«الانتظار».. سيد الموقف في ليبيا

مع دخول الكوماندوز الأميركي في المعركة.. تحركات «داعش» المفاجئة أربكت خطط الجيش والميليشيات

«الانتظار».. سيد الموقف في ليبيا
TT

«الانتظار».. سيد الموقف في ليبيا

«الانتظار».. سيد الموقف في ليبيا

أكثر المقولات شيوعا هذه الأيام بين المتحاربين الليبيين هي أن من ينتظر أكثر يمكنه أن يكسب المعركة في النهاية، خاصة بعد تأكد وجود قوات خاصة أميركية كوماندوز، على أرض المعارك الآن في مصراتة وبنغازي، وفق ما أكده البنتاغون.
وتعج الدولة الغنية بالنفط ببضع مجموعات قتالية كبرى، أهمها الجيش الوطني بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، وقوات الزنتان وقوات مصراتة وقوات «داعش». ويدور في فلك هذه القوى العسكرية وشبه العسكرية المتناحرة مئات من المجموعات المسلحة الصغيرة. لكن هناك من لا يمكنه الانتظار؛ لأن النار بدأت تشتعل في أطراف الثوب، مثل جبهة مدينة مصراتة التي بدأت منذ نحو أسبوع تشهد اشتباكات عنيفة بين عدد من ميليشياتها وقوات تنظيم داعش القادمة من مدينة سرت المجاورة. وبدأ التنظيم الدموي يسيطر على أراض ومواقع جديدة واقترب من مصراتة بمسافة ثمانين كيلومترا، بعد أن كانت آخر مواقعه في سرت تبعد عن مصراتة بنحو 160 كيلومترا. وأدى اندفاع هذين الفريقين المتحاربين إلى ارتباك في صفوف المجموعات المسلحة.

بادر عدد من القيادات العسكرية المرتبطة بالميليشيات في مصراتة بالتحفظ على هذه الطريقة في الحرب، قائلين إن الحرب على «داعش» تحتاج إلى جيش وخطط وتعاون، وإن ميليشيات المدينة وحدها لن تستطيع مواجهة التنظيم، محذرين من كوارث مماثلة لتلك التي وقعت في العراق وسوريا على يد التنظيم؛ بسبب خوض حروب متعجلة ومن دون استراتيجية مع «داعش». وأخذت عائلات ليبية تفر من مناطق الصراع إلى الصحراء بعيدا عن مصراتة وسرت، في ظروف مأساوية.
ومن جانبه لم يسلم التنظيم الدموي أيضا من وجود خلافات بين قادته بشأن الاتجاه غربا أم جنوبا. فقد كانت خطط «داعش» تتركز على احتلال مدينة بني وليد في الجنوب، والتمركز في مناطق ودان والقلعة القريبتين من منجم الحديد الرئيسي في البلاد، وهي منطقة مهمة تقع جنوب بني وليد أيضا، ويمكن من خلالها التحكم في الطريق الرئيسي «سبها - طرابلس». ووفقا للمعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» فقد وافق قطاع كبير من الدواعش على الاتجاه غربا ومهاجمة مصراتة، بينما انشقت مجموعات «داعشية» أخرى وانتقلت إلى الجنوب.
وتتخوف الميليشيات في مصراتة وطرابلس من وصول الجيش إليها ونزع أسلحتها إذا ما حقق انتصارا في سرت. ويقول العقيد أحمد المسماري، المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الليبي الذي يرأسه حفتر، في بيان حول «معركة تحرير سرت الكبرى»، إن الخطة الموضوعة هي أن هذه المعركة «لن تتخطى الحدود الإدارية لسرت ولا تستهدف إلا مواقع تنظيم داعش الإرهابي»، مشيرا إلى أن العملية لا تخفي وراءها أي أبعاد، وليست موجهة ضد أي مدينة أو قبيلة أو جهة». ويضيف أن معركة تحرير سرت تعد ورقة عسكرية وليس ورقة سياسية، مشيرا إلى أن الجيش لا علاقة له بالسياسة، وأنه ترك الأمور السياسية لمجلس النواب (البرلمان الذي يعتقد جلساته في طبرق).
يبدو أن ما يجري في ليبيا هذه الأيام ليس له علاقة بما يظهر على السطح من تأويلات سياسية. مجريات الحرب والتحركات المسلحة على الأرض يمكنها أن تعطي مساحة لفهم ما يدور وما يمكن أن يحدث في قابل الأيام. توجد تقريبا سبع تكتلات عسكرية وشبه عسكرية كبيرة مسلحة تسليحا جيدا. لديك الجيش الذي زادت إمكانياته التنظيمية بشكل لافت في الشهور الأخيرة، وعندك قوات مصراتة (الفرع الموالي للمجلس الرئاسي) إضافة إلى قوات القبائل، ومجموعات الزنتان (الفرع الميليشياوي)، ومجموعات طرابلس (الجماعة المقاتلة فرع أبو حازم وجماعة أبو سليم وجماعة الصمود وغيرها)، بالإضافة إلى قوات «داعش» وقوات ما يسمى بـ«مجالس الثوار (مجموعات متطرفة في أغلبها)».
«يا شيخ.. السراج دخل طرابلس» فيرد الشيخ: «انتظر»، ثم مرة أخرى: يا شيخ.. قوات من مصراتة دخلت طرابلس لحماية المجلس الرئاسي»، فيجيب الشيخ: «انتظر». وبعد أسبوع: «يا شيخ الجيش انتصر علينا في درنة وبنغازي ويريد اقتحام سرت»، فيرد الشيخ: «انتظر».
ملخص مثل هذا النقاش الذي يجري رصده في العاصمة الليبية، كان يدور بين زعيم «داعش» فيما يسمى بـ«ولاية طرابلس»، والملقب بـ«المدهوني»، وأحد قيادات جماعة أبو سليم المسلحة في العاصمة التي تتعاون معه، ويلقب بـ«غنيوة». ووجهة نظر «المدهوني» التي صرح بها لكل من «غنيوة» وقائد آخر في تنظيم «جند الحق» المتعاون مع «داعش» ويلقب بـ«رشيد»، هو أن يترك «داعش» من يسميهم بالعلمانيين والإخوان وغيرهم من الميليشيات في طرابلس، ليبدأوا في الاحتراب فيما بينهم، حتى إذا أضعف كل طرف منهم الطرف الآخر، أصبح في إمكان «داعش» السيطرة على العاصمة وإعلانها «إمارة» للتنظيم.
ويبدو أن «سلاح الانتظار» هو الخيار المفضل لدى معظم القادة العسكريين وشبه العسكريين. كل تكتل ينتظر قيام التكتل الآخر لكي يبادر بالاشتباك مع التكتل الثاني، وذلك أملا في إنهاك بعضهما بعضا. التكتل الوحيد الذي ظهر أنه لم تكن لديه قدرة على الانتظار والصبر هو الميليشيا المحسوبة على مصراتة (الفرع الذي انحاز للسراج). اختيارات هذا التكتل ربما ستؤدي إلى إرهاقه مبكرا، إذا لم يحصل على دعم قوي من الأطراف الدولية التي تدفع بالمجلس الرئاسي لكي يسحب البساط من تحت أقدام الجيش الوطني. لكن حتى لو حدث ذلك، فهل تستطيع ميليشيات تابعة لمدينة أن تهزم تنظيم داعش وخلاياه النائمة في كثير من المدن ومنها طرابلس ومصراتة نفسها.
«نعم.. الانتظار هو كلمة السر. هو السلاح الأقوى، في هذه الظروف». هكذا يقول الضابط بشير، أحد قيادات الجيش الليبي ممن كان يحارب في صفوف قوات معمر القذافي، ثم عاد أخيرا للانضواء تحت لواء الجيش بقيادة حفتر. وعاد عدة ألوف من الضباط والجنود الآخرين ممن كانوا يقيمون خارج ليبيا منذ مقتل القذافي في 2011. عادوا من دول الجوار وغيرها، خلال الشهور الماضية، للانضمام إلى الجيش الذي تمكن حفتر من تنظيم صفوفه في عام 2014 لمحاربة التنظيمات المسلحة التي سيطرت على مفاصل الدولة.
الجيش الليبي، كما يقول الضابط بشير، تحول إلى قوة ضاربة، وهو في ثوبه الجديد.. «أصبح يملك زمام المبادرة.. لهذا لفت الأنظار إليه بقوة، ليس في الأوساط المحلية داخل ليبيا، ولكن على المستوى الإقليمي والدولي»، مشيرا إلى أن الجيش كان يخطط لاجتياح سرت وتحريرها من تنظيم داعش، لكنه غيَّر تكتيكاته، وبعد أن تحركت قواته حتى وصلت إلى مشارف سرت من الجهتين الشرقية والجنوبية، قرر أن ينتظر «لأن هذا الانتظار يعطي للجيش أوراقا جديدة تساعده في الانتصار في نهاية المطاف. المهمة ليست سهلة، ونحن لا نحارب من أجل مدينة أو قبيلة أو جماعة، ولكن من أجل الدولة وكل الليبيين».
ووفقا لمصادر أخرى من قادة عسكريين في الجيش الوطني الليبي، فقد كانت الخطة تقضي بمهاجمة «داعش» في سرت يوم 29 أبريل (نيسان) الماضي، وهو اليوم الذي يوافق الذكرى السنوية رقم 101 لمعركة الليبيين التاريخية ضد الاحتلال الإيطالي التي وقعت أحداثها عام 1915، وتعرف باسم «معركة القرضابية» قرب سرت.
وقال أحد القادة إن اسم معركة سرت ضد «داعش» كانت تحمل اسم «معركة القرضابية الثانية» قبل أن يتقرر تغيير التكتيكات والانتظار من أجل إنهاك العدو. ولا يواجه الجيش الليبي «عدوا واحدا»، بل عدة «أعداء» فهو يحارب منذ عامين مجموعات متطرفة في درنة وبنغازي مدعومة من ميليشيات ذات توجهات متباينة، تتمركز في مصراتة وطرابلس، منها ما هو من جماعة الإخوان وأخرى تابعة للجماعة الليبية المقاتلة (الموالية لتنظيم القاعدة)، وثالثة مدعومة من تنظيم داعش نفسه.
ورغم إمكانات الجيش المحدودة، ورغم الحظر الدولي على تسليحه، لكنه تمكن من إعادة ترتيب صفوفه، وحشد جنوده، وهزيمة المتطرفين في درنة وبنغازي بمساعدة من شباب المدن الذين يحاربون مع الجيش تحت اسم «الصحوات». لكن أهم إجراء ساعد الجيش في أن يتحول إلى قوة مخيفة لباقي الجماعات المتطرفة سواء في سرت أو حتى في الغرب، هو قدرته على استيعاب آلاف من الضباط وصف الضباط والجنود، ممن كانوا قد تركوا الخدمة بعد مقتل القذافي وبعد انتهاء الحرب بين المسلحين المدعومين من حلف شمال الأطلسي «ناتو» والقوات المسلحة الليبية. كما تقول مصادر عسكرية أخرى إن الجيش تمكن من الحصول على آليات عسكرية وأسلحة رغم الحظر الدولي.
وفي المقابل تمكنت الميليشيات المتطرفة، منذ انتهاء النظام السابق، من الاستيلاء على كميات ضخمة من أسلحة الجيش الليبي، وجرت أكبر عملية نهب لمخازن القوات المسلحة طوال السنوات الخمس الماضية، وفقا للتحقيقات التي تجريها المخابرات العسكرية الليبية. هذا بالإضافة إلى استيراد الميليشيات المتطرفة التي وضعت يدها على خزائن أموال الدولة الليبية، لشحنات حديثة من الأسلحة عبر سماسرة يعملون في منطقة البحر المتوسط. ولهذا أدى انتصار الجيش على جبهة بنغازي ودرنة، وتحركه لتحرير سرت، إلى إرباك صفوف الميليشيات وتغير ولاءات بعضها ضد البعض الآخر.
