الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

من الصحافة الورقية إلى التلفزيون حرص على التوازن ونقل وجهة النظر الأخرى حتى لو كانت جدلية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية
TT

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

الراشد.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة الإعلامية

هو حالة خاصة، وقصة جديرة بالاهتمام في الإعلام السعودي، والعربي عموما.. قبل أيام صعد إلى منصة التكريم كشخصية العام الإعلامية، في منتدى الإعلام العربي، في دورته الخامسة عشرة، الذي ينظمه نادي دبي للصحافة. وإن تأخر تكريمه، لكنه حضر، فهو شامخ الجيل الحالي، ورابط بين جيلين إعلاميين، وأجيال.. أخرى قادمة.
ثلاث محطات رئيسية في مسيرة الراشد الإعلامية «المجلة» الأسبوعية و«الشرق الأوسط» اليومية ثم قناة التلفزيون الإخبارية في كل منها أسهم بقدر ملحوظ في تغيير قواعد اللعبة الإعلامية، وهو دائما كان مع التوازن وتقديم وجهتي النظر إلى المتلقي العربي حتى لو أثار حفيظة البعض الذين اعتادوا أن يكون الإعلام العربي في قالب معين. يعرف الراشد أهمية الإعلام وهو الذي قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) 2008 إن التلفزيون هو من جعل أسامة بن لادن نجما وكان يشير إلى الشرائط التي كانت تتنافس تلفزيونات على إذاعتها وساهمت قي جذب مجندين لـ«القاعدة». غير الراشد قواعد اللعبة فحتى المنافسون توقفوا عن استخدام تعبيرات المقاومة على كل من يحمل سلاحا واستخدموا تعبير مسلحين ولم يعد كل من يقتل شهيدا وحرص على إبراز التكلفة الإنسانية للإرهاب من خلال برنامج صناعة الموت في «العربية».
طبعه الشخصي هادئ لكنه لا يخشى إثارة الجدل مثلما يفعل دائما في مقالاته الشهير بـ«الشرق الأوسط». حرص رغم أعباء منصب إدارة قناة إخبارية على الاحتفاظ بزاويته المكتوبة في «الشرق الأوسط» التي خاض معها بامتياز وتألق في معارك تغطية أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وحرب العراق في 2003 ودخولها كأول صحيفة عربية تطبع هناك ومعركة انتخابات الرئاسة بين بوش وآل جور حيث قامت الصحيفة بطبعة ثانية في وقت متأخر في زخم هذه الأحداث.
قال في مقاله بعد تكريمه بشخصية العام: «يجب علي الاعتراف بأن الجائزة لا تخصني وحدي، لأن كل ما حققته كان عملا جماعيا، سواء في المطبوع أو التلفزيوني أو الوثائقي أو الرقمي والتواصلي (..) والمعارك التي خضتها بعضهم دفع حياته لها، تغمدهم الله برحمته. لم تكن وظيفة روتينية ولم نكن في منافسة مهنية محترمة». من زاملوه يعلمون مدى عشقه لهذه المهنة، التي أصبحت مكوّن عائلته الأول، إذ إن ارتباطه بساعات العمل، ليس بالجسد فقط، لكنه يدق أبوابه مع افتتاح عينه في صباحات الزمن، وتنتهي مع إسدال ستار الجفون على عين الخبير، فهو المراقب جسدا وتقنيا عبر أجهزة الاتصال والمشاهد من خلال أعين وآراء المشاهدين، عاملا لمهنته وصالحها، بما يتجاوز 15 ساعة يوميا، سواء في مجلته، أو صحيفته، أو قناته، أو منتجاته.

* ماركة إعلامية
عبد الرحمن بن حمد الراشد، بثنائية الاسم (عبد الرحمن الراشد)، ماركة إعلامية سعودية، تشبه علامات الجودة في المنتجات، فصنعه فريد، ورسالته عميقة. يقول أحد العارفين عنه بمطبخ قناة «العربية» التي عُرف بها متوهجا, هو «أشبه بمبدأ اجتماعي أو سياسي، هو كالديمقراطية والتنوير مثالين، ينبغي أن يكافح الإعلاميون لوضع منهجه أسلوب عمل وحياة مهنية».
عبد الرحمن هو أحد الراشدين في إعلام السعودية، وأهمهم، يتجاوز بحر الخمسين من عمره، ولا يعرف في تاريخه إلا تفوقه، ولد في وطنه المملكة العربية السعودية، وتتلمذ، ومارس العمل الصحافي من داخل المدرسة، ومتعاونا لاحقا في صحيفة «الجزيرة» السعودية، قبل أن يصعد بحماسته وطموحه إلى موجة التميز العالية.
عايش هموم الصحافيين السعوديين، وتعنّت قطاعات عدة في مراحل تنمية سعودية كان أولى أن تحظى بجناح إعلامي يحلق بها، كان يصارع من أجل تصريح من مسؤول، حاملا مسجله الصغير لعل ما يقال يشفع له أن ينشر، لكنه كان يتوق إلى شيء آخر، إلى تميز يكسر رتابة العمل الإعلامي آنذاك، فانطلق نحو الولايات المتحدة الأميركية في العام 1980. وفيها عمل مراسلا لصحيفته «الجزيرة»، ثم مديرا لمكتبها في واشنطن، وطوال الأعوام الخمسة التي قضاها هناك في دراسة «الإنتاج السينمائي»، لاحظ من قرب هدير الآلة الإعلامية والانفتاح المعلوماتي في العمل الصحافي، للبحث في مهنة الحقائق (الصحافة) فكأن شيئا من بذوره عرفت حقولها التي تتوق إليها.
يقول عثمان العمير، ناشر صحيفة «إيلاف»، ورئيس تحرير «الشرق الأوسط» الأسبق، واصفا عبد الرحمن الراشد: «هو رفيق عمر، وإن كنت أكبر منه سنا، وكان لي الشرف في ترافقنا بصحيفة (الجزيرة)، انتقلت إلى لندن، وهو انتقل إلى واشنطن، وأصبح مسؤولا للجريدة في واشنطن، وأنا في لندن»، يقول العمير في سؤال لي «أتعلم مالغريب؟.. أنا والراشد نختلف كشخصين بشكل غير عادي في العادات والتصرفات والمواقف، لكننا نتفق في الصداقة والاحترام والمحبة بيننا، وكنا نتراسل في ذلك الوقت بين عاصمتين»، ويضيف: «حين أُبعد خالد المالك عن صحيفة (الجزيرة)، تضامننا معه وأضربنا أنا والراشد إضرابا صامتا، لكن تم إبقاؤنا في مناصبنا رغم أننا لم نتعاون بشكل إيجابي مع القيادة الجديدة».
* من واشنطن إلى لندن.. مرحلة «المجلة» الذهبية
حزم الراشد حقائبه نحو لندن، لأن العمير الذي سبقه وأصبح رئيسا لتحرير «المجلة» أتاح له الفرصة الذهبية، بعد أن تسلح بكل المعرفة الثرية للصحافة من بلاد أميركا، التحق بالعمل في العام 1985 في مجلة «المجلة» التابعة للشركة السعودية للأبحاث والنشر من لندن نائبا لرئيس التحرير، وشهد عصرا مميزا للمجلة العربية الرائدة، كانت «المجلة» الأسبوعية معقدة العمل، يقول الراشد في حديث خلال تجمع إعلامي كان ضيفه «(المجلة) جهد عمل أسبوعي كانت تمثل تحديا كبيرا لأن القارئ المتجه لشرائها عليه أن يجد محتوى مختلفا يستحق عناء الشراء؛ لأنها بحاجة إلى موضوعات شاملة وعناوين متنوعة وفقا لتبويبها وزمنها».
وبعد عامين في «المجلة» أصبح رئيسا لتحريرها ومكث فيها قرابة عشرة أعوام، حاور خلال تسنمه رئاسة التحرير عددا من الزعماء والسياسيين الكبار، ولعل حواره مع الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، أحد الحوارات البارزة، استنطق الراشد مبارك، وكان الحوار في العام 1989 بعد انقلاب عسكري أطاح بالصادق المهدي من سدة رئاسة السودان، البلد المجاور لمصر، حينها كان هناك عنوان بارز قاله مبارك للراشد «لن أعمل من جمال مبارك وليّا للعهد» وفي هامش الحوار كتب الراشد عن الرئيس مبارك: «هذا الرجل ذو القفازات الحريرية تمكن من ضبط مقاليد الأمور المحلية، رغم محاولات تصعيدها من قبل جماعات متطرفة، وتمكّن من وضع بلاده في المحور بعد أن كانت في الطرف، فأعاد للمنطقة توازنها الطبيعي». قال العمير: «أنا مؤمن بالراشد وقدرته كثيرا، لم يكن في ذهني سوى الراشد ليشاركني المهام، وبيننا ولم يكن هناك رئيس ومرؤوس بل كنا نتشارك وساهم هذا الراشد في تحقيق إنجازات كبيرة، وفتح نافذة أجنبية، وهو من استقطب، إدوارد سعيد، ليكتب لأول مرة في صحيفة عربية».

* المرحلة «الخضراء»
«كنتُ واثقا بالراشد، أن يضيف نجاحات لـ(«الشرق الأوسط»)» هكذا قال عثمان العمير وهو يودع صحيفته بعد أحد عشر عاما في رئاسة التحرير، ليسلمها لسنوات مثلها لعبد الرحمن الراشد، قال العمير إن بنية «الشرق الأوسط» قوية، بنيت من خلال أشخاص متعددين كمؤسسة قائمة بذاتها، ضامة لكافة المشارب والأطياف في العالم العربي من كل الاتجاهات دينية أو قومية أو ليبرالية، ومعظم كبار الصحافيين هم خريجو «الشرق الأوسط»، أكد على أنه رئيس تحرير ناجح جاء إلى الصحيفة في قمة مجدها لكنه أضاف لها مجدا ونفسا مميزا.
كان ذلك في العام 1998 حيث تبوأ عبد الرحمن الراشد، رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» تاركا العمل الإنتاجي الأسبوعي في «المجلة» نحو العمل اليومي، فحافظ على أسلوب وشخصية الصحيفة التي تركها سلفه ورفيق دربه، عثمان العمير، يميل الراشد إلى الإيجاز حتى في تقارير وأخبار وعناوين «الخضراء» كما في مقالاته، وجاءته الانتقادات بسبب ما اعتبره طيفا من قراء الصحيفة أنه قلل حضور الصفحات الثقافية، لكنه رغم ذلك لم يدخل سجالات الصحافة، وتمسك بتميز الصحيفة رغم عواصف الانتقادات التي طالتها خلال فترة الغزو الأميركي- البريطاني على العراق في العام 2003.
حافظ الراشد على استمرارية سهم «الخضراء» صاعدا ونابضا، وصنع في العام 2000 أبرز وأكثر الحوارات سخونة، مع رئيس النظام السوري اليوم، بشار الأسد، توقيت الحوار حين كان بشار الأسد، دون مسمى أو صفة تعريفية له في حياة والده الرئيس حينها، حافظ الأسد، حيث حاوره الراشد قبل وفاة والده بخمسة أيام، ونشره بعد يوم واحد فقط من وفاة الأسد الأب، فغضبت عليه سفارة دمشق في لندن، رغم تنويهه أن المقابلة أجريت سابقا من وفاة حافظ، لكن الراشد اقتنص بشار في الحوار، لعلمه أنه كان لاعبا في ظروف مرض والده، وبشار حينها في منتصف الثلاثينات من العمر.
كان حوار بشار قبل رئاسته، في محيط الأحداث، يجيب وكأنه الرئيس، قال للراشد الذي ظل مصرا على مسألة الوجود السوري في لبنان آنذاك، ومتى سينتهي فرد بشار: «حين ترى السلطة الشرعية اللبنانية أن الظروف باتت ملائمة لكي يستمر لبنان معافى من خلال قواه الذاتية، وتعلم سوريا بذلك فعندها ستقوم القوات السورية بالعودة إلى مواقعها الأساسية في بلادها»، وقال بشار حينها للراشد الشرس في الدوران حول السؤال، عما يسمى «حزب الله» بحكم علاقته بنظام دمشق يجيب بشار موجزا: «حزب الله لن يكون بديلاً عن الدولة اللبنانية».
وبعد عشرة أعوام على ذلك الحوار، ومع بدء انتفاضة شعبية ضد بشار الأسد في مارس (آذار) 2011. دوّن الراشد مقالا له هنا عنونه بـ«10 سنوات من لقاء بشار» قال عبد الرحمن إنه التقاه في أوائل العام 2011 لكن الراشد لمس معاداة بشار الأسد له، وخاصة بعد اغتيال رفيق الحريري، وشعر كذلك بخطورة النظام السوري، وانتهى الراشد في مقاله إلى قناعة عن بشار الأسد «كان الانطباع العام أن بشار في داخل دائرة الحكم لكنه لا يحكم، وأن هناك داخل العائلة ومحيطها من يقرر. هذه القناعة تولدت عند كثيرين بسبب الفارق الواضح بين ما كان يقول ويحدث (..) وقناعتي أن بشار إن لم يكن صاحب القرار الأول فهو صاحب القرار الأخير» بعد أن فشلت كل عناوين إصلاحه السياسي والاجتماعي، ليعود عبد الرحمن الراشد إلى الجزم والتأكيد بعد أشهر من اشتداد الثورة الشعبية على بشار إلى القول: إن نظام بشار واحد من أقسى الأنظمة في العالم وأشدها قمعا على مدى أربعين عاما، مذكرا بمشهد مقارب - وكأنها رسالة إلى الأسد - ما انتهى به حال القذافي.

* نكهة يومية في التحليل السياسي
الكتابة السياسية عند عبد الرحمن الراشد فنّ، لا مقال سياسي فحسب، بل ينتج العمل الفني المبسط للقارئ الصغير والكبير، يفهمه الكثيرون، يمارس فيها أدوارا لا يطبقها إلا الراشد فأضحت أسلوبا «راشديا»، يلقي الضوء على فكرته بموجز مقالي لا يتجاوز غالبا الثلاثمائة كلمة، يقول عن الكتابة إنها تمرين رياضي يومي له، فكان من ضمن رؤساء التحرير النادرين الذين مروا على رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» ويكتب مقالا فيها، واستمر منذ ما يقرب من عشرين عاما على كتابة النثر المقالي، ولم يكن من المثمر لقرائه توقفه ويصفه عدة بأنه «الكاتب الأعظم في الصحف العربية».
عثمان العمير، يحكي قصة بداية كتابة الراشد في عمود صحافي في «الشرق الأوسط»: «لست مع أن يكون رئيس التحرير كاتبا، لكن الراشد جمع بينهما ونجح، وكان ذلك عبر الناشرين هشام ومحمد علي حافظ» فيستذكر العمير أن الناشرين طلباه إلى مكتبهما وطلبا مشورته: نريد أن يكون الراشد كاتبا في «الشرق الأوسط» وهو حينها رئيسا لتحرير «المجلة»، وذلك بعد وفاة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، وقالا إنهما يعتقدان «أن الراشد سيكون أحمد بهاء الدين في كتابة العمود الصحافي»، يقول عثمان: أيدتهما، وبدأ العمود في عهدي، ويحكي أن الراشد يؤكد له طوال معرفته به، قوله: إنه «يفضل أن يكون كاتبا على أن يكون رئيس تحرير، هو متشبع بتلك الفكرة».
يصفه، جميل الذيابي، رئيس تحرير صحيفة «عكاظ» السعودية، بـ«العازف» إن كتب وإن وقف في صالة التحرير، وصاحب مبدأ لم يتغير طوال العقود الماضية، وأضاف الذيابي أن ما يميز عبد الرحمن الراشد، أنه غير متسرع في الحكم ومُجيد في قراءة ما بين السطور، وغير مزيف للتاريخ، معتبرا كتاباته كالمعادلة الرياضية، وصاحب مبدأ ولم يتغير طوال السنوات الماضية منذ ثلاثة عقود، يقدم السهل الممتنع وليست مسطحة، وبسيطة على القارئ العادي، وغير سطحية، وأن آراءه حقيقية على الأرض، معتبرا إياه بالكاتب السياسي الأول الذي لا يستطيع أي محلل أن يقترب من منصة عبد الرحمن الراشد الكتابية.

* «العربية».. موسم الدخول إلى الحلبة
هنا قناة وليدة كانت على عتبة حدث إقليمي مهم، قناة إخبارية تولد قبل أيام من الغزو الأميركي- البريطاني للعراق في العام 2003. حينها لم يكن الراشد قد تسلم مهمته بعد، جاء بعد أكثر من عام ليبدأ مهمة التحدي أمام المشاهد العربي، بعد أن استأثرت قناة «الجزيرة» القطرية بالمشاهد العربي من خليج إلى محيط، وككرة القدم، لا تستطيع الانتصار إلا بالمواجهة ودوام المنافسة؛ لا يستسيغ عبد الرحمن الراشد أن يقف في حلبة المصارعة بين المتفرجين أو هتّافا من وراء الحبال، بل كان واثبا إلى الساحة.
قصة «العربية»، التي أتاها وهي لا تزال تجمع بعض بنيتها وتؤسسها وتبني هيكلتها الإدارية البشرية وبعض برامجها، جاءها بعد فترة قصيرة من تولي وزير الإعلام الأردني الأسبق، صالح القلاب، مهمة البدء لعام، ليأتي الراشد، بعد أن استقال من رحلة «الشرق الأوسط»، لينطلق إلى عشقه التخصصي، الشاشة، حاملا في روحه كل الطموح والتخطيط الذي عمل عليه إبان دراسته في الولايات المتحدة.
يقول فارس بن حزام، مدير التحرير بقناة «العربية» اليوم، واحد ممن بدأ مشوار العمل في القناة الحلم الجديدة مع الراشد بعد بضعة أشهر فقط، إن عبد الرحمن الراشد حضر لـ«العربية» ومنذ الوهلة الأولى كانت الصورة واضحة له، فعمل على ثلاثة مسارات: أولها صياغة سياسة تحريرية تتميز بها تختلف عن «الجزيرة»، وثانيها ضخ أكبر كم من الأسماء الشابة غالبيتهم لم يتجاوزوا الثلاثين عاما، وهم اليوم ينتجون الأخبار والبرامج والنشرات، وثالثها وضع اسم «العربية» على الخريطة العالمية كمنبر عربي.
فارس بن حزام في حديثه الهاتفي عن الراشد، أشار إلى بعض الرؤى التي سعى إليها عبد الرحمن، لجعل لمعة «العربية» مختلفة عن مثيلاتها من القنوات الإخبارية، فشعار «أن تعرف أكثر» قصده الراشد للمعرفة والخبر، فقلص البرامج وزاد كمية الأخبار، ولكنها أخبار نوعية –والحديث لفارس بن حزام - فتأسست قناة شقيقة هي «الحدث» لتكون منبرا للأخبار السياسية الصرفة، بينما العربية الأم التي خصصت 80 في المائة من بثها أخبارا، لكن صيغتها تحمل أسلوب ونفس الصحيفة، فهناك أربع ساعات يومية للاقتصاد، وأخبار وبرامج للرياضة، وأخرى للطب وبعض من الفن، بل وجعل كل ما هو خبر يستحق الظهور على الشاشة فسيظهر لجذب الجميع، مبينا ابن حزام أن نتائج عمله في «العربية» التي وصل إليها وجدها متطابقة تماما مع خططه فسلم الدفة لزملاء آخرين.
الصحافي التلفزيوني الرياضي في «العربية» بتال القوس، قال: إن الراشد يترك البصمة والعلامة الفارقة، بل ما يجمع عليه الكثيرون هو زراعة الحب بين العاملين معه، رغم مهنيته القاسية، ويستذكر بتّال مواقف عبد الرحمن الراشد، أنه لافت في الفصل بين الجانبين المهني والشخصي، لكنه حريص على إبقاء الروح الأخوية، وكلما أحس بمقدار الحدة في خطابه سرعان ما يجذب الطرف المتلقي لنقده المهني الحاد إلى دعوة ودية إلى خارج نطاق العمل.
بتال يضيف أن وجود البرامج الرياضية الشاملة خلال إدارة الراشد لـ«العربية» كانت مختلفة، وهو «أكثر من عملت معهم في حقل الإعلام حريص على ظهور الأحداث الرياضية وإبرازها لأنها تستقطب كافة المشاهدين»، ويؤكد القوس أنه علاوة على دقته ومتابعته للشأن الرياضي، إلا أنه جعل القناة في جمعها كصحيفة مرئية تغطي مختلف الجوانب، فلبى صنوف الحياة، وإن كانت هذه معادلة صعبة أن تستطيع الإمساك بكل ذلك دون أن تقع في زلل، لكن الراشد استطاع الموازنة بشكل دقيق في إطار الأخبار وحول الأخبار، كما يشير بتال القوس. وشغفه بالوثائقيات، حكاية استثنائية، كون علاقة الراشد أقدم من علاقته بأخبار الشاشة إذ كان أول إنتاج له في العام 1997 وكان يحكي فصول ما بعد حرب الخليج الثانية، وبعدها بعام أطلق فيلما وثائقيا عن مرور خمسين عاما على الصراع العربي الإسرائيلي، لأنه يؤمن بفرادة الوثائقيات، فسعى إلى تخصيص ميزانية لإنتاج وشراء الأفلام الوثائقية المتميزة معتمدا على النوع لا الكم خلال فترة إدارته للقناة، رغم أن سماء التلفزيون العامة تحلق بأكبر عدد من ساعات البث للأفلام، لكن الراشد ركز على أن تكون الوثائقيات متزامنة وموجزة معطيا بعدا إيجابيا في تسويق مادته الوثائقية.
بعد فوز عبد الرحمن الراشد بجائزة الصحافة العربية كشخصية العام الإعلامية، وهي جائزة حصدها عثمان العمير قبل عشرة أعوام، بلهجة الفخر يتحدث العمير عن الراشد: «واثقٌ كثيرا به لأنه رجل متعدد المواهب، والدليل هو المناصب التي تحداها وجعلها منجزات، ونجاحه أيضا في التواجد على الساحة منذ ثلاثين عاما، لأن هناك أناسا لا يستطيعون مقاومة الزمن».
يروي بكر عويضة مساعد رئيس التحرير في فترة رئاسة الراشد لرئاسة تحرير «الشرق الأوسط» جوانب أساسية من أسلوبه المِهني: التدقيق، الالتزام بالمواعيد، والحرص على التفاصيل، ثم تعرّفوا على سمات واضحة في شخصه: حُسن الخُلُق، صلابة العزم، والتسامح مع الحزم.
يقول عويضة إنني سعدت بالتعرّف على عبد الرحمن الراشد، قبل أن نعمل معًا، عندما كان يتولى مسؤولية مدير مكتب صحيفة «الجزيرة» بواشنطن، ومنذ ذلك الوقت بدا لي التميّز الواضح في شخص الراشد، الإنسان أولاً، والصحافي ثانيًا. ثم بدأ التعامل مع رئيس تحرير «المجلة» وكاتب العامود السياسي في صفحات الرأي بجريدة «الشرق الأوسط»، فاتضحت الصورة أكثر، راح يُكثر من تذكيري بما خلاصته: لا تؤخر مواعيد تسليم الصفحة إنْ تأخرت مادتي. ثم تسلم الراشد رئاسة تحرير صحيفة «العرب الدولية» من عثمان العمير، وحصل صباح أول أيام رئاسته (15 سبتمبر 1998) أن جلست معه بعد اجتماع التحرير، قلت: ربما أصبح لدينا إشكال الآن. قرأت التساؤل على وجهه، فأضفت: قد يفهم البعض ما تكتبه على أنه أهم من افتتاحية الجريدة (زمن ذاك كانت للجريدة افتتاحيتها) ولأنك رئيس التحرير فقد يُحمّل رأيك أكثر مما يحتمل. لم يعترض على ما قلت، بل كتب فأوضح ما مضمونه أنه في مساحة عموده اليومي يخلع قبعة رئيس التحرير ويمثل شخصه فقط.



«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».


إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

بينما يبرز الإعلام لاعباً أساسياً في ساحات الحروب، ينقل الأحداث ويؤطر سردياتها، وسط اتهامات بتأجيجه للنزاع في حين، ومساهمته في إشعاله بآخر، فإن دوره بعد أن تضع الحرب أوزارها ويخفت ضجيج القنابل والمدافع يظل محل تساؤل؛ ولا سيما مع ما يلاحَظ من هدوء -وربما تراجع - الاهتمام بمناطق نزاعات عدة مع أولى إشارات السلام.

وشدد خبراء على «أهمية دور الإعلام في بناء رأي عام لإنهاء النزاع»، ولكن هذا الدور «يجب ألا ينتهي بوقف الحرب»، وأشاروا إلى «دور إنساني في كشف حجم الكارثة، ومساعدة الفئات المهمشة حتى لا تتكرر النزاعات مرة أخرى».

هذا الدور أشارت له دراسات عدة، قالت إن «الإعلام الذي لعب دوراً في تأجيج العنف أحياناً، يُفترض أن يتحول إلى أداة للسلام بعد وقف الحرب، ويقدم محتوى يعزز التفاهم المتبادل»، حسب دراسة نشرها موقع «PolSci Institute» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

أستاذة الإعلام في مصر، الدكتورة حنان الجندي، قالت إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في فترات الحروب والنزاعات وما بعدها»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام مهم في نقل الأحداث على الأرض، وإبراز تداعيات الحرب على الإنسان، لربط الجمهور بما يحدث، وتكوين رأي عام يسهم في وضع حد لتلك النزاعات».

وأشارت إلى أنه «في ظل كثرة المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع، اتجهت وسائل إعلام عدة للاعتماد على المواطنين الصحافيين في التغطية الميدانية بديلاً عن الصحافي المحترف، ما أثَّر على جودة التغطية».

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولفتت أستاذة الإعلام إلى «تراجع التغطية الإعلامية للوضع في غزة، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن المعاناة في غزة لم تنتهِ، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب تراجع الاهتمام، هل رغبةً في التعتيم؟ أم نقلاً لاهتمام الجماهير إلى مناطق نزاع أخرى؟».

وأشارت دراسة نشرتها جامعة كولومبيا الأميركية عام 2000 إلى «ما تكتسبه الحروب من قيمة إخبارية بالنسبة لوسائل الإعلام، بسبب آثارها الأمنية على الجمهور»، وقالت إن «الصراع بمثابة (الأدرينالين) في وسائل الإعلام. ويتم تدريب الصحافيين على البحث عن الخلافات، والعثور على الحرب التي لا تقاوَم الرغبة في متابعتها. وإذا صادف أن كانت الحرب مرتبطة بهم، فإن الحماس يزداد لتغطيتها».

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة: «أهمية الإعلام في تغطية الحروب والنزاعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافي هو أول من يدخل ساحة النزاع وآخر من يخرج منها»؛ مشيراً إلى أن «دوره لا ينتهي بوقف الحرب».

وأوضح أن «الإعلام بعد الحرب يلعب دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى، والانتصار للفئات الضعيفة والمهمشة، وتوفير بيئة مناصرة لهم، وضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى»، إضافة إلى «دوره في إبراز حجم الجرائم التي وقعت خلال النزاع، والمساهمة في عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب». وقال: «للإعلام دور مهم في الانتصار للإنسان بعد وقف النزاعات».

وهنا تبرز «صحافة السلام» التي يعرِّفها العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك، بأنها «عندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع كله للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة، والدقة في إعداد التقارير».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وفعلاً، أكد الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أن «أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في مراحل ما بعد وقف النزاعات، هو الإسهام في المصالحة، وتحقيق العدالة الانتقالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن من واجب وسائل الإعلام العمل على تحديد ودعم قوى وأنصار السلام، بدل تأجيج نيران الانقسام بين أطراف النزاع».

وأضاف أن «دور الإعلام في عملية التعافي بعد الحروب يُمكن أن يكون أكثر نجاحاً إذا تحلَّى بعض الصحافيين بمزيد من الدقة، والحذر في اختيار مفرداتهم، مع مراعاة الحساسية العالية للقضايا الجوهرية التي كانت -أصلاً- من أسباب اندلاع النزاع».

ووفق مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية، فإن دور الإعلام بعد الحروب يتركز في «خلق جو يفضي إلى السلام، ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة؛ حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

من جانبه، أشار الصحافي المصري، المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، إلى «هدوء التغطية الإعلامية بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحروب»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز على مناطق النزاع يتراجع بمجرد انتهاء الأحداث الساخنة، أو تحوُّل النزاع إلى مرحلة طويلة الأمد أو مُجمَّدة؛ حيث يُظهر هذا التباين أن التغطية لا ترتبط بالضرورة بحجم الكارثة إنسانياً؛ بل تتأثر بالجاذبية الجيوسياسية للنزاع، مما يؤدي إلى تضاؤل سريع في الاهتمام بعد انتهاء مرحلة القتال النشط، كذلك ينتقل الاهتمام لملفات أخرى قد تستجد على الساحة، وهي التي بدورها تأخذ اهتمام الجمهور أكثر، أو ما يعرف بـ(الترند الجديد) وهكذا».

وأكد أن «دور الإعلام بعد وقف النزاعات لا بد من أن يركز على الإجابة عن أسئلة تتعلق أكثر بما وراء الأحداث، والحل السياسي، والمستقبل، ومحاولة معرفة ما سيحدث، مع الاهتمام بالجوانب الإنسانية لنقل حجم الكارثة، ودعم جهود التعافي، وبناء السلام»؛ مشيراً إلى أن «الصحافي دوره عادة ما يكون محفوفاً بالمخاطر والتحديات؛ لكنه دور لا غنى عنه في الموازنة بين التراجع الطبيعي في الاهتمام والضرورة الإنسانية والمجتمعية».