الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

من الصحافة الورقية إلى التلفزيون حرص على التوازن ونقل وجهة النظر الأخرى حتى لو كانت جدلية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية
TT

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

هو حالة خاصة، وقصة جديرة بالاهتمام في الإعلام السعودي، والعربي عموما.. قبل أيام صعد إلى منصة التكريم كشخصية العام الإعلامية، في منتدى الإعلام العربي، في دورته الخامسة عشرة، الذي ينظمه نادي دبي للصحافة. وإن تأخر تكريمه، لكنه حضر، فهو شامخ الجيل الحالي، ورابط بين جيلين إعلاميين، وأجيال.. أخرى قادمة.
ثلاث محطات رئيسية في مسيرة الراشد الإعلامية «المجلة» الأسبوعية و«الشرق الأوسط» اليومية ثم قناة التلفزيون الإخبارية في كل منها أسهم بقدر ملحوظ في تغيير قواعد اللعبة الإعلامية، وهو دائما كان مع التوازن وتقديم وجهتي النظر إلى المتلقي العربي حتى لو أثار حفيظة البعض الذين اعتادوا أن يكون الإعلام العربي في قالب معين. يعرف الراشد أهمية الإعلام وهو الذي قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) 2008 إن التلفزيون هو من جعل أسامة بن لادن نجما وكان يشير إلى الشرائط التي كانت تتنافس تلفزيونات على إذاعتها وساهمت قي جذب مجندين لـ«القاعدة». غير الراشد قواعد اللعبة فحتى المنافسون توقفوا عن استخدام تعبيرات المقاومة على كل من يحمل سلاحا واستخدموا تعبير مسلحين ولم يعد كل من يقتل شهيدا وحرص على إبراز التكلفة الإنسانية للإرهاب من خلال برنامج صناعة الموت في «العربية».
طبعه الشخصي هادئ لكنه لا يخشى إثارة الجدل مثلما يفعل دائما في مقالاته الشهير بـ«الشرق الأوسط». حرص رغم أعباء منصب إدارة قناة إخبارية على الاحتفاظ بزاويته المكتوبة في «الشرق الأوسط» التي خاض معها بامتياز وتألق في معارك تغطية أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وحرب العراق في 2003 ودخولها كأول صحيفة عربية تطبع هناك ومعركة انتخابات الرئاسة بين بوش وآل جور حيث قامت الصحيفة بطبعة ثانية في وقت متأخر في زخم هذه الأحداث.
قال في مقاله بعد تكريمه بشخصية العام: «يجب علي الاعتراف بأن الجائزة لا تخصني وحدي، لأن كل ما حققته كان عملا جماعيا، سواء في المطبوع أو التلفزيوني أو الوثائقي أو الرقمي والتواصلي (..) والمعارك التي خضتها بعضهم دفع حياته لها، تغمدهم الله برحمته. لم تكن وظيفة روتينية ولم نكن في منافسة مهنية محترمة». من زاملوه يعلمون مدى عشقه لهذه المهنة، التي أصبحت مكوّن عائلته الأول، إذ إن ارتباطه بساعات العمل، ليس بالجسد فقط، لكنه يدق أبوابه مع افتتاح عينه في صباحات الزمن، وتنتهي مع إسدال ستار الجفون على عين الخبير، فهو المراقب جسدا وتقنيا عبر أجهزة الاتصال والمشاهد من خلال أعين وآراء المشاهدين، عاملا لمهنته وصالحها، بما يتجاوز 15 ساعة يوميا، سواء في مجلته، أو صحيفته، أو قناته، أو منتجاته.

* ماركة إعلامية
عبد الرحمن بن حمد الراشد، بثنائية الاسم (عبد الرحمن الراشد)، ماركة إعلامية سعودية، تشبه علامات الجودة في المنتجات، فصنعه فريد، ورسالته عميقة. يقول أحد العارفين عنه بمطبخ قناة «العربية» التي عُرف بها متوهجا, هو «أشبه بمبدأ اجتماعي أو سياسي، هو كالديمقراطية والتنوير مثالين، ينبغي أن يكافح الإعلاميون لوضع منهجه أسلوب عمل وحياة مهنية».
عبد الرحمن هو أحد الراشدين في إعلام السعودية، وأهمهم، يتجاوز بحر الخمسين من عمره، ولا يعرف في تاريخه إلا تفوقه، ولد في وطنه المملكة العربية السعودية، وتتلمذ، ومارس العمل الصحافي من داخل المدرسة، ومتعاونا لاحقا في صحيفة «الجزيرة» السعودية، قبل أن يصعد بحماسته وطموحه إلى موجة التميز العالية.
عايش هموم الصحافيين السعوديين، وتعنّت قطاعات عدة في مراحل تنمية سعودية كان أولى أن تحظى بجناح إعلامي يحلق بها، كان يصارع من أجل تصريح من مسؤول، حاملا مسجله الصغير لعل ما يقال يشفع له أن ينشر، لكنه كان يتوق إلى شيء آخر، إلى تميز يكسر رتابة العمل الإعلامي آنذاك، فانطلق نحو الولايات المتحدة الأميركية في العام 1980. وفيها عمل مراسلا لصحيفته «الجزيرة»، ثم مديرا لمكتبها في واشنطن، وطوال الأعوام الخمسة التي قضاها هناك في دراسة «الإنتاج السينمائي»، لاحظ من قرب هدير الآلة الإعلامية والانفتاح المعلوماتي في العمل الصحافي، للبحث في مهنة الحقائق (الصحافة) فكأن شيئا من بذوره عرفت حقولها التي تتوق إليها.
يقول عثمان العمير، ناشر صحيفة «إيلاف»، ورئيس تحرير «الشرق الأوسط» الأسبق، واصفا عبد الرحمن الراشد: «هو رفيق عمر، وإن كنت أكبر منه سنا، وكان لي الشرف في ترافقنا بصحيفة (الجزيرة)، انتقلت إلى لندن، وهو انتقل إلى واشنطن، وأصبح مسؤولا للجريدة في واشنطن، وأنا في لندن»، يقول العمير في سؤال لي «أتعلم مالغريب؟.. أنا والراشد نختلف كشخصين بشكل غير عادي في العادات والتصرفات والمواقف، لكننا نتفق في الصداقة والاحترام والمحبة بيننا، وكنا نتراسل في ذلك الوقت بين عاصمتين»، ويضيف: «حين أُبعد خالد المالك عن صحيفة (الجزيرة)، تضامننا معه وأضربنا أنا والراشد إضرابا صامتا، لكن تم إبقاؤنا في مناصبنا رغم أننا لم نتعاون بشكل إيجابي مع القيادة الجديدة».
* من واشنطن إلى لندن.. مرحلة «المجلة» الذهبية
حزم الراشد حقائبه نحو لندن، لأن العمير الذي سبقه وأصبح رئيسا لتحرير «المجلة» أتاح له الفرصة الذهبية، بعد أن تسلح بكل المعرفة الثرية للصحافة من بلاد أميركا، التحق بالعمل في العام 1985 في مجلة «المجلة» التابعة للشركة السعودية للأبحاث والنشر من لندن نائبا لرئيس التحرير، وشهد عصرا مميزا للمجلة العربية الرائدة، كانت «المجلة» الأسبوعية معقدة العمل، يقول الراشد في حديث خلال تجمع إعلامي كان ضيفه «(المجلة) جهد عمل أسبوعي كانت تمثل تحديا كبيرا لأن القارئ المتجه لشرائها عليه أن يجد محتوى مختلفا يستحق عناء الشراء؛ لأنها بحاجة إلى موضوعات شاملة وعناوين متنوعة وفقا لتبويبها وزمنها».
وبعد عامين في «المجلة» أصبح رئيسا لتحريرها ومكث فيها قرابة عشرة أعوام، حاور خلال تسنمه رئاسة التحرير عددا من الزعماء والسياسيين الكبار، ولعل حواره مع الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، أحد الحوارات البارزة، استنطق الراشد مبارك، وكان الحوار في العام 1989 بعد انقلاب عسكري أطاح بالصادق المهدي من سدة رئاسة السودان، البلد المجاور لمصر، حينها كان هناك عنوان بارز قاله مبارك للراشد «لن أعمل من جمال مبارك وليّا للعهد» وفي هامش الحوار كتب الراشد عن الرئيس مبارك: «هذا الرجل ذو القفازات الحريرية تمكن من ضبط مقاليد الأمور المحلية، رغم محاولات تصعيدها من قبل جماعات متطرفة، وتمكّن من وضع بلاده في المحور بعد أن كانت في الطرف، فأعاد للمنطقة توازنها الطبيعي». قال العمير: «أنا مؤمن بالراشد وقدرته كثيرا، لم يكن في ذهني سوى الراشد ليشاركني المهام، وبيننا ولم يكن هناك رئيس ومرؤوس بل كنا نتشارك وساهم هذا الراشد في تحقيق إنجازات كبيرة، وفتح نافذة أجنبية، وهو من استقطب، إدوارد سعيد، ليكتب لأول مرة في صحيفة عربية».

* المرحلة «الخضراء»
«كنتُ واثقا بالراشد، أن يضيف نجاحات لـ(«الشرق الأوسط»)» هكذا قال عثمان العمير وهو يودع صحيفته بعد أحد عشر عاما في رئاسة التحرير، ليسلمها لسنوات مثلها لعبد الرحمن الراشد، قال العمير إن بنية «الشرق الأوسط» قوية، بنيت من خلال أشخاص متعددين كمؤسسة قائمة بذاتها، ضامة لكافة المشارب والأطياف في العالم العربي من كل الاتجاهات دينية أو قومية أو ليبرالية، ومعظم كبار الصحافيين هم خريجو «الشرق الأوسط»، أكد على أنه رئيس تحرير ناجح جاء إلى الصحيفة في قمة مجدها لكنه أضاف لها مجدا ونفسا مميزا.
كان ذلك في العام 1998 حيث تبوأ عبد الرحمن الراشد، رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» تاركا العمل الإنتاجي الأسبوعي في «المجلة» نحو العمل اليومي، فحافظ على أسلوب وشخصية الصحيفة التي تركها سلفه ورفيق دربه، عثمان العمير، يميل الراشد إلى الإيجاز حتى في تقارير وأخبار وعناوين «الخضراء» كما في مقالاته، وجاءته الانتقادات بسبب ما اعتبره طيفا من قراء الصحيفة أنه قلل حضور الصفحات الثقافية، لكنه رغم ذلك لم يدخل سجالات الصحافة، وتمسك بتميز الصحيفة رغم عواصف الانتقادات التي طالتها خلال فترة الغزو الأميركي- البريطاني على العراق في العام 2003.
حافظ الراشد على استمرارية سهم «الخضراء» صاعدا ونابضا، وصنع في العام 2000 أبرز وأكثر الحوارات سخونة، مع رئيس النظام السوري اليوم، بشار الأسد، توقيت الحوار حين كان بشار الأسد، دون مسمى أو صفة تعريفية له في حياة والده الرئيس حينها، حافظ الأسد، حيث حاوره الراشد قبل وفاة والده بخمسة أيام، ونشره بعد يوم واحد فقط من وفاة الأسد الأب، فغضبت عليه سفارة دمشق في لندن، رغم تنويهه أن المقابلة أجريت سابقا من وفاة حافظ، لكن الراشد اقتنص بشار في الحوار، لعلمه أنه كان لاعبا في ظروف مرض والده، وبشار حينها في منتصف الثلاثينات من العمر.
كان حوار بشار قبل رئاسته، في محيط الأحداث، يجيب وكأنه الرئيس، قال للراشد الذي ظل مصرا على مسألة الوجود السوري في لبنان آنذاك، ومتى سينتهي فرد بشار: «حين ترى السلطة الشرعية اللبنانية أن الظروف باتت ملائمة لكي يستمر لبنان معافى من خلال قواه الذاتية، وتعلم سوريا بذلك فعندها ستقوم القوات السورية بالعودة إلى مواقعها الأساسية في بلادها»، وقال بشار حينها للراشد الشرس في الدوران حول السؤال، عما يسمى «حزب الله» بحكم علاقته بنظام دمشق يجيب بشار موجزا: «حزب الله لن يكون بديلاً عن الدولة اللبنانية».
