«القاعدة» تدعم «النصرة» لإنشاء إمارة في سوريا

«القاعدة» تدعم «النصرة» لإنشاء إمارة في سوريا

الجولاني يسعى للحسم قبل رمضان بزيادة النفوذ
الاثنين - 1 شعبان 1437 هـ - 09 مايو 2016 مـ رقم العدد [ 13677]
مقاتل من فصائل جيش الفتح الذي تشكل جبهة النصرة عنصرا اساسيا فيه يهيئ لاطلاق قذيفة ضد قوات الاسد في قرية ام الكراميل جنوب حلب (إ ف ب)

منح زعيم «تنظيم القاعدة» أيمن الظواهري، فرعه في سوريا، أمس، غطاء سياسيا ودينيا لإعلان إمارته في سوريا، رافضا الدعوات لفك ارتباط «جبهة النصرة» بالتنظيم الأم، ووضع قرار إعلان الإمارة في عهدة زعيم «النصرة» في سوريا أبو محمد الجولاني، الذي سيتخذ القرار بإعلان الإمارة أو إرجائه مطلع شهر رمضان المقبل، كما قال عضو في مجلس القضاء الشرعي في «جيش الفتح» في شمال سوريا لـ«الشرق الأوسط».

ومهدت «النصرة» الأرضية لإعلان إمارة تكون كيانا لها في الشمال موازيا لكيان تنظيم داعش في شرق سوريا، على ضوء الخلافات «التنظيمية» بين الفصيلين المتشددين. وبدأت بالتوطئة لذلك قبل أسبوعين عبر توسعة «جيش الفتح» والجبهات العسكرية وتوطيد علاقاتها بفصائل صغيرة، وسط ترجيحات بأن تضم الجبهة فصائل عدة إلى إمارتها تحت مسمى «مجلس شورى». وتعمل على إتمام العدة التي بدأتها مطلع عام 2015، التي تمثلت في مهاجمة الفصائل المعتدلة، وإقصاء الفصائل المدعومة أميركيًا، وإعداد خطة للتغلغل، مستفيدة من قتالها للنظام و«داعش» تحت ضغط القصف والتراجع الميداني للمعتدلين؛ بهدف منح نفسها شرعية إضافية تستثمرها في إنشاء كيانها.

وكان الظواهري مباشرا في دعوته التي تتكرر للمرة الثانية خلال عام واحد؛ إذ أشار إلى أن جبهة النصرة في سوريا «لا تريد أن تحكم المسلمين هناك، بل تريد أن يختار الناس إماما لهم»، مضيفا: «لقد قلناها مرارا وتكرارا إن أهل الشام، وفي القلب منهم مجاهدوهم البواسل الميامين، إذا أقاموا حكومتهم المسلمة، واختاروا لهم إماما، فإن ما يختارونه هو اختيارنا»، زاعما «إننا طلاب تحكيم الشريعة، ولا نريد أن نَحكم المسلمين، بل نريد أن نُحكم كمسلمين بالإسلام».

ورفض الظواهري الدعوة إلى إنهاء «جبهة النصرة» لبيعتها له بالقول: «هل سيرضى أكابر المجرمين عن (جبهة النصرة) لو فارقت القاعدة، أم سيلزمونها بالجلوس على المائدة مع القتلة المجرمين، ثم يلزمونها بالإذعان لاتفاقات الذل والمهانة، ثم بالرضوخ لحكومات الفساد والتبعية..».

ويعزز ذلك، رفض «النصرة» لفك ارتباطها بتنظيم «القاعدة»، بناء على دعوات سوريا لرفع مستوى التوحد مع فصائل المعارضة؛ وذلك أن الجبهة «تعاني أزمة شرعية بمواجهة (داعش)؛ لذلك لا خيار أمامها سوى التمسك بعلاقتها بالقاعدة»، كما يقول المعارض السوري البارز عبد الرحمن الحاج لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن الجبهة «كانت ترد على تلك المطالب بالسؤال عما إذا كان استهداف العسكريين المعارضين سيتوقف، في حال فكت ارتباطها بالتنظيم الأم، وعما إذا كانت الخطوة ستعطي مبررا للمجتمع الدولي لمساعدة الجيش الحر وسائر الفصائل ووقف استهداف المعارضين؟».

ويقول الحاج، وهو خبير في حركة التنظيمات المتشددة: إن «(النصرة) مصرة على البعد العالمي لها؛ لأنه يمنحها قوة لإمدادها بالتجنيد والسلاح ويمنحها الشرعية لمواجهة تنظيم داعش، ويمنحها شريان إمداد وتمويل خارجي»، مؤكدا أن فك ارتباطها «سيُخسرها المهاجرين الذين يشكلون العصب الرئيسي في القيادات الأساسية، وخصوصا المقاتلين الأردنيين الذين يتمتعون بنفوذ كبير في مجلس الشورى، في حين يبدو واضحا أن الخط المتشدد غير السوري يسيطر على التنظيم».

وتعكس الدعوة إلى إنشاء «إمارة» لفرع القاعدة في سوريا، رغبة التنظيم القديمة في هذا الجانب. وقد حاولت «النصرة» في وقت سابق نفي مساعيها لإعلان كيانها المستقل، لكن تصريح الظواهري «يعطيها مشروعية من القاعدة لاستثمار التصريح وتحويله إلى إطاره العملي»، كما يقول الحاج.

وتسيطر «النصرة» بمفردها على منطقة في شمال سوريا تقع بمحاذاة طريق حلب – دمشق الدولي، تمتد بين معرة النعمان وسراقب على طول 40 كيلومترًا، وتشكل منطقة نفوذ حصري للتنظيم، بينما تشارك فصائل أخرى النفوذ في مواقع واسعة في مدينة إدلب وريفها الجنوبي والغربي، كما في الريفين الجنوبي والغربي لمحافظة حلب. وتشارك أيضا بفاعلية في المعارك العسكرية ضد قوات النظام.

غير أن إعلان الإمارة، لن يكون في منطقة النفوذ العسكرية تلك، بل «ستشمل جميع مواقع سيطرة النصرة في شمال سوريا في محافظة إدلب وأرياف اللاذقية وحلب وحماه»، فضلا عن الغوطة الشرقية لدمشق، كما قال مصدر واسع الاطلاع لـ«الشرق الأوسط». وأضاف: «تصريح الظواهري وضع الكرة في ملعب الجولاني الذي سيتخذ القرار بإعلان الإمارة أو إرجاء إعلانها، بعد التشاور مع مجلس الشورى أو نائبه أو من يختار»، مشيرا إلى أن إعلان موقف الاستجابة لدعوة الظواهري من عدمه، سيكون «مطلع شهر رمضان» المقبل في الأسبوع الأول من يونيو (حزيران) المقبل.

وحاولت «الجبهة» توسيع نفوذها في فترة سابقة نحو مدينة حارم، فتسبب لها ذلك في مواجهات مع فصائل قوية، كما ووجهت بضغط شعبي، ما دفعها إلى التراجع. وعلى إثرها، لجأت إلى مواقع أخرى، لكنها لا تتواجد بكثافة قرب الحدود الشمالية مع تركيا في إدلب حلب.

ومن المتوقع أن يتسبب إعلان الإمارة في خلافات مع الفصائل الأخرى. لكن المصدر، يقول: إن المناطق التي يمكن أن تقع فيها الاحتجاجات «هي مناطق نفوذ جبهة ثوار سوريا السابقة التي استولت الجبهة على سلاحها وطردتها من المنطقة، وهي مناطق خالية من السلاح الآن؛ ولذلك لن تضطر النصرة إلى استخدام السلاح، كما أنها ليست بهذا الوارد ولن تكرر ما فعله تنظيم داعش في إقصاء الجيش الحر».

ويضيف: «الآن، النصرة لها أولوية كاملة ولها تأييد شعبي وتحظى بتأييد الفصائل»، مشيرا إلى أن الخدمات الاجتماعية التي تقدمها «الجبهة» إضافة إلى «الأمن والأمان في مناطق نفوذها يسهل إعلان الإمارة من غير عوائق».

