السياب في ذاكرة عبد اللطيف أطيمش

السياب في ذاكرة عبد اللطيف أطيمش

لقطات وانطباعات سجلها عنه قبل خمسين عامًا
السبت - 29 رجب 1437 هـ - 07 مايو 2016 مـ
غلاف الكتاب

صدر عن دار «جداول للنشر والترجمة» في بيروت كتاب بعنوان «بدر شاكر السياب في أيامه الأخيرة» للمؤلف عبد اللطيف أطيمش، الذي يقول في مقدمة الكتاب:
«لعلها مصادفة أدبية طيّبة، أن يتزامن صدور هذا الكتاب عن بدر شاكر السيّاب، بعد المبادرة التي أطلقها اتحاد الأدباء العرب في إمارة أبوظبي في أن يكون عام 2014. عام الاحتفاء بمرور خمسين عامًا على ذكرى رحيل هذا الشاعر الكبير. إن المكانة الأدبية الرفيعة التي يحتلها السيّاب، عربيًا وعالميًا، تدعونا إلى أن نستعيد الدور الريادي الذي لعبه في تطوير الحركة الشعرية العربية، وفتح الآفاق الواسعة أمام الشعر العربي الحديث ليحتل مكانه المرموق على خريطة الشعر العالمي. فما أحرانا، ونحن نستعيد هذه الحقائق الأدبية المعروفة في تاريخنا الشعري والنقدي القديم، أن نعطي اليوم، لشعرنا حقَّه، وأن نسلّمه إلى من يعرف جوهره وحقيقة صناعته، ليكشف لنا عن أسراره ومكامن الجمال والإبداع فيه. وبهذه المناسبة، علينا أن نعيد اكتشاف مكامن الجمال والإبداع في شعر السيّاب، وندعو النقاد المنصرفين لشؤون الشعر وحده، إلى إعادة دراسة هذا الشاعر الرائد، وإبراز دوره الطليعي في حركة الشعر العربي المعاصر».
والكتاب يحاول، كما يقول أطيمش: «رسم بعض الذكريات الشخصية واللقطات التي سجلتها الذاكرة عنه في أوقات وأماكن مختلفة، وهي انطباعات كانت في الأصل مجموعة أفكار في أوراق مبعثرة وقصاصات من ذكريات يومية، سجلتها قبل أكثر من خمسين عامًا، لتكون جزءًا من مادة أدبية لسيرة ذاتية، ظلت مؤجلة سنة بعد أخرى، أنوي تدوينها عن طفولتي وحياتي مع الأدب والأدباء، والناس والأصدقاء الذين عرفتهم في أماكن شتى من العالم».. ويتطرق المؤلف إلى بداية تعرفه بالسياب، قائلاً: «كانت الأقدار وظروف الشعر هي التي قادتني إلى التعرف على السياب لأول مرة في دار المعلمين العالية وأنا طالب بجامعة بغداد عام 1957. والأقدار نفسها هي التي ساقتني ثانية لكي أراه ولآخر مرة وأشهد أيامه الأخيرة وموته في الكويت، وأشاهده راقدًا في المستشفى الأميري وهو مصاب بأمراض شتى حار بعلاجها الأطباء، وهو لا قِبل لجسمه النحيل الضعيف بتحملها. فقد وصل شبحًا وهيكلاً عظميًا لا يقوى على المشي ولا يتحرك إلا بمشقة، فأدخل المستشفى على الفور. ربما كنت الوحيد من الأدباء العراقيين - باستثناء الشاعر العراقي الكويتي محمد الفايز الذي شهد مأساة موته وأدرك عذابه ومحنته في غربته..
كان ذلك في أواخر عام 1957 حين دعونا السياب، أنا وزملائي في اللجنة الثقافية بدار المعلمين العالية، لإقامة أمسية شعرية، ونشرنا إعلانًا في الصحف العراقية عنها، لتكون دعوة عامة للجمهور. لبى السياب الدعوة بكل ترحاب، وقال: إنها فرصة له لتذكر أيامه في الكلية».
ثم يتذكر أطيمش أمسية نظمت للسياب في دار المعلمين العالية: «ما زلت أذكر تلك اللحظة التي اعتلى السياب فيها المنصة، مرتديًا بدلة رمادية فضفاضة، لم تكن مناسبة أبدا لجسمه النحيل، أخرج مجموعة أوراق من جيبه الأيمن الكبير، بدأ يرتب صفحاتها. وبدلاً من أن يضعها فوق الطاولة الخشبية أمامه ويقرأ بارتياح، فضل أن يمسك الأوراق بيديه تاركًا الطاولة، متقدمًا قليلاً على خشبة المسرح وبدأ يقرأ وهو واقف، رغم الألم الذي كان يتعب ركبتيه، والذي تطور لاحقًا بسبب إصابته بالسكري.
ألقى السياب مجموعة من قصائده، وعلى رأسها قصيدته المشهورة عن بورسعيد، وهي آخر قصائده الطويلة التي كتبها عام 1956 بعد العدوان الثلاثي على مصر.. كان صوته واهنًا ولكنه عميق تحس فيه حرارة المشاعر النابعة من صميم الوجدان، استمر يقرأ بطريقة مسرحية، ربما بدت غريبة وغير مألوفة للحاضرين الذين لم يعتادوا على رؤية شاعر يتمايل يمينا وشمالاً.. يروح ويجيء وسط خشبة المسرح، يمشي ويؤشر بيديه الممدودتين، رافعًا رأسه يديره من جهة إلى أخرى، كان يبدو كما لو كان هو وشعره فقط، ناسيا الجمهور أو كأنه خارج المكان والزمان. لاحظت بعض الطلبة يتهامسون مستغربين، ولكنهم كانوا يحسون بأنهم يسمعون شعرًا عظيمًا وأن داخل هذا الكيان الناحل الذي أمامهم لا بد أن تكون موهبة شعرية كبيرة..
حين انتهى السياب من القراءة، كان التعب باديا عليه، يتصبب عرقًا وما زال منفعلاً، فقد بذل جهدًا كبيرًا كي يحتفظ بتوازنه، كنت مشفقًا عليه وهو يروح ويجيء على المنصة، وكأنه شجرة آيلة للسقوط».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة