«صناديق التحوط».. رواتب مديرين خيالية رغم الخسائر الفادحة

نفوذهم بلغ حدودًا غير مسبوقة.. وأحدهم حقق 1.7 مليار دولار في 2015

كينيث غريفن مدير أحد صناديق التحوط الذي كسب راتبًا يبلغ نحو 1.7 مليار دولار في 2015
كينيث غريفن مدير أحد صناديق التحوط الذي كسب راتبًا يبلغ نحو 1.7 مليار دولار في 2015
TT

«صناديق التحوط».. رواتب مديرين خيالية رغم الخسائر الفادحة

كينيث غريفن مدير أحد صناديق التحوط الذي كسب راتبًا يبلغ نحو 1.7 مليار دولار في 2015
كينيث غريفن مدير أحد صناديق التحوط الذي كسب راتبًا يبلغ نحو 1.7 مليار دولار في 2015

دفع بنك جيه بي مورغان تشيس مبلغ 27 مليون دولار لرئيسه التنفيذي جيمي ديمون في عام 2015. وفي عالم آخر من عوالم وول ستريت، حقق كينيث سي غريفن، مدير أحد صناديق التحوط، مبلغ 1.7 مليار دولار خلال العام نفسه.
وحتى مع محاولة الجهات الرقابية الأميركية كبح جماح التعويضات في وول ستريت، إلا أن كبار مديري صناديق التحوط يحققون أرباحا تفوق بمقدار 50 مرة ما يحققه كبار المديرين التنفيذيين للبنوك الكبرى.
وأفضل الأرباح المحققة لدى كبار مديري صناديق التحوط، وعددهم 25 مديرا، بلغت في مجملها 12.94 مليار دولار من الأرباح خلال العام الماضي وحده، وفقا للتصنيف السنوي الذي نشر يوم الثلاثاء من قبل مجلة «ألفا» التي تغطي أخبار الاستثمار المؤسسي.
جاءت تلك الأرباح الباهظة خلال عام من التقلبات المالية الضخمة التي كانت نذير شؤم على بعض من المستثمرين في وول ستريت، حتى إن مدير صندوق التحوط الملياري دانيال لوب وصفها بقوله «ساحة قتال صناديق التحوط». تراجعت بعض من صناديق التحوط عن متابعة أعمالها، في حين أن هناك صناديق أخرى أغلقت بالكلية. وبعض من كبار الأسماء في تلك الصناعة تسبب في خسائر تقدر بمليارات الدولارات للمستثمرين.
لكن، وبالنسبة لأكبر مديري صناديق التحوط، فإن هؤلاء الرجال (وبعض من النساء في بعض الأحيان) لديهم من الأموال كثير ومزيد من النفوذ والتأثير من أي وقت مضى.
تدير مؤسساتهم مزيدا من الأعمال التجارية في بعض زوايا وأركان العالم المالي بأكثر مما تديره البنوك، بما في ذلك عمليات إقراض أصحاب المنازل ذات الدخل المنخفض، والشركات الصغيرة. ولديهم نفوذ لدى بعض من أعضاء الكونغرس الأميركي. كما أنهم يضعون مبالغ مالية هائلة في خدمة المرشحين للرئاسة، وفي بعض الأحيان يضخون عشرات الملايين من الدولارات في لجان العمل السياسية الخاصة.
تضخمت صناعة صناديق التحوط في الوقت الراهن من حيث الحجم، وصولا إلى 2.9 تريليون دولار، من واقع 539 مليار دولار فقط في عام 2001. وتضخمت إثر ذلك مدفوعات وأرباح زعماء تلك الصناعة الكبرى.
عندما بدأت مجلة «ألفا» للاستثمار المؤسسي في تصنيف أرباح ومدفوعات صناديق التحوط أول الأمر قبل 15 عاما، كان جورج سوروس على رأس قائمة «ألفا»، بأرباح بلغت 700 مليون دولار. وفي عام 2015، كان غريفن، الذي بدأ التداول من غرفته بسكن الطلاب في جامعة هارفارد، وجيمس إتش سيمونز، بروفسور الرياضيات السابق، قد حقق كل منهما مبلغ 1.7 مليار دولار من الأرباح وفقا لمجلة «ألفا». وتصدر الرجلان القائمة الكبيرة العام الماضي كذلك.
أما مؤسسة «غريفن»، وتدعى «القلعة»، التي بدأت أعمالها من صندوق للتحوط يدير أموال العائلات والتقاعد لتكون مؤسسة برأسمال يبلغ 25 مليار دولار، وتوسعت أعمالها لتشمل الأوراق المالية، وتسيطر على الأعمال بعيدا عن وحدات الوساطة في بنوك كبرى مثل «مورغان ستانلي» و«غولدمان ساكس». وعلى طول الطريق، كانت ثروته الشخصية تتضخم بصورة كبيرة، وهي تقدر الآن، وفقا لمجلة «فوربس»، بمبلغ 7.5 مليار دولار. ولقد تصدر السيد غريفن في الآونة الأخيرة عناوين الأخبار عندما دفع مبلغ 500 مليون دولار مقابل شراء قطعتين من الأعمال الفنية الشهيرة. وذكرت التقارير الإخبارية أن السيد غريفن (47 عاما) دفع في سبتمبر (أيلول) مبلغ مائتي مليون دولار لشراء عدة طوابق في مبنى سكني فاخر كان قد شيد في جنوب سنترال بارك في حي مانهاتن الشهير في نيويورك.
ومع ذلك، يظل مطروحا على الصعيد الوطني والسياسي التساؤل حول الأكثر تأثرا بأموال الرجل، حيث كان من أكبر المتبرعين لحملة إعادة انتخاب رام ايمانويل عمدة مدينة شيكاغو. وفي الآونة الأخيرة، ضخ أكثر من 3.1 مليون دولار في الحملات الانتخابية الفاشلة للمرشحين ماركو روبيو وجيب بوش وسكوت والكر، إلى جانب اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري.
ولقد حققت صناديق التحوط البارزة في مجموعة القلعة، وهي صندوق «كينسينغتون»، وصندوق «ويلينغتون»، أرباحا بنسبة 14.3 في المائة العام الماضي.
يستخدم صندوق التحوط «رينيسانس» للتكنولوجيا الذي أسسه السيد سيمونز في عام 1982، الحواسيب في متابعة التفوق على أسواق الأسهم. وهي الاستراتيجية التي كان لها مردود رائع، حيث حققت صناديق الشركة الرئيسية أرباحا تتراوح بين 15.6 إلى 16.5 نقطة مئوية. ولقد كان السيد سيمونز (78 عاما) من كبار المتبرعين لمرشحي الحزب الديمقراطي، حيث بلغ مقدار تبرعاته 9.2 مليون دولار في عام 2016 وحده، بما في ذلك 7 ملايين دولار للجنة الأولويات الانتخابية الأميركية الخاصة، وهي من اللجان الانتخابية ذات الصلة بالسيدة هيلاري كلينتون. وجاء روبرت ميرسر وبيتر براون، وهما من المديرين التنفيذيين المشاركين في صندوق «رينيسانس» للتكنولوجيا، على رأس القائمة، حيث حقق كل منهما أرباحا بقيمة 135 مليون دولار في عام 2015. وبرز السيد ميرسر العام الماضي بوصفه أحد كبار المتبرعين للمرشح الجمهوري تيد كروز في الانتخابات الرئاسية، كما تبرع كذلك إلى بوبي جيندال وكارلي فيورينا، حيث بلغ مجموع تبرعاته 11.3 مليون دولار في السباق الانتخابي.
ولتسليط الضوء على التقديرات، تحسب مجلة «ألفا» للاستثمار المؤسسي الأرباح على رأس المال الخاص بكل مدير في أموالهم، بالإضافة إلى نصيبهم من الرسوم التي يتقاضونها. وفي المتوسط، يسدد المستثمرون رسوما إدارية سنوية تقدر باثنين في المائة من إجمالي الأصول قيد الإدارة، و20 في المائة على أي أرباح مسجلة. ومن بين أكبر مديري صناديق التحوط ممن حققوا أكبر الأرباح في عام 2015 كان هناك خمسة رجال ممن فقدوا الأموال لصالح بعض المستثمرين خلال العام الماضي، وعلى الرغم من ذلك حققوا أرباحا كبيرة بسبب ضخامة أحجام شركاتهم.
