الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

من الصحافة الورقية إلى التلفزيون حرص على التوازن ونقل وجهة النظر الأخرى حتى لو كانت جدلية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية
TT

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

هو حالة خاصة، وقصة جديرة بالاهتمام في الإعلام السعودي، والعربي عموما.. قبل أيام صعد إلى منصة التكريم كشخصية العام الإعلامية، في منتدى الإعلام العربي، في دورته الخامسة عشرة، الذي ينظمه نادي دبي للصحافة. وإن تأخر تكريمه، لكنه حضر، فهو شامخ الجيل الحالي، ورابط بين جيلين إعلاميين، وأجيال.. أخرى قادمة.
ثلاث محطات رئيسية في مسيرة الراشد الإعلامية «المجلة» الأسبوعية و«الشرق الأوسط» اليومية ثم قناة التلفزيون الإخبارية في كل منها أسهم بقدر ملحوظ في تغيير قواعد اللعبة الإعلامية، وهو دائما كان مع التوازن وتقديم وجهتي النظر إلى المتلقي العربي حتى لو أثار حفيظة البعض الذين اعتادوا أن يكون الإعلام العربي في قالب معين. يعرف الراشد أهمية الإعلام وهو الذي قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) 2008 إن التلفزيون هو من جعل أسامة بن لادن نجما وكان يشير إلى الشرائط التي كانت تتنافس تلفزيونات على إذاعتها وساهمت قي جذب مجندين لـ«القاعدة». غير الراشد قواعد اللعبة فحتى المنافسون توقفوا عن استخدام تعبيرات المقاومة على كل من يحمل سلاحا واستخدموا تعبير مسلحين ولم يعد كل من يقتل شهيدا وحرص على إبراز التكلفة الإنسانية للإرهاب من خلال برنامج صناعة الموت في «العربية».
طبعه الشخصي هادئ لكنه لا يخشى إثارة الجدل مثلما يفعل دائما في مقالاته الشهير بـ«الشرق الأوسط». حرص رغم أعباء منصب إدارة قناة إخبارية على الاحتفاظ بزاويته المكتوبة في «الشرق الأوسط» التي خاض معها بامتياز وتألق في معارك تغطية أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وحرب العراق في 2003 ودخولها كأول صحيفة عربية تطبع هناك ومعركة انتخابات الرئاسة بين بوش وآل جور حيث قامت الصحيفة بطبعة ثانية في وقت متأخر في زخم هذه الأحداث.
قال في مقاله بعد تكريمه بشخصية العام: «يجب علي الاعتراف بأن الجائزة لا تخصني وحدي، لأن كل ما حققته كان عملا جماعيا، سواء في المطبوع أو التلفزيوني أو الوثائقي أو الرقمي والتواصلي (..) والمعارك التي خضتها بعضهم دفع حياته لها، تغمدهم الله برحمته. لم تكن وظيفة روتينية ولم نكن في منافسة مهنية محترمة». من زاملوه يعلمون مدى عشقه لهذه المهنة، التي أصبحت مكوّن عائلته الأول، إذ إن ارتباطه بساعات العمل، ليس بالجسد فقط، لكنه يدق أبوابه مع افتتاح عينه في صباحات الزمن، وتنتهي مع إسدال ستار الجفون على عين الخبير، فهو المراقب جسدا وتقنيا عبر أجهزة الاتصال والمشاهد من خلال أعين وآراء المشاهدين، عاملا لمهنته وصالحها، بما يتجاوز 15 ساعة يوميا، سواء في مجلته، أو صحيفته، أو قناته، أو منتجاته.

* ماركة إعلامية
عبد الرحمن بن حمد الراشد، بثنائية الاسم (عبد الرحمن الراشد)، ماركة إعلامية سعودية، تشبه علامات الجودة في المنتجات، فصنعه فريد، ورسالته عميقة. يقول أحد العارفين عنه بمطبخ قناة «العربية» التي عُرف بها متوهجا, هو «أشبه بمبدأ اجتماعي أو سياسي، هو كالديمقراطية والتنوير مثالين، ينبغي أن يكافح الإعلاميون لوضع منهجه أسلوب عمل وحياة مهنية».
عبد الرحمن هو أحد الراشدين في إعلام السعودية، وأهمهم، يتجاوز بحر الخمسين من عمره، ولا يعرف في تاريخه إلا تفوقه، ولد في وطنه المملكة العربية السعودية، وتتلمذ، ومارس العمل الصحافي من داخل المدرسة، ومتعاونا لاحقا في صحيفة «الجزيرة» السعودية، قبل أن يصعد بحماسته وطموحه إلى موجة التميز العالية.
عايش هموم الصحافيين السعوديين، وتعنّت قطاعات عدة في مراحل تنمية سعودية كان أولى أن تحظى بجناح إعلامي يحلق بها، كان يصارع من أجل تصريح من مسؤول، حاملا مسجله الصغير لعل ما يقال يشفع له أن ينشر، لكنه كان يتوق إلى شيء آخر، إلى تميز يكسر رتابة العمل الإعلامي آنذاك، فانطلق نحو الولايات المتحدة الأميركية في العام 1980. وفيها عمل مراسلا لصحيفته «الجزيرة»، ثم مديرا لمكتبها في واشنطن، وطوال الأعوام الخمسة التي قضاها هناك في دراسة «الإنتاج السينمائي»، لاحظ من قرب هدير الآلة الإعلامية والانفتاح المعلوماتي في العمل الصحافي، للبحث في مهنة الحقائق (الصحافة) فكأن شيئا من بذوره عرفت حقولها التي تتوق إليها.
يقول عثمان العمير، ناشر صحيفة «إيلاف»، ورئيس تحرير «الشرق الأوسط» الأسبق، واصفا عبد الرحمن الراشد: «هو رفيق عمر، وإن كنت أكبر منه سنا، وكان لي الشرف في ترافقنا بصحيفة (الجزيرة)، انتقلت إلى لندن، وهو انتقل إلى واشنطن، وأصبح مسؤولا للجريدة في واشنطن، وأنا في لندن»، يقول العمير في سؤال لي «أتعلم مالغريب؟.. أنا والراشد نختلف كشخصين بشكل غير عادي في العادات والتصرفات والمواقف، لكننا نتفق في الصداقة والاحترام والمحبة بيننا، وكنا نتراسل في ذلك الوقت بين عاصمتين»، ويضيف: «حين أُبعد خالد المالك عن صحيفة (الجزيرة)، تضامننا معه وأضربنا أنا والراشد إضرابا صامتا، لكن تم إبقاؤنا في مناصبنا رغم أننا لم نتعاون بشكل إيجابي مع القيادة الجديدة».
* من واشنطن إلى لندن.. مرحلة «المجلة» الذهبية
حزم الراشد حقائبه نحو لندن، لأن العمير الذي سبقه وأصبح رئيسا لتحرير «المجلة» أتاح له الفرصة الذهبية، بعد أن تسلح بكل المعرفة الثرية للصحافة من بلاد أميركا، التحق بالعمل في العام 1985 في مجلة «المجلة» التابعة للشركة السعودية للأبحاث والنشر من لندن نائبا لرئيس التحرير، وشهد عصرا مميزا للمجلة العربية الرائدة، كانت «المجلة» الأسبوعية معقدة العمل، يقول الراشد في حديث خلال تجمع إعلامي كان ضيفه «(المجلة) جهد عمل أسبوعي كانت تمثل تحديا كبيرا لأن القارئ المتجه لشرائها عليه أن يجد محتوى مختلفا يستحق عناء الشراء؛ لأنها بحاجة إلى موضوعات شاملة وعناوين متنوعة وفقا لتبويبها وزمنها».
وبعد عامين في «المجلة» أصبح رئيسا لتحريرها ومكث فيها قرابة عشرة أعوام، حاور خلال تسنمه رئاسة التحرير عددا من الزعماء والسياسيين الكبار، ولعل حواره مع الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، أحد الحوارات البارزة، استنطق الراشد مبارك، وكان الحوار في العام 1989 بعد انقلاب عسكري أطاح بالصادق المهدي من سدة رئاسة السودان، البلد المجاور لمصر، حينها كان هناك عنوان بارز قاله مبارك للراشد «لن أعمل من جمال مبارك وليّا للعهد» وفي هامش الحوار كتب الراشد عن الرئيس مبارك: «هذا الرجل ذو القفازات الحريرية تمكن من ضبط مقاليد الأمور المحلية، رغم محاولات تصعيدها من قبل جماعات متطرفة، وتمكّن من وضع بلاده في المحور بعد أن كانت في الطرف، فأعاد للمنطقة توازنها الطبيعي». قال العمير: «أنا مؤمن بالراشد وقدرته كثيرا، لم يكن في ذهني سوى الراشد ليشاركني المهام، وبيننا ولم يكن هناك رئيس ومرؤوس بل كنا نتشارك وساهم هذا الراشد في تحقيق إنجازات كبيرة، وفتح نافذة أجنبية، وهو من استقطب، إدوارد سعيد، ليكتب لأول مرة في صحيفة عربية».

* المرحلة «الخضراء»
«كنتُ واثقا بالراشد، أن يضيف نجاحات لـ(«الشرق الأوسط»)» هكذا قال عثمان العمير وهو يودع صحيفته بعد أحد عشر عاما في رئاسة التحرير، ليسلمها لسنوات مثلها لعبد الرحمن الراشد، قال العمير إن بنية «الشرق الأوسط» قوية، بنيت من خلال أشخاص متعددين كمؤسسة قائمة بذاتها، ضامة لكافة المشارب والأطياف في العالم العربي من كل الاتجاهات دينية أو قومية أو ليبرالية، ومعظم كبار الصحافيين هم خريجو «الشرق الأوسط»، أكد على أنه رئيس تحرير ناجح جاء إلى الصحيفة في قمة مجدها لكنه أضاف لها مجدا ونفسا مميزا.
كان ذلك في العام 1998 حيث تبوأ عبد الرحمن الراشد، رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» تاركا العمل الإنتاجي الأسبوعي في «المجلة» نحو العمل اليومي، فحافظ على أسلوب وشخصية الصحيفة التي تركها سلفه ورفيق دربه، عثمان العمير، يميل الراشد إلى الإيجاز حتى في تقارير وأخبار وعناوين «الخضراء» كما في مقالاته، وجاءته الانتقادات بسبب ما اعتبره طيفا من قراء الصحيفة أنه قلل حضور الصفحات الثقافية، لكنه رغم ذلك لم يدخل سجالات الصحافة، وتمسك بتميز الصحيفة رغم عواصف الانتقادات التي طالتها خلال فترة الغزو الأميركي- البريطاني على العراق في العام 2003.
حافظ الراشد على استمرارية سهم «الخضراء» صاعدا ونابضا، وصنع في العام 2000 أبرز وأكثر الحوارات سخونة، مع رئيس النظام السوري اليوم، بشار الأسد، توقيت الحوار حين كان بشار الأسد، دون مسمى أو صفة تعريفية له في حياة والده الرئيس حينها، حافظ الأسد، حيث حاوره الراشد قبل وفاة والده بخمسة أيام، ونشره بعد يوم واحد فقط من وفاة الأسد الأب، فغضبت عليه سفارة دمشق في لندن، رغم تنويهه أن المقابلة أجريت سابقا من وفاة حافظ، لكن الراشد اقتنص بشار في الحوار، لعلمه أنه كان لاعبا في ظروف مرض والده، وبشار حينها في منتصف الثلاثينات من العمر.
كان حوار بشار قبل رئاسته، في محيط الأحداث، يجيب وكأنه الرئيس، قال للراشد الذي ظل مصرا على مسألة الوجود السوري في لبنان آنذاك، ومتى سينتهي فرد بشار: «حين ترى السلطة الشرعية اللبنانية أن الظروف باتت ملائمة لكي يستمر لبنان معافى من خلال قواه الذاتية، وتعلم سوريا بذلك فعندها ستقوم القوات السورية بالعودة إلى مواقعها الأساسية في بلادها»، وقال بشار حينها للراشد الشرس في الدوران حول السؤال، عما يسمى «حزب الله» بحكم علاقته بنظام دمشق يجيب بشار موجزا: «حزب الله لن يكون بديلاً عن الدولة اللبنانية».
وبعد عشرة أعوام على ذلك الحوار، ومع بدء انتفاضة شعبية ضد بشار الأسد في مارس (آذار) 2011. دوّن الراشد مقالا له هنا عنونه بـ«10 سنوات من لقاء بشار» قال عبد الرحمن إنه التقاه في أوائل العام 2011 لكن الراشد لمس معاداة بشار الأسد له، وخاصة بعد اغتيال رفيق الحريري، وشعر كذلك بخطورة النظام السوري، وانتهى الراشد في مقاله إلى قناعة عن بشار الأسد «كان الانطباع العام أن بشار في داخل دائرة الحكم لكنه لا يحكم، وأن هناك داخل العائلة ومحيطها من يقرر. هذه القناعة تولدت عند كثيرين بسبب الفارق الواضح بين ما كان يقول ويحدث (..) وقناعتي أن بشار إن لم يكن صاحب القرار الأول فهو صاحب القرار الأخير» بعد أن فشلت كل عناوين إصلاحه السياسي والاجتماعي، ليعود عبد الرحمن الراشد إلى الجزم والتأكيد بعد أشهر من اشتداد الثورة الشعبية على بشار إلى القول: إن نظام بشار واحد من أقسى الأنظمة في العالم وأشدها قمعا على مدى أربعين عاما، مذكرا بمشهد مقارب - وكأنها رسالة إلى الأسد - ما انتهى به حال القذافي.

* نكهة يومية في التحليل السياسي
الكتابة السياسية عند عبد الرحمن الراشد فنّ، لا مقال سياسي فحسب، بل ينتج العمل الفني المبسط للقارئ الصغير والكبير، يفهمه الكثيرون، يمارس فيها أدوارا لا يطبقها إلا الراشد فأضحت أسلوبا «راشديا»، يلقي الضوء على فكرته بموجز مقالي لا يتجاوز غالبا الثلاثمائة كلمة، يقول عن الكتابة إنها تمرين رياضي يومي له، فكان من ضمن رؤساء التحرير النادرين الذين مروا على رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» ويكتب مقالا فيها، واستمر منذ ما يقرب من عشرين عاما على كتابة النثر المقالي، ولم يكن من المثمر لقرائه توقفه ويصفه عدة بأنه «الكاتب الأعظم في الصحف العربية».
عثمان العمير، يحكي قصة بداية كتابة الراشد في عمود صحافي في «الشرق الأوسط»: «لست مع أن يكون رئيس التحرير كاتبا، لكن الراشد جمع بينهما ونجح، وكان ذلك عبر الناشرين هشام ومحمد علي حافظ» فيستذكر العمير أن الناشرين طلباه إلى مكتبهما وطلبا مشورته: نريد أن يكون الراشد كاتبا في «الشرق الأوسط» وهو حينها رئيسا لتحرير «المجلة»، وذلك بعد وفاة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، وقالا إنهما يعتقدان «أن الراشد سيكون أحمد بهاء الدين في كتابة العمود الصحافي»، يقول عثمان: أيدتهما، وبدأ العمود في عهدي، ويحكي أن الراشد يؤكد له طوال معرفته به، قوله: إنه «يفضل أن يكون كاتبا على أن يكون رئيس تحرير، هو متشبع بتلك الفكرة».
يصفه، جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة «عكاظ» السعودية، بـ«العازف» إن كتب وإن وقف في صالة التحرير، وصاحب مبدأ لم يتغير طوال العقود الماضية، وأضاف الذيابي أن ما يميز عبد الرحمن الراشد، أنه غير متسرع في الحكم ومُجيد في قراءة ما بين السطور، وغير مزيف للتاريخ، معتبرا كتاباته كالمعادلة الرياضية، وصاحب مبدأ ولم يتغير طوال السنوات الماضية منذ ثلاثة عقود، يقدم السهل الممتنع وليست مسطحة، وبسيطة على القارئ العادي، وغير سطحية، وأن آراءه حقيقية على الأرض، معتبرا إياه بالكاتب السياسي الأول الذي لا يستطيع أي محلل أن يقترب من منصة عبد الرحمن الراشد الكتابية.

