تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد

من مرحلة الاحتقار إلى مرحلة الاهتمام به والتسليع

تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد
TT

تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد

تصورات فلسفية متناقضة حول الجسد

عرفت تصورات الإنسان للجسد تغيرات عبر التاريخ. فبين من يراه سجنا للنفس يعوق انطلاقها لصيد الحقيقة، وبين من يراه شيئا ماديا لا يترك الروح تصل إلى أصلها الرباني. ليتحول هذا التصور في القرن السابع عشر، إلى نظرة للجسد آلية، جراء المتغير العلمي الذي أصبح يرى العالم ساعة ميكانيكية ضخمة، وما الجسد إلا تابع لها. الأمر الذي كانت له انعكاسات أدت إلى ظهور الجسد موضوعا للتجربة العلمية. بل موضوع تغيير وتحويل، سواء عن طريق التجميل أم التعديل الوراثي. وهو ما اختلط بالدوافع الربحية، إلى درجة أن الجسد أصبح سلعة، ليس فقط في المجال العلمي من زرع وبيع الأعضاء، بل حتى في مجالات الإشهار والموضة والغناء والرقص وغيرها، نظرا لما يتيحه الجسد من إمكانات الإغواء والإثارة. بكلمة واحدة، انتقلت البشرية من مرحلة إقناعهم بضرورة احتقار الجسد إلى مرحلة الاهتمام به.

* أفلاطون: الجسد المحتقر

* عندما نقرأ محاورة أفلاطون «فيدون»، المشهورة بخلود النفس، نكتشف كم أن الجسد ثقل على الإنسان، وعائق للنفس من أن تنطلق بحرية. فهو يحرمها صيد الحقيقة، ويمنعها بلوغ الكمال. إن هذه المحاورة التي كتبها أفلاطون على لسان أستاذه سقراط جاءت لتحكي لنا أخطر لحظة في تاريخ الفلسفة، المتمثلة في آخر حوارات سقراط مع مريديه.
المحاورة تبدأ عندما تم الحكم على سقراط بالموت، إذ لم تظهر عليه أي علامات تدل على الخوف. بل كان وجهه يشير إلى الرضا والسرور. وهو أمر أثار استغراب تلاميذه، فاندفعوا يسألونه عن السر وراء هذه الجرأة وعدم الخوف من الموت؟ فانطلق الحوار الذي يمكن أن نجمله في السؤال الآتي: ما العلاقة بين الجسد والنفس؟ هنا ينطلق سقراط من مسلمة أولى، وهي أن الموت بالأصل انفصال النفس عن الجسد. ليوافقه «سيمياس» في هذا المنطلق، وهو أحد مريديه الحاضرين لمشاهدة آخر لحظات أستاذه قبل مغادرة الحياة. ليتجه سقراط بعد ذلك، إلى توضيح بعض سمات الفيلسوف الحقيقي قائلا إنه هو ذلك الرجل الذي لا يجري وراء اللذات، كلذة الطعام أو لذة الشراب أو لذات الحب... فهو لا يجعل لها اعتبارا ويحتقرها على الدوام. فهو إذن لا يهتم بشؤون الجسد ويبتعد عنها قدر الإمكان، لينخرط كليا في النفس فهي بؤرة اهتمامه الكاملة. بعبارة أخرى، يؤكد سقراط في حواره مع أصدقائه - التلاميذ، أن ما يميز الفيلسوف الحق عن بقية البشر يتجلى في تخلصه إلى أقصى درجة من علائق الجسد. وما دام الفيلسوف يصبو نحو الحقيقة فهو مطالب بألا يترك الاختلاط بين الجسد والنفس قائما. فالجسد هو السوء الأكبر لأنه يضع أمامنا ألف عائق وعائق بسبب حاجاته إلى الطعام والرعاية، ناهيك عن أنه يتعرض للمرض ويجرنا إلى الحب والشهوة. بل هو من يزج بنا في الحروب والمعارك بسبب الرغبة وإرادة امتلاك الثروات، وهي كلها أمور جسدية. وهذا كله يمنع بلوغ الحقيقة في صفائها. فالجسد لا يوفر لنا التفرغ للبحث الفلسفي، فمعه دائما الإزعاج والاضطراب والتشويش. وكخلاصة عند سقراط، فإنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة في كل صفائها ونقائها إلا إذا تم التغلب على الجسد فهو سجن للنفس، وما دام الموت سيجعلنا نتحرر من الجسد كليا، فالموت إذن مطلب عند الفيلسوف، لأن النفس لم يعد لها من يكدر عليها صفوها، فستكون وجها لوجه مع الحقيقة.
إذن نخلص إلى أن الفيلسوف الحق، بحسب أفلاطون وسقراط، هو من يسعى إلى التغلب على جسده عله يتمكن من رؤية الحقيقة التي تغطيها رغبات وإلحاحات الجسد، وكأن الفيلسوف يمرن نفسه في حياته على العيش في وضع أقرب ما يكون إلى حالة الموت. وهذا ما يفسر لنا عدم انزعاج سقراط من الموت لأنها فرصته لكي يتخلص من جسده وتحرير نفسه من قبرها المزعج.
إن الطرح الأفلاطوني - السقراطي، يرى أن مهمة الجسد تختلف عن مهمة النفس. فالجسد منجذب نحو الملذات وغارق في الغريزة. بيد أن النفس تواقة للعلم والحكمة. وهذا تصور فيه ثنائية واضحة. كما أن فيه إعلان تفوق النفس ورفعتها على الجسد، وضرورة تحكم الأول في الثاني. فالحياة إذن موت للنفس، ولهذا يجب أن نعكس الآية بأن نتعلم كيف نموت.
إن هذه الأطروحة شبيهة ببعض التصورات الدينية التي ترى أن الإنسان مشكل من جوهرين متمايزين: روح وجسم، والعلاقة بينهما ظرفية ومؤقتة. فالنفس من طينة إلهية وهي متورطة في سجن الجسد، وعلى المرء الحقيقي أن يقهر جسده ويسعى للتملص منه.
إن هذا الهجوم على الجسد الذي تم نعته بسمات تحقيرية، كالوزر، والسجن، واللحد، والقبر، والسوء، وغير ذلك، هو من جعل الفيلسوف نيتشه يلقي بهجومه على الفلسفة الأفلاطونية، لكونها «افتقارا للحياة»، ليقلب الأمر رأسا على عقب بإعلانه أن الجسد هو العقل الكبير في مقابل العقل الصغير الذي هو الوعي.

* ديكارت: الجسد الآلة

* يقول ديكارت في كتابه «مقال في المنهج» إن «الجسم آلة صنعها الله بطريقة منظمة تتجاوز في تفوقها كل الآلات التي يمكن للإنسان أن يخترعها». ويرى ديكارت أن الإنسان مشكل من جوهرين مختلفين من حيث الطبيعة: جوهر مادي هو الجسد الذي يشبه العالم الخارجي، لكونه لا يفكر ولا يختار، فهو خاضع لقانونية وسببية صارمة وكأنه الساعة، في مقابل جوهر آخر نفسي يفكر ويختار. فمن أنا إذن حسب ديكارت؟ يقول إني لست محددا بالجسد، لأن الجسد شبيه بالكائنات الطبيعية القاصرة والعاطلة عن التفكير والاختيار. فهي مفعول بها على الدوام. فأنا إنسان لأن لدي جوهرا مميزا، هو الفكر والحرية، وهو ما لا يوجد في الطبيعة. وهذا ما وجد صداه بقوة عند أحد أعمدة المنهج العلمي، كلود برنار، الذي كان ديكارتي النزعة، وهو ما سنعمل على إلقاء نظرة عليه حيث وجه الجسد وجهة مختبرية.

* كلود برنار: الجسد آلة للتجارب

* عاش كلود برنار في القرن التاسع عشر، حيث استتب الأمر للعلوم الفيزيائية والكيميائية، أي علوم المادة الجامدة، التي كانت تعد آنذاك، علوما مكتملة. فهذه الفترة عرفت نقاشا حادا حول إمكانية مباشرة الجسم الحي بالطريقة نفسها التي نباشر بها المادة الجامدة. فكان كلود برنار من ضمن المتحمسين للأمر، حتى أنه قال: «علينا أن نقلد علماء الفيزيوكيميائيين في منهجهم. كما يجب أن نتعامل مع الجسد الحي باعتباره آلة»، بل يطالب الأطباء بإمكانية الاصطياد في الماء العكر، والتجريب حتى على الإنسان وليس الاكتفاء بالحيوانات فقط، إذا كان ذلك سيعود على الطب بمنفعة تذكر.
لقد حاول كلود برنار في كتابه ذائع الصيت، «مدخل لدراسة الطب التجريبي»، أن يبرز نقاط التشابه بين دراسة الأجسام الجامدة والأجسام الحية، موضحا أن تعقد الظواهر الحيوية هو ما جعل الفيزياء والكيمياء تكتملان أسرع من العلوم الأخرى. لكن رغم ذلك، فإن تلقائية الأجساد لا تتنافى وإمكانية التجريب عليها. فكلود برنار كان يريد أن يوضح في كتابه، أن علم الظواهر الحية لا يمكن أن يكون له أسس أخرى غير تلك التي للعلوم المتعلقة بظواهر الأجرام الجامدة. فليس هناك فرق في مبادئ علوم الحياة والعلوم الفيزيوكيميائية. فالحتمية تتجلى فيهما معا. فإذا كان الفيزيائي قادرا على التحكم في الظاهرة المدروسة، إما بإظهارها أو منعها، فهذا ممكن حتى في عالم الأحياء، حيث يمكن وضع الظاهرة في شروط معينة والتحكم فيها للنظر في الاستجابات التي تكون، غالبا، هي نفسها، متى كانت الشروط نفسها دائما.
إن قراءة كتاب كلود برنار، خصوصا في جزئه الثاني المتعلق بالتجريب على الكائنات الحية، يبرز تأثره بالنزعة الآلية التي ترى العالم آلة، بما فيها الجسم. فهو يقول: «الجسد الحي ليس إلا آلة عجيبة مزودة بأبهر الخصائص ومتحركة بتأثير آليات غاية في الدقة والتعقد». ويقول: «للوصول إلى حل مشكلات الجسد الحي ينبغي تفكيك الجسد شيئا فشيئا مثلما نفكك آلة نريد أن نتعرف على كل دواليبها وندرسها...». وهذا المنهج الآلي، القائم على التحليل يظهر بوضوح ديكارتية كلود برنار.

* ميرلوبونتي: وجهان لعملة واحدة

* ينتمي ميرلوبونتي إلى الفلسفة الفينومينولوجية التي ترفض الثنائيات. فقد أكد أن الجسد والنفس شيء واحد. فليس هناك ظاهر وباطن، فالعلاقة بينهما متلاحمة. فأنا لا أسكن جسدي كربان سفينة. فالربان قد يتفطن لخلل في سفينته، لكنه لن يحس بذلك كما يحس بالجوع أو العطش. فالأمر مختلف تماما. فبالجسد نعاشر العالم ونفهمه، ونجد دلالة له. إن الإنسان ليس فكرا مفصولا عن الجسد وليس جسدا مفصولا عن الفكر، بل نحن فكر متجسد وكيان في العالم، نحن نتواصل مع العالم عن طريق أجسادنا، كما أننا عندما نلتقي بالآخر نتعرف عليه بداية، انطلاقا من ملامح وتحركات جسده، فالجسد هو البوابة الأولى نحو عالم الغير، إذ يزودنا بانطباعات مهمة حوله، فالجسد لا يمكن أبدا فصله عن النفس، فالباطن والظاهر وجهان لعملة واحدة، فما نظهره هو إعلان عما نضمر. وهي الفكرة التي دافع عنها أيضا الفيلسوف الألماني ماكس شيلر (1874 - 1921) في كتابه «طبيعة وأشكال التعاطف»، فهو يرى أن الذات تدرك الغير بطريقة كلية، يندمج فيها النفسي بالجسدي، ليشكلا وحدة حية متكاملة لا تقبل التجزئة أو الانقسام إلى جسم ونفس. فنحن نتعرف في ابتسامة الغير غبطته، وفي دموعه حزنه، وفي احمرار وجهه خجله، وفي ضم كفيه تضرعه، وفي نظراته الحنونة غرامه، وفي صرير أسنانه غضبه، وفي قبضة يده المتوعدة رغبته في الانتقام، وفي كلماته معنى ما يريد قوله، فنحن لا نرى الجسم والملامح الشكلية بمعزل عن الباطن، بل نرى الصورة العامة والبناء الكلي. فعندما أكتشف أن الآخر يراني بطريقة أراها لا تطابقني، أدرك أنه مزق الرابط بين جسده وباطنه.
ولفهم مسألة لغة الجسد، نضرب المثال التالي: لنتصور أن هناك امرأة موجهة نحوها ثلاث نظرات من طرف ثلاثة رجال، النظرة الأولى جنسية والثانية عطوفة أبوية والثالثة فيها استجداء. فهل ستكتشف المرأة ذلك؟ بالطبع نعم، فهي ستفرق بين النظرات ومستوياتها. إذن العين ليست آلة صماء، إلا إذا كانت منفصلة عن الجسد كله، أما وهي في قلب الجسد، فستكون مثقلة ومحملة بباطن الذات، وهو ما يجعلنا نتحدث عن عين شريرة أو حائرة أو ماكرة أو قلقة... إذن يعد الجسد مجال تعبير الآخر والطريق الأول نحوه. وهذا عكس التوجه الديكارتي تماما.
في الختام، نقول إن الرؤى للجسد مختلفة، وهي الآن تزداد تعقيدا مع ظهور الجسد المعدل جينيا، خصوصا مع اكتشاف الجينوم، وظهور ما يسمى تحديد النسل، وعودة فكرة إكسير الحياة والشباب الدائم، وما صاحب كل ذلك من صرخات أخلاقية ستجعل الجسد مثار نقاش لن ينتهي.



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.