في تحدٍ لـ«داعش».. الظواهري يشجع قيادات «القاعدة» على التوجه إلى سوريا

يسعى إلى استعادة تأثيره بعد الخسائر التي تكبدها تنظيمه في باكستان

صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)
TT

في تحدٍ لـ«داعش».. الظواهري يشجع قيادات «القاعدة» على التوجه إلى سوريا

صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)

قالت قيادة تنظيم القاعدة في باكستان التي ضعفت بدرجة كبيرة نتيجة لغارات الطائرات من دون طيار التي شنتها وكالة الاستخبارات الأميركية «سى آي إيه» على مدار عقد كامل، إن مستقبل التنظيم الإرهابي سيكون في سوريا، معلنة إرسالها لمجموعة ضمت نحو عشرة من أفضل مقاتليها إلى هناك سرا، وفق مسؤولين استخباراتيين أميركيين وأوروبيين رفيعي المستوى مختصين في محاربة الإرهاب.
في ذات السياق، أفاد مسؤولون غربيون أن تحركات كبار قادة تنظيم القاعدة تعكس تنامي أهمية سوريا بالنسبة إليهم، والأهم أن ذلك ينبئ بتصاعد وتيرة التنافس المحموم بين «القاعدة» و«داعش».
وتلقى عملاء التنظيم أوامر بالبدء في تأسيس مقرات بديلة في سوريا ووضع الأسس لما يمكن تسميته إمارة من خلال جبهة النصرة التي تعد فرع «القاعدة» في سوريا، وذلك لمنافسة «داعش» التي انشقت جبهة النصرة عنها عام 2013، وسيمثل ذلك تحولا كبيرا لتنظيم القاعدة ولمنتسبيه بعد أن قاوم في السابق فكرة تأسيس إمارة في سوريا أو حتى دولة ذات سيادة قبل أن يستتب لهم الأمر هناك، غير أن كيانا كهذا سوف يشكل تهديدا كبيرا على الولايات المتحدة وأوروبا.
واستمر عملاء «القاعدة» في التنقل داخل وخارج سوريا لسنوات، وأرسل زعيم التنظيم في باكستان، أيمن الظواهري، عددا من كبار المتطرفين لدعم جبهة النصرة في سوريا عام 2013، وبعد ذلك بعام، أرسل الظواهري إحدى خلايا «القاعدة» أطلق عليها اسم «خراسان»، وهي التي قال المسؤولون الأميركيون إنها خططت لشن هجمات ضد الغرب. غير أن إيجاد موطئ قدم دائم في سوريا سيتيح للتنظيم فرصة ثمينة، وفق محللين غربيين، فدولة «القاعدة» في سوريا لن تكون على مقربة من أوروبا فحسب، بل ستستفيد أيضا من الدعم العددي والمادي بانضمام مقاتلين من العراق، وتركيا، والأردن، ولبنان.
وبثَّ الظواهري تصريحا تلفزيونيا في الأول من مايو (أيار) بعد انقطاع استغرق شهورًا، وبدأ كأنه يمهد الطريق أمام «القاعدة» لاستخدام جبهة النصرة لتأسيس إمارة في سوريا بمباركته. غير أن بعض قادة جبهة النصرة يعارضون توقيت هذا التحرك، ولذلك لم يأخذ التحرك شكلا عمليا حتى الآن.
«إن دمج إمارة (القاعدة) وقيادة التنظيم في كيان بشمال سوريا من شأنه أن يعطي دفعة قوية من الثقة للتنظيم عالميا»، وفق مقال لتشارلز ليستر، زميل معهد الشرق الأوسط، بمجلة «فورين بوليسي»، إذ تقدم «القاعدة» نفسها تنظيما منهجيا مثابرا، على النقيض من «داعش» التي تبنت استراتيجية أكثر انحيازا للمسلمين السنة، بحسب ليستر.
وأفاد ليستر وغيره من المختصين أن تنظيمي القاعدة وداعش يتبنيان الهدف نفسه، وهو تأسيس دولة إسلامية، لكن كل منهم استخدم أسلوبا مختلفا. فـ«داعش» تحرك بسرعة لفرض سيطرته الفظة بشكل فردي على العراق وسوريا لإعلان دولته المستقلة، في حين اجتهدت جبهة النصرة في بسط نفوذها على المناطق التي تسعى إلى السيطرة عليها وذلك مع غيرها من الجماعات السورية المتطرفة.
وقال مسؤولون أميركيون إن «داعش» استطاع وبسرعة أن يتفوق على «القاعدة» في منظومة الإرهاب العالمي بعد أن أخذت الأخيرة في النزيف بعد انشقاق منتسبيها الذين انضموا لخصمها الأكثر وحشية والأذكى في التعامل مع الإعلام. فقد قتل الكثير من عملاء جماعة «خرسان»، منهم القائد محسن فضلي، نتيجة للضربات الجوية الثمانية التي شنتها الولايات المتحدة شمال غربي سوريا منذ سبتمبر (أيلول) 2014.
وبحسب تقديرات وكالات الاستخبارات الأميركية، يمتلك تنظيم داعش ما بين 19 ألف إلى 25 ألف مقاتل موزعين بين العراق وسوريا، في حين تمتلك جبهة النصرة ما بين 5 آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل جميعهم في سوريا. وسيختلف شكل إمارة «القاعدة» المرتقبة عن دولة الخلافة التي تتبناها «داعش» فيما يخص طموحات كل منهما؛ إذ إن جبهة النصرة لا تتطلع لتأسيس حكومة لجميع مسلمي العالم.
وأفاد بعض كبار مسؤولي إنفاذ القانون الأميركيين والأوروبيين بأن التحركات صغيرة الحجم بالغة الأهمية لكبار عملاء «القاعدة» باتجاه سوريا تعد تحركا متهورا لمرفأ يقع وسط الفوضى التي عمت البلاد، وأضاف المسؤولون أن عملاء «القاعدة» في سوريا يعملون بعزيمة قوية لكنهم تحت السيطرة.
وأفاد الكولونيل ستيف وارين، المتحدث العسكري للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وسوريا، بأنهم «يسقطون بوتيرة ثابتة». وعلى الرغم من ذلك، فإن وجود عدد من قادة «القاعدة» البارزين في سوريا يدق أجراس الخطر في واشنطن وغيرها من العواصم الأوروبية الحليفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وصرح جون برينن، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، الشهر الحالي لقناة «إن. بي. سي» قائلا: «لقد دمرنا جزءا كبيرا من القاعدة»، مضيفا: «لم نقض على التنظيم بالكامل، ولذلك علينا الانتباه لما يستطيع أن يفعله».
وجاء هذا التقييم المتغير بشأن «القاعدة» وجبهة النصرة في سوريا بعد مقابلات مع ما يقرب من عشرة من مسؤولي مكافحة الإرهاب والاستخبارات ومحللين مستقلين أميركيين وأوروبيين، اطّلع معظمهم على معلومات سرية جرى استخلاصها عن طريق التجسس والتنصت الإلكتروني. كما قاموا بتحليل تصريحات عامة وتعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي بين أعضاء «القاعدة» وجبهة النصرة.
ومن العملاء الذين يركز عليهم مسؤولو الاستخبارات الغربيون سيف العدل، وهو قيادي كبير بالهيئة الحاكمة لـ«القاعدة» المعروفة بمجلس الشورى، الذي أشرف على المنظمة مباشرة بعد مقتل أسامة بن لادن على أيدي القوات الخاصة الأميركية في باكستان عام 2011، وليس واضحا ما إذا كان العدل موجودا في سوريا أو شمال أفريقيا أو أي مكان آخر، بحسب مسؤولي الاستخبارات الأميركيين.
وأخلت حكومة إيران سبيل العدل وأربعة أعضاء كبار بـ«القاعدة» مطلع العام المنصرم ضمن صفقة سرية لتبادل السجناء مع فرع «القاعدة» في اليمن، وهي الجماعة التي تحتجز الدبلوماسي الهندي، نور أحمد نيكباخت.
والعدل، وهو عقيد سابق بالجيش المصري في الخمسينات من العمر، مدرج على قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» كأحد أهم المطلوبين الإرهابيين، وأدين في تفجيرات السفارة الأميركية في شرق أفريقيا في 1998، وترصد الولايات المتحدة مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يرشد عنه.
وقال مايكل سميث، من شركة «كرونوس» الاستشارية، المتخصصة في أبحاث وتحليلات الإرهاب: «يمكن أن يكون العدل، بوصفه مستشارا كبيرا لشبكات (القاعدة) في سوريا والمناطق القريبة منها، ذا فائدة استثنائية في المساعدة في تحديد الاستراتيجيات التي من شأنها مساعدة الجماعة على تحقيق نجاحات تبث الثقة».
أما الرجال الأربعة الآخرون الذين أطلقت إيران سراحهم، فيشتبه أيضا بوجودهم في سوريا. وهم عبد الخير المصري، وهو مصري كان يقود مجلس العلاقات الخارجي لـ«لقاعدة»، وأبو القاسم الأردني الذي كان مساعدا لأبو مصعب الزرقاوي، مؤسس التنظيم الذي أصبح يعرف بـ«داعش» فيما بعد، وساري شيباب، وهو عميل أردني، وأبو محمد المصري، وهو مصري ساعد في التخطيط لهجمات «القاعدة» الكبرى قبل 11 سبتمبر (أيلول) 2001، على حد قول مسؤولين أميركيين مطلعين على تفاصيل عملية النقل. وقد اتفقوا على الحديث بشأن هذه المسألة شريطة عدم ذكر أسمائهم للطبيعة السرية للقضية.
ومن غير الواضح كيف ومتى يمكن لـ«القاعدة» أن تؤسس إمارة في سوريا، كما ستزيد موقفها تشددا تجاه جماعات المعارضة الأكثر اعتدالا في البلاد، وتأسست جبهة النصرة في 2012، كفرع لتنظيم القاعدة في العراق. غير أنه في عام 2013، رفضت جبهة النصرة الانضمام إلى البغدادي عندما أعلن تأسيس «داعش»، وأعلنت بدلا من ذلك مبايعة الظواهري في باكستان، وأشعل هذا خصومة دموية في كثير من الأحيان بين مقاتلي «النصرة» و«داعش» في سوريا.
وتسعى القيادة العليا لـ«القاعدة» الآن إلى تعويض خسائرها في باكستان، وشن عملية انقلاب تتعلق بالبروباغندا بتأسيس إمارة رسمية في سوريا، ومع هذا يؤيد فصيل داخل قيادة جبهة النصرة استمرار استراتيجية الجماعة الأكثر براغماتية، التي تعمل على كسب التأييد المحلي.
وقال ليستر في مقابلة: «إن الخلاف الأساسي هو حول المدى الذي ينبغي الاستمرار فيه بشأن استراتيجية (القاعدة) على المدى الطويل، قبل كشف المزيد والمزيد من وجه (النصرة) الحقيقي، وتعزيز السيطرة على الأرض من خلال تأسيس إمارة».
وترفض كثير من فصائل المعارضة السورية التي تقاتل إلى جانب «النصرة» فكرة تأسيس إمارة، وتخشى من أن تفاقم من الانقسام في صفوف المعارضة في مواجهة رئيس النظام السوري بشار الأسد.
وبهذا الصدد، قال فراس أبي علي، وهو محلل رئيسي بمجموعة «آي إتش إس كاونتري ريسك» في لندن: «من وجهة نظر (القاعدة) الدينية، ينبغي أن يحدث إعلان دولة أو إمارة فقط في سياق يكون من الممكن أن تحكم فيه بفاعلية. سيكون من المثير للسخرية لو أعلنت (القاعدة) تأسيس إمارة، بينما هناك خلافة ترفضها».

*خدمة «نيويورك تايمز»



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.