نَعَمْ.. أدركته حِرْفَةُ الأدب!

نَعَمْ.. أدركته حِرْفَةُ الأدب!

الأربعاء - 3 شعبان 1437 هـ - 11 مايو 2016 مـ

اثنان من الأدباء الإنجليز الكبار، عاشا في القرن التاسع عشر وقدما أعمالاً خالدة، الأول الروائي الشهير وليم ميكبيس ثاكري، صاحب رواية «دار الغرور»، والآخر تشارلز ديكنز صاحب «قصة مدينتين»، و«أوقات عصيبة»، الأول كان ندًا حقيقيًا للثاني، لكن أعماله الأدبية لم تسعفه للوصول للثروة، فهجرها للصحافة، وقال قولته المشهورة إن «الأدب ليس تجارة ولا مهنة ولكنه الحظ الأنكد»، لكن رواية واحدة لتشارلز دينكز هي «الآمال العظيمة» أصبحت محط أنظار السينمائيين، ليصنعوا منها أكثر من 250 عملاً مسرحيًا وتلفزيونيًا.
ليس العرب وحدهم الذين عقدوا صلة القربى بين الأدب والفقر، لكنهم كانوا الأكثر وفاءً لهذه الصلة. تشارلز ديكنز كان كزميله ثاكري فقيرًا بداية حياته، وهجرته حبيبته ماريا بيرنل قائلة «إن ديكنز شاب لطيف لكنه أديب، فهل يستطيع أن يعولني بقلمه». الرسام فان جوخ عاش طوال عمره في فقر شديد لدرجة أنه كان يقوم بحرق بعض لوحاته للتدفئة شتاء، واحدة من اللوحات التي نجت من الحريق هي لوحة «بورتريه الدكتور غاشيه» قدرت قيمتها بـ82.5 مليون دولار، كما بيعت لوحة «مزهرية» بـ61.8 مليون دولار.
ربط العرب قديمًا بين العمل الفكري والإبداعي والفقر، وكانوا يقولون «إن فلانًا أدركته حرفة الأدب»، إشارة إلى سوء أحواله وبؤس معيشته، لأنه احترف مهنة لا تدر مالاً. رسم هذه الصورة بكل قساوتها، الشاعر المصري محمود غنيم وهو يمازح صديقًا له سرقت محفظته، بقوله: هون عليك وجفف دمعك الغالي / لا يجمع الله بين الشعر والمال.
ويحتوي التراث العربي على عشرات القصص عن أدباء باعوا كتبهم ليأكلوا من ثمنها، وسجروها في النار ليحتموا من الزمهرير. وعباقرة كأبي حيان التوحيدي والجاحظ ومئات الآخرين عانوا من شظف العيش ما جعلهم يتحسرون على مهنة لا تكفل لهم حياة كريمة.
ما كان في الماضي، ذهب. فرص هذا العالم أكثر من أن تُحصى. لكن لا بد من توسيع قاعدة الإنتاج والاستهلاك العلمي والأدبي والثقافي، وتحويلها إلى صناعة يمكنها أن تدرّ دخلاً، وحمايتها من السطو الفكري. قبل نحو أسبوعين، أي في 26 أبريل (نيسان) مرّت علينا الاحتفالية باليوم العالمي للملكية الفكرية، وهي مناسبة يستذكرها العالم من أجل تشجيع النقاش حول دور الملكية الفكرية في تشجيع الابتكار والإبداع، لأنها من جملة الحقوق غير المصانة عربيًا.
سوق النشر العربية مهما قيل فيها، فهي محدودة، وما ينشر ويترجم عربيًا لا يضاهي ما يحدث في دولة أوروبية واحدة. بل إن العالم العربي ينشر سنويًا نحو 5 آلاف كتاب، لكن في إسرائيل وحدها نشر في عام 2014 من الكتب 7628 كتابًا، و7863 كتابًا في عام 2013، وفي الولايات المتحدة يبلغ متوسط النشر من الكتب سنويًا نحو 300 ألف كتاب جديد.
التهاون في تطوير قاعدة الإنتاج الثقافي والمعرفي وحماية حقوق الملكية الفكرية أضرت بدول متقدمة كبريطانيا، التي انخفض فيها متوسط دخل الكُتّاب البريطانيين ليصل إلى نحو 11 ألف جنيه سنويًا، بعد أن كان دخل الكاتب المتفرغ عام 2005 هو 12330 جنيهًا إسترلينيًا حسب تقرير لـ«بي.بي.سي»، هذا الانخفاض أدى لهجرة عدد كبير من الكتاب إلى مهن أخرى.
تطوير هذه الصناعة، جعل المؤلفين والكتاب في الغرب يحتلون مراكز متقدمة في قائمة الأثرياء، وتصنفهم «فوربس» ضمن الأكثر ثراءً، كحال الكاتبة ج. ك. رولنغ مؤلفة سلسلة روايات هاري بوتر التي تقدر ثروتها بنحو 570 مليون جنية إسترليني، والروائية الشابة فيرونيكا روث، البالغة من العمر 26 عامًا، التي حققت دخلاً بلغ 17 مليون دولار من ثلاثيتها «Divergent». والروائي الشاب جون غرين (39 عامًا)، مؤلف «الخطأ في نجومهم»، التي أنتجت سينمائيًا، وكاتبة القصص البوليسية غيليان فلين (45 عامًا) صاحب رواية «Gone Girl» التي بلغت مبيعاتها 2.1 مليون نسخة، وغيرهم. ومثلهم يأتي نحوم وسائل التواصل الاجتماعي، أمثال مؤسس «فيسبوك» الأميركي مارك زوكيربرغ، الذي حقق ثروة بالمليارات، حتى أنه تبرع بمناسبة ولادة طفلته الأولى، بنسبة 99 في المائة من الأسهم التي يملكها في «فيسبوك» للأعمال الخيرية، أي ما قيمته أكثر من 45 مليار دولار.
«حرفة الأدب» يمكن أن تمثل فرصة، لا أن تبقى وبالاً على صاحبها.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة