أصول المجتمعات ونشأتها وكيف أصبحت بناءً فعليًا

يتشكل الناس من حيث حاجياتهم اليومية والبيولوجية والنفسية والمعنوية

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز
أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز
TT

أصول المجتمعات ونشأتها وكيف أصبحت بناءً فعليًا

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز
أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز

طرح المجتمع إشكالات متعددة، حول أصوله وأسباب نشأته، وتم التعامل مع هذه الإشكالات على مر التاريخ، بطرق متباينة، من التحليلات الدينية والأسطورية للخلق، التي حاولت إرجاع المجتمع إلى آلهة وآباء مؤسسين وشخصيات خيالية، بعثت المجتمع، وعملت على التحكم فيه، أو تهديمه بصفته عقابا للبشر على سوء أفعالهم. وهو ما نجده في معتقدات الشعوب والفكر التقليدي إلى يومنا هذا، مرورا بالتحليل الفلسفي ذي الطابع التأملي، الذي حاول النظر إلى المجتمع بشكل أكثر واقعية. إلا أن التفكير في المجتمع خلال العصور الحديثة، سيتطور كثيرا مع تطور مناهج المعرفة وتطور الدراسات الإنسانية والاجتماعية، التي ستعيد توجيه السؤال حول المجتمع، مستفيدة من خلفية نظرية ومنهجية، تتجاوز المعطيات التي اعتمدت عليها الرؤى الماضية، محاولة البحث عن الأسس والعوامل التي جعلت الناس على مر التاريخ، يعيشون على شكل جماعات تنتظم، بشكل أو بآخر، داخل عشائر وقبائل ومدن، بعدما كانوا يهيمون في مختلف بقاع الأرض. كما تخبرنا بذلك، علوم الأنثربولوجيا، والأركيولوجيا البشرية، التي عادت إلى البحث في التشكيلات الاجتماعية البدائية القديمة قبل أن تكون هناك دولة، وحيث لم توجد بعد سلطة عامة معينة منفصلة عن المجموعة، أي تتبع المجتمع في جذوره الأولى.
بحثت الفلسفة اليونانية في أسباب الاجتماع، حيث يمكن أن نتوقف عند المعلم الأول أرسطو في «الأخلاق إلى نيكوماخوس»، الذي قدم تصورا عدّ فيه أن للإنسان دافعا طبيعيا للاجتماع، وأن الناس يميلون طبيعيا إلى العيش داخل مجتمع. وهو ما قد بقي مستمرا بشكل أو بآخر في الفلسفة الإسلامية، وبخاصة مع الفارابي وابن خلدون، حيث لم تخرج هذه التصورات عن فرضية حاجة الإنسان إلى الآخر، من أجل تعويض النقص. إذا تجاوزنا أطروحة الدافع الطبيعي، فإن أقوى محاولة للتفكير في المجتمع هما عبارة عن رؤيتين اثنتين مهمتين، يقدم الأولى الفيلسوف الألماني، والمنظر الاشتراكي فريديريك إنجلز، في كتابه «أصل العائلة والملكية والدولة». والرؤية الثانية هي لعالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم في حديثه عن أشكال التضامن الاجتماعي في «تقسيم العمل الاجتماعي». وكلتاهما وجهة نظر، وإن كانتا مختلفتين، إلا أنهما تبقيان مهمتين، وقد تتكاملان فتقدمان لنا صورة جيدة حول المجتمع وتاريخه وجذوره، وبناه الداخلية. فالطرح الأول يبحث في السيرورة الإنتاجية والاقتصادية التي دعت الناس تاريخيا إلى الاجتماع. والطرح الآخر ينتقل بنا إلى المجتمع ذاته، ويبحث بطريقة حول الأسباب والسبل التي تجعل الأفراد ينتظمون فيما بينهم، كاشفا عن الرابطة الاجتماعية.
مر الإنسان في مسير بحثه عن المجتمع بمراحل متعددة؛ فقد بدأ أولا يعيش في الكهوف من الغابات الاستوائية وغيرها، ويسكن أحيانا الأشجار. هذا النمط القاسي من الحياة سيجعل الحديث عن المجتمع ضربا من المستحيل. لكن الإنسان سيتطور بعد ذلك إلى استخدام الأسماك والحيوانات المائية في الطعام، واستخدام النار في طهي الطعام؛ ما سيدفعه إلى تتبع السواحل بحثا عن الأسماك، فمهد له ذلك أن ينتشر في الجزء الأكبر من سطح الأرض، فلما استطاع اختراع القوس والسهم، وأصبحت ثمار الصيد عنصرا أساسيا في الطعام، يضاف إلى ذلك تمكنه من صناعة المعاول الحجرية، والقوارب المحفورة في الخشب، سيصبح مؤهلا أكثر للاستقرار في قرى معينة. يتقاطع مع التطور الذي يقدمه إنجلز على مستوى أنماط الإنتاج، تطور آخر لا يقل أهمية على مستوى العائلة ونظام القرابة. وهو ثاني عامل يفسر إنجلز من خلاله تطور المجتمع.. ستتطور العائلة من المشاعية الجنسية، حيث تكون العلاقات الجنسية مباحة بين الجميع، ما عدا الآباء وأبناءهم، إلى تطور على مستوى المنع، وبخاصة بين الإخوة؛ ما سيساهم في حدوث طفرة اجتماعية جد مهمة، ستساعد في ظهور القبيلة التي ستعطي، بعد ذلك، المدينة، لما سيعمل كل أخ على تأسيس نواة لأسرته الخاصة. ولأنه كان من الصعب على الأسرة الواحدة أن تنشئ قوة، فقد كان الانضمام تحت عشيرة واحدة مهما جدا في هذه المرحلة. بعد ذلك ستتطور الأمور وتزداد مسألة التحريم اتساعا، حتى يصبح من حق كل رجل امرأة واحدة فقط، كما ستتطور العائلة كثيرا مع القدرة على استئناس الحيوانات؛ مما سيؤدي إلى نمو الثروة الحيوانية، وبالتالي سيصبح من الضروري أن تتمدد العائلة، فيكون آنذاك أول انقلاب ذكوري لما سيصبح بإمكان الرجل الزواج من نساء أخريات تقوية للعائلة، ومسايرة لتطور الثروة الحيوانية. هنا ستظهر كذلك الملكية الفردية، وأول تقسيم طبقي في التاريخ بتعبير كارل ماركس، بين الرجل والمرأة. وسيزداد الأمر حدة أكبر مع استعمال الخيول في التنقل والغزو، وسيصبح الصيد الذي كان حرفة بمثابة هواية. هنا سيظهر الزواج الواحد، والعائلة الممتدة ذات القوة الاجتماعية والاقتصادية. لكن وجهة النظر هذه، وإن كانت مهمة جدا، إلا أنها تبقى غير كافية؛ لأن الناس لا توحدهم فقط علاقاتهم الاقتصادية وأنظمة القرابة. الدليل على ذلك هو أن المجتمعات الحديثة، انحلت فيها البنى التقليدية للقرابة، وأصبحت أنظمة الإنتاج غير قادرة على التأثير في أي بناء اجتماعي، حيث أصبحت الفردانية هي الخاصية المميزة لهذه المجتمعات.
هنا من الضروري أن نرفق التصور الذي عايناه لدى إنجلز، مع ما يقدمه إميل دوركهايم في «تقسيم العمل الاجتماعي»، لنتعرف على الأسباب التي ستجعل هذا البناء مستمرا، ونتعرف كذلك على الأسس التي ستنظم العلاقات بين أفراده. بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم، فإن الناس يتحدون عن طريق الروابط الاجتماعية التي تقوم فيما بينهم، فما إن تتشكل جماعة معينة، إلا وتتكون فيما بين أعضائها لُحمة تتقوى عن طريق القواعد، والمعايير، والأخلاق التي يشكلونها. وتشكلهم من الناحية الواقعية والوجدانية لتسيطر عليهم بصفتها ضميرا جمعيا، الضمير الجمعي هو عبارة «مجموعة من المعتقدات والعواطف المشتركة بين الأعضاء العاديين في مجتمع معين، تشكل النسق المحدد لحياتهم». الضمير الجمعي هو كيان حقيقي مستقل، يقوم بإشعاع قهره وتأثيره في عقول الأفراد الخاصة، هو كائن نفسي جديد، متميز عن الشعور الفردي، رغم أنه لا يمكن أن يتشكل إلا عن طريق هذا الشعور، من هنا تنشأ الأخلاق، والقناعات والأديان. فالأخلاق هي قواعد الجماعة، والدين بصفته ممارسة لا يبقى مجرد طقوس خارجية، وإنما هو كذلك أحاسيس داخلية يحملها الإنسان داخله. يترسخ الضمير الجمعي في الوجدان إلى حد نعتقد معه أنه في طبيعتنا، وجزء لا يتجزأ من كينونتنا. وتتطور سيرورة اندماجه عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية، حيث يعمل على تأسيس فكر الجميع، فيصبح الكل واحدا. هنا لا يكون الفرد فردا، بل كائنا منصهرا في الجماعة، على الرغم من أن هذا الكل لا يمثل مجموع الأجزاء، بل شيئا آخر تختلف خواصه عن الخواص التي تحمل أجزاءه الداخلية، وهو ما يشكل الإنسان بخصائصه المادية والروحية والعقلية والاجتماعية.
كما أن الناس في نظر دوركهايم يتحدون عن طريق أشكال تقسيم العمل التي تتم فيما بينهم، ففي المجتمعات التقليدية يسود بين أفرادها تضامن آلي يتميز بالبساطة والسذاجة. فالأفراد في المجتمعات التي يسود فيها هذا النوع من التضامن يكونون جد متشابهين؛ لأنهم يشتركون في القيم والمشاعر والمعتقدات نفسها، حيث يتوطد الشعور بالنحن. فهذه المجتمعات لا يمكن أن تتوطد إلا عن طريق التشابهات القائمة بين أفرادها، وكل تباين بينهم إلا ويهدد النظام الاجتماعي بأكمله. ويجب مواجهته بالعقاب والقصاص. هنا يكون الضمير الجمعي مترسخا وقويا جدا. أما التضامن العضوي، فيقوم بالأساس على تقسيم العمل والتخصص المهني الدقيق، الذي يؤدي إلى اختلاف الأفراد، ويؤدي إلى ضعف العلاقات الاجتماعية بينهم، وتنتشر الأنانية والفردية. ولكن رغم اختلافاتهم، يتكون مجتمع هو المجتمع الصناعي الحديث، الذي يعتمد على القانون الذي يعيد النظام في حالة الفوضى، بإعادة الحق إلى أصحابه. وإذا كان الضمير الجمعي مهما جدا في التضامن الأول، فإنه يصبح من دون أي أهمية هنا.
الخلاصة العامة من هذا الطرح، هي: أن المجتمعات قامت منذ القدم لدواع اقتصادية، حيث إن التعاون وتطور أشكال الإنتاج، قد لعب دورا حاسما في نشأة المجتمعات عبر التاريخ، لكن رغم كل شيء، فهذا يبقى عاملا غير كاف، هنا يتدخل القانون، والمعتقدات والقيم التي تجعل لهذا البناء غاية وهدفا ومعنى، هكذا قامت كل المجتمعات عبر التاريخ تسن التشريعات والقواعد التي تنظم العلاقات القائمة فيما بينهم، وتجعلهم قادرين على العيش في أمن وأمان بناءً واحدا متراصا. فيتشكل الناس من حيث حاجياتهم اليومية والبيولوجية، ويتشكلون كذلك من خلال حاجياتهم النفسية والمعنوية.

* أستاذ فلسفة



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».