* «العربية».. موسم الدخول إلى الحلبة
هنا قناة وليدة كانت على عتبة حدث إقليمي مهم، قناة إخبارية تولد قبل أيام من الغزو الأميركي- البريطاني للعراق في العام 2003. حينها لم يكن الراشد قد تسلم مهمته بعد، جاء بعد أكثر من عام ليبدأ مهمة التحدي أمام المشاهد العربي، بعد أن استأثرت قناة «الجزيرة» القطرية بالمشاهد العربي من خليج إلى محيط، وككرة القدم، لا تستطيع الانتصار إلا بالمواجهة ودوام المنافسة؛ لا يستسيغ عبد الرحمن الراشد أن يقف في حلبة المصارعة بين المتفرجين أو هتّافا من وراء الحبال، بل كان واثبا إلى الساحة.
قصة «العربية»، التي أتاها وهي لا تزال تجمع بعض بنيتها وتؤسسها وتبني هيكلتها الإدارية البشرية وبعض برامجها، جاءها بعد فترة قصيرة من تولي وزير الإعلام الأردني الأسبق، صالح القلاب، مهمة البدء لعام، ليأتي الراشد، بعد أن استقال من رحلة «الشرق الأوسط»، لينطلق إلى عشقه التخصصي، الشاشة، حاملا في روحه كل الطموح والتخطيط الذي عمل عليه إبان دراسته في الولايات المتحدة.
يقول فارس بن حزام، مدير التحرير بقناة «العربية» اليوم، واحد ممن بدأ مشوار العمل في القناة الحلم الجديدة مع الراشد بعد بضعة أشهر فقط، إن عبد الرحمن الراشد حضر لـ«العربية» ومنذ الوهلة الأولى كانت الصورة واضحة له، فعمل على ثلاثة مسارات: أولها صياغة سياسة تحريرية تتميز بها تختلف عن «الجزيرة»، وثانيها ضخ أكبر كم من الأسماء الشابة غالبيتهم لم يتجاوزوا الثلاثين عاما، وهم اليوم ينتجون الأخبار والبرامج والنشرات، وثالثها وضع اسم «العربية» على الخريطة العالمية كمنبر عربي.
فارس بن حزام في حديثه الهاتفي عن الراشد، أشار إلى بعض الرؤى التي سعى إليها عبد الرحمن، لجعل لمعة «العربية» مختلفة عن مثيلاتها من القنوات الإخبارية، فشعار «أن تعرف أكثر» قصده الراشد للمعرفة والخبر، فقلص البرامج وزاد كمية الأخبار، ولكنها أخبار نوعية –والحديث لفارس بن حزام - فتأسست قناة شقيقة هي «الحدث» لتكون منبرا للأخبار السياسية الصرفة، بينما العربية الأم التي خصصت 80 في المائة من بثها أخبارا، لكن صيغتها تحمل أسلوب ونفس الصحيفة، فهناك أربع ساعات يومية للاقتصاد، وأخبار وبرامج للرياضة، وأخرى للطب وبعض من الفن، بل وجعل كل ما هو خبر يستحق الظهور على الشاشة فسيظهر لجذب الجميع، مبينا ابن حزام أن نتائج عمله في «العربية» التي وصل إليها وجدها متطابقة تماما مع خططه فسلم الدفة لزملاء آخرين.
الصحافي التلفزيوني الرياضي في «العربية» بتال القوس، قال: إن الراشد يترك البصمة والعلامة الفارقة، بل ما يجمع عليه الكثيرون هو زراعة الحب بين العاملين معه، رغم مهنيته القاسية، ويستذكر بتّال مواقف عبد الرحمن الراشد، أنه لافت في الفصل بين الجانبين المهني والشخصي، لكنه حريص على إبقاء الروح الأخوية، وكلما أحس بمقدار الحدة في خطابه سرعان ما يجذب الطرف المتلقي لنقده المهني الحاد إلى دعوة ودية إلى خارج نطاق العمل.
بتال يضيف أن وجود البرامج الرياضية الشاملة خلال إدارة الراشد لـ«العربية» كانت مختلفة، وهو «أكثر من عملت معهم في حقل الإعلام حريص على ظهور الأحداث الرياضية وإبرازها لأنها تستقطب كافة المشاهدين»، ويؤكد القوس أنه علاوة على دقته ومتابعته للشأن الرياضي، إلا أنه جعل القناة في جمعها كصحيفة مرئية تغطي مختلف الجوانب، فلبى صنوف الحياة، وإن كانت هذه معادلة صعبة أن تستطيع الإمساك بكل ذلك دون أن تقع في زلل، لكن الراشد استطاع الموازنة بشكل دقيق في إطار الأخبار وحول الأخبار، كما يشير بتال القوس. وشغفه بالوثائقيات، حكاية استثنائية، كون علاقة الراشد أقدم من علاقته بأخبار الشاشة إذ كان أول إنتاج له في العام 1997 وكان يحكي فصول ما بعد حرب الخليج الثانية، وبعدها بعام أطلق فيلما وثائقيا عن مرور خمسين عاما على الصراع العربي الإسرائيلي، لأنه يؤمن بفرادة الوثائقيات، فسعى إلى تخصيص ميزانية لإنتاج وشراء الأفلام الوثائقية المتميزة معتمدا على النوع لا الكم خلال فترة إدارته للقناة، رغم أن سماء التلفزيون العامة تحلق بأكبر عدد من ساعات البث للأفلام، لكن الراشد ركز على أن تكون الوثائقيات متزامنة وموجزة معطيا بعدا إيجابيا في تسويق مادته الوثائقية.
بعد فوز عبد الرحمن الراشد بجائزة الصحافة العربية كشخصية العام الإعلامية، وهي جائزة حصدها عثمان العمير قبل عشرة أعوام، بلهجة الفخر يتحدث العمير عن الراشد: «واثقٌ كثيرا به لأنه رجل متعدد المواهب، والدليل هو المناصب التي تحداها وجعلها منجزات، ونجاحه أيضا في التواجد على الساحة منذ ثلاثين عاما، لأن هناك أناسا لا يستطيعون مقاومة الزمن».
يروي بكر عويضة مساعد رئيس التحرير في فترة رئاسة الراشد لرئاسة تحرير «الشرق الأوسط» جوانب أساسية من أسلوبه المِهني: التدقيق، الالتزام بالمواعيد، والحرص على التفاصيل، ثم تعرّفوا على سمات واضحة في شخصه: حُسن الخُلُق، صلابة العزم، والتسامح مع الحزم.
يقول عويضة إنني سعدت بالتعرّف على عبد الرحمن الراشد، قبل أن نعمل معًا، عندما كان يتولى مسؤولية مدير مكتب صحيفة «الجزيرة» بواشنطن، ومنذ ذلك الوقت بدا لي التميّز الواضح في شخص الراشد، الإنسان أولاً، والصحافي ثانيًا. ثم بدأ التعامل مع رئيس تحرير «المجلة» وكاتب العامود السياسي في صفحات الرأي بجريدة «الشرق الأوسط»، فاتضحت الصورة أكثر، راح يُكثر من تذكيري بما خلاصته: لا تؤخر مواعيد تسليم الصفحة إنْ تأخرت مادتي. ثم تسلم الراشد رئاسة تحرير صحيفة «العرب الدولية» من عثمان العمير، وحصل صباح أول أيام رئاسته (15 سبتمبر 1998) أن جلست معه بعد اجتماع التحرير، قلت: ربما أصبح لدينا إشكال الآن. قرأت التساؤل على وجهه، فأضفت: قد يفهم البعض ما تكتبه على أنه أهم من افتتاحية الجريدة (زمن ذاك كانت للجريدة افتتاحيتها) ولأنك رئيس التحرير فقد يُحمّل رأيك أكثر مما يحتمل. لم يعترض على ما قلت، بل كتب فأوضح ما مضمونه أنه في مساحة عموده اليومي يخلع قبعة رئيس التحرير ويمثل شخصه فقط.



مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
TT

مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي

تُعدّ مقدمة النشرة الإخبارية في المحطات التلفزيونية اللبنانية مرآةً لهويتها السياسية؛ إذ تعكس توجهها التحريري وخطابها الإعلامي، وتشكل البصمة الأولى التي تميزها عن سواها. كما تكشف المقدمة موقف المحطة من أبرز أحداث اليوم قبل الانتقال إلى تفاصيلها.

وعادة ما يتولى رؤساء تحرير نشرات الأخبار كتابة هذه المقدمة، فتأتي في قالب مقال تلفزيوني مباشر يتضمن رأياً واضحاً أو موقفاً صريحاً من الأحداث. وفي أحيان أخرى تُحاك المقدمة بعناية من خلال انتقاء أحداث وربطها في سياق يخدم رؤية المحطة والرسالة التي ترغب في إيصالها إلى المشاهد. أما الأسلوب الثالث، وهو الأكثر صعوبة، فيرتكز على مقاربة موضوعية في اختيار الأحداث، بحيث تكون الأولوية لقيمتها الخبرية، بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع توجه المحطة أو تخدم مصلحتها.

ويعود تقليد مقدمات نشرات الأخبار في المحطات اللبنانية إلى سنوات الحرب الأهلية، حين لم تعد النشرة مجرد عرضٍ للأحداث، بل تحولت إلى منبر يعكس التوجه السياسي للمحطة وموقفها من التطورات الميدانية. وكان تلفزيون لبنان الرسمي من أوائل من اعتمد هذا الأسلوب؛ إذ كانت مقدمة النشرة تعبّر بوضوح عن موقف السلطة اللبنانية من الأحداث الجارية. ومع اشتداد الانقسامات السياسية، انعكس هذا الواقع على الشاشة نفسها، فبرز التباين بين نشرات مركزي المحطة في منطقتي تلة الخياط (بيروت الغربية) والحازمية (بيروت الشرقية). ولم يقتصر الاختلاف على طريقة عرض الأخبار، بل امتد إلى مقدمات النشرات، التي كانت تتحول أحياناً إلى سجال سياسي مباشر، يرد فيه رئيس تحرير أحد المركزين على الآخر بلغة نقدية لاذعة، في مشهد جسّد الانقسام الذي كان يعيشه لبنان آنذاك. وسرعان ما انتقل هذا التقليد إلى محطات تلفزيونية أخرى، فأصبح جزءاً أساسياً من هوية نشراتها الإخبارية. واعتمدته محطات عدة، منها «إل بي سي آي» و«الجديد» و«إم تي في» و«أو تي في» وغيرها، حتى غدت مقدمة النشرة ركناً ثابتاً في برمجة الأخبار، واستُخدمت في مراحل كثيرة منصةً لتبادل الرسائل والاتهامات السياسية بين المحطات.

وليد عبود: مقدمة النشرة

الإعلامي وليد عبّود يعد مقدمة الأخبار تعكس هوية المحطة

تعكس الهوية السياسية للمحطة

يتولى الإعلامي وليد عبود كتابة مقدمة نشرات الأخبار في تلفزيون «إم تي في»، من موقعه كرئيس تحرير، ومستنداً إلى أبرز أحداث اليوم ينسج منها نصاً يربط بين الوقائع المحلية والتطورات الإقليمية والدولية. وفي كثير من الأحيان، تفرض الأحداث الطارئة نفسها، فيجد نفسه مضطراً إلى إعادة صياغة المقدمة بالكامل، أو حتى قلبها رأساً على عقب، لتواكب المستجدات.

يقول وليد عبود في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تمثل مقدمة النشرة الهوية السياسية للمحطة. سواء حملت رسائل مباشرة أم جاءت بصيغة غير مباشرة، فإن اختيار حدث معين وتسليط الضوء عليه، لا بد أن يعكس توجه المحطة وسياستها».

ويؤكد أنه اضطر مراراً إلى إعادة كتابة المقدمة بسبب تطورات متأخرة، كخطاب للرئيس الأميركي أو حدثٍ أمني أو سياسي مفاجئ يطول لبنان. ويضيف: «يجب أن تواكب المقدمة أي مستجدٍّ بارزٍ على الأرض، وأحياناً تتغير المقدمة بالكامل قبل خمس دقائق فقط من موعد بث النشرة».

وعن تأثيرها في المشاهد والأسلوب المعتمد لجذب انتباهه يقول: «من المهم جداً أن يدرك المشاهد التوجه السياسي للمحطة. وعادة ما يتحول إلى المحطة التي تشبهه فتكون بمثابة مرآة لمواقفه. ومن الضروري محاكاته ببساطة كي تصله رسائل المقدمة بسرعة؛ لذلك نحرص على أن تكون مكثفة، وواضحة، وسريعة الإيقاع، من دون الوقوع في الإثارة المجانية، وأن تعكس في الوقت نفسه رؤية المحطة للأحداث».

مقدمات النشرات... خصوصية لبنانية تكاد تغيب عن الغرب

يُعدّ أسلوب افتتاح نشرات الأخبار بمقدمة مكتوبة بعناية، تربط بين أحداث اليوم وتقدّم قراءة سياسية لها، من الخصوصيات التي تميّز عدداً كبيراً من المحطات اللبنانية والعربية. أما في معظم المحطات الغربية، فتبدأ النشرات مباشرة بعرض أبرز الأخبار. في المقابل، تعكس هذه المحطات توجهها التحريري من خلال طريقة اختيار الأخبار، وترتيبها، وصياغة التقارير المصورة، فضلاً عن النصوص المقتضبة التي تسبقها أو ترافقها.

أما في لبنان، فلا تخفي غالبية المحطات هويتها السياسية، بل تعلنها بوضوح من خلال مقدمة النشرة التي تشكل مساحة للتعليق والتحليل ورسم الإطار الذي ستُقرأ من خلاله أحداث اليوم. وعادة لا تتجاوز مدة المقدمة دقيقتين؛ لأن الإطالة تدفع المشاهد إلى تغيير القناة والانتقال إلى أخرى. لذلك، يحرص المعدّون على التكثيف والإيقاع السريعين، مع المحافظة على شدّ انتباه الجمهور منذ اللحظات الأولى.

بعض مقدمات الإعلامي جان فغالي لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية

علي نور الدين: مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة

يرى مدير الأخبار والبرامج السياسية في تلفزيون «إن بي إن»، علي نور الدين، أن مقدمة النشرة تكاد تكون ظاهرة لبنانية بامتياز. ويعزو ذلك إلى طبيعة الجمهور اللبناني المسيّس، الذي يميل إلى متابعة التحليلات وإبداء رأيه في التطورات. ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن المقدمة تعكس الخط التحريري للمحطة، كما تمنح المشاهد خلاصة سريعة عن مضمون النشرة واتجاهها العام.

ويضيف: «لا تعتمد جميع القنوات الأسلوب نفسه في كتابة المقدمات، فبعضها يركز على إيصال الرسائل التي تعكس رؤية المحطة وتوجهاتها. لكن القاعدة الأساسية تبقى أن تكون المقدمة مختصرة، ومكثفة، وقادرة على تلخيص أبرز محاور النشرة وخطها التحريري». ويؤكد أن الاختصار دليل على الحرفية الصحافية، موضحاً: «كلما كانت المقدمة أكثر إيجازاً ازدادت قوتها، إلا إذا فرض حدث استثنائي مساحة أوسع للشرح».

ويعيد نور الدين نشأة هذا التقليد الإعلامي إلى أواخر الحرب الأهلية، وما تلاها من مرحلة اتفاق الطائف وولادة محطات تلفزيونية جديدة؛ حيث سعت كل محطة إلى إبراز هويتها السياسية واستقطاب جمهور يتماهى مع توجهاتها. ويقول: «مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة، فهي تختصر الموقف وتحدد زاوية تناول الأحداث».

وبحكم عمله في الصحافة المكتوبة أيضاً، يرى نور الدين أن «المقالة البصرية» باتت أكثر تأثيراً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يفضل الجمهور تلقي المعلومات بسرعة واختصار. لذلك، تمتلك مقدمة النشرة قدرة كبيرة على التأثير وبث التفاعل؛ لأنها تقدم قراءة سريعة للأحداث بلغة مكثفة وسهلة التداول.

ويتابع: «في النهاية، لا يمكن لأي محطة أن تكتفي بمخاطبة جمهور يشبهها سياسياً. فإذا أرادت الاستمرار، فعليها أن تتوجه إلى شريحة أوسع من المشاهدين، من خلال أسلوب مهني يجذبهم، سواء اتفقوا مع توجهها أم اختلفوا». ويختم: «أعدّ قناة (إن بي إن) من المحطات التي لا تعتمد الإثارة أو الفضائح في نشراتها الإخبارية، وهذا ما يميزها».

جان فغالي: المهنية قبل السياسة

من جهته، يؤكد رئيس تحرير نشرات الأخبار في «إل بي سي آي»، جان فغالي، الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في هذا المجال، أن المحطة تعتمد في مقدماتها خطاً مهنياً أكثر منه سياسياً، قائلاً: «نحرص في (إل بي سي آي) على الموضوعية والدقة في عرض الأخبار. لا ننحاز إلى أي طرف، إلا عندما يتعلق الأمر بانتقاد قضية تمس المصلحة العامة». ويشير إلى أن بعض المقدمات التي كتبها لا تزال راسخة في ذاكرة الجمهور، حسب رأيه، ومن بينها المقدمة التي استُهلت بعبارة «شعب بلا مخ» خلال جائحة كورونا. ويوضح: «هذا النوع من المقدمات ينطلق من موقف واضح تجاه سلوك أو حدث معين، أكثر مما يقدم مجرد تلخيص للأخبار».

ويكشف فغالي أن أي مقدمة لا تُبث قبل إطلاع إدارة المحطة عليها، موضحاً: «صاحب المحطة يتابع النشرة، ولديه أيضاً رؤيته السياسية؛ لذلك لا تمر أي مقدمة قبل موافقته».

أما عن مواصفات المقدمة الناجحة، فيختصرها بالقول: «يجب أن تكون مختصرة، وسريعة، ومكتوبة بلغة بسيطة وجمل قصيرة؛ بحيث تصل إلى جميع المشاهدين بسهولة». ويختم مؤكداً أن غياب المقدمات عن نشرات الأخبار الغربية لا يعني غياب التوجهات السياسية، مضيفاً: «لا توجد مؤسسة إعلامية من دون خط تحريري أو رؤية، لكن طريقة التعبير تختلف من وسيلة إعلامية إلى أخرى».


تراجع تمويل «تدقيق الحقائق» يثير مخاوف من انتشار «الأخبار المضللة»

جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي  (معهد نيمان لاب)
جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي (معهد نيمان لاب)
TT

تراجع تمويل «تدقيق الحقائق» يثير مخاوف من انتشار «الأخبار المضللة»

جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي  (معهد نيمان لاب)
جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي (معهد نيمان لاب)

أثار تراجع تمويل شبكات ومؤسسات «تدقيق الحقائق» مخاوف بشأن انتشار «الأخبار المضللة»، لا سيما مع زيادة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وأرجع خبراء تراجع التمويل إلى «عدم اهتمام شركات التكنولوجيا بهذا الملف، وإلقاء عبء كشف التضليل على المستخدم».

كان تراجع التمويل إحدى النقاط الرئيسية التي ناقشها المؤتمر السنوي لـ«الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات (IFCN)» التابعة لمعهد «بوينتر»، الذي عُقد في ليتوانيا الشهر الماضي. وأشار «معهد نيمان لاب»، المتخصص في دراسات الإعلام، في تقريره عن المؤتمر، إلى أن «إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أغلقت في عام 2024 منحاً كانت تقدم لمنظمات تدقيق المعلومات حول العالم».

كما أنهت شركة «ميتا»، العالم الماضي، برنامجها لتدقيق المعلومات عبر أطراف ثالثة في الولايات المتحدة، والذي كان مصدر دخل مهماً للشبكة الدولية لتدقيق المعلومات، وفق تقرير «معهد نيمان»، الذي أشار إلى أن «أحد مؤشرات تراجع دعم شركات التكنولوجيا لمدققي الحقائق كان ضعف تمثيلها في المؤتمر، حيث لم ترسل (ميتا) و(غوغل) وفداً للمؤتمر».

وخاطبت إنجي دروبنيك هولان، مديرة الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات وزميلة «معهد نيمان» لعام 2023، في كلمتها خلال المؤتمر، منصات التكنولوجيا الغائبة عن المؤتمر، بقولها: «عودوا إلينا في العمل على جعل المعلومات الدقيقة وعالية الجودة متاحة للجميع».

الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا»، مهران كيالي، قال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «منصات التواصل الاجتماعي الكبرى اكتشفت بمرحلة ما أن الحرب ضد (الأخبار المضللة) ليست حربها، وأن هذا النوع من المشاريع يوقعها بمسؤولية قانونية تجاه المعلومات التي يتم نشرها عبر منصاتها، ناهيك بالضغوط السياسية المتوقعة وما تسببه من ضغط تمويلي».

وأضاف أن «ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة كان سيفاً ذا حدين على هذا النوع من المشاريع؛ فمن جهة تمكنت هذه الأدوات من أن تحل مكان شركات تدقيق المحتوى المكلفة، ومن ناحية أخرى بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي بعمل محتوى يصعب على البشر معرفة ما إذا كان حقيقياً أم مزيفاً».

وتابع أن «أدوات الذكاء الاصطناعي هي نعمة ونقمة في الوقت نفسه؛ والشعرة التي بين هذين الطريقين هي طريقة الاستخدام»، مشيراً إلى «سهولة إنتاج المحتوى وسرعة انتشاره وانخفاض تكلفته». ولفت في هذا الصدد إلى «كم الفيديوهات المزيفة التي تم نشرها خلال وبعد الانتخابات الأميركية في 2016».

وحسب كيالي فإن «وسائل التواصل وحتى (غوغل) ألقت عبء تدقيق المعلومات على عاتق المُستخدم، وجعلته يُبلغ عن أي معلومات مضللة»، مشدداً على «ضرورة اهتمام مؤسسات الإعلام بالعمل على تدقيق المعلومات وكشف التزييف». وتحدث التقرير السنوي للشبكة الدولية لتدقيق المعلومات، في أبريل (نيسان) الماضي، عن أن 62 في المائة من منظمات تدقيق الحقائق الـ141 التي شملها المسح زادت جماهيرها في عام 2025، لكن 22 في المائة فقط منها وصفت وضعها المالي بأنه «مستدام».

عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة، أكد في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «شركات التكنولوجيا الكبرى والجهات المانحة عادةً ما تركز منحها وتمويلها على موضوعات معينة تتغير من آن لآخر حسب مستهدفات تلك الجهات، دون النظر إلى تأثير هذه البرامج الفعلي على الأرض».

وأضاف أن «هذه الشركات لم تعد ترى في تدقيق الحقائق هدفاً في الوقت الحالي، مما يوجب على مؤسسات الإعلام وشبكات تدقيق الحقائق إيجاد حلول تمويلية بديلة»، مشيراً إلى أن «زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي حالياً يزيد من مخاوف انتشار التضليل المعلوماتي»، موضحاً أن «مؤسسات الإعلام ستظل هي الحارس الرئيسي للمعلومات».

بالفعل، وضع تراجع التمويل مؤسسات تدقيق الحقائق في مفترق طرق، بحثاً عن طرق جديدة لتحقيق الدخل، بالتوازي مع الاستمرار في خدمة الجمهور، لا سيما مع انتشار ما يسمى «تسميم نماذج اللغة الكبيرة» عبر إغراق الإنترنت بمقالات مضللة لتنعكس في المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، حسب تقرير معهد «نيمان لاب».


هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
TT

هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)

مع ازدياد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مهام عدة، يزداد الجدل بشأن إمكانية استخدامه في كتابة القصص الصحافية. وبينما اعتبر خبراء أن هذا الاستخدام «مفيد»؛ لا سيما في تحديد القصص الصحافية وصياغة العناوين، فإنهم أكدوا أن «المراجعة البشرية تظل ضرورية».

وأشار تقرير نشرته مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، الأسبوع الماضي، إلى ما وصفه بـ«نصائح متضاربة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص والعناوين الصحافية».

ووفقاً للتقرير الذي أعدته الأستاذة في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أنيكا كولير نفارولي، فإن «كتابة العناوين واحدة من الأدوار التي يمكن أن تؤديها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع تطوير نماذجها اللغوية لتصبح مؤهلة لاقتراح العنوان الأنسب».

لكن في الوقت ذاته، فإن «الأمر لا يخلو من مخاطر»، حسبما يوضح التقرير الذي يشير إلى أن «إرسال مواد غير منشورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغتها وتدقيقها، يُثير تساؤلات بشأن حقوق الملكية الفكرية، وما إذا كانت هذه التطبيقات ستعيد استخدام المحتوى، ما يُعرِّض الصحافي لمخاطر قانونية وأمنية».

وقال التقرير إن «صناعة الذكاء الاصطناعي التي تقدَّر قيمتها بنحو 3 تريليونات دولار، اعتمدت على أعمال صحافيين تم تدريب الروبوتات عليها، من دون موافقة من صُناع المحتوى أو تعويضهم عن ذلك»، لافتاً إلى تحقيق أجرته «واشنطن بوست» أثبت أن «نصف المواقع العشرة الأولى التي استُخدمت في تدريب الذكاء الاصطناعي كانت مواقع إخبارية».

وحسب تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «بعد نفاد البيانات المتاحة، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في الاعتماد على البيانات الاصطناعية لتدريب الذكاء الاصطناعي، أي الاعتماد على ما ينتجه الذكاء الاصطناعي نفسه، ما يثير مخاوف بشأن ترسيخ تحيُّزات وهلوسات الذكاء الاصطناعي».

وفي رأي الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، فإن الذكاء الاصطناعي «يمكن أن يكون أداة مفيدة في تحرير القصص الصحافية؛ بل وحتى في صياغة العناوين». ولكنه أوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن «العنصر البشري يظل ضرورياً في مرحلة المراجعة النهائية للقصص الصحافية».

وقال إن «الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يحلَّ بالكامل محل الذكاء البشري، فهو مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»، لافتاً إلى أنه «في كثير من الحالات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد أيضاً في اختيار الكلمات، مثل اقتراح المرادفات، وتحسين جودة الصياغة، وتوضيح المعاني».

وأكد إكو «ضرورة وضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع محددات بشأن مدى ملاءمة مشاركة معلومات سرية عبر هذه التطبيقات». وقال إن «التطورات التكنولوجية المتسارعة تتطلب إعادة مناقشة الأخلاقيات الإعلامية والمعايير المهنية، لا سيما مع انحيازات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعروفة».

ويوصي رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، بضرورة «تدقيق المعلومات التي يتم استقاؤها من الذكاء الاصطناعي، وعدم الاعتماد بشكل كلي عليها». كما يلفت إلى أن «الصحافي قد يرى في هذه التطبيقات أدوات تُسهِّل عمله؛ لكن استمرار الاعتماد عليها سيفقده مهارته، ويقضي على التنوع في القصص والقوالب؛ لا سيما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت تكرر القصص والعناوين وزوايا المعالجة ذاتها».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

وأشار تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» إلى «اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي على مسودات المستخدمين والأوامر المكتوبة بأيدي البشر لتدريب نماذجها»، ولفت إلى دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد في سبتمبر (أيلول) الماضي، وجاء فيها أن «شركات مثل (أمازون)، و(أنثروبيك)، و(غوغل)، و(ميتا)، و(مايكروسوفت)، و(أوبن إيه آي) تستخدم بيانات محادثات مستخدميهم، لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها».

وخلص التقرير إلى «التحذير من مخاطر إدخال مسودات أو معلومات سرية إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نظراً لعدم معرفة الطريقة التي سيتم بها استخدام هذه المعلومات أو البيانات».

من جهتها، أكدت الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، أستاذة الإعلام والتواصل، الدكتورة سالي حمود: «إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية»؛ لكنها قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي يفتقد العمق والتحليل البشري في تحرير القصص، وصياغة العناوين أو تحسينها، واختيار الكلمات والحفاظ على الموضوعية».

وحول ما يتعلق بالعناوين، أفادت الدكتورة سالي حمود بأن «العناوين مهمة جداً؛ كونها دلالات مرتبطة بالسياق والثقافة الشعبية، ويجب أن تكون جذابة، وهو ما يفتقده الذكاء الاصطناعي»، موضحة أن «الذكاء الاصطناعي له تحيزاته التي تؤثر في العمل الصحافي وفي زوايا الكتابة الصحافية، ما يتسبب في تكرار معالجة القضايا والزوايا نفسها باستمرار».

وترى الباحثة الإعلامية اللبنانية «ضرورة العمل على وضع أطر مؤسسية ممنهجة، بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في صالات التحرير وغرف الأخبار، ليصبح جزءاً من العملية التحريرية، ما يعزز فوائده ويقلل أضراره».

وبينما ينصح خبراء بـ«عدم إدخال البيانات السرية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لحين معرفة الآلية التي سيتم بها إعادة استخدامها»، تبقى الخيارات أمام الصحافي محدودة، في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، وسط مطالبات بحوكمتها، ووضع قواعد لاستخدامها لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى صيغة واضحة، في الوقت الذي يستمر فيه الصراع بشأن الملكية الفكرية للمعلومات بين المؤسسات الإعلامية الكبرى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتحدَّث تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، عن اتجاه أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة إلى «حظر أو تقييد الوصول لأرشيفهم على الإنترنت؛ إثر تصاعد استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي، دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى».

ووفق تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، نهاية يونيو (حزيران) الجاري، فإن «الخيار الأقل خطراً فيما يتعلق بمسودات الصحافيين غير المنشورة، هو استخدام نموذج لغوي كبير محلي». وأوضح أن «هذا نوع من نماذج اللغة الكبيرة يُمكن تشغيله على جهاز الحاسب الآلي، تمتلكه غرفة الأخبار أو الصحافي نفسه».

ولفت التقرير إلى أن «هذا النوع من النماذج يتيح للمؤسسة أو الصحافي، القدرة على تحديد كيفية استخدام النماذج للبيانات». ولكنه أشار إلى أن «هذا النوع من النماذج المحلية ليس شائعاً». واقترح «تحالف أدوات غرف الأخبار» وهي فكرة اقترحها باحثون العام الماضي كبديل «أكثر أماناً للتعامل مع المسودات غير المنشورة».

وحسب «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «حتى تصبح هذه الحلول أكثر انتشاراً، يجب على الصحافيين التدقيق في سياسات الخصوصية الخاصة بالنماذج المتاحة للجمهور، والتفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي، أو رفض السماح باستخدام مدخلات الدردشة في عمليات تدريب جديدة، والمضي قُدماً بحذر في أفضل الأحوال».

«الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»