وبعد عشرة أعوام على ذلك الحوار، ومع بدء انتفاضة شعبية ضد بشار الأسد في مارس (آذار) 2011. دوّن الراشد مقالا له هنا عنونه بـ«10 سنوات من لقاء بشار» قال عبد الرحمن إنه التقاه في أوائل العام 2011 لكن الراشد لمس معاداة بشار الأسد له، وخاصة بعد اغتيال رفيق الحريري، وشعر كذلك بخطورة النظام السوري، وانتهى الراشد في مقاله إلى قناعة عن بشار الأسد «كان الانطباع العام أن بشار في داخل دائرة الحكم لكنه لا يحكم، وأن هناك داخل العائلة ومحيطها من يقرر. هذه القناعة تولدت عند كثيرين بسبب الفارق الواضح بين ما كان يقول ويحدث (..) وقناعتي أن بشار إن لم يكن صاحب القرار الأول فهو صاحب القرار الأخير» بعد أن فشلت كل عناوين إصلاحه السياسي والاجتماعي، ليعود عبد الرحمن الراشد إلى الجزم والتأكيد بعد أشهر من اشتداد الثورة الشعبية على بشار إلى القول: إن نظام بشار واحد من أقسى الأنظمة في العالم وأشدها قمعا على مدى أربعين عاما، مذكرا بمشهد مقارب - وكأنها رسالة إلى الأسد - ما انتهى به حال القذافي.

* نكهة يومية في التحليل السياسي
الكتابة السياسية عند عبد الرحمن الراشد فنّ، لا مقال سياسي فحسب، بل ينتج العمل الفني المبسط للقارئ الصغير والكبير، يفهمه الكثيرون، يمارس فيها أدوارا لا يطبقها إلا الراشد فأضحت أسلوبا «راشديا»، يلقي الضوء على فكرته بموجز مقالي لا يتجاوز غالبا الثلاثمائة كلمة، يقول عن الكتابة إنها تمرين رياضي يومي له، فكان من ضمن رؤساء التحرير النادرين الذين مروا على رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» ويكتب مقالا فيها، واستمر منذ ما يقرب من عشرين عاما على كتابة النثر المقالي، ولم يكن من المثمر لقرائه توقفه ويصفه عدة بأنه «الكاتب الأعظم في الصحف العربية».
عثمان العمير، يحكي قصة بداية كتابة الراشد في عمود صحافي في «الشرق الأوسط»: «لست مع أن يكون رئيس التحرير كاتبا، لكن الراشد جمع بينهما ونجح، وكان ذلك عبر الناشرين هشام ومحمد علي حافظ» فيستذكر العمير أن الناشرين طلباه إلى مكتبهما وطلبا مشورته: نريد أن يكون الراشد كاتبا في «الشرق الأوسط» وهو حينها رئيسا لتحرير «المجلة»، وذلك بعد وفاة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، وقالا إنهما يعتقدان «أن الراشد سيكون أحمد بهاء الدين في كتابة العمود الصحافي»، يقول عثمان: أيدتهما، وبدأ العمود في عهدي، ويحكي أن الراشد يؤكد له طوال معرفته به، قوله: إنه «يفضل أن يكون كاتبا على أن يكون رئيس تحرير، هو متشبع بتلك الفكرة».
يصفه، جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة «عكاظ» السعودية، بـ«العازف» إن كتب وإن وقف في صالة التحرير، وصاحب مبدأ لم يتغير طوال العقود الماضية، وأضاف الذيابي أن ما يميز عبد الرحمن الراشد، أنه غير متسرع في الحكم ومُجيد في قراءة ما بين السطور، وغير مزيف للتاريخ، معتبرا كتاباته كالمعادلة الرياضية، وصاحب مبدأ ولم يتغير طوال السنوات الماضية منذ ثلاثة عقود، يقدم السهل الممتنع وليست مسطحة، وبسيطة على القارئ العادي، وغير سطحية، وأن آراءه حقيقية على الأرض، معتبرا إياه بالكاتب السياسي الأول الذي لا يستطيع أي محلل أن يقترب من منصة عبد الرحمن الراشد الكتابية.

