طبيب من حلب يخاطر بحياته لإنقاذ الآخرين

اطباء بلا حدود: ثمة استراتيجية ممنهجة لاستهداف كل ما يدعم الحياة

د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)
د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

طبيب من حلب يخاطر بحياته لإنقاذ الآخرين

د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)
د. محمد معاذ آخر طبيب أطفال في مناطق سيطرة المعارضة بحلب والذي قتل في استهداف مستشفى القدس بغارة من طيران الأسد الشهر الماضي (أ.ف.ب)

يشعر رامي كلازي، وهو طبيب يعمل في مستشفيات مدينة حلب السورية التي عصفت بها الحرب، دومًا بالقلق حيال وظيفته، فقد قُتل كثير من زملائه إما في غارات جوية أو على أيدي قناصة أو خُطفوا على يد شبيحة النظام. ولكن بالنسبة له، لا تكمن الصعوبة في معالجة الجرحى وسط النقص الحاد في المستلزمات الطبية وتحت القصف العشوائي بالطائرات الحربية، بقدر ما تكمن في القلق الذي يتملكه حول مستقبل عائلته.
وعلى الرغم من أن كلازي قد قطع على نفسه عهدا بالاستمرار في عمله المحفوف بالمخاطر، فإن مخاوفه لا تزال في تزايد مستمر حيال ما ستفعله زوجته صبا وابنهما الصغير إذا ما لقي حتفه.
لقد ضاعف القصف، الذي شنه النظام على مستشفى القدس بحلب، من عذابه حين سقط صديقه محمد وسيم معاذ قتيلاً بين القتلى الذين تجاوز عددهم 50. وأغلب الظن أنه كان طبيب الأطفال الوحيد في مدينة حلب التي تسيطر عليها المعارضة. وهنا يقول كلازي، البالغ من العمر 30 سنة، شارحًا «عندما تعمل في مكان محفوف بكل هذا القدر من المخاطر لفترة طويلة، تصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت. ويزداد الأمر صعوبة عندما تكون لديك عائلة وعندما يعتمد الناس عليك».
كلازي طبيب جراح ولد في حلب، وهو من بين عدد ضئيل للغاية لا يتجاوز بضع عشرات من الأطباء الذين آثروا البقاء بالمدينة لمعالجة السكان الذين يعيشون في الأحياء الخاضعة تحت سيطرة الثوار، البالغ عددهم نحو 250 ألف شخص. وراهنا يحاول كلازي جاهدًا من أجل توضيح الضغط الهائل الملقى على كاهل الأطباء العاملين في سوريا، في حلب على وجه الخصوص، التي كانت تُعَد أكبر مدن سوريا قبل أن تفتك بها الحرب الأهلية. وكغيره من كثير من الأطباء الذين يرفضون مغادرة البلاد، يرى كلازي أن عمله في مسقط رأسه مهم من أجل مساندة الثورة ضد بشار الأسد. لكن الصراع قد دخل الآن عامه السادس، مما أرهق كلازي كثيرًا وهو يرى الحصيلة المروعة التي تخلفها الحرب في بلاده.
قبل الحرب الأهلية، كانت سوريا تمتلك قطاعا صحيا لا بأس به، وفقًا للمعايير الإقليمية. أما الآن، فقد حل الدمار بمعظم المستشفيات، كما حصد الموت أرواح كثير من الأطباء والممرضات وباقي العاملين بالمجال الطبي ممن لم يتركوا البلاد هاربين من القتال الدائر الذي خلف ما يزيد على 250 ألف قتيل وشرد الملايين. وحسبما ترى جماعات حقوق الإنسان وعمال الإغاثة، فإن الأطراف المتناحرة كثيرًا ما استهدفت الأطباء بشكل متعمد. لكنهم يتهمون النظام السوري وحلفاءه - وروسيا خاصة، التي تشن غارات جوية ضد الثوار - بشن هجمات ممنهجة مستهدفة الأطباء والمستشفيات في الأحياء المعارضة. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» قُتل ما لا يقل عن 664 طبيبا على يد النظام السوري. كما اتهم التقرير أيضًا القوات الموالية للنظام بشن ما لا يقل عن 288 هجوما مستهدفًا المنشآت الطبية. ولقد زادت الهجمات حدة الأزمة الإنسانية الوخيمة التي تعصف بالبلاد.