ومن المتوقع أن تلجأ النصرة إلى إجراء بعض التغييرات في سبيل استرضاء الفصائل ولمنع المواجهات. ويقول الحاج: «ما يمكن أن تلجأ إليه (النصرة) هو تعديل خطابها واللجوء إلى خطاب جديد، مثل محاولة القضاء على كتائب صغيرة وتوسع نفوذها على حساب (داعش) أو النظام؛ كونها ستواجه اعتراضات مدنية، وهو ما تحاول النأي عنه». ويشير إلى أن الجبهة «بدأت خطوات بهذا الاتجاه، حيث كان لها مساعٍ كبيرة لإشراك تنظيمات جديدة خلال الأسبوعين الأخيرين في توسعة جيش الفتح، وقطعا سوف تستثمرها في هذا الاتجاه». ويؤكد أن الحل الذي تبحث عنه «النصرة» على سبيل الاسترضاء «سيكون عبر تمثيلهم في مجلس الشورى».

غير أن المصدر المطلع على مواقف «النصرة»، يقول: إن إعلان الإمارة في حال إتمامه «سيكون الآمر فيه هو الأمير العام أبو محمد الجولاني الذي سيشكل مجلس الشورى، ولا يرى ضرورة لتمثيل الفصائل»، مشيرا إلى أن الفصائل التي تتبع تنظيم «القاعدة»: «بالتأكيد ستكون ممثلة، وهي موجودة في شمال سوريا».

ويشير المصدر نفسه إلى أن تلك الكتائب والفصائل، هي «جند الأقصى» الذي يبايع «القاعدة»، و«جيش محمد»، وجيش «أهل السنة»، و«الجيش الإسلامي التركستاني» الذي يبلغ عدده أكثر من ألفي مقاتل، وكتيبة «الشيشانيين» وكتيبة «القوقازيين» التي يبلغ تعدادها نحو 450 مقاتلا.

وفيما ترك أمر الإعلان من عدمه بعهدة الجولاني، يستبعد الحاج، بدوره، إعلان الإمارة من غير معالجة تلك التفاصيل الآنفة الذكر. ويقول: «إعلانها في المدى القريب، سيؤدي إلى حالة شعبية مناهضة، لكن يمكنها الاستثمار في الفصائل الصغيرة عبر اختراقها واسترضائها، وليس بالفصائل الكبيرة مثل أحرار الشام التي تمتاز بعلاقاتها الدولية التي ستخسرها في حال كانت موافقة على قيام الإمارة»، ويتابع، أن النصرة «باتت تتمتع بنفوذ واسع في ظل تصاعد العنف، حيث ترتفع قيمة التضحية وتكون سبيلا لاستعطاف الناس واستثمارها في الكتائب العسكرية بهدف جرها إلى إمارتها». ويقول: إن الناس «بات عندها شعور بالإحباط نتيجة القصف وقتل المدنيين وتواطؤ المجتمع الدولي ضد دمائهم، وهذه الحال توفر فرصة للنصرة لاستثمار الأمر بين الناس على ضوء احتكاكها وتواصلها المباشر مع جميع الفصائل».

بدورها، رفضت حركة «أحرار الشام الإسلامية» إعطاء موقف حول إعلان الإمارة الإسلامية، وقال مصدر قيادي فيها لـ«الشرق الأوسط»: إن الموقف هو «من اختصاص مجلس الشورى في الحركة، وليس من اختصاص أي شخص آخر»، في حال أعلنت النصرة عن إمارة لها في الشمال».

وتعد «أحرار الشام» من أكثر الفصائل انتشارا في شمال سوريا، وتتمتع بنفوذ كبير، ونفذت خطوات انفتاح عدة على الغرب عبر نشر أحد أعضاء جناحها السياسي رسالة في صحيفة أميركية توضح طبيعة حركتها ومواقفها في سوريا.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة