهو مطالب بألا يترك الاختلاط بين الجسد والنفس قائما. فالجسد هو السوء الأكبر لأنه يضع أمامنا ألف عائق وعائق بسبب حاجاته إلى الطعام والرعاية، ناهيك عن أنه يتعرض للمرض ويجرنا إلى الحب والشهوة. بل هو من يزج بنا في الحروب والمعارك بسبب الرغبة وإرادة امتلاك الثروات، وهي كلها أمور جسدية. وهذا كله يمنع بلوغ الحقيقة في صفائها. فالجسد لا يوفر لنا التفرغ للبحث الفلسفي، فمعه دائما الإزعاج والاضطراب والتشويش. وكخلاصة عند سقراط، فإنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة في كل صفائها ونقائها إلا إذا تم التغلب على الجسد فهو سجن للنفس، وما دام الموت سيجعلنا نتحرر من الجسد كليا، فالموت إذن مطلب عند الفيلسوف، لأن النفس لم يعد لها من يكدر عليها صفوها، فستكون وجها لوجه مع الحقيقة.
إذن نخلص إلى أن الفيلسوف الحق، بحسب أفلاطون وسقراط، هو من يسعى إلى التغلب على جسده عله يتمكن من رؤية الحقيقة التي تغطيها رغبات وإلحاحات الجسد، وكأن الفيلسوف يمرن نفسه في حياته على العيش في وضع أقرب ما يكون إلى حالة الموت. وهذا ما يفسر لنا عدم انزعاج سقراط من الموت لأنها فرصته لكي يتخلص من جسده وتحرير نفسه من قبرها المزعج.
إن الطرح الأفلاطوني - السقراطي، يرى أن مهمة الجسد تختلف عن مهمة النفس. فالجسد منجذب نحو الملذات وغارق في الغريزة. بيد أن النفس تواقة للعلم والحكمة. وهذا تصور فيه ثنائية واضحة. كما أن فيه إعلان تفوق النفس ورفعتها على الجسد، وضرورة تحكم الأول في الثاني. فالحياة إذن موت للنفس، ولهذا يجب أن نعكس الآية بأن نتعلم كيف نموت.
إن هذه الأطروحة شبيهة ببعض التصورات الدينية التي ترى أن الإنسان مشكل من جوهرين متمايزين: روح وجسم، والعلاقة بينهما ظرفية ومؤقتة. فالنفس من طينة إلهية وهي متورطة في سجن الجسد، وعلى المرء الحقيقي أن يقهر جسده ويسعى للتملص منه.
إن هذا الهجوم على الجسد الذي تم نعته بسمات تحقيرية، كالوزر، والسجن، واللحد، والقبر، والسوء، وغير ذلك، هو من جعل الفيلسوف نيتشه يلقي بهجومه على الفلسفة الأفلاطونية، لكونها «افتقارا للحياة»، ليقلب الأمر رأسا على عقب بإعلانه أن الجسد هو العقل الكبير في مقابل العقل الصغير الذي هو الوعي.

* ديكارت: الجسد الآلة

* يقول ديكارت في كتابه «مقال في المنهج» إن «الجسم آلة صنعها الله بطريقة منظمة تتجاوز في تفوقها كل الآلات التي يمكن للإنسان أن يخترعها». ويرى ديكارت أن الإنسان مشكل من جوهرين مختلفين من حيث الطبيعة: جوهر مادي هو الجسد الذي يشبه العالم الخارجي، لكونه لا يفكر ولا يختار، فهو خاضع لقانونية وسببية صارمة وكأنه الساعة، في مقابل جوهر آخر نفسي يفكر ويختار. فمن أنا إذن حسب ديكارت؟ يقول إني لست محددا بالجسد، لأن الجسد شبيه بالكائنات الطبيعية القاصرة والعاطلة عن التفكير والاختيار. فهي مفعول بها على الدوام. فأنا إنسان لأن لدي جوهرا مميزا، هو الفكر والحرية، وهو ما لا يوجد في الطبيعة. وهذا ما وجد صداه بقوة عند أحد أعمدة المنهج العلمي، كلود برنار، الذي كان ديكارتي النزعة، وهو ما سنعمل على إلقاء نظرة عليه حيث وجه الجسد وجهة مختبرية.

* كلود برنار: الجسد آلة للتجارب

* عاش كلود برنار في القرن التاسع عشر، حيث استتب الأمر للعلوم الفيزيائية والكيميائية، أي علوم المادة الجامدة، التي كانت تعد آنذاك، علوما مكتملة. فهذه الفترة عرفت نقاشا حادا حول إمكانية مباشرة الجسم الحي بالطريقة نفسها التي نباشر بها المادة الجامدة. فكان كلود برنار من ضمن المتحمسين للأمر، حتى أنه قال: «علينا أن نقلد علماء الفيزيوكيميائيين في منهجهم. كما يجب أن نتعامل مع الجسد الحي باعتباره آلة»، بل يطالب الأطباء بإمكانية الاصطياد في الماء العكر، والتجريب حتى على الإنسان وليس الاكتفاء بالحيوانات فقط، إذا كان ذلك سيعود على الطب بمنفعة تذكر.
لقد حاول كلود برنار في كتابه ذائع الصيت، «مدخل لدراسة الطب التجريبي»، أن يبرز نقاط التشابه بين دراسة الأجسام الجامدة والأجسام الحية، موضحا أن تعقد الظواهر الحيوية هو ما جعل الفيزياء والكيمياء تكتملان أسرع من العلوم الأخرى. لكن رغم ذلك، فإن تلقائية الأجساد لا تتنافى وإمكانية التجريب عليها. فكلود برنار كان يريد أن يوضح في كتابه، أن علم الظواهر الحية لا يمكن أن يكون له أسس أخرى غير تلك التي للعلوم المتعلقة بظواهر الأجرام الجامدة. فليس هناك فرق في مبادئ علوم الحياة والعلوم الفيزيوكيميائية. فالحتمية تتجلى فيهما معا. فإذا كان الفيزيائي قادرا على التحكم في الظاهرة المدروسة، إما بإظهارها أو منعها، فهذا ممكن حتى في عالم الأحياء، حيث يمكن وضع الظاهرة في شروط معينة والتحكم فيها للنظر في الاستجابات التي تكون، غالبا، هي نفسها، متى كانت الشروط نفسها دائما.
إن قراءة كتاب كلود برنار، خصوصا في جزئه الثاني المتعلق بالتجريب على الكائنات الحية، يبرز تأثره بالنزعة الآلية التي ترى العالم آلة، بما فيها الجسم. فهو يقول: «الجسد الحي ليس إلا آلة عجيبة مزودة بأبهر الخصائص ومتحركة بتأثير آليات غاية في الدقة والتعقد». ويقول: «للوصول إلى حل مشكلات الجسد الحي ينبغي تفكيك الجسد شيئا فشيئا مثلما نفكك آلة نريد أن نتعرف على كل دواليبها وندرسها...». وهذا المنهج الآلي، القائم على التحليل يظهر بوضوح ديكارتية كلود برنار.

* ميرلوبونتي: وجهان لعملة واحدة

* ينتمي ميرلوبونتي إلى الفلسفة الفينومينولوجية التي ترفض الثنائيات. فقد أكد أن الجسد والنفس شيء واحد. فليس هناك ظاهر وباطن، فالعلاقة بينهما متلاحمة. فأنا لا أسكن جسدي كربان سفينة. فالربان قد يتفطن لخلل في سفينته، لكنه لن يحس بذلك كما يحس بالجوع أو العطش. فالأمر مختلف تماما. فبالجسد نعاشر العالم ونفهمه، ونجد دلالة له. إن الإنسان ليس فكرا مفصولا عن الجسد وليس جسدا مفصولا عن الفكر، بل نحن فكر متجسد وكيان في العالم، نحن نتواصل مع العالم عن طريق أجسادنا، كما أننا عندما نلتقي بالآخر نتعرف عليه بداية، انطلاقا من ملامح وتحركات جسده، فالجسد هو البوابة الأولى نحو عالم الغير، إذ يزودنا بانطباعات مهمة حوله، فالجسد لا يمكن أبدا فصله عن النفس، فالباطن والظاهر وجهان لعملة واحدة، فما نظهره هو إعلان عما نضمر. وهي الفكرة التي دافع عنها أيضا الفيلسوف الألماني ماكس شيلر (1874 - 1921) في كتابه «طبيعة وأشكال التعاطف»، فهو يرى أن الذات تدرك الغير بطريقة كلية، يندمج فيها النفسي بالجسدي، ليشكلا وحدة حية متكاملة لا تقبل التجزئة أو الانقسام إلى جسم ونفس. فنحن نتعرف في ابتسامة الغير غبطته، وفي دموعه حزنه، وفي احمرار وجهه خجله، وفي ضم كفيه تضرعه، وفي نظراته الحنونة غرامه، وفي صرير أسنانه غضبه، وفي قبضة يده المتوعدة رغبته في الانتقام، وفي كلماته معنى ما يريد قوله، فنحن لا نرى الجسم والملامح الشكلية بمعزل عن الباطن، بل نرى الصورة العامة والبناء الكلي. فعندما أكتشف أن الآخر يراني بطريقة أراها لا تطابقني، أدرك أنه مزق الرابط بين جسده وباطنه.
ولفهم مسألة لغة الجسد، نضرب المثال التالي: لنتصور أن هناك امرأة موجهة نحوها ثلاث نظرات من طرف ثلاثة رجال، النظرة الأولى جنسية والثانية عطوفة أبوية والثالثة فيها استجداء. فهل ستكتشف المرأة ذلك؟ بالطبع نعم، فهي ستفرق بين النظرات ومستوياتها. إذن العين ليست آلة صماء، إلا إذا كانت منفصلة عن الجسد كله، أما وهي في قلب الجسد، فستكون مثقلة ومحملة بباطن الذات، وهو ما يجعلنا نتحدث عن عين شريرة أو حائرة أو ماكرة أو قلقة... إذن يعد الجسد مجال تعبير الآخر والطريق الأول نحوه. وهذا عكس التوجه الديكارتي تماما.
في الختام، نقول إن الرؤى للجسد مختلفة، وهي الآن تزداد تعقيدا مع ظهور الجسد المعدل جينيا، خصوصا مع اكتشاف الجينوم، وظهور ما يسمى تحديد النسل، وعودة فكرة إكسير الحياة والشباب الدائم، وما صاحب كل ذلك من صرخات أخلاقية ستجعل الجسد مثار نقاش لن ينتهي.



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.