من ناحية أخرى، يقول سام تايلور، منسق الاتصالات في الملف السوري بمنظمة «أطباء بلا حدود»، التي قدمت الدعم لمستشفى القدس المستهدف، «تقودنا تلك الهجمات إلى الإيمان بأن ثمة استراتيجية ممنهجة لا تستهدف الأطباء والمنشآت الطبية فحسب، بل أيضًا كل ما من شأنه دعم الحياة اليومية». وبدوره، يقول أحمد طرقجي، رئيس الجمعية الطبية الأميركية السورية، إنه في حلب الآن نحو طبيب واحد لكل عشرة آلاف ساكن. كما يقول إن عدد الأسرة المتاحة في المستشفيات يقدر بنحو 300 سرير، مع نقص حاد في الأدوية، مما يتسبب في حدوث وفيات كان من الممكن تفاديها، بينهم عشرات من الأطفال الذين لقوا حتفهم مؤخرًا متأثرين بمضاعفات التهابات الشعب الهوائية. وفي المقابل، لا تتوافر أي إحصاءات خاصة بالجزء الواقع تحت سيطرة النظام في حلب، على الرغم من استهداف الثوار للمنشآت الطبية به أيضًا، فبعد أيام من قصف النظام لمستشفى القدس، شنت المعارضة هجوما على مستشفى وعيادة نساء في الجزء الواقع تحت سيطرة النظام، متسببين في مقتل ما لا يقل عن ثلاث سيدات.
كلازي، الذي يعمل حتى اليوم في أحد مستشفيات حلب، على الرغم من مواجهته تلك المشكلات، بالإضافة إلى مشكلة انقطاع الكهرباء المزمنة بوصفها أكبر المشكلات التي تواجههم في المدينة، فإنه استطرد قائلا إن التهديد الأكثر شراسة يأتي من أعلى (القصف). ويقول كلازي إن المستشفى التي يعمل فيها قُصفت عدة مرات، ورغم ذلك تماسك المبنى بأعجوبة بشكل يسمح للعدد الضئيل من العاملين بها من أطباء وممرضات بمواصلة العمل هناك. ولكن، جل ما يخشاه كلازي هو قصف البراميل المتفجرة تحديدًا، إذ يقول إنه عندما تلقي الطائرات أو الهليكوبترات براميل النفط المليئة بالمتفجرات والشظايا المعدنية، تصدر صوتًا وكأنها تمزق الهواء إربًا أثناء سقوطها، مضيفًا أن التأثير يكون مزلزلا حرفيًا. ويستطرد «عندما تسمع ذلك الصوت المروع، تتجمد في مكانك لأنك تعرف أنه ما من مكان آمن تستطيع أن تأوي إليه. يهتز كل شيء فجأة وكأنه زلزال وتنطفئ الأنوار. ويكسو الغبار كل شيء. ثم تمضي باقي الوقت باحثًا تحت الأنقاض عما إذا كان أي من زملائك لا يزال على قيد الحياة».
ويصف كلازي حالات الضحايا - التي لا يبدو أنها ستنتهي - وهي تتوافد عبر حجرة العمليات عبر السنين، قائلا إن كثيرا منهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة فور وصولهم للمستشفى، كطفل في عُمر ابنه أحمد الذي لم يتجاوز السنة الأولى من عمره، والنساء الحوامل، وعائلات بأكملها. ويقول بأسى واضح: «لن أنسى ما حييت تلك العائلة التي حضرت إلى المستشفى بعد قصف النظام منزلهم. وكانت العائلة مكوّنة من سبعة أطفال، ووالداهم يكسوهما التراب. وما زلت حتى الآن أتذكر منظر ذلك الرضيع البالغ من العمر ثلاثة أشهر بملابسه الصغيرة المغطاة بالتراب. وقد حاولت ما في وسعي أن أعيدهم إلى الحياة دون جدوى، فقد توفوا جميعًا باستثناء فتاة صغيرة».
قبل سنة، دكت قنبلة منزل عائلة كلازي، على بعد مسافة قصيرة من المستشفى، وكانت زوجته صبا وابنهما أحمد في المطبخ عندما سقطت القنبلة على المنزل، لكنهما أفلتا من الموت على الرغم من تدمير المنزل، ويتذكر كلازي تلك الحادثة قائلا: «ما زلت حتى الآن لا أعرف كيف بقيا حيين، لقد تحطم الأثاث وانهار السقف». وبعد ذلك، انتقلت صبا وأحمد للعيش مع والديها في محافظة إدلب المجاورة.
تعرف كلازي على زوجته صبا في مظاهرة سلمية مناهضة للنظام سارت في حلب عام 2011. ومع تحول الثورة السلمية إلى حرب أهلية، ازداد العنف تجاه الأطباء سوءًا. ووفق كلازي، فقد قبض على كثير من أصدقائه الأطباء بالمدينة، وقتلوا في أماكن الحجز التابعة للنظام. وفي العام الماضي، قُتل صديق له طبيب جراء قصف أصابه أثناء ذهابه إلى العمل سيرًا. وعلى الرغم من تقليص الهدنة المؤقتة التي شملت جميع أراضي سوريا مؤخرًا، فإن القوات التابعة للنظام على وشك تطويق حلب بالكامل. وجدير بالذكر أن ثمة طريقا واحدة تربط القوات المعارضة داخل المدينة بالخارج، فإذا تمكن النظام من السيطرة على المدينة ستنقطع صلة كلازي بعائلته التي يزورها في إدلب لمدة أسبوع كل شهر. وبحسرة، يقر الدكتور كلازي: «عندما أعود إلى حلب، أشعر وكأنني أودع صبا لآخر مرة. وإن تمكن النظام من السيطرة على تلك الطريق وأنا هنا، فقد لا أتمكن من رؤيتها مجددًا».
* خدمة واشنطن بوست
خاص بالشرق الأوسط



الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

TT

الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

يؤمن سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، بأن «حضرموت انتصرت لذاتها»، وأن ما جرى فيها خلال ديسمبر (كانون الأول) 2026 ومطلع يناير (كانون الثاني) 2026 مثّل لحظة فاصلة استعاد فيها الحضارم حقهم في حماية هويتهم ومنعوا أي مشروع سياسي يسعى لتذويب «الذات الحضرمية» تحت شعارات الوافدين.

ونصح الخنبشي الحكومة اليمنية الجديدة التي يقودها الدكتور شائع الزنداني بالابتعاد عن الحزبية، ورفع الأداء، ومكافحة الفساد، وذلك خلال حوار مع «الشرق الأوسط بودكاست»، في حلقة سُجلت في الرياض يوم التاسع من فبراير (شباط) 2026، قدّم في ثناياها روايته لما حدث، واضعاً العملية في سياق «استلام المعسكرات» وليس «إشعال حرب»، ووسع النقاش صوب ما يراه أولوية المرحلة: تثبيت الاستقرار، وتحريك التنمية، وفتح الباب أمام استثمارات حضرمية طال انتظار عودتها إلى الداخل.

يحررونا من ذاتنا؟

في توصيفه لنتائج المواجهة، يرفض النائب اختصار الصورة فيمن ربح ومن خسر، ويرى أن الانتصار الحقيقي تحقق حين رفض أبناء حضرموت فكرة أن يأتي أحد ليقول «جئنا لنحرركم»، متسائلاً: «تحررون مِن مَن؟ مِن ذاتنا؟». ويؤكد أن المحافظة بتاريخها الممتد «آلاف السنين» لا يمكن أن تُفرض عليها هوية أخرى، مسجلاً تقديره لمن وقفوا دفاعاً عن هذه الخصوصية، وموجهاً في الوقت نفسه شكراً صريحاً للمملكة العربية السعودية، قيادةً ودوراً، بصفتها - وفق حديثه - كانت لاعباً أساسياً في احتواء أحداث الشهر الماضي.

وعن لحظة تكليفه محافظاً في توقيت بالغ الحساسية، يروي الخنبشي أنه كان مقيماً في حضرموت ولم يغادرها إلا للضرورة، قبل أن يتلقى اتصالاً من الرئيس رشاد العليمي، ومن جهات بينها مسؤولون سعوديون وزملاء في مجلس القيادة، يطلبون منه تحمل مسؤولية المحافظة «لأننا في حاجة إليك». حاول الاعتذار، لكنه قبل المهمة تحت ضغط «الضرورة»، مؤكداً أنه ابن حضرموت وعاش فيها معظم حياته، وأنه قَبِل المنصب وهو يدرك ثقل المرحلة وتعقيداتها.

تزداد الصورة ثقلاً حين ينتقل الخنبشي إلى الحديث عن أدواره المتلاحقة: محافظاً، ثم قائداً لقوات «درع الوطن» في حضرموت، ثم عضواً بمجلس القيادة بمرتبة نائب رئيس. كما يقدّم عملية يناير بوصف تسميتها «معركة استلام المعسكرات» عمداً؛ حتى لا تُفهم بوصفها استهدافاً لمجتمع مدني أو بحثاً عن تصفية حسابات.

يقول الخنبشي إن هاجسه كان تجنيب حضرموت معارك الشوارع، وحماية الأعيان المدنية وتقليل الخسائر البشرية، ووصف العملية بأنها «سريعة وخاطفة» وبعدد محدود من الضحايا.

تأمين المنسحبين... ومخرج سياسي

عند سؤاله إذا كانت العملية العسكرية في حضرموت انتهت بانتقام من الخصوم، يحرص الخنبشي على نفي ذلك، مشيراً إلى أنه جرى تأمين خروج المنسحبين وعدم تعريضهم لأي مضايقات عسكرية أو جماهيرية، ويقول: «وجهنا بعدم التعرض لأي شخص كان في المجلس الانتقالي، سواء كان عسكرياً أو مدنياً»، لكنه يوضح في المقابل أنه اتخذ قرارات بإقالة بعض القيادات الأمنية والعسكرية التي اتهمها بالضلوع في أعمال نهب للأسلحة والذخائر أو أداء سلبي، وأنها ستُحال للمساءلة وفق ما ارتكبته بحق المحافظة.

وبين هذا وذاك، كرر الخنبشي رسالة يريد لها أن تُفهم على نطاق واسع: «حضرموت تتسع للجميع»، داعياً إلى سلوك مدني يبتعد عن التحريض، وحذّر من مسيرات يرى أنها تستهدف السلم الأهلي وتستفز المشهد المحلي.

ودعا الخنبشي إلى انتهاج السلوك المدني من دون التحريض، مستدلاً بتجمعات خرجت مطلع فبراير 2026 في سيئون؛ إذ ألمح إلى أنها لم تكن عفوية، وقال: لدينا ما يثبت أن هؤلاء مدفعون، ونريدهم ألا يضطرونا إلى اتخاذ إجراءات فيها نوع من القوة الجبرية لمن يريد ممارسة هذه الأعمال، فنحن ما زالنا في حال طوارئ، ومن الممكن اتخاذ كل الإجراءات».

وفي سياق المخرج السياسي الأوسع، يتحدث الخنبشي عن تحركات لعقد لقاء حضرمي موسع في السعودية يضم المكونات السياسية والاجتماعية، بمن فيها حضارم من المجلس الانتقالي؛ بهدف إعداد رؤية موحدة باسم حضرموت تُقدم إلى مؤتمر الحوار الجنوبي. ويشير إلى أن لجنة تحضيرية شُكلت في المكلا لصياغة موقف يعكس «كل القوى المجتمعية والسياسية» في المحافظة، مع رغبة موازية في تمثيل صوت المغتربين الحضارم ضمن رؤية واحدة.

الكهرباء والاستثمار

تتربع الكهرباء على ملف الخدمات وفقاً لإجابة المحافظ؛ إذ وضعها على رأس الأولويات، موضحاً أن احتياجات الساحل والوادي تختلف، لكن العنوان واحد: طاقة لا تفي بالطلب، خصوصاً في الصيف، حيث الرطوبة والحرارة في الساحل، والمناخ الصحراوي القاسي في الوادي. ويتحدث عن مشاريع دعم لتوليد 300 ميغاواط للساحل، ومشاريع أخرى للوادي، إلى جانب مقترحات لمحطات تعمل بالغاز، وخيارات للطاقة الشمسية يطرحها القطاع الخاص بقدرات قد تصل إلى 150 ميغاواط. ويرى أن الحل المتوسط لا يغني عن مشروع استراتيجي طويل المدى لمحطة غازية كبيرة قادرة على تغطية حضرموت مستقبلاً.

ومن الطاقة ينتقل إلى الاستثمار بصفته الوجه الآخر للاستقرار. يعدد الخنبشي فرصاً يراها واعدة: السياحة، والعقار، وتصدير الجبس ذي النقاوة العالية، ومعادن محتملة، والفحم الحجري في مناطق محددة، والرمال السوداء والعناصر الثقيلة، والثروة السمكية، مع فكرة الاستزراع السمكي. ويستعيد مشاركته في مؤتمر استثماري حضرمي، داعياً رجال الأعمال إلى أن يوازنوا بين استثماراتهم الخارجية وبين الاستثمار في حضرموت، مع وعد بتقديم تسهيلات وبيئة جاذبة.