* «العربية».. موسم الدخول إلى الحلبة
هنا قناة وليدة كانت على عتبة حدث إقليمي مهم، قناة إخبارية تولد قبل أيام من الغزو الأميركي- البريطاني للعراق في العام 2003. حينها لم يكن الراشد قد تسلم مهمته بعد، جاء بعد أكثر من عام ليبدأ مهمة التحدي أمام المشاهد العربي، بعد أن استأثرت قناة «الجزيرة» القطرية بالمشاهد العربي من خليج إلى محيط، وككرة القدم، لا تستطيع الانتصار إلا بالمواجهة ودوام المنافسة؛ لا يستسيغ عبد الرحمن الراشد أن يقف في حلبة المصارعة بين المتفرجين أو هتّافا من وراء الحبال، بل كان واثبا إلى الساحة.
قصة «العربية»، التي أتاها وهي لا تزال تجمع بعض بنيتها وتؤسسها وتبني هيكلتها الإدارية البشرية وبعض برامجها، جاءها بعد فترة قصيرة من تولي وزير الإعلام الأردني الأسبق، صالح القلاب، مهمة البدء لعام، ليأتي الراشد، بعد أن استقال من رحلة «الشرق الأوسط»، لينطلق إلى عشقه التخصصي، الشاشة، حاملا في روحه كل الطموح والتخطيط الذي عمل عليه إبان دراسته في الولايات المتحدة.
يقول فارس بن حزام، مدير التحرير بقناة «العربية» اليوم، واحد ممن بدأ مشوار العمل في القناة الحلم الجديدة مع الراشد بعد بضعة أشهر فقط، إن عبد الرحمن الراشد حضر لـ«العربية» ومنذ الوهلة الأولى كانت الصورة واضحة له، فعمل على ثلاثة مسارات: أولها صياغة سياسة تحريرية تتميز بها تختلف عن «الجزيرة»، وثانيها ضخ أكبر كم من الأسماء الشابة غالبيتهم لم يتجاوزوا الثلاثين عاما، وهم اليوم ينتجون الأخبار والبرامج والنشرات، وثالثها وضع اسم «العربية» على الخريطة العالمية كمنبر عربي.
فارس بن حزام في حديثه الهاتفي عن الراشد، أشار إلى بعض الرؤى التي سعى إليها عبد الرحمن، لجعل لمعة «العربية» مختلفة عن مثيلاتها من القنوات الإخبارية، فشعار «أن تعرف أكثر» قصده الراشد للمعرفة والخبر، فقلص البرامج وزاد كمية الأخبار، ولكنها أخبار نوعية –والحديث لفارس بن حزام - فتأسست قناة شقيقة هي «الحدث» لتكون منبرا للأخبار السياسية الصرفة، بينما العربية الأم التي خصصت 80 في المائة من بثها أخبارا، لكن صيغتها تحمل أسلوب ونفس الصحيفة، فهناك أربع ساعات يومية للاقتصاد، وأخبار وبرامج للرياضة، وأخرى للطب وبعض من الفن، بل وجعل كل ما هو خبر يستحق الظهور على الشاشة فسيظهر لجذب الجميع، مبينا ابن حزام أن نتائج عمله في «العربية» التي وصل إليها وجدها متطابقة تماما مع خططه فسلم الدفة لزملاء آخرين.
الصحافي التلفزيوني الرياضي في «العربية» بتال القوس، قال: إن الراشد يترك البصمة والعلامة الفارقة، بل ما يجمع عليه الكثيرون هو زراعة الحب بين العاملين معه، رغم مهنيته القاسية، ويستذكر بتّال مواقف عبد الرحمن الراشد، أنه لافت في الفصل بين الجانبين المهني والشخصي، لكنه حريص على إبقاء الروح الأخوية، وكلما أحس بمقدار الحدة في خطابه سرعان ما يجذب الطرف المتلقي لنقده المهني الحاد إلى دعوة ودية إلى خارج نطاق العمل.