تحرَّك الجيش بالفعل لكنه اكتفى حتى الآن بتطويق سرت من الشرق، بعد أن تمكن من ترويض قادة شبه عسكريين في القطاع الغربي من بلدة إجدابيا التي تعد بوابة مهمة في اتجاه سرت. وتمكن أيضا من تطويق سرت من الجنوب. ويهدف بهذا التحرك إلى خنق تنظيم داعش من جانب، ومن الجانب الآخر منع التنظيم من السيطرة على حقول النفط المنتشرة في هذه المنطقة المعروفة باسم «الهلال انفطي» التي تحوي نحو 60 في المائة من البترول في البلاد. وسيطر الجيش لأول مرة على الحقول النفطية بالاستعانة بالكتيبة 152 وسرية حرس المنشآت النفطية التابعة للجيش. وتحولت تخوم سرت الشرقية والجنوبية إلى مناطق عسكرية ممنوع دخولها إلا بإذن من القوات المسلحة.
ومن جانبه، ومن مقر إقامته في القاعدة العسكرية على بحر طرابلس، أصدر رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، قرارا يوم 29 الماضي أيضا، بأن يتولى هو نفسه منصب القائد الأعلى للجيش الليبي في خطوة مفاجئة من شأنها أن تزيد من تأزم الموقف في هذا البلد المنقسم على نفسه. ومن المعروف أن القائد الأعلى للجيش الليبي، وفقا للإعلان الدستوري المعمول فيه في البلاد، هو رئيس البرلمان الحالي، المستشار عقيلة صالح. وتعد مسألة من يتولى أمور الجيش من النقاط الخلافية في اتفاق الصخيرات الذي انتهى بتشكيل المجلس الرئاسي تحت رعاية دولية.
وتنص المادة الثامنة في الاتفاق على أن رئيس المجلس الرئاسي هو من يعين قادة الجيش والمخابرات وغيرها من المواقع السيادية. ويرفض نواب في البرلمان الموافقة على هذه المادة، ويسعون إلى حذفها من الاتفاق أو تعديلها، قبل أن يتم تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري. كما أن المجلس الرئاسي لم يتمكن حتى الآن من الحصول على ثقة البرلمان بحكومته التي لم تعلن بعد ولم تحظ بشرعية العمل حتى الآن. ورفض صالح الإجراء الذي قام به السراج بشأن الجيش، كما استنكره عدد من نواب البرلمان.
لكن، وبصفته التي أعطاها لنفسه كقائد أعلى للجيش الليبي، طلب السراج كذلك «الانتظار» علانية في مسألة تحرير سرت من «داعش». ووجه تحذيرا غير مباشر للجيش الذي يقوده حفتر، من مغبة تنفيذ عملية ضد سرت. كما طلب السراج من كل القوى العسكرية انتظار تعليماته بتعيين قيادة مشتركة للعمليات في سرت وتوحيد الجهود تحت قيادته. لكن القيادة المشتركة يبدو أنها تخلو من اسم حفتر ومن أسماء ضباط كبار من زملاء حفتر، وتتجه لأن تقتصر على قيادات يبدو أنها موالية للمجلس الرئاسي بوضعه الحالي، وعلى علاقة جيدة مع ميليشيات مصراتة.
وجاءت تحذيرات السراج انطلاقا مما قال إنها مخاوف من أن تتحول معركة سرت إلى حرب أهلية ومواجهات بين قوى عسكرية مختلفة. وعدَّ من يخالف تعليماته منتهكا للقوانين العسكرية، ومعرقلا للجهود المبذولة في توحيد الصف لمحاربة الإرهاب. لكن تنظيم داعش يبدو أنه لم ينتظر، واختار أن ينقل معركته إلى الجبهة التي يرى أنها «الأضعف»، وهي جبهة مصراتة، وقام باقتحام عدة بوابات، وقتل وجرح العشرات من ميليشيات المدينة، وهو يتوعد باحتلالها قبل حلول شهر رمضان في يونيو (حزيران) المقبل. وفي استجابة من بعض قادة ميليشيات مصراتة لتوجيهات السراج، بدأ على عجل تكوين لجنة عسكرية مشتركة، للتصدي للتنظيم، لكن كبار القادة في عدة ميليشيات رفضوا أن تكون الحرب ضد «داعش» بهذه الطريقة التي يمكن أن تؤدي إلى تداعيات خطيرة ليست في صالح مصراتة.
وبينما تدور معارك طاحنة على الجبهة الجديدة بين مصراتة وسرت، تقول المصادر إن كثيرا من التكتلات الأخرى بدأت تعيد الخطط للتعامل مع الواقع الجديد. وزار قادة كبار من الجيش ممن تتمركز قواتهم في جنوب غربي وشمال غربي العاصمة، الفرق أول حفتر في مقره في بنغازي، ومن شأن هذه الزيارات وعمليات التنسيق أن تضيف إلى الجيش باقي المقاتلين فيما كان يعرف بـ«ميليشيات الزنتان» وعددا من الضباط وضباط الصف والجنود من أبناء القبائل الذين كانوا يعملون في الميليشيات في مدن جنوب العاصمة وغربها، بينما أخذت قيادات سابقة في الجيش داخل طرابلس، في التحرك للعمل تحت راية حفتر، ما أدى إلى استهداف عدد منهم بالقتل على يد بعض الميليشيات.
ومنذ دخوله إلى طرابلس يسعى السراج إلى بناء قوة أمنية قادرة على تأمين المقار الحكومية والحدود، ويساعده في ذلك البعثة الأممية برئاسة مارتن كوبلر، وسط ترقب دولي وإقليمي لما يمكن أن تسفر عنه الأوضاع. بيد أن عدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بالفريق أول حفتر، والجيش الوطني الليبي الذي تقع قيادته العسكرية قرب بنغازي، يجعل خطط السراج تراوح مكانها.
وتعهدت كثير من الدول بالوقوف مع المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، بما في ذلك مد يد العون لمحاربة «داعش» ورفع الحظر عن توريد السلاح، دون أن يكون هناك تحديد عن الجهة التي سيكون مخولا لها شراء السلاح من الخارج. لكن، وبشكل عام، تربط معظم دول العالم مساعدة السراج بحصول حكومته على ثقة البرلمان، وهو أمر لم يحدث بعد. وفي محاولة لاستمالة قادة عسكريين سواء من العاملين مع الجيش بشكل مباشر أو من المتعاونين معه، طلب كوبلر لقاء حفتر لبحث مستقبل البلاد، لكن حفتر رفض مقابلته، وقالت المصادر إن القائد العسكري يشعر بانحياز المبعوث الدولي لطرف ضد الآخر.
أما المستشار العسكري لـ«كوبلر»، الجنرال الإيطالي باولو سيرا، فقد توجه قبل ثلاثة أيام في طائرة تابعة للأمم المتحدة إلى مدينة الزنتان الواقعة جنوب غربي طرابلس، من أجل الضغط على القوات العسكرية التابعة للجيش وقوات المجلس العسكري للمدينة، لكن الزيارة يبدو أنها لم تحقق النتائج التي كانت مرجوة منها. وبدلا من العمل تحت سلطة السراج، أخبر القادة العسكريون في الزنتان، الجنرال سيرا، بأن الجهة التي يمكن أن يسمحوا لها بحماية هذه المناطق هي «الجيش والشرطة».
ووفقا لمصدر عسكري في سرايا الزنتان، فقد قاطع أكثر من عشرة (نحو 85 في المائة) من قادة المدينة الجنرال الإيطالي، وجرى مع ذلك إبلاغه بعدم موافقة غالبية زعماء الزنتان على ما يقوم به السراج من إجراءات قبل أن يحصل على الشرعية الكاملة من مجلس النواب. وبينما يستمر الخلاف السياسي ودخول أطراف في حروب ضد «داعش» دون تعضيد أو تنسيق مع الأطراف الأخرى، تبقى جميع الخيارات مفتوحة حول مستقبل ليبيا.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.