وفي الشأن الحكومي، يصف الخنبشي النقاشات التي سبقت تشكيل الحكومة الجديدة بأنها ركزت على محددات الكفاءة والخبرة والتوازن الجغرافي، مع رفض مبدأ المحاصصة. ثم يقدم ثلاث نصائح يضعها في صلب اختبار الحكومة: الابتعاد عن «الأنا» والانجرار الحزبي، مكافحة الفساد المستشري في مفاصل وزارات عدّة، ورفع مستوى تحصيل الموارد وتوريدها إلى البنك المركزي، خصوصاً في الوزارات الإيرادية. ويتوقف عند فكرة تنظيم العلاقة المالية بين المركز والمحافظات وفق قانون السلطة المحلية، معتبراً أن تطبيقه بصرامة يخفف كثيراً من الإشكالات المزمنة.

ويستدعي الخنبشي تجربة حضرموت مع الموارد النفطية قبل تعطل تصدير النفط، مشيراً إلى أن المحافظة كانت تحصل على 20 في المائة من قيمة النفط المصدّر، وتستخدمه في مشاريع تنموية كالكهرباء والطرق والصحة والتعليم، قبل أن يتوقف هذا المورد بعد استهداف الحوثيين لمنشآت التصدير.

«لا حواجز مع السعودية»

في تقييمه للدعم التنموي السعودي، يربط الخنبشي بين الإغاثة والإعمار بوصفهما نافذة واحدة لتمكين اليمن من تجاوز أزمته، مشيراً إلى حزم مشاريع في الكهرباء والطرق والخدمات الصحية وغيرها داخل حضرموت.

يضع النائب ذلك في سياق علاقة يصفها بأنها متداخلة يصعب الفصل فيها بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مستحضراً الحدود الممتدة والقبائل المشتركة والامتدادات الثقافية، ليخلص إلى أنه لا يمكن إقامة «حاجز» بين حضرموت والمملكة.

وعن أكثر موقف علق في ذاكرته خلال 48 ساعة من العملية، يعترف الخنبشي بأنه كان يخشى عدم خروج القوات بسهولة وما قد يترتب على ذلك من دمار وضحايا، قبل أن تنتهي العملية في وقت قياسي وبخسائر محدودة. ويقول إن هذا هو ما سيظل يعتز به: أن حضرموت نجحت في تفادي الاقتتال الداخلي. وفي رسالته إلى الحضارم، يدعو إلى التكاتف وترك أسباب الشقاق وتغليب الأمن والتنمية، مع وعد بأن اتساع دائرة الاستقرار سيقود إلى «عهد تنموي زاهر» ينعكس على حياة الناس في المحافظة.


«درع الوطن» تعزز قبضتها الأمنية في حضرموت

مدفع هاون كان ضمن شحنة الأسلحة المهربة التي ضُبطت في المكلا (إعلام محلي)
مدفع هاون كان ضمن شحنة الأسلحة المهربة التي ضُبطت في المكلا (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزز قبضتها الأمنية في حضرموت

مدفع هاون كان ضمن شحنة الأسلحة المهربة التي ضُبطت في المكلا (إعلام محلي)
مدفع هاون كان ضمن شحنة الأسلحة المهربة التي ضُبطت في المكلا (إعلام محلي)

بعد أيام قليلة من إعلان ضبط شحنة أسلحة في محافظة حضرموت شرق اليمن، تمكنت الفرقة الثانية التابعة لقوات «درع الوطن» من إحباط محاولة تهريب جديدة، عبر ضبط شحنة إضافية من الأسلحة المتنوعة كانت مخبأة بإحكام على متن شاحنة غرب مدينة المكلا، في عملية أمنية وصفت بأنها تعكس تصاعد مستوى الجاهزية الأمنية في المحافظة خلال الفترة الأخيرة.

وبحسب مصادر أمنية، فقد اشتبهت نقطة تفتيش تابعة لقوات «درع الوطن» بإحدى الشاحنات أثناء مرورها في الجهة الغربية من مدينة المكلا، ما دفع أفراد النقطة إلى إخضاعها لتفتيش دقيق. وأسفر التفتيش عن العثور على مدفع هاون وقاذف «آر بي جي» إضافة إلى أسلحة أخرى، كانت مخفية وسط حمولة من القش في محاولة للتمويه وتجاوز الإجراءات الأمنية.

وأوضحت المصادر أن سائق الشاحنة أوقف فور اكتشاف الشحنة، قبل أن يتم احتجازه وإحالته مع المركبة والأسلحة المضبوطة إلى الجهات المختصة لاستكمال التحقيقات، في إطار الإجراءات القانونية المتبعة لكشف ملابسات العملية وتحديد الجهات المتورطة فيها.

جزء من شحنة الأسلحة المضبوطة في ساحل حضرموت (إعلام محلي)

وأكدت المعلومات الأولية أن الشاحنة كانت تحمل كمية من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وقد جرى اعتراضها في منطقة الإنشاءات الواقعة خلف رئاسة جامعة حضرموت، حيث أثارت حمولتها شبهات عناصر النقطة الأمنية، التي بادرت إلى توقيفها وإجراء تفتيش شامل أفضى إلى ضبط الشحنة بالكامل.

وأشارت المصادر إلى أن قوة أمنية متخصصة تسلمت السائق والمضبوطات لمواصلة التحقيقات، بهدف تحديد مصدر الأسلحة ومسار تهريبها والجهة التي كانت موجهة إليها، تمهيداً لإحالة القضية إلى القضاء.

ارتياح رسمي وشعبي

وصفت السلطة المحلية في حضرموت العملية بأنها إنجاز أمني جديد يضاف إلى سلسلة النجاحات التي حققتها قوات «درع الوطن» منذ انتشارها في المحافظة، مشيدة بيقظة منتسبيها ومستوى الحس الأمني الذي حال دون مرور الشحنة إلى وجهتها.

وأكدت أن نقطة الشقين تُعد من أبرز النقاط الأمنية على الشريط الساحلي الغربي لمدينة المكلا، وتمثل خط الدفاع الأول في مواجهة عمليات تهريب الأسلحة والذخائر، مشيرة إلى أن النقطة تمكنت خلال فترة وجيزة من ضبط عدة شحنات مماثلة، الأمر الذي يعكس دورها المحوري في حماية الأمن والاستقرار.

قذائف كانت ضمن شحنة الأسلحة التي ضُبطت في المكلا (إعلام محلي)

وأبدى سكان في مدينة المكلا ارتياحهم للأداء الأمني خلال الأسابيع الماضية، معتبرين أن العمليات المتكررة لضبط الأسلحة تعكس تحسناً ملحوظاً في مستوى السيطرة الأمنية، وتؤكد تنامي قدرات الأجهزة المختصة في مواجهة شبكات التهريب ومنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه العمليات يعزز الثقة المحلية بالإجراءات الأمنية، خصوصاً في ظل الجهود المبذولة لحماية المدن والمنافذ الحيوية وترسيخ حالة الاستقرار، إضافة إلى الحد من تدفق السلاح غير المشروع الذي يمثل أحد أبرز التحديات الأمنية في المناطق الساحلية.

توقيف مطلوبين

في سياق أمني متصل، أعلنت وزارة الداخلية اليمنية أن أجهزة الشرطة في المحافظات المحررة تمكنت من ضبط 52 متهماً ومشتبهاً به على خلفية قضايا جنائية مختلفة وقعت الثلاثاء الماضي، وذلك وفق التقرير اليومي الصادر عن غرفة القيادة والسيطرة.

ووفق الإحصائية الرسمية، بلغ عدد الجرائم والقضايا الجنائية المسجلة 39 قضية، توزعت بين 10 جرائم إيذاء عمدي جسيم وغير جسيم، و5 جرائم سرقة، و4 قضايا سبّ وشتم، إلى جانب 3 جرائم خيانة أمانة، فضلاً عن تسجيل جريمتين في كل من قضايا النصب والاحتيال والتهديد والإضرار بمال الغير والإضرار بالمال العام.

كما سجلت البيانات جريمة واحدة في كل من القتل العمد، وقضايا المخدرات، والتحرش، وتشويه السمعة، وهتك العرض، والتزوير، والتهريب، والتحرش الجنسي.

وأكدت وزارة الداخلية اليمنية أن المتهمين جرى احتجازهم وفق الإجراءات القانونية تمهيداً لإحالتهم إلى النيابة العامة لاستكمال المسار القضائي.