بتال يضيف أن وجود البرامج الرياضية الشاملة خلال إدارة الراشد لـ«العربية» كانت مختلفة، وهو «أكثر من عملت معهم في حقل الإعلام حريص على ظهور الأحداث الرياضية وإبرازها لأنها تستقطب كافة المشاهدين»، ويؤكد القوس أنه علاوة على دقته ومتابعته للشأن الرياضي، إلا أنه جعل القناة في جمعها كصحيفة مرئية تغطي مختلف الجوانب، فلبى صنوف الحياة، وإن كانت هذه معادلة صعبة أن تستطيع الإمساك بكل ذلك دون أن تقع في زلل، لكن الراشد استطاع الموازنة بشكل دقيق في إطار الأخبار وحول الأخبار، كما يشير بتال القوس. وشغفه بالوثائقيات، حكاية استثنائية، كون علاقة الراشد أقدم من علاقته بأخبار الشاشة إذ كان أول إنتاج له في العام 1997 وكان يحكي فصول ما بعد حرب الخليج الثانية، وبعدها بعام أطلق فيلما وثائقيا عن مرور خمسين عاما على الصراع العربي الإسرائيلي، لأنه يؤمن بفرادة الوثائقيات، فسعى إلى تخصيص ميزانية لإنتاج وشراء الأفلام الوثائقية المتميزة معتمدا على النوع لا الكم خلال فترة إدارته للقناة، رغم أن سماء التلفزيون العامة تحلق بأكبر عدد من ساعات البث للأفلام، لكن الراشد ركز على أن تكون الوثائقيات متزامنة وموجزة معطيا بعدا إيجابيا في تسويق مادته الوثائقية.
بعد فوز عبد الرحمن الراشد بجائزة الصحافة العربية كشخصية العام الإعلامية، وهي جائزة حصدها عثمان العمير قبل عشرة أعوام، بلهجة الفخر يتحدث العمير عن الراشد: «واثقٌ كثيرا به لأنه رجل متعدد المواهب، والدليل هو المناصب التي تحداها وجعلها منجزات، ونجاحه أيضا في التواجد على الساحة منذ ثلاثين عاما، لأن هناك أناسا لا يستطيعون مقاومة الزمن».
يروي بكر عويضة مساعد رئيس التحرير في فترة رئاسة الراشد لرئاسة تحرير «الشرق الأوسط» جوانب أساسية من أسلوبه المِهني: التدقيق، الالتزام بالمواعيد، والحرص على التفاصيل، ثم تعرّفوا على سمات واضحة في شخصه: حُسن الخُلُق، صلابة العزم، والتسامح مع الحزم.
يقول عويضة إنني سعدت بالتعرّف على عبد الرحمن الراشد، قبل أن نعمل معًا، عندما كان يتولى مسؤولية مدير مكتب صحيفة «الجزيرة» بواشنطن، ومنذ ذلك الوقت بدا لي التميّز الواضح في شخص الراشد، الإنسان أولاً، والصحافي ثانيًا. ثم بدأ التعامل مع رئيس تحرير «المجلة» وكاتب العامود السياسي في صفحات الرأي بجريدة «الشرق الأوسط»، فاتضحت الصورة أكثر، راح يُكثر من تذكيري بما خلاصته: لا تؤخر مواعيد تسليم الصفحة إنْ تأخرت مادتي. ثم تسلم الراشد رئاسة تحرير صحيفة «العرب الدولية» من عثمان العمير، وحصل صباح أول أيام رئاسته (15 سبتمبر 1998) أن جلست معه بعد اجتماع التحرير، قلت: ربما أصبح لدينا إشكال الآن. قرأت التساؤل على وجهه، فأضفت: قد يفهم البعض ما تكتبه على أنه أهم من افتتاحية الجريدة (زمن ذاك كانت للجريدة افتتاحيتها) ولأنك رئيس التحرير فقد يُحمّل رأيك أكثر مما يحتمل. لم يعترض على ما قلت، بل كتب فأوضح ما مضمونه أنه في مساحة عموده اليومي يخلع قبعة رئيس التحرير ويمثل شخصه فقط.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».