الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

من الصحافة الورقية إلى التلفزيون حرص على التوازن ونقل وجهة النظر الأخرى حتى لو كانت جدلية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية
TT

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

هو حالة خاصة، وقصة جديرة بالاهتمام في الإعلام السعودي، والعربي عموما.. قبل أيام صعد إلى منصة التكريم كشخصية العام الإعلامية، في منتدى الإعلام العربي، في دورته الخامسة عشرة، الذي ينظمه نادي دبي للصحافة. وإن تأخر تكريمه، لكنه حضر، فهو شامخ الجيل الحالي، ورابط بين جيلين إعلاميين، وأجيال.. أخرى قادمة.
ثلاث محطات رئيسية في مسيرة الراشد الإعلامية «المجلة» الأسبوعية و«الشرق الأوسط» اليومية ثم قناة التلفزيون الإخبارية في كل منها أسهم بقدر ملحوظ في تغيير قواعد اللعبة الإعلامية، وهو دائما كان مع التوازن وتقديم وجهتي النظر إلى المتلقي العربي حتى لو أثار حفيظة البعض الذين اعتادوا أن يكون الإعلام العربي في قالب معين. يعرف الراشد أهمية الإعلام وهو الذي قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) 2008 إن التلفزيون هو من جعل أسامة بن لادن نجما وكان يشير إلى الشرائط التي كانت تتنافس تلفزيونات على إذاعتها وساهمت قي جذب مجندين لـ«القاعدة». غير الراشد قواعد اللعبة فحتى المنافسون توقفوا عن استخدام تعبيرات المقاومة على كل من يحمل سلاحا واستخدموا تعبير مسلحين ولم يعد كل من يقتل شهيدا وحرص على إبراز التكلفة الإنسانية للإرهاب من خلال برنامج صناعة الموت في «العربية».
طبعه الشخصي هادئ لكنه لا يخشى إثارة الجدل مثلما يفعل دائما في مقالاته الشهير بـ«الشرق الأوسط». حرص رغم أعباء منصب إدارة قناة إخبارية على الاحتفاظ بزاويته المكتوبة في «الشرق الأوسط» التي خاض معها بامتياز وتألق في معارك تغطية أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وحرب العراق في 2003 ودخولها كأول صحيفة عربية تطبع هناك ومعركة انتخابات الرئاسة بين بوش وآل جور حيث قامت الصحيفة بطبعة ثانية في وقت متأخر في زخم هذه الأحداث.
قال في مقاله بعد تكريمه بشخصية العام: «يجب علي الاعتراف بأن الجائزة لا تخصني وحدي، لأن كل ما حققته كان عملا جماعيا، سواء في المطبوع أو التلفزيوني أو الوثائقي أو الرقمي والتواصلي (..) والمعارك التي خضتها بعضهم دفع حياته لها، تغمدهم الله برحمته. لم تكن وظيفة روتينية ولم نكن في منافسة مهنية محترمة». من زاملوه يعلمون مدى عشقه لهذه المهنة، التي أصبحت مكوّن عائلته الأول، إذ إن ارتباطه بساعات العمل، ليس بالجسد فقط، لكنه يدق أبوابه مع افتتاح عينه في صباحات الزمن، وتنتهي مع إسدال ستار الجفون على عين الخبير، فهو المراقب جسدا وتقنيا عبر أجهزة الاتصال والمشاهد من خلال أعين وآراء المشاهدين، عاملا لمهنته وصالحها، بما يتجاوز 15 ساعة يوميا، سواء في مجلته، أو صحيفته، أو قناته، أو منتجاته.

* ماركة إعلامية
عبد الرحمن بن حمد الراشد، بثنائية الاسم (عبد الرحمن الراشد)، ماركة إعلامية سعودية، تشبه علامات الجودة في المنتجات، فصنعه فريد، ورسالته عميقة. يقول أحد العارفين عنه بمطبخ قناة «العربية» التي عُرف بها متوهجا, هو «أشبه بمبدأ اجتماعي أو سياسي، هو كالديمقراطية والتنوير مثالين، ينبغي أن يكافح الإعلاميون لوضع منهجه أسلوب عمل وحياة مهنية».
عبد الرحمن هو أحد الراشدين في إعلام السعودية، وأهمهم، يتجاوز بحر الخمسين من عمره، ولا يعرف في تاريخه إلا تفوقه، ولد في وطنه المملكة العربية السعودية، وتتلمذ، ومارس العمل الصحافي من داخل المدرسة، ومتعاونا لاحقا في صحيفة «الجزيرة» السعودية، قبل أن يصعد بحماسته وطموحه إلى موجة التميز العالية.
عايش هموم الصحافيين السعوديين، وتعنّت قطاعات عدة في مراحل تنمية سعودية كان أولى أن تحظى بجناح إعلامي يحلق بها، كان يصارع من أجل تصريح من مسؤول، حاملا مسجله الصغير لعل ما يقال يشفع له أن ينشر، لكنه كان يتوق إلى شيء آخر، إلى تميز يكسر رتابة العمل الإعلامي آنذاك، فانطلق نحو الولايات المتحدة الأميركية في العام 1980. وفيها عمل مراسلا لصحيفته «الجزيرة»، ثم مديرا لمكتبها في واشنطن، وطوال الأعوام الخمسة التي قضاها هناك في دراسة «الإنتاج السينمائي»، لاحظ من قرب هدير الآلة الإعلامية والانفتاح المعلوماتي في العمل الصحافي، للبحث في مهنة الحقائق (الصحافة) فكأن شيئا من بذوره عرفت حقولها التي تتوق إليها.
يقول عثمان العمير، ناشر صحيفة «إيلاف»، ورئيس تحرير «الشرق الأوسط» الأسبق، واصفا عبد الرحمن الراشد: «هو رفيق عمر، وإن كنت أكبر منه سنا، وكان لي الشرف في ترافقنا بصحيفة (الجزيرة)، انتقلت إلى لندن، وهو انتقل إلى واشنطن، وأصبح مسؤولا للجريدة في واشنطن، وأنا في لندن»، يقول العمير في سؤال لي «أتعلم مالغريب؟.. أنا والراشد نختلف كشخصين بشكل غير عادي في العادات والتصرفات والمواقف، لكننا نتفق في الصداقة والاحترام والمحبة بيننا، وكنا نتراسل في ذلك الوقت بين عاصمتين»، ويضيف: «حين أُبعد خالد المالك عن صحيفة (الجزيرة)، تضامننا معه وأضربنا أنا والراشد إضرابا صامتا، لكن تم إبقاؤنا في مناصبنا رغم أننا لم نتعاون بشكل إيجابي مع القيادة الجديدة».
* من واشنطن إلى لندن.. مرحلة «المجلة» الذهبية
حزم الراشد حقائبه نحو لندن، لأن العمير الذي سبقه وأصبح رئيسا لتحرير «المجلة» أتاح له الفرصة الذهبية، بعد أن تسلح بكل المعرفة الثرية للصحافة من بلاد أميركا، التحق بالعمل في العام 1985 في مجلة «المجلة» التابعة للشركة السعودية للأبحاث والنشر من لندن نائبا لرئيس التحرير، وشهد عصرا مميزا للمجلة العربية الرائدة، كانت «المجلة» الأسبوعية معقدة العمل، يقول الراشد في حديث خلال تجمع إعلامي كان ضيفه «(المجلة) جهد عمل أسبوعي كانت تمثل تحديا كبيرا لأن القارئ المتجه لشرائها عليه أن يجد محتوى مختلفا يستحق عناء الشراء؛ لأنها بحاجة إلى موضوعات شاملة وعناوين متنوعة وفقا لتبويبها وزمنها».
وبعد عامين في «المجلة» أصبح رئيسا لتحريرها ومكث فيها قرابة عشرة أعوام، حاور خلال تسنمه رئاسة التحرير عددا من الزعماء والسياسيين الكبار، ولعل حواره مع الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، أحد الحوارات البارزة، استنطق الراشد مبارك، وكان الحوار في العام 1989 بعد انقلاب عسكري أطاح بالصادق المهدي من سدة رئاسة السودان، البلد المجاور لمصر، حينها كان هناك عنوان بارز قاله مبارك للراشد «لن أعمل من جمال مبارك وليّا للعهد» وفي هامش الحوار كتب الراشد عن الرئيس مبارك: «هذا الرجل ذو القفازات الحريرية تمكن من ضبط مقاليد الأمور المحلية، رغم محاولات تصعيدها من قبل جماعات متطرفة، وتمكّن من وضع بلاده في المحور بعد أن كانت في الطرف، فأعاد للمنطقة توازنها الطبيعي». قال العمير: «أنا مؤمن بالراشد وقدرته كثيرا، لم يكن في ذهني سوى الراشد ليشاركني المهام، وبيننا ولم يكن هناك رئيس ومرؤوس بل كنا نتشارك وساهم هذا الراشد في تحقيق إنجازات كبيرة، وفتح نافذة أجنبية، وهو من استقطب، إدوارد سعيد، ليكتب لأول مرة في صحيفة عربية».

* المرحلة «الخضراء»
«كنتُ واثقا بالراشد، أن يضيف نجاحات لـ(«الشرق الأوسط»)» هكذا قال عثمان العمير وهو يودع صحيفته بعد أحد عشر عاما في رئاسة التحرير، ليسلمها لسنوات مثلها لعبد الرحمن الراشد، قال العمير إن بنية «الشرق الأوسط» قوية، بنيت من خلال أشخاص متعددين كمؤسسة قائمة بذاتها، ضامة لكافة المشارب والأطياف في العالم العربي من كل الاتجاهات دينية أو قومية أو ليبرالية، ومعظم كبار الصحافيين هم خريجو «الشرق الأوسط»، أكد على أنه رئيس تحرير ناجح جاء إلى الصحيفة في قمة مجدها لكنه أضاف لها مجدا ونفسا مميزا.
كان ذلك في العام 1998 حيث تبوأ عبد الرحمن الراشد، رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» تاركا العمل الإنتاجي الأسبوعي في «المجلة» نحو العمل اليومي، فحافظ على أسلوب وشخصية الصحيفة التي تركها سلفه ورفيق دربه، عثمان العمير، يميل الراشد إلى الإيجاز حتى في تقارير وأخبار وعناوين «الخضراء» كما في مقالاته، وجاءته الانتقادات بسبب ما اعتبره طيفا من قراء الصحيفة أنه قلل حضور الصفحات الثقافية، لكنه رغم ذلك لم يدخل سجالات الصحافة، وتمسك بتميز الصحيفة رغم عواصف الانتقادات التي طالتها خلال فترة الغزو الأميركي- البريطاني على العراق في العام 2003.
حافظ الراشد على استمرارية سهم «الخضراء» صاعدا ونابضا، وصنع في العام 2000 أبرز وأكثر الحوارات سخونة، مع رئيس النظام السوري اليوم، بشار الأسد، توقيت الحوار حين كان بشار الأسد، دون مسمى أو صفة تعريفية له في حياة والده الرئيس حينها، حافظ الأسد، حيث حاوره الراشد قبل وفاة والده بخمسة أيام، ونشره بعد يوم واحد فقط من وفاة الأسد الأب، فغضبت عليه سفارة دمشق في لندن، رغم تنويهه أن المقابلة أجريت سابقا من وفاة حافظ، لكن الراشد اقتنص بشار في الحوار، لعلمه أنه كان لاعبا في ظروف مرض والده، وبشار حينها في منتصف الثلاثينات من العمر.
كان حوار بشار قبل رئاسته، في محيط الأحداث، يجيب وكأنه الرئيس، قال للراشد الذي ظل مصرا على مسألة الوجود السوري في لبنان آنذاك، ومتى سينتهي فرد بشار: «حين ترى السلطة الشرعية اللبنانية أن الظروف باتت ملائمة لكي يستمر لبنان معافى من خلال قواه الذاتية، وتعلم سوريا بذلك فعندها ستقوم القوات السورية بالعودة إلى مواقعها الأساسية في بلادها»، وقال بشار حينها للراشد الشرس في الدوران حول السؤال، عما يسمى «حزب الله» بحكم علاقته بنظام دمشق يجيب بشار موجزا: «حزب الله لن يكون بديلاً عن الدولة اللبنانية».