العليمي يتمسّك باحتكار الدولة السلاح بعيداً عن الميليشيات

العليمي يستقبل في الرياض وفداً أميركياً (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض وفداً أميركياً (سبأ)
TT

العليمي يتمسّك باحتكار الدولة السلاح بعيداً عن الميليشيات

العليمي يستقبل في الرياض وفداً أميركياً (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض وفداً أميركياً (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أن إعادة بناء التعددية السياسية تمثل المدخل الأهم لمنع احتكار السلطة، واستعادة الدولة، مشدداً على أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من صراع السلاح إلى التنافس عبر البرامج الوطنية والمؤسسات الدستورية.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض وفداً من «المعهد الديمقراطي الأميركي» برئاسة المدير الإقليمي لشمال أفريقيا والشرق الأوسط جيفري إنغلند، حيث ناقش الجانبان آفاق إعادة تنشيط الحياة السياسية في اليمن، ودعم مسارات التحول الديمقراطي خلال المرحلة الانتقالية.

وأوضح رئيس مجلس الحكم اليمني أن الحرب التي فجَّرها الحوثيون لم تخلّف أزمة سلطة فحسب، بل أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة الضامنة للعملية السياسية، وهو ما تسبَّب في تراجع العمل الحزبي وتآكل المجال العام، مؤكداً أن التحدي المركزي اليوم يتمثَّل في إعادة بناء هذا المجال على أسس حديثة تستند إلى المشارَكة والتنافس السلمي.

العليمي شارك أخيراً في «مؤتمر مينونيخ للأمن» (أ.ف.ب)

وأشار العليمي إلى أن مجلس القيادة الرئاسي يعمل على إعادة تفعيل مؤسسات الدولة في الداخل، بالتوازي مع انتظام عمل الحكومة من العاصمة المؤقتة عدن، إضافة إلى خطوات تهدف لتوحيد القرارين العسكري والأمني تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لإنهاء تعدد مراكز النفوذ واستعادة فاعلية الدولة.

وأكد أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على احتكار الدولة للسلاح، واستقلال القضاء، وصياغة دستور جديد يستوعب المتغيرات التي فرضتها سنوات الصراع، ويضمن العدالة وسيادة القانون وعدم الإقصاء أو التهميش.

كما شدَّد العليمي على ضرورة مرافقة المسار السياسي بإجراءات لنزع السلاح المنفلت وتفكيك التشكيلات العسكرية الموازية وتجريم الأفكار السلالية والعنصرية في الدستور والقانون.

وأضاف أن بناء نظام ديمقراطي تعددي لا يمكن أن يتحقَّق في ظل وجود مشاريع سياسية مسلحة تؤمن بأحقيتها في حكم المجتمع خارج قواعد الدولة، محذراً من أن أي تهدئة لا تعالج جذور الصراع ستظل هدنةً مؤقتةً قابلةً للانفجار.

فرص الاستقرار

تطرَّق رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي برعاية السعودية، مجدداً اعتراف قيادة الدولة بعدالة القضية الجنوبية والتزامها بالعمل على حل منصف يبدأ بمعالجة المظالم ضمن مسار قانوني ومؤسسي يضمن عدم تكرارها.

وأعرب العليمي عن ثقته بقدرة القوى الجنوبية على إدارة حوار منظم ومسؤول يغلّب المصلحة العامة ويمنع احتكار التمثيل السياسي، مع دمج مخرجاته ضمن عملية سياسية وطنية شاملة.

انقلاب الحوثيين تسبب في مقتل أكثر من 300 ألف يمني (إ.ب.أ)

كما أشار إلى أن الشراكة المتنامية مع السعودية تمثل فرصة استراتيجية لدعم الاستقرار وحماية مؤسسات الدولة، مؤكداً أن استقرار اليمن بات جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي.

وأكد تطلع القيادة اليمنية إلى مزيد من الدعم في برامج بناء قدرات الأحزاب السياسية، وتطوير الإصلاحات القانونية والانتخابية، وصياغة دستور جديد يواكب مرحلة ما بعد الحرب، مشيراً إلى أن التفكير بمرحلة السلام يجب أن يبدأ بالتوازي مع إدارة الصراع.

وأكد العليمي أن الحرب لن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن إرادة اليمنيين قادرة على تجاوز التحديات وصناعة سلام مستدام يعيد للدولة مؤسساتها ويؤسِّس لمرحلة استقرار وتنمية طويلة الأمد.