ألمانيا.. ثمن صعود اليمين

العداء للإسلام حلّ في السنوات العشر الأخيرة محل العداء لليهود

ألمانيا.. ثمن صعود اليمين
TT

ألمانيا.. ثمن صعود اليمين

ألمانيا.. ثمن صعود اليمين

نال حزب البديل لألمانيا، اليميني المتطرف، نسبة 4.7 في المائة من أصوات الناخبين في العام 2014، بحسب الباروميتر السياسي الذي تبثه القناة الثانية في التلفزيون الألماني (ز.د.ف). وقفزت هذه النسبة في العام 2016 إلى 14.4 في المائة وفق نفس البرنامج. ثم واصل الحزب صعوده ليحقق 24.3 في المائة في انتخابات ولاية سكسونيا انهالت في مارس (آذار) الماضي. أصبح هذا الحزب القوة الثانية في الولاية الشرقية (متفوقًا على الحزب الديمقراطي الاشتراكي وحزب اليسار) وتزامنت هذه القفزة، التي لم يحلم أي حزب يميني بتحقيقها حتى الآن، مع «أزمة اللاجئين» وتصاعد العداء للاجئين والأجانب والإسلام.
ويحمّل كبار الساسة، وخصوصًا من داخل الحزب الديمقراطي المسيحي وشقيقه الحزب البافاري (الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، المستشارة أنجيلا ميركل المسؤولية عن صعود اليمين المتطرف بسبب سياسة الانفتاح على اللاجئين، وموقفها القائل بانتماء الإسلام إلى ألمانيا.

صدر النقد لسياسة ميركل عن عرابها السياسي، وعميد الديمقراطيين المسيحيين هيلموت كول، الذي قال لصحيفة «برلينر تاغيستسايتونغ» إن «أوروبا لا يمكن أن تصبح ملجأ لملايين الناس الذين شردتهم الحروب.. أوروبا يمكنها أن تساعد». وأضاف: «لا ينبغي أن نوقظ في المواطن، وفي اللاجئ، آمالاً كاذبة». وطار كول بعدها إلى بودابست للقاء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان في محاولة لإصلاح ما خربته ميركل، كما يقال.
وأيد كول في موقفه أرمين لاشيت، نائب رئيسة الحزب الديمقراطي المسيحي ميركل، الذي انتقد فتح الحدود على مصراعيها أمام اللاجئين ضمن سياسة «الترحيب باللاجئين» التي انتهجتها المستشارة.
* تحميل ميركل المسؤولية
يكفي أن هورست زيهوفر، زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي، والذي طالما انتقد سياسة ميركل علنًا، أعلن عن نية حزبه الترشح للانتخابات العامة في العام المقبل بشكل منفرد. وإذا ما حصل هذا، فإنها المرة الأولى التي سيخوض الحزب البافاري فيها الانتخابات العامة في قائمة منفصلة منذ الحرب العالمية الثانية. ويعتقد زيهوزفر أن الوقت قد حان لمغادرة سفينة المستشارة ميركل، التي فقدت نسبة عالية من شعبيتها، قبل أن تغرق. ولهذا فقد أشار إلى أن 45 في المائة من الناخبين الألمان، و49 في المائة من ناخبي حزبه، يريدون للحزب أن يخوض الانتخابات بقائمة منفصلة.
وكان وزير النقل الاتحادي ألكسندر دوبرنت، من حزب زيهوزفر أيضًا، أوضح من رئيسه البافاري المتشدد في تحديده لأسباب صعود اليمين المتطرف، فحمل ميركل المسؤولية المباشرة عن صعود حزب البديل لألمانيا وحلفائه. وقال دوبرنت لمجلة «دير شبيغل» إن الحزب الديمقراطي ما عاد يمثل وسط اليمين المحافظ، وإن هذا هو سبب عزوف ناخبيه عنه وانتخابهم لحزب البديل لألمانيا. ومعروف أن ميركل تبجحت لسنوات بأن سر قوتها هو أنها تمثل وسط اليمين.
وحمّل دوبرنت الحزب الديمقراطي المسيحي المسؤولية عن هروب الناخبين إلى أحضان اليمين المتطرف، بسبب تحالفه مع حزب الخضر لتشكيل حكومة ولاية راينلاند بفالز، والسماح بانتخاب فينفريد كريتشمر (من حزب الخضر) رئيسًا لوزراء الولاية. وقال إن تحالف حزب ميركل مع الخضر أخل بالعلاقة مع الاتحاد الاجتماعي المسيحي.
ومعروف أن الحزب الديمقراطي المسيحي في ولاية بادن فورتمبيرغ فقد 12 في المائة من أصواته (حقق27 في المائة فقط) في الانتخابات الأخيرة، تاركًا المركز الأول لحزب الخضر الذي حقق 3.03 في المائة. وواضح أن أصوات ناخبي حزب ميركل ذهبت إلى حزب البديل لألمانيا الذي حقق 15.1 في المائة، وهي أعلى نسبة في الولايات الغربية حتى الآن. وبعد أيام من انتخاب كريتشمر على رأس حكومة الولاية، اتهم كريتشمر الحكومة الاتحادية بانعدام بعد النظر في سياستها تجاه اللاجئين.
وفي ضوء نتائج انتخابات ثلاث ولايات حقق فيها حزب البديل لألمانيا نسبًا تتراوح بين 10 - 15 في المائة، نصح دوبرنت الحزب الديمقراطي المسيحي بعدم التقليل من شأن هذا الحزب، وطالب بتحليل جديد للخريطة الانتخابية في ألمانيا.
ولم يصدر عن المستشارة ميركل، لا عن قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي، أي تعليق على رسالة وجهتها «حلقة برلين» للمحافظين الاقتصاديين، إلى قيادة الحزب. نشرت صحيفة «فرانكفورتر الغيماينة» الرسالة التي كان فولفغانغ بوسباخ، المسؤول في الحزب عن الشؤون الداخلية، أحد موقعيها. وجاء في الرسالة أن سياسة الانفتاح على اللاجئين أدت إلى خسارة الحزب في الانتخابات المحلية. وذكرت الرسالة أيضًا أن فتح الحدود أمام أكثر من مليون لاجئ أثار «الخشية من فقدان الهوية والتغرب» بين الألمان. وتضمنت سياسة الحزب تجاه اللاجئين «مخاطر أكثر من مكاسب».
* عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية
مارتن بوركهاردت، المحلل السياسي في صحيفة «دي فيلت»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن المستشارة الألمانية تتحمل بالتأكيد جزءا من المسؤولية عن صعود اليمين المتطرف في الانتخابات المحلية الأخيرة بسبب سياسة «الترحيب باللاجئين»، لكن القضية تعود إلى أكثر من عشر سنين مضت، وخصوصًا بالعلاقة مع المتغيرات في العالم، والأزمة الاقتصادية، والحرب ضد الإرهاب، وعدم استقرار منطقة الشرق الأوسط بعد ما يسمى بالخريف العربي. وأشار إلى عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية أسهمت بتعبيد الطريق أمام حزب البديل لألمانيا الشعبوي. فهناك أزمة اقتصادية اجتماعية تتمثل في تدهور حالة أصحاب الدخول الضعيفة، وزيادة الشقة بين الفقراء والأثرياء، وهي عوامل أدت إلى تشكل نخبة واسعة من «الناخبين الاحتجاجيين» و«الناقمين» بسبب البطالة، والذين يحملون الأجانب واللاجئين المسؤولية عن تدهور أوضاعهم الاقتصادية.
وبرأيه أن سياسة الترحيب باللاجئين تحولت إلى مفارقة ومن ثم إلى مأساة فقد خلالها الحزب الديمقراطي المسيحي بوصلته السياسية. وقال أيضًا إن أزمة اللاجئين، وقضية صعود اليمين المتطرف، أصبحت فوق قدرات المستشارة أنجيلا ميركل.
وفيما يبدو اليمين المتطرف موحدًا كما لم يظهر من قبل في ألمانيا، يبدو معسكر الديمقراطيين مفككًا، وتمتد هذه الحالة إلى داخل هذه الأحزاب التي تشهد صراعات كبيرة بين الأجنحة. ولا يمكن هنا، وفق تقديراته، نسيان الدور الضعيف لليسار الألماني في مواجهة اليمين الفاشي. وكان من المعتاد أن يتصدى اليسار لمظاهرات ونشاط النازيين، وما زالوا يفعلون ذلك، إلا أن المظاهرات المضادة، وخصوصًا الحركة المعادية للإسلام (بيغيدا) صارت تحشد عشرات الآلاف كل مرة.
في السنوات العشر الماضية احتل الإسلام بالتدريج موقع العدو الأول في نشاطات وبرامج الأحزاب اليمينية المتطرفة. وساعد في ذلك صعود التطرف والإرهاب وما يشكله من تهديد مباشر على أوروبا.
* انصهار الحركات اليمنية في بوتقة واحدة
الملاحظ خلال السنوات الثلاث الماضية هو تراجع دور الأحزاب اليمنية المتطرفة، المحسوبة على النازية الجديدة، وخصوصًا الحزب القومي الألماني وحزب الشعب الألماني. ويبدو أن هذه الأحزاب فهمت، ولو للفترة الحالية، أن الحركات الجديدة مثل حزب البديل لألمانيا، وحركة مناهضة أسلمة أوروبا (بيغيدا) تحظى بشعبية واسعة ولا تخضع مثلها، حتى الآن، لرقابة دائرة حماية الدستور(الأمن العام).
فضلاً عن ذلك اختفت الفوارق بين برنامج الحزب القومي الألماني وحزب البديل الألماني بالتدريج خلال بضع سنوات. وإذا كان اليمين المتطرف التقليدي يركز على «القومية الألمانية»، يركز حزب البديل لألمانيا على «الوطنية الحقة» والعودة إلى «القيم البروسية الصميمة» و«النظام» و«حب الوطن» و«الشعور بالواجب». وبدلاً عن الشعارات السابقة المعادية لليهود والغجر، حلت الشعارات المناهضة للإسلام.
ولهذا السبب أيضًا اختفت الحواجز بين حركة «بيغيدا» وحزب البديل، وما عاد المراقب قادرًا على التمييز بين أنصار ومتظاهري الحركتين. وصارت الشعارات المناهضة للإسلام التي ترفعها «بيغيدا» حتى الآن ثوابت في برنامج حزب البديل التي أقرها في مؤتمره الأخير في شتوتغارت. وتجاوز العداء للإسلام موضوع «انتماء الإسلام لألمانيا» و«تناقض الإسلام مع الدستور» إلى المطالبة بحظر الحجاب ومنع بناء المساجد وقطع مصادر تمويل الجمعيات الإسلامية والمساجد.. إلخ
في ذات الوقت صار بعض أعضاء حزب البديل لألمانيا يتحدثون بآرائهم العنصرية علنًا، ورصدت صحيفة «يونغة فيلت» اليسارية محاضرة ألقاها بيورن هوكه، رئيس الحزب في ولاية تورنغن، في معهد «سياسة الدولة» (المتهم بالتطرف اليميني) قال فيها إن نشوء وتطور الأوروبيين يختلف في مساره عن نشوء وتطور الأفارقة. وكشف برنامج «مونيتور» المعروف، الذي تبثه قناة التلفزيون الألمانية الأولى (أ.ر.د)، عن علاقة عضوية لهانز توماس تيلشنايدر، رئيس «المنبر الوطني» في حزب البديل لألمانيا، بإحدى المنظمات النازية المحظورة.
* الحكومة تفعل للاجئين أكثر مما تفعل للمواطن!!
لا يختلف اثنان على أن حزب البديل لألمانيا حقق نتائجه الانتخابية، وشعبويته، على أكتاف قضية اللاجئين. ولكن كيف يفكر الألمان الذين منحوا أصواتهم في ولاية بادن فورتمبيرغ لهذا الحزب؟ وكيف يفكر الألمان عمومًا، وكم يقترب ناخبو الحزب الديمقراطي المسيحي في تفكيرهم من ناخبي الحزب الشعبوي؟
تكشف لنا الدراسة التي أجراها معهد «انفرا تيست» عن تفاصيل المواضيع التي أدت إلى هذا النجاح «التاريخي» الذي حققه حزب البديل لألمانيا في ولاية بادن فورتمبيرغ. ويعبر خبراء المعهد عن قناعتهم بأن الوضع على عموم ألمانيا لا يختلف كثيرًا.
إذ عبر 90 في المائة من ناخبي حزب البديل لألمانيا عن قناعتهم بأن الحكومة الاتحادية فقدت سيطرتها على أزمة اللاجئين، وهذا يكشف مدى حساسية هذا الموضوع اليوم. وكانت نسبة 45 في المائة من ناخبي الحزب الديمقراطي المسيحي تتفق مع ناخبي الحزب الشعبوي في هذا التقييم، بل ونسبة 37 في المائة من ناخبي الحزب الديمقراطي الاشتراكي.
وقال 100 في المائة من ناخبي حزب البديل إن ميركل ارتكبت «خطأ كبيرًا» في رسم وإدارة أزمة اللاجئين، كانت هذه النسبة تنخفض إلى 43 في المائة بين عموم الناخبين. وعبرت نسبة 68 في المائة من عموم الناخبين عن ارتياحها لتراجع أعداد اللاجئين، مع نسبة 61 في المائة طالبت بوضع حدود معينة لعدد اللاجئين الممكن استقبالهم كل سنة.
انظروا الآن ماذا يقول الناخب في بادن فورتمبيرغ ردًا على سؤال يتهم الحزبين الحاكمين (التحالف المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي) بأنهما يهتمان باللاجئين أكثر من اهتمامهما بالمواطنين الألمان. رد 85 في المائة من ناخبي حزب البديل لألمانيا تأييدًا لهذه التهمة، وكانت النسبة بين عموم الناخبين ترتفع إلى 38 في المائة، وإلى 34 في المائة بين ناخبي المحافظين والاشتراكيين، بل وإلى 32 في المائة أيضًا بين ناخبي الحزب الليبرالي.
وعن خطر الإسلام المزعوم ذكرت نسبة 52 في المائة من الناخبين عمومًا أن نفوذ الإسلام يتعزز في ألمانيا بسبب اللاجئين. وترتفع هذه النسبة إلى 90 في المائة بين ناخبي حزب البديل لألمانيا، وإلى 56 في المائة بين صفوف ناخبي المحافظين. وهذا يكشف أهمية موضوع الإسلام بالنسبة للناخبين. ويرى 61 في المائة من عموم ناخبي بادن فورتمبيرغ أن اللاجئين سينافسونهم على مواقع العمل والشقق السكنية، كما عبرت نسبة 53 في المائة منهم عن قناعتهم بأن اللاجئين سيؤدون إلى تصاعد معدلات الجريمة. ونال حزب فراوكه بتري أصواته على وجه الخصوص من ناخبين من أعمار 18 - 45.
* إحباط من الحكومة.. إحباط من الديمقراطية
يرى كثير من المحللين السياسيين أن القوة الصوتية لحزب البديل لألمانيا تمكن أولاً في «غير الناخبين»، وفي الناقمين على الأوضاع ثانيًا. ومعروف أن لكل حزب ناخبيه الثابتين في كل جولة انتخابية، مع نسبة تتراوح حول 25 في المائة من المترددين الذين يتأثرون بالدعاية الانتخابية ويحسمون أمرهم في نهاية المطاف.
وكانت نسبة المشاركة في الانتخابات هذا العام في بادن فورتمبيرغ عالية وبلغت 70.8 في المائة مقارنة بنسبة 66.3 في المائة في الانتخابات الماضية في عام 2011. والمعتقد أن حصة اليمين المتطرف من «غير الناخبين»، الذين صوتوا هذه المرة، كانت عالية بفعل أزمة اللاجئين.
تؤكد التحليلات التفصيلية لنتائج الانتخابات دور المحبطين والناقمين، بسبب البطالة والشعور بالقهر.. إلخ، في صعود المد اليميني المتطرف. دليل ذلك، ووفق إحصائيات معهد انفراتيست، قالت نسبة 21 في المائة فقط من ناخبي حزب البديل لألمانيا إنهم صوتوا إلى هذا الحزب عن قناعة ببرنامجه وشعاراته. بينما ذكر 70 في المائة أنهم صوتوا لهذا الحزب بسبب إحباطهم من الأحزاب التقليدية. وفقد الحزب الديمقراطي المسيحي 194 ألف ناخب ثابت من ناخبيه لصالح حزب البديل لألمانيا، و86 ألفًا لصالح الحزب الليبرالي، كما امتنع 15 ألفا من ناخبيه عن التصويت هذا العام.
وتعتقد نسبة 93 في المائة من ناخبي الحزب اليميني المتطرف أن الحزب لن يحل الأزمات الدائرة في البلد، لكنه يسميها بالاسم على الأقل. وتجد نسبة 92 في المائة أن الحزب «مظلوم» إعلاميًا ولا يلقى ما يستحقه من اهتمام من قبل وسائط الإعلام.
المهم أيضًا أن 81 في المائة من ناخبي الحزب غير راضين عن الديمقراطية المعمول بها في ألمانيا، وغير راضين عن توزيع الثروة، وعن خفض رواتب المتقاعدين.. إلخ. ولهذا كان العاطلون والمتقاعدون يشكلون 20 في المائة و32 في المائة من ناخبيه على التوالي. وكان الأمين العام لمجلس «أوروبا ثوربيورن ياغلاند» حذر في وقت سابق من أن الديمقراطية مهددة بتصاعد النزعة الشعبوية والقومية في أوروبا. وقال بمناسبة نشر تقرير سنوي حول الديمقراطية في أوروبا إن تصاعد الشعوبية يدفع القارة نحو «وضع خطير جدًا». استشهد ثوربيورن بدراسة واسعة النطاق لمؤسسة بيرتلسمان أن 57 في المائة من الألمان يعتبرون الإسلام «تهديدا» و61 في المائة يرون أنه «غير متوافق مع العالم الغربي»، وهو حذر «لا يمكن تجاهله».
* اختلال الميزان البرلماني
مر النظام السياسي الألماني، منذ تأسيس ألمانيا الغربية بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية، بعدة مراحل يكشفها الميزان الانتخابي للقوى السياسية. إذ ساد حتى منتصف الثمانينات ميزان القوى الثلاث المؤلف من الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي). وكانت الحكومات المتعاقبة تتشكل عادة من تحالف أحد الحزبين الكبيرين إلى جانب الحزب الليبرالي. ومع صعود حزب الخضر في الثمانينات إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) ساد لسنوات نظام الأحزاب الأربعة، وصار الخضر الحزب الحليف للاشتراكيين، بينما بقي الليبراليون حلفاء للمحافظين. ومع توحيد ألمانيا ظهرت القوة الخامسة في النظام السياسي الألماني بعد صعود حزب الاشتراكية الديمقراطية في شرق ألمانيا، ومن ثم اندماجه مع الأحزاب اليسارية في الغرب في «حزب اليسار».
ويعتبر صعود اليمين المتطرف إلى البرلمان حالة خطيرة أنهت كل الموازين الانتخابية السابقة، وثبّتت، ربما إلى فترة ما، نظام الأحزاب الستة. وقلبت هذه المعادلة موازين العملية الديمقراطية تمامًا، وفرض حزب البديل من أجل ألمانيا أشكالاً جديدة من التحالفات، كما هو الحال في تحالف المسيحيين مع الخضر في بادن فورتمبيرغ. وربما ستؤدي هذه الحالة، التي يفرضها رفض الأحزاب الديمقراطية التحالف مع اليمين المتطرف، إلى ظهور أنواع أخرى من التحالفـات، كما قد تؤدي إلى تصدع «تقاليد» متزمة أخرى مثل رفض الاشتراكيين التحالف مع حزب اليسار. وقد يفرض هذه الوضع بقاء التحالف الكبير بين الاشتراكيين والمسيحيين لفترات أطول، وهي نماذج ستؤدي، بقناعة الكثيرين، إلى تعزيز مواقع حزب البديل لألمانيا. وربما ستقود هذه النماذج التحالفية، المتنافرة في حقيقتها، إلى مزيد من الإحباط والامتناع عن التصويت، وربما إلى مزيد من الفشل، وهذا كله يصب في صالح اليمين المتطرف.
في الثلاثينات من القرن العشرين اجتمعت عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية أدت إلى صعود اليمين الفاشي. لكن حزب هتلر في تلك الفترة نال دعم شركات اقتصادية كبيرة، ومنابر إعلامية مؤثرة، ومشاعر قومية جامحة، وهو ما لم يحدث في ألمانيا اليوم حتى الآن. بل إن العكس صحيح، فالاقتصاد اليوم يقف بقوة إلى جانب سياسة الترحيب بالمهاجرين. ولا ينال حزب البديل لألمانيا أي دعم من الإعلام، وتشكو رئيسته دائمًا من هذا «الإجحاف». ويحاول الحزب بجهد الآن وقف قرار محتمل لمحكمة الدستور يقضي بوضعه تحت الرقابة الأمنية بتهمة التطرف اليميني.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.