حقق راي داليو (66 عاما) 1.4 مليار دولار في عام 2015 من خلال شركة بريدج - وواتر وشركاه، وهي أكبر صندوق تحوط في العالم وتدير أصولا بقيمة 150 مليار دولار. والسيد داليو، الذي أسس شركة بريدج - وواتر، كثيرا ما تنقل عنه الأخبار أنه يدعم استراتيجية يطلق عليها اسم «التكافؤ الخطر». ومع ذلك فإن صندوق شركة بريدج - وواتر، ويسمى صندوق «أول ويذر»، الذي يعمل وفق هذه الاستراتيجية، تسبب في خسارة بمقدار 7 في المائة للمستثمرين في عام 2015.
ومع ذلك، كان هناك صندوقان للتحوط يطبقان استراتيجية مختلفة تماما قد حققا أرباحا جيدة، حيث ارتفعت أرباح صندوق بيور ألفا اثنان بنسبة 4.7 في المائة، وحقق صندوق بيور ألفا ميجور للأسواق المالية أرباحا بنسبة 10.6 في المائة خلال العام. كما أدرجت أسماء روبرت برينس وغريغ جينسن، وهما من شركاء السيد داليو ومن كبار مسؤولي الاستثمار في شركة بريدج - وواتر، على قائمة كبار الرابحين من صناديق التحوط، حيث حقق كل منهما مبلغا وقدره 250 مليون دولار.
سُلطت الأضواء على شركة بريدج - وواتر خلال هذا العام عندما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن هناك خلافا بين داليو وجينسن، الذي عده كثيرون خليفة داليو الوحيد. وبعد فترة وجيزة، تنحى جينسن عن منصبه مديرا تنفيذيا مشاركا في الشركة، وعينت شركة بريدج – وواتر، جون روبنستاين مكانه، وكان يشغل منصبا رفيعا في شركة آبل قبل ذلك. وأثارت تلك الأنباء مزيدا من التساؤلات حول ما إذا كان هناك نوع من الصراعات الداخلية على السلطة في الشركة. ولقد رفضت شركة بريدج - وواتر تلك الأنباء بالكلية. ولا يزال جينسن يشغل منصب مسؤول الاستثمار المشارك.
ويستمر بعض من المديرين في جني مزيد من الأرباح الكبيرة، رغم فقدان بعض من أموال المستثمرين.
حيث حقق دانيال أوتش، مؤسس مجموعة أوتش - زيف لإدارة رؤوس الأموال، 140 مليون دولار من الأرباح في عام 2015. وكان أبرز صناديق التحوط في الشرطة هو صندوق أوز ماستر، الذي خسر 0.28 نقطة مئوية خلال العام الماضي. في حين حققت الصناديق الأخرى في الشركة أرباحا جيدة، حيث ارتفعت أرباح صندوق أوز آسيا ماستر بواقع 9.64 نقطة مئوية.
أما مايكل بلات، مؤسس شركة بلو - كرست لإدارة رؤوس الأموال، فقد استحوذ على 260 مليون دولار، وفقا لمجلة «ألفا»، ولقد كانت سنة عصيبة على شركته كما يقول، التي كانت واحدة من أكبر صناديق التحوط في أوروبا برأسمال يقدر بمبلغ 37 مليار دولار من أموال المستثمرين. ولقد تسبب في خسارة للمستثمرين تقدر بـ0.63 نقطة مئوية في صندوق التحوط الرئيسي في الشركة، ثم أخبرهم أنه خسر أموالا كثيرة خلال هذا العام.
لكن أحد الموظفات السابقات في شركة بلو - كرست لإدارة رؤوس الأموال، وهي ليدا براغا، التي خرج صندوق التحوط خاصتها، والمعروف باسم سيستيماتيكا للاستثمارات ويدير أصولا تراكمية بقيمة 9 مليارات دولار، من عمليات شركة بلو - كرست في عام 2014، أصبحت أول امرأة يُدرج اسمها على قائمة مجلة «ألفا» المطولة التي تضم 50 اسما من كبار مديري صناديق التحوط الرابحين خلال هذا العام، حيث حققت أرباحا بقيمة 60 مليون دولار في عام 2015، وجاء ترتيبها الـ44 بين باقي المديرين.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.