وبعد عشرة أعوام على ذلك الحوار، ومع بدء انتفاضة شعبية ضد بشار الأسد في مارس (آذار) 2011. دوّن الراشد مقالا له هنا عنونه بـ«10 سنوات من لقاء بشار» قال عبد الرحمن إنه التقاه في أوائل العام 2011 لكن الراشد لمس معاداة بشار الأسد له، وخاصة بعد اغتيال رفيق الحريري، وشعر كذلك بخطورة النظام السوري، وانتهى الراشد في مقاله إلى قناعة عن بشار الأسد «كان الانطباع العام أن بشار في داخل دائرة الحكم لكنه لا يحكم، وأن هناك داخل العائلة ومحيطها من يقرر. هذه القناعة تولدت عند كثيرين بسبب الفارق الواضح بين ما كان يقول ويحدث (..) وقناعتي أن بشار إن لم يكن صاحب القرار الأول فهو صاحب القرار الأخير» بعد أن فشلت كل عناوين إصلاحه السياسي والاجتماعي، ليعود عبد الرحمن الراشد إلى الجزم والتأكيد بعد أشهر من اشتداد الثورة الشعبية على بشار إلى القول: إن نظام بشار واحد من أقسى الأنظمة في العالم وأشدها قمعا على مدى أربعين عاما، مذكرا بمشهد مقارب - وكأنها رسالة إلى الأسد - ما انتهى به حال القذافي.

* نكهة يومية في التحليل السياسي
الكتابة السياسية عند عبد الرحمن الراشد فنّ، لا مقال سياسي فحسب، بل ينتج العمل الفني المبسط للقارئ الصغير والكبير، يفهمه الكثيرون، يمارس فيها أدوارا لا يطبقها إلا الراشد فأضحت أسلوبا «راشديا»، يلقي الضوء على فكرته بموجز مقالي لا يتجاوز غالبا الثلاثمائة كلمة، يقول عن الكتابة إنها تمرين رياضي يومي له، فكان من ضمن رؤساء التحرير النادرين الذين مروا على رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» ويكتب مقالا فيها، واستمر منذ ما يقرب من عشرين عاما على كتابة النثر المقالي، ولم يكن من المثمر لقرائه توقفه ويصفه عدة بأنه «الكاتب الأعظم في الصحف العربية».
عثمان العمير، يحكي قصة بداية كتابة الراشد في عمود صحافي في «الشرق الأوسط»: «لست مع أن يكون رئيس التحرير كاتبا، لكن الراشد جمع بينهما ونجح، وكان ذلك عبر الناشرين هشام ومحمد علي حافظ» فيستذكر العمير أن الناشرين طلباه إلى مكتبهما وطلبا مشورته: نريد أن يكون الراشد كاتبا في «الشرق الأوسط» وهو حينها رئيسا لتحرير «المجلة»، وذلك بعد وفاة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، وقالا إنهما يعتقدان «أن الراشد سيكون أحمد بهاء الدين في كتابة العمود الصحافي»، يقول عثمان: أيدتهما، وبدأ العمود في عهدي، ويحكي أن الراشد يؤكد له طوال معرفته به، قوله: إنه «يفضل أن يكون كاتبا على أن يكون رئيس تحرير، هو متشبع بتلك الفكرة».
يصفه، جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة «عكاظ» السعودية، بـ«العازف» إن كتب وإن وقف في صالة التحرير، وصاحب مبدأ لم يتغير طوال العقود الماضية، وأضاف الذيابي أن ما يميز عبد الرحمن الراشد، أنه غير متسرع في الحكم ومُجيد في قراءة ما بين السطور، وغير مزيف للتاريخ، معتبرا كتاباته كالمعادلة الرياضية، وصاحب مبدأ ولم يتغير طوال السنوات الماضية منذ ثلاثة عقود، يقدم السهل الممتنع وليست مسطحة، وبسيطة على القارئ العادي، وغير سطحية، وأن آراءه حقيقية على الأرض، معتبرا إياه بالكاتب السياسي الأول الذي لا يستطيع أي محلل أن يقترب من منصة عبد الرحمن الراشد الكتابية.

* «العربية».. موسم الدخول إلى الحلبة
هنا قناة وليدة كانت على عتبة حدث إقليمي مهم، قناة إخبارية تولد قبل أيام من الغزو الأميركي- البريطاني للعراق في العام 2003. حينها لم يكن الراشد قد تسلم مهمته بعد، جاء بعد أكثر من عام ليبدأ مهمة التحدي أمام المشاهد العربي، بعد أن استأثرت قناة «الجزيرة» القطرية بالمشاهد العربي من خليج إلى محيط، وككرة القدم، لا تستطيع الانتصار إلا بالمواجهة ودوام المنافسة؛ لا يستسيغ عبد الرحمن الراشد أن يقف في حلبة المصارعة بين المتفرجين أو هتّافا من وراء الحبال، بل كان واثبا إلى الساحة.
قصة «العربية»، التي أتاها وهي لا تزال تجمع بعض بنيتها وتؤسسها وتبني هيكلتها الإدارية البشرية وبعض برامجها، جاءها بعد فترة قصيرة من تولي وزير الإعلام الأردني الأسبق، صالح القلاب، مهمة البدء لعام، ليأتي الراشد، بعد أن استقال من رحلة «الشرق الأوسط»، لينطلق إلى عشقه التخصصي، الشاشة، حاملا في روحه كل الطموح والتخطيط الذي عمل عليه إبان دراسته في الولايات المتحدة.
يقول فارس بن حزام، مدير التحرير بقناة «العربية» اليوم، واحد ممن بدأ مشوار العمل في القناة الحلم الجديدة مع الراشد بعد بضعة أشهر فقط، إن عبد الرحمن الراشد حضر لـ«العربية» ومنذ الوهلة الأولى كانت الصورة واضحة له، فعمل على ثلاثة مسارات: أولها صياغة سياسة تحريرية تتميز بها تختلف عن «الجزيرة»، وثانيها ضخ أكبر كم من الأسماء الشابة غالبيتهم لم يتجاوزوا الثلاثين عاما، وهم اليوم ينتجون الأخبار والبرامج والنشرات، وثالثها وضع اسم «العربية» على الخريطة العالمية كمنبر عربي.
فارس بن حزام في حديثه الهاتفي عن الراشد، أشار إلى بعض الرؤى التي سعى إليها عبد الرحمن، لجعل لمعة «العربية» مختلفة عن مثيلاتها من القنوات الإخبارية، فشعار «أن تعرف أكثر» قصده الراشد للمعرفة والخبر، فقلص البرامج وزاد كمية الأخبار، ولكنها أخبار نوعية –والحديث لفارس بن حزام - فتأسست قناة شقيقة هي «الحدث» لتكون منبرا للأخبار السياسية الصرفة، بينما العربية الأم التي خصصت 80 في المائة من بثها أخبارا، لكن صيغتها تحمل أسلوب ونفس الصحيفة، فهناك أربع ساعات يومية للاقتصاد، وأخبار وبرامج للرياضة، وأخرى للطب وبعض من الفن، بل وجعل كل ما هو خبر يستحق الظهور على الشاشة فسيظهر لجذب الجميع، مبينا ابن حزام أن نتائج عمله في «العربية» التي وصل إليها وجدها متطابقة تماما مع خططه فسلم الدفة لزملاء آخرين.
الصحافي التلفزيوني الرياضي في «العربية» بتال القوس، قال: إن الراشد يترك البصمة والعلامة الفارقة، بل ما يجمع عليه الكثيرون هو زراعة الحب بين العاملين معه، رغم مهنيته القاسية، ويستذكر بتّال مواقف عبد الرحمن الراشد، أنه لافت في الفصل بين الجانبين المهني والشخصي، لكنه حريص على إبقاء الروح الأخوية، وكلما أحس بمقدار الحدة في خطابه سرعان ما يجذب الطرف المتلقي لنقده المهني الحاد إلى دعوة ودية إلى خارج نطاق العمل.
بتال يضيف أن وجود البرامج الرياضية الشاملة خلال إدارة الراشد لـ«العربية» كانت مختلفة، وهو «أكثر من عملت معهم في حقل الإعلام حريص على ظهور الأحداث الرياضية وإبرازها لأنها تستقطب كافة المشاهدين»، ويؤكد القوس أنه علاوة على دقته ومتابعته للشأن الرياضي، إلا أنه جعل القناة في جمعها كصحيفة مرئية تغطي مختلف الجوانب، فلبى صنوف الحياة، وإن كانت هذه معادلة صعبة أن تستطيع الإمساك بكل ذلك دون أن تقع في زلل، لكن الراشد استطاع الموازنة بشكل دقيق في إطار الأخبار وحول الأخبار، كما يشير بتال القوس. وشغفه بالوثائقيات، حكاية استثنائية، كون علاقة الراشد أقدم من علاقته بأخبار الشاشة إذ كان أول إنتاج له في العام 1997 وكان يحكي فصول ما بعد حرب الخليج الثانية، وبعدها بعام أطلق فيلما وثائقيا عن مرور خمسين عاما على الصراع العربي الإسرائيلي، لأنه يؤمن بفرادة الوثائقيات، فسعى إلى تخصيص ميزانية لإنتاج وشراء الأفلام الوثائقية المتميزة معتمدا على النوع لا الكم خلال فترة إدارته للقناة، رغم أن سماء التلفزيون العامة تحلق بأكبر عدد من ساعات البث للأفلام، لكن الراشد ركز على أن تكون الوثائقيات متزامنة وموجزة معطيا بعدا إيجابيا في تسويق مادته الوثائقية.
بعد فوز عبد الرحمن الراشد بجائزة الصحافة العربية كشخصية العام الإعلامية، وهي جائزة حصدها عثمان العمير قبل عشرة أعوام، بلهجة الفخر يتحدث العمير عن الراشد: «واثقٌ كثيرا به لأنه رجل متعدد المواهب، والدليل هو المناصب التي تحداها وجعلها منجزات، ونجاحه أيضا في التواجد على الساحة منذ ثلاثين عاما، لأن هناك أناسا لا يستطيعون مقاومة الزمن».
يروي بكر عويضة مساعد رئيس التحرير في فترة رئاسة الراشد لرئاسة تحرير «الشرق الأوسط» جوانب أساسية من أسلوبه المِهني: التدقيق، الالتزام بالمواعيد، والحرص على التفاصيل، ثم تعرّفوا على سمات واضحة في شخصه: حُسن الخُلُق، صلابة العزم، والتسامح مع الحزم.
يقول عويضة إنني سعدت بالتعرّف على عبد الرحمن الراشد، قبل أن نعمل معًا، عندما كان يتولى مسؤولية مدير مكتب صحيفة «الجزيرة» بواشنطن، ومنذ ذلك الوقت بدا لي التميّز الواضح في شخص الراشد، الإنسان أولاً، والصحافي ثانيًا. ثم بدأ التعامل مع رئيس تحرير «المجلة» وكاتب العامود السياسي في صفحات الرأي بجريدة «الشرق الأوسط»، فاتضحت الصورة أكثر، راح يُكثر من تذكيري بما خلاصته: لا تؤخر مواعيد تسليم الصفحة إنْ تأخرت مادتي. ثم تسلم الراشد رئاسة تحرير صحيفة «العرب الدولية» من عثمان العمير، وحصل صباح أول أيام رئاسته (15 سبتمبر 1998) أن جلست معه بعد اجتماع التحرير، قلت: ربما أصبح لدينا إشكال الآن. قرأت التساؤل على وجهه، فأضفت: قد يفهم البعض ما تكتبه على أنه أهم من افتتاحية الجريدة (زمن ذاك كانت للجريدة افتتاحيتها) ولأنك رئيس التحرير فقد يُحمّل رأيك أكثر مما يحتمل. لم يعترض على ما قلت، بل كتب فأوضح ما مضمونه أنه في مساحة عموده اليومي يخلع قبعة رئيس التحرير ويمثل شخصه